الثورة المضادة في السودان: تاريخ من الانقلابات العسكرية والنضال الجماعي

بقلم مجدي الجزولي

7 نوفمبر 2021

نشر لأول مرة بالأنجليزية:
https://spectrejournal.com/counterrevolution-in-sudan/
نشرت بموافقة الكاتب
تعريب: منصة قدام

قام الجيش السوداني بقيادة الجنرال عبد الفتاح البرهان في 25 أكتوبر 2021 باعتقال أعضاء من الحكومة الانتقالية، وإعلان حالة الطوارئ، منفذاً بذلك انقلاباً أعاد به تمكين الحكم العسكري في البلاد. ومن حينها، انفجر السودان بمظاهرات جماهيرية وإضرابٍ عام، رفض به الملايين من الناس العودة إلى حياتهم كالمعتاد في ظل الحكم العسكري، معلنين عن رفضهم هذا ببناء المتاريس، والانتظام في لجان المقاومة، ومؤكدين التزامهم بثورة السودان المتعثرة في 2018-2019، بالرغم من انقطاع شبه كامل للإنترنت. يأتي هذان الأسبوعان من المعارك العنيفة بين الشارع والجيش بعد عامين أطبق فيهما حصار الثورة المضادة – منذ وصول ممثلي ثورة 2018-2019 (بعد ثلاثين عام من حكم البشير) إلى اتفاقية هشة تقاسموا بموجبها السلطة مع الجيش أواخر عام 2019. اعتبر البعض هذه الاتفاقية تنازلًا خطيرًا عطل الحراك الثوري ومهد الطريق للانقلاب العسكري لا محالة. وبينما يتأرجح ميزان القوى في الهواء اليوم، مع مواجهة الجيش لمقاومة منقطعة النظير وعدم استطاعة الثورة حتى الساعة تمكين الحكومة المدنية التي يطالب بها الشعب السوداني، يكتب الكاتب والمحلل السياسي السوداني مجدي الجزولي عن الخلفية التاريخية لما يحدث حالياً. يصف فيها السودان اليوم كحصيلة تاريخ غني وطويل من معاداة الامبريالية، ونضالات قوى العمل، والحراك المناهض للنظام، في ظل اقتصاد سياسي تخلق بشكل كبير تحت شروط الامبريالية.

شيرين أكرم بوشر

بوادر انقلاب اليوم، المساعدات والقطن والنقابات المناهضة للإستعمار في سودان الخمسينات
يدعو بعضهم ما حدث في 25 أكتوبر بال “المحاولة الانقلابية”. ولكن سأسمي الأشياء بأسمائها. كان هذا (ولا يزال) انقلابًا عسكريًا – وليس بمحاولة انقلاب. ربما يكون أحد أسباب هذا الارتباك هو أنه انقلاب صممته ونفذته قيادة الجيش بدلا عن مجموعة من الضباط الساخطين من سحنة البرجوازية الصغيرة والذين تحدوا أوامر قادتهم وتحالفوا مع أقرانهم المدنيين من خريجي الجامعات والمهنيين. وفي هذا الشأن، يندرج ما حدث ضمن الفئة الأولى من الانقلابات في تاريخ السودان الحديث، وهي انقلاب القائد العام.

ولكن لفهم حقيقة ما يجري من تطورات، لابد من اعادة عجلة التاريخ للوراء. والمقاربة هنا هي مع انقلاب الجنرال إبراهيم عبود في 17 نوفمبر 1958، والذي تولى الحكم في لحظة انقسمت فيها الكتلة الحاكمة، بل وتمت دعوته لذلك من قبل رئيس الوزراء آنذاك، عبد الله خليل – وهو نفسه ضابط سابق – لاسكات مشاحنات الأحزاب السياسية وقتها، وفرض قيادة فردية على الكتلة الحاكمة.

تولى عبد الله خليل السلطة في يونيو 1956 بعد انهيار أول حكومة بعد الاستقلال بقيادة إسماعيل الأزهري. في ذلك الوقت، اعتمدت ميزانية الحكومة السودانية على بند تصديري واحد، وهو القطن، الذي يزرع في مشروع الجزيرة الواسع المملوك للدولة بين النيلين. تعرضت عودة القطن للتهديد من قبل حركة راديكالية متزايدة من المزارعين الأجراء في الجزيرة الذين كانوا يطالبون بنصيب أكبر من الأرباح وإعادة صياغة علاقات الإنتاج. نشأ اتحاد مزارعي الجزيرة في عام 1953 بمساعدة الجبهة المعادية للاستعمار، والتي تطورت فيما بعد لتصبح الحزب الشيوعي السوداني. سار الآلاف من مزارعي الجزيرة إلى العاصمة الخرطوم في ديسمبر 1953 واحتلوا ميدانًا رئيسا في المدينة، ميدان عبد المنعم، مطالبين بالاعتراف باتحادهم المولود حديثًا تحت نير الاستعمار البريطاني. مثل اعتصام ميدان عبد المنعم سابقة باكرة لتكتيك شعبي تجدد في اعتصام القيادة العامة المهيب في 2019.

وفي نقلة أخرى، اشتعلت الشرارة الراديكالية في جودة بالقرب من كوستي على النيل الأبيض في يناير 1956، بعد أسابيع قليلة من احتفالات استقلال السودان. اتبع المزارعون في منطقة النيل الأبيض نموذج مزارعي الجزيرة في النقابات وشكلوا نقابتهم الخاصة بحلول منتصف عام 1955. دخل عمال زراعة القطن في مشروع جودة في إضراب احتجاجا على التأخير في تسليم حصصهم الضئيلة من عائدات القطن. استجابت الدولة المستقلة القلقة بعنف مميت لتحدي القوى العاملة المضربة، التي كانت تهدد عبر مثالها الجريء بالإطاحة بنظام الاستغلال الذي تعتمد عليه الدولة وجودياً. أطلقت القوى الأمنية النار على المزارعين الثائرين فقتلت منهم 300 مزارع مستأجر في الحقول أو اختنقوا في زنزانات احتجاز مكتظة وسيئة التهوية.

وفي سياق متصل بواقع القطن، تعرضت صادرات السودان منه للخطر بسبب إغلاق قناة السويس – نتيجة الحرب الثلاثية البريطانية- الفرنسية- الإسرائيلية على مصر بعد إعلان عبد الناصر تأميم القناة. تم إغلاق قناة السويس أمام حركة الملاحة من أكتوبر 1956 إلى مارس 1957. أنتج السودان 441 ألف بالة من القطن في موسم 1955-1956، بزيادة 9٪ عن الموسم السابق. بلغت مبيعات التصدير 559 ألف بالة بسبب ترحيل المخزون من موسم 1954-1955، لكن الشحنات إلى أوروبا توقفت بسبب إغلاق القناة.
كما شهد عام 1957 انخفاضاً حاداً في عائدات الصادرات. انخفضت أسعار القطن من 77 سنتًا أَمْرِيكِيًّا للرطل في مارس 1957 قبل أن يصبح المحصول الجديد متاحًا للبيع إلى حوالي 30 سنتًا أَمْرِيكِيًّا للرطل في فبراير 1959.

تُرجم هذا التدهور في عائدات القطن على الفور إلى أزمة في الميزانية. عانى السودان خلال فترة السنتين 1957-1958 من عجز تجاري بلغ 27.4 مليون جنيه وعجز في الحساب الجاري قدره 34.3 مليون جنيه. كان جزء من استجابة عبد الله خليل لهذه الأزمات هو توجيه سياسة السودان الخارجية بحزم نحو الغرب الرأسمالي بما في ذلك الانفتاح على إسرائيل. خاطب عبد الله خليل الحكومة الأمريكية في فبراير 1957 طالبًا المساعدة الاقتصادية والتسليح العسكري. وقتها شنت الجبهة المعادية للاستعمار من خارج البرلمان والحزب الوطني الاتحادي المعارض من داخل البرلمان حملة شرسة ضد المعونة الأميركية المقترحة. لكن في النهاية، قطع عبد الله خليل الطريق على خصومه بمفاجأة وطلب من القيادة العسكرية أن تأخذ الأمور بأيديها.

شرع الجنرال إبراهيم عبود ومجلسه العسكري بمجرد وصوله إلى السلطة في تنفيذ خطة عبد الله خليل للمعونة الأمريكية. كما تفاوض عبود مع عبد الناصر حول التعويض النقدي عن غرق وادي حلفا في السودان تحت بحيرة السد العالي بأسوان. سجل السودان بفضل هذه التدفقات فائضاً صافياً لمدفوعات التحويل قدره 22.5 مليون جنيه سوداني في الفترة 1959-1962. عزز المجلس العسكري إنتاج القطن من خلال قمع العمالة والتوسع الأفقي لمشروع الجزيرة من خلال وامتداد المناقل الجنوبي الغربي الذي افتتح عام 1962 مما زاد صادرات السودان من 44.7 مليون جنيه سوداني في أزمة عام 1958 إلى 68 مليون جنيه سوداني في عام 1959 ثم 64 مليون جنيه عام 1960 و61.3 مليون جنيه عام 1961 و79.7 مليون جنيه عام 1962.

تدخل الجيش إذن لحسم الخلافات بين الفصائل المتناحرة داخل الكتلة الحاكمة وحماية المصالح الكلية لهذه الكتلة خلال فترة شدة في الميزانية وتصاعد للمد الراديكالي والنضال الجماهيري عبر الاستغلال المتزايد في الداخل المقترن بالسياسة الخارجية الموجهة نحو الإدارة قصيرة المدى لمشاكل الميزانية.

ربما أخذ الفريق البرهان بسابقة عبود في انقلابه. حيث أشار في تصريحاته في 25 أكتوبر إلى ضرورة توحيد السلطة المركزية. عرض في هذا السياق على رئيس الوزراء الانتقالي عبد الله حمدوك فرصة العمل معه وتسهيل توطيد سلطته بشكل أكثر سلاسة. لكن كان البرهان على دراية تامة بانقلاب قائد عام آخر في تاريخ السودان الحديث، وهو انقلاب القصر في 6 أبريل 1985 للجنرال عبد الرحمن سوار الذهب الذي أطاح بالجنرال نميري وساق سنة سوار الذهب كنموذج حميد للانتقال الديمقراطي. كان سوار الذهب وزير دفاع النميري وهو الذي تدخل وقتها للإطاحة بالديكتاتور الذي استمر حكمه 16 عامًا (1969-1985) في ذروة الانتفاضة الشعبية في مارس/ أبريل ضد النظام وأعلن عن نفسه كرئيس لمجلس عسكري انتقالي.

حرص المجلس العسكري لسوار الذهب خلال هذه الفترة الانتقالية القصيرة على تعطيل المطالب الراديكالية للانتفاضة الشعبية، بما في ذلك السعي للتوصل إلى تسوية تفاوضية للحرب الأهلية في جنوب السودان، ورفض إجراءات التقشف الاقتصادي التي فرضها نظام النميري والعمل على حل جهاز أمن الدولة ومحاكمة أنصار النظام. دخل سوار الذهب كتب التاريخ كضابط خير في الجيش لانحيازه إلى إرادة الشعب. لكنه نجح في حماية قادة الجبهة القومية الإسلامية الذين كانوا متحالفين مع نميري من غضبة انتفاضة مارس/ أبريل. جازاه الإسلاميون خيرا على عمله فانتقل بعدها إلى رئاسة هيئة الدعوة الإسلامية.

الانقلابات كإصلاحات معادية للثورة
منح انقلاب سوار الذهب عام 1985 الجيش فيتو عسكري على عمليات صنع القرار في الفترة الانتقالية وأدى إلى انقطاع كبير في الزخم الشعبي الذي أشعلته انتفاضة مارس/ أبريل. تكرر سيناريو مماثل في عام 2019 حيث أطاحت القيادة العسكرية بعمر البشير في 11 أبريل 2019 بضغط من حركة الاحتجاج بغرض فرض فيتو عسكري على النظام السياسي الذي سيعقب حكمه. بذلك فإن انقلاب البرهان في 25 أكتوبر/ تشرين الأول هو تحقيق للانقلاب المتوقف جزئياً في 11 أبريل/ نيسان 2019 الذي نفذه قادة المكون العسكري والميليشيات الأمنية الذي تطورت في ظل حكم البشير. استغرق الأمر عامين من التعايش بين الجيش وتحالف قوى الحرية والتغيير حتى تحقق الانقلاب كاملا. وربما كانت النقطة الفاصلة هي الموقف الدفاعي للجيش تجاه الحركة الثورية الواسعة لفترة في 2018-2019 حتى أصبح في وضع يمكنه من الهجوم. وبهذا المعنى، فإن انقلاب البرهان في 25 أكتوبر/ تشرين الأول هو تحقيق إعادة السيطرة، أي عين الثورة المضادة.

رغم كل ذلك كانت هذه الفترة الفاصلة مفيدة من منظور الكتلة الحاكمة، أشاد الفريق البرهان في حديثه يوم الانقلاب 25 أكتوبر بشخص رئيس الوزراء حمدوك وأعرب عن تقديره لإنجازات شراكتهما. قرظ البرهان “الإصلاحات الاقتصادية” التي نفذتها حكومة حمدوك، حزمة التقشف القاسية التي فرضها صندوق النقد الدولي والتي تضمنت إلغاء دعم الوقود، والتقليص الشديد في دعم القمح والكهرباء والأدوية وإلغاء الدولار الجمركي وتعويم العملة السودانية. علاوة على ذلك، تمكنت حكومة حمدوك من تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة. وشطبت واشنطن السودان من قائمتها للدول الراعية للإرهاب ورفعت العقوبات طويلة المدى على البلاد مقابل إعادة توجيه السودان لسياسته الخارجية نحو الاصطفاف مع الأنظمة التي ترعاها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. مع العلم بأن الجيش أيضاً تولى زمام المبادرة في العنصر الأساسي لهذا الاتفاق عندما التقى البرهان برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في فبراير 2020، في بداية تطبيع العلاقات بين الخرطوم وتل أبيب التي توجت بتوقيع السودان على “العهود الابراهيمية” برعاية الولايات المتحدة في يناير 2021. في المقابل، قدمت الولايات المتحدة للسودان مساعدات مالية تمس الحاجة إليها، وحزمة تخفيف عبء الديون في إطار مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون (HIPC)، وإمدادات القمح لإطعام المدن الجائعة للرغيف.

بالرجوع للوراء مجدداً نجد انه عندما شرع البشير في نفس إجراءات التقشف التي فرضتها الحكومة الانتقالية، واجه مقاومة شديدة في المدن، في البداية في سبتمبر 2013 عندما دعا ميليشيا قوات الدعم السريع لإطلاق النار على المتظاهرين في شوارع الخرطوم، ومرة أخرى في 2018-2019 عندما أسقطه المكون العسكري والأمني والميليشيات في نهاية المطاف. وبالمثل، حاول البشير تسوية الأمور مع الولايات المتحدة أولاً من خلال عرض خدمات نظامه الأمني على وكالة المخابرات المركزية، ثم تقويض علاقاته مع إيران لصالح التحالف مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. أرسل البشير الجيش وقوات الدعم السريع لخوض حرب المملكة العربية السعودية ضد اليمن في محاولة لإرضاء رعاته الجدد. بل إن كبار المسؤولين في حزب المؤتمر الوطني الحاكم في عهد البشير غازلوا فكرة تطبيع العلاقات مع إسرائيل. لم تفلح محاولات البشير في إنقاذ نظام الإنقاذ، لم يستطع المستبد المسن التخلص من متاع الحركة الإسلامية الثقيل وتعذر عليه تبديل جلده. لم يستطع التحول إلى حليف موثوق به في بنية الأمن الإقليمي المتحالفة مع الولايات المتحدة رغم ما بذل من جهد.

ذكر البرهان من محاسن عامي الشراكة “اتفاق جوبا للسلام في السودان” من بين إنجازات حمدوك، وهي سلسلة من تسويات الثروة وتقاسم السلطة الموقعة في أغسطس 2020 بين الحكومة وحركات التمرد الرئيسية في دارفور: حركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم وجيش/ حركة تحرير السودان بقيادة مني مناوي، بالإضافة إلى فصيل من الجيش/ الحركة الشعبية لتحرير السودان في شمال السودان بقيادة مالك عقار وياسر عرمان، والعديد من الفصائل الأصغر، بما في ذلك مليشيا جديدة نشأت على يد الاستخبارات العسكرية باسم حركة تمازج.

كان لأعضاء حكومة رئيس الوزراء حمدوك وسياسيي قوى الحرية والتغيير دور مهم في إبرام هذه الصفقات. مع الملاحظة انه وفي وقت سابق كان البشير أيضاً قد أبرم وخرق عدة اتفاقيات مع نفس الجماعات المتمردة. ولم يكن من المحتمل أن تجرى عملية سلام ذات مصداقية تحت سيطرته.

الاقتصاد السياسي للحكومة الانتقالية
بدأت الفترة الانتقالية كتحالف مع الشيطان، تحالف جمع سياسيي قوى الحرية والتغيير في السودان، جبهة الأحزاب السياسية وجمعيات المهنيين الذين دفع بهم الزخم الثوري إلى قيادة حركة الاحتجاج في 2018-2019، مع قادة الجيش والأمن والمليشيا. أضافت اتفاقية جوبا للسلام طرفًا ثالثًا لما كان يُنظر إليه في البداية على أنه تسوية ثنائية. من الناحية التشخيصية، أطاح انقلاب البرهان بسياسيي قوى الحرية والتغيير لصالح شركاء جوبا. اندلع العداء بين الجانبين، سياسيي قوى الحرية والتغيير والمتمردين السابقين، في شوارع الخرطوم لبعض الوقت قبل الانقلاب في هيئة مسيرات وتجمعات مضادة، وفي شكل حرب إعلامية وكلامية لاذعة وحملات قذف وشتيمة.

يتقاطع التباين الحقيقي بين سياسيي قوى الحرية والتغيير وقادة المتمردين إلى حد كبير مع خطوط التقسيم القياسية في السودان: المركز في مقابل المركز، الحضر في مقابل الريف، ناس البحر في مقابل الغرابة، أو الخرطوم مقابل البقية. وفي الواقع، ينتمي سياسيو قوى الحرية والتغيير وزعماء المتمردين إلى شبكتين اجتماعيتين وسياسيتين متمايزتين ومتنافستين. الأولى تشمل العالم الاجتماعي للخرطوم الحضرية والمهجر وتضم المتعلمين تعليما جامعيا المتحدثين بالانجليزية من أصحاب الكفاءة وشهادات الدراسات العليا من كبريات الجامعات الأوروبية والأميركية والخبرات المتصلة بسوق العمل العالمي. والثانية تمتد إلى المناطق النائية الواقعة تحت نير الصراع المسلح في أرياف السودان حيث أصبح السلاح الناري وسيلة للإنتاج. ربما ساعد تقصي سجلات صادرات وواردات السودان على استخلاص الأساس المادي للتناقض الديالكتيكي بين المناطق الحضرية والريفية في السودان ومن ثم الحد الفاصل بين هاتين الشبكتين. في هذا الخصوص، ربما يسرت نظرة خاطفة على الميزان التجاري الخارجي للسودان من إبانة بعض الغموض الأيديولوجي الذي يكتنف عبارات “الفترة الانتقالية” و”الشراكة المدنية العسكرية” التي رحبت بها القوى العالمية. في الأشهر الستة الأولى من عام 2021، بلغت قيمة إجمالي صادرات السودان 2.5 مليار دولار، مقابل فاتورة استيراد قدرها 4.1 مليار دولار. هذا العجز الهائل هو سمة دائمة لاقتصاد السودان في معظم تاريخه الحديث. تم سد هذا العجز جزئيًا خلال الطفرة النفطية لحوالي 10 سنوات بين عامي 1998 و 2011. ولكن خسرت حكومة السودان مع انفصال جنوب السودان في عام 2011 حوالي 75٪ من عائدات النقد الأجنبي. يعتمد السودان اليوم على مجموعة من سلع التصدير الأساسية للحصول على النقد الأجنبي وتمويل وارداته. صدّر السودان بين يناير ويونيو 2021، فول سوداني بقيمة 406 ملايين دولار، وماشية بقيمة 319 مليون دولار، وسمسم بقيمة 301 مليون دولار، وذهب بقيمة مليار دولار، وقطن بقيمة 92 مليون دولار. يُزرع معظم الفول السوداني والسمسم في السودان في القطاع المطري التقليدي من الاقتصاد الذي يشمل الجزء الأكبر من مزارعي السودان في سهول المناطق الغربية في كردفان ودارفور. كما تتركز الثروة الحيوانية كذلك في كردفان ودارفور في عهدة شعوب السودان الرعوية. إن تسليع أنظمة المعيشة هذه عملية استنزاف عنيفة ودموية اجتاحت ملايين الناس في أطراف السودان وأعادت صياغة علاقاتهم بطرق متناقضة تتجاوز النزاعات المجتمعية المشار إليها كثيرًا بين المزارعين والرعاة، وربطتهم بشكل وثيق بتقلبات أسواق التصدير.

على العموم، أصبح كل من الإنتاج الزراعي والحيواني عمليات عسكرية في بيئة من انعدام الأمن الريفي. تعمل الميليشيات وقوات الدعم السريع وجيوش المتمردين، فضلاً عن الجيش الحكومي، جزئيًا كهيئات شرطة مخصخصة تحرس هذه الأنظمة وتستغلها، بما في ذلك من خلال ضمان الديون وإنفاذ العقود التجارية. يعتمد استخراج الفائض من أطراف السودان على التوسع في الإنتاج الأفقي بدلاً من رفع مستوى إنتاجية المحاصيل المنخفضة بشكل مزمن، ونزع ملكية الأراضي، والاستغلال المفرط لقوة عاملة زراعية فقيرة قوامها النساء بشكل متزايد، وهي نفسها مستمدة من المجتمعات التي دمرتها النزاعات والتي تحاول البقاء على قيد الحياة معتمدة على أجور يومية بالكاد تلامس حاجز 1 دولار أمريكي في اليوم. نتيجة لذلك، يستطيع الكثيرون بالكاد شراء الذرة والدخن التي ينتجونها بأنفسهم لكن يفوز بريعها المزارعون الرأسماليون والملاك الغائبون، وبالتالي يهددهم الجوع بصورة مزمنة ويضطرون لتصفية قليل أصولهم وممتلكاتهم.

يفرض هذا الواقع الهروب من نظام العمل الساحق والهجرة إلى المدن بالنسبة للبعض كباعة متجولين وعمال موسميين وتجار صغار. وبالنسبة للكثيرين الآخرين عن طريق التجنيد في الميليشيات والجماعات المتمردة، أو في الآونة الأخيرة، نزوح العمال الذكور إلى مواقع تعدين الذهب على حدود الجغرافية النقدية للسودان. يزود الملايين من عمال المناجم الحرفيين السودان بحوالي نصف عائداته من العملات الأجنبية. تتوسط ما بين المنتجين في السودان – مزارعو السمسم والفول السوداني، وقطافو الصمغ العربي، والرعاة، وعمال مناجم الذهب الحرفيين – وأسواق التصدير سلاسل من المبتزين والنصابين: رجال الميليشيات، وضباط الجيش، والدائنون، والتجار، وتجار العملات الأجنبية، والمصرفيون، والممولون، وكبار المديرين التنفيذيين لشركات للتصدير، بالإضافة إلى خبراء البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومخبريهم المحليين. تمت هندسة نظام الاستغلال هذا والحفاظ عليه جُزئيًّا عبر قسط كبير من تاريخ السودان بعد الاستقلال من خلال الوسائل الأيديولوجية بما في ذلك التصويب العنصري للاختلاف العرقي، والسلطة العلمانية لرجالات الإدارة الأهلية المحلية، والسلطة الدينية لشيوخ الطرق وفي مقدمتهم السادة العظام من آل المهدي وآل الميرغني الذين سيطروا على حصة كبيرة من رأس المال التجاري. ظلت هذه الكتلة الرجعية في وضع يمكنها من منافسة النخبة الحضرية من المسؤولين الحكوميين وضباط الجيش على السلطة.

بذور بديل الحكم العسكري
أدى تآكل النظام السياسي الذي كان يحكم المناطق الريفية في السودان من خلال الحرب إلى وضع يحتاج فيه اللاعبون الطموحون، مثل قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو أو قادة الجماعات المتمردة، جبريل إبراهيم ومني مناوي وغيرهم، إلى قيادة قوات مقاتلة ذات شوكة للاستيلاء على حصة من فائض الإنتاج هذا. تمتد هذه الروابط من الاستغلال العسكري إلى أسواق التصدير السودانية، ومصادر عائدات صادراته، وفي مقدمتها الخليج العربي. صدّر السودان في الفترة من يناير إلى يونيو 2021 سلعا بقيمة 1.1 مليار دولار إلى الإمارات (السوق الأساسي لذهب السودان)، و 299 مليون دولار إلى مصر، و 207 ملايين دولار للسعودية، و 497 مليون دولار إلى المملكة العربية السعودية والصين. في المقابل، بلغت قيمة صادرات السودان للولايات المتحدة والقوى الغربية الكبرى 65 مليون دولار. من هذه الصورة يتلخص الخلاف على السلطة المركزية في الخرطوم في الخلاف الداخلي داخل الكتلة الحاكمة حول من ينفق هذه الأرباح وكيف.
ومن ناحية أخرى استورد السودان خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2021 مواد غذائية بقيمة 953 مليون دولار، منها القمح ودقيق القمح، المادة الغذائية الأولى للمدن، بتكلفة 239 مليون دولار، وسكر بقيمة 246 مليون دولار، ومواد غذائية أخرى بقيمة 239 مليون دولار. وبلغت فاتورة الواردات للسلع المصنعة 821 دولاراً أمريكياً والمنتجات البترولية 215 مليون دولار والآلات والمعدات 851 مليون دولار أمريكي. يكشف المزيد من التفصيل لهذه الأرقام عن الانحياز الحضري المذهل للاستهلاك. استورد السودان خلال النصف الأول من عام 2021 في فئة الكيماويات عطور ومستحضرات تجميل ما قيمته 39 مليون دولار، مقابل أسمدة بقيمة 43 مليون دولار. تصدرت منتجات الحديد والأسمنت المخصصة للبناء الحضري القائمة في فئة السلع المصنعة بمبلغ 178 مليون دولار أمريكي، تليها المواد البلاستيكية المصنعة بقيمة 104 ملايين دولار أمريكي. وبالمثل، اشتملت فئة الآلات والمعدات على أجهزة كهربائية بقيمة 203 ملايين دولار أمريكي مقابل جرارات بقيمة 186 مليون دولار أمريكي. بعبارة أخرى، يعرق وينزف المنتجون الريفيون السودانيون تحت نير نظام عسكري لاستخراج الفائض للحفاظ على الاستهلاك الحضري الشره. قد يؤدي التركيز الحصري على التمييز الصارم من وجهة نظر العلوم السياسية بين الحكم العسكري الشرير والحكم المدني الصالح إلى تدليس العلاقة الواضحة بين تدمير الحياة الريفية والمطالب الاستهلاكية الموجهة للمدن. أظهرت ثورة 2018-2019 والتطورات اللاحقة حتى انقلاب 25 أكتوبر وما تلاه من وقائع هذه الانقسامات في تكوين الجسم السياسي. ظهر ذلك جلياً في أن القيادة البرجوازية الصغيرة في الغالب للحركة الاحتجاجية التي وقفت في وجه البشير وتتحدى الآن البرهان – أي سياسيي قوى الحرية والتغيير- لم تكتشف بعد صيغة لربط النضالات الحضرية المؤطرة حول معارضة الدكتاتورية في مقابل الديمقراطية أو الحكم العسكري في مقابل الحكم المدني، مع الكثير من المنتجين الريفيين في السودان. كنه الاندفاع العدواني لرموز المكون العسكري- الميليشياوي- الأمني، البرهان وشركائه، تجاه جماعة الحرية والتغيير هو أن هؤلاء السياسيين غافلين عن الآليات التي تحافظ على هيمنة الكتلة الحاكمة وغير قادرين على قيادتها وتعزيز مصالحها.

إن الإطاحة بهذا النظام المسلح لاستخلاص فائض القيمة الريفي أمر جد عسير لكن الممارسة العملية لثورة 2018-2019 زوّدت الخاسرين في المجالات الحضرية والريفية بلجان المقاومة، وهي نواة للتنظيم تتجاوز الألاعيب العليا لسياسيي قوى الحرية والتغيير ويمكن أن تتحدى العسكرة ونظام الاستغلال في الريف عن طريق بذل تنظيم ديمقراطي شعبي. تم اختراع لجنة المقاومة خلال احتجاجات سبتمبر 2013 ضد إجراءات البشير التقشفية كخلايا للتعبئة على مستوى الأحياء في الخرطوم الحضرية. ثم تطورت مع تجربة ثورة 2018-2019 لتصبح ناجحة مفتوحة على الناس إذا جازت العبارة، وحدات تنظيم أفقي للتسييس والتعبئة والمناورة في الخرطوم، وكذلك في العديد من المدن الصغيرة في السودان. إن صمود الحركة الاحتجاجية خلال المد المرتفع لثورة 2018-2019 الذي يستمر حتى اليوم في المعارضة الشجاعة والعنيدة لانقلاب البرهان في 25 أكتوبر، مستمد إلى حد كبير من الطابع الفضفاض للجان المقاومة. انجذب الآلاف من الشابات والشبان إلى الحياة السياسية نتيجة لذلك، بذهن خال من أغلال النظام السوداني القديم من لوردات الطوائف والضباط العسكريين المخادعين والسياسيين من صنعة الحرم الجامعي.

للمفارقة حتى البرهان اضطر إلى صنع بعض قادة “لجان المقاومة” المزعومين من حواف المشهد السياسي وعالم وسائل التواصل الاجتماعي في السودان لتصويرهم في شكل جمهور مطيع في قاعة واسعة بمقر قيادة الجيش بينما كان يشرع في الحديث الصاخب عن احتمالات حدوث الانتقال إلى الديمقراطية بالوسائل العسكرية.

استفدت في هذه الكلمة من

FEWS Net 2021 Sudan Food Security Outlook June 2021 to January 2022

تقرير عبد الخالق محجوب للمؤتمر التداولي للحزب الشيوعي السوداني في ١٩٧٠ ضمن فؤاد مطر ١٩٧٢. الحزب الشيوعي نحروه أم انتحر. دار النهار، بيروت.

بنك السودان ٢٠٢١. الموجز الإحصائي للتجارة الخارجية. مجلد ٨٥، عدد ٢. الخرطوم.

Berridge W. 2014. Civil Uprisings in Modern Sudan: The ‘Khartoum Springs’ of 1964 and 1985. Bloomsbury, London.

الحزب الشيوعي السوداني ١٩٧٠. استراتيجية الثورة الوطنية الديمقراطية السودانية: المنجزات الفكرية والسياسية للمؤتمر الرابع للحزب والصرع ضد التيار الانتهازي اليميني (أكتوبر ١٩٦٧ – أكتوبر ١٩٧٠). الخرطوم.

حسن العبيد مدني ٢٠٠٨. عنبر جودة: عشرين دستة من البشر. الشركة العالمية للطباعة والنشر، الخرطوم.

Ali T.M. 1983. The Road to Jouda. Review of African Political Economy 10:26,4-14.

Mahmoud F. B. 1981. Some Aspects of the Political Economy of the Sudan. Sudan Notes and Records 62:47-68.

Abdel-Aziz O. F. 1979. Production and Marketing of Sorghum and Sesame in the Eastern Central Rainlands of the Sudan: The Contrast between the Public and Private Sectors. PhD thesis. School of Economic Studies. The University of Leeds.

Elemam H. E. E. 2017. The Impact of Climate Change on Crop Production and Food Security, North Kordofan State, Sudan. PhD thesis. Faculty of Agricultural Sciences. University of Gezira.

Ibrahim E. I. & Al-Feel M. A. 2018. Economic Efficiency of Groudnuts and Sesame in Traditional Rainfed Sector, North Kordofan-Sudan. International Journal of Agricultural and Environmental Sciences 3:15-18.

Abu Adil H. Y. A. 2003. The Economics of Sesame Production in Gadarif Mechanised Rainfed Sector. MSc thesis. Faculty of Agriculture. University of Khartoum.

Osman K. H. A. 1988. The Effendia and Concepts of Nationalism in Sudan. PhD thesis. Faculty of Letters and Social Sciences. University of Reading.

Patnaik U. & Moyo S. & Shivji I. 2011. The Agrarian Question in the Neoliberal Era: Primitive Accumulation and the Peasantry. Pamazuka Press, Cape Town, Dakar, Nairobi and Oxford.

Beswick S. F. 1995. The Black Hole of Kosti: The Murder of Baggara Detainees by Shaigi Police in Kosti Barracks, Sudan 1956. Northeast African Studies 2:61-83.

بنك الخليج ٢٠٢٠. التقرير السنوي ٢٠٢٠. الخرطوم.

Shaw D. J. 1965. The Managil South-Western Extension: An Extension to the Gezira Scheme. International Institute for Land Reclamation and Improvement. Bulletin 9. Wageningen, the Netherlands.

Mahbouk A. & Drees F. 1964 Domestic Policies and Payments Problems of the Sudan, 1947-1962. International Monetary Fund (IMF), Washington.

Ibrahim I. S. 2007. Urban Poverty: Consumption Patterns and Survival Strategies in Greater Khartoum. PhD thesis. Faculty of Economic and Social Studies. University of Khartoum.

International Monetary Fund 2020. Sudan IMF Country Report No. 20/72. Washington.

Osman E. I. 2020 Pastoral Women in Town: The Case of the Migrant Fulbe in Sinja, Sudan. Sudan Working Paper, Number 3. Chr. Michelsen Institute, University of Bergen, Ahfad University for Women.

Young A. 2017. Transforming Sudan: Decolonisation, Economic Development and State Formation. Cambridge University Press, Cambridge.

Keen D. 2008. The Benefits of Famine: A Political Economy of Famine and Relief in Southwestern Sudan 1988-1989. James Currey, Oxford.

Fegley R. 2011. Beyond Khartoum: A History of Subnational Government in Sudan. The Red Sea Press, Asmara.

البنك الدولي وصندوق النقد الدولي: خلفية تاريخية ونظرية.

? في يوليو 1944 إجتمع ممثلو 44 دولة في بريتون وودز، نيوهامشير، شمال شرق الولايات المتحدة الامريكية للاتفاق على كيفية إدارة النظام النقدي العالمي بعد الحرب العالمية الثانية، فيما عرف رسميا باسم “مؤتمر الأمم المتحدة النقدي والمالي” والذي تم على إثره إنشاء “صندوق النقد الدولي” و “البنك الدولي لإعادة الإعمار والتنمية”(1).

? وفقا لأرشيف وزارة الخارجية الامريكية فإن هذه المؤسسات تم إنشائها بعد استيعاب صانعي السياسة الامريكية للدروس المستفادة من فترة ما بين الحربين العالميتين، مختصر تلك الدروس كما وضح فرانكلين روزفلت، رئيس الولايات المتحدة الامريكية، هو أن التجارة الحرة تمثل الأساس لتعزيز الرفاه والسلام في العالم (1).

❓ ماذا حدث في فترة ما بين الحربين العالميتين؟

? الكساد العظيم، أسوأ كارثة اقتصادية

⭕ في ثلاثينيات القرن الماضي وللحد من آثار الأزمة الاقتصادية قامت العديد من الدول بزيادة التعاريف الجمركية وخفض قيمة العملة المحلية للمنافسة في أسواق الصادرات، بالإضافة إلى منع مواطنيها من حيازة النقد الأجنبي (1). قامت ألمانيا بالتوقف عن دفع ديون الحرب لفرنسا، بلجيكا، إيطاليا، وبريطانيا، والذين توقفوا بدورهم عن دفع ديونهم للولايات المتحدة. تبعا لذلك اضطرت الولايات المتحدة إلى أن تقلل بصورة جذرية من تصدير رؤوس الأموال للخارج وأن تحد من إيراداتها.

⭕ بتبسيط أكثر، تصدر الولايات المتحدة كأكبر قوة صناعية في العالم بضائعها للخارج وتمنح الدول القروض بشرط استيراد البضائع الامريكية. أدى الكساد الكبير الى توقف هذه الدول عن دفع مستحقاتها لأمريكا، وإلى تقليل استيراد البضائع الأمريكية بصورة كبيرة. توقفت تبعا لذلك عجلة النظام الرأسمالي تماما (2).

.

⭕ وفقا لمؤرخي صندوق النقد الدولي فإن إنهيار التجارة العالمية وارتفاع معدلات البطالة وتدهور المعيشة (3) كان نتيجة لزعزعة هذه السياسات إستقرار النظام الاقتصادي العالمي (1)، حتّم ذلك على الدول الصناعية إيجاد مخرج ما لضمان استمرارية حركة التجارة، وعدم تكرار سيناريو الثلاثينات بعد الحرب. هذا المخرج كان هو البريتون وودز ، أي صندوق النقد والبنك الدولي. في أبريل 1944 نشر “البيان المشترك بواسطة الخبراء من أجل إنشاء صندوق النقد العالمي” الذي شكل أساس التفاوض الذي تم لاحقا في بريتون وودز (1). وافق الكونغرس على إتفاقية بريتون وودز في يوليو 1945 ليتم إانشاء المؤسستين رسميا في ديسمبر 1945 (3).

? صندوق النقد الدولي:

? إن نظام النقد العالمي هو النظام الذي يحكم أسعار الصرف والدفع عالميا للدول ومواطنيها لشراء البضائع والخدمات. إزالة معوقات التجارة العالمية هو هدف صندوق النقد المعلن. اتفقت الدول الأعضاء عند انشاء الصندوق على تثبيت سعر الصرف، حيث سعرت العملات المحلية بالدولار والدولار بالذهب (3). استمر العمل بنظام سعر الصرف الثابت لثلاثة عقود، حتى أزمة صرف الدولار في أغسطس 1971، حيث قام ريتشارد نيكسون رئيس الولايات المتحدة وقتها بوقف صرف الدولار بالذهب، وفي مطلع 1973 ساد #تعويم_سعر_الصرف في البلدان الصناعية الكبرى (4).

⭕ وبسبب أزمة النفط في بداية السبعينيات، لجأت العديد من الدول المستوردة للنفط للاقتراض من البنوك التجارية، ومع رفع الدول الصناعية فوائد الديون من أجل التحكم بالتضخم نشأت ازمة الدين العالمية (3). قامت البنوك التجارية الغربية بإعادة تدوير دولارات البترول، بأخذ ودائع الدول المصدرة للنفط واقراضها للدول المستوردة للنفط من الدول النامية بأسعار فائدة عائمة ومتغيرة، تراكمت على أثرها ديون الدول المستوردة للنفط وبنهاية السبعينات كلفتها ما يعادل 22 مليار دولار في الفترة من 1978-1982. ومع انهيار أسعار السلع التصديرية الدول النامية بسبب الكساد، استجابت هذه الدول للأزمة بسياسات مالية توسعية، وبأسعار صرف ضخمة، وبالمزيد من الاستدانة! (3).

⭕ قام صندوق النقد في منتصف السبعينات بإنشاء صندوق ائتماني من اجل الإستجابة للعجز في ميزان مدفوعات الدول الفقيرة. وفي 1986 قام بإطلاق برنامج قروض ميسرة عرف باسم مرفق “التكييف الهيكلي” (Structural Adjustment Facility) والذي عدل بعد عام لمرفق التكييف الهيكلي المعدل (Enhanced Structural Adjustment Facility) (3).? تعرضت سياسات التكييف الهيكلي إلى انتقاد لاذع بعدما اكتسحت الأزمة المالية دول شرق آسيا من تايلاند الى اندونيسيا وكوريا في 1997، وعلى ضوء هذه الانتقادات انشأ صندوق النقد بالتعاون مع البنك الدولي برنامجه لتقييم القطاع المالي وخفف من حماس توجهات سياسته التحررية. وبدأ في هذه الفترة بالتوجه نحو صياغة مبادرة اعفاء الديون للدول الفقيرة (3). كما تم استبدال مرفق التكييف الهيكلي المعدل بمرفق النمو والحد من الفقر poverty reduction and growth facility (4).

? البنك الدولي :

? تم إنشاء البنك الدولي لهدفين، أولهما إعادة اعمار أوروبا التي تضررت بسبب الحرب العالمية الثانية، وثانيا لتعزيز النمو الاقتصادي في جنوب العالم (2، 5). عند انشاء البنك كان من بين الأعضاء ثلاثة دول فقط من افريقيا (مصر، اثيوبيا، وجنوب افريقيا) نسبة لتبعية بقية افريقيا للدول الاستعمارية. وكانت فرنسا أول المتحصلين على قرض في 1947 (5) تبعتها هولندا، والدنمارك ولكسمبورغ (2). ولكن قامت خطة مارشال في ابريل 1948 بتقويض سياسات اقراض أوروبا من قبل البنك (تابع/ي “خطة مارشال” تفاصيل أكثر موضحة في بقية المقال).

? تغير تركيز البنك الدولي من اوروبا واتجه إلى أمريكا اللاتينية، وافريقيا وآسيا، حيث قام بمنح العديد من القروض لتمويل مشاريع البنى التحتية، كالسدود، وشبكات الكهرباء، وأنظمة الري، والطرق (5). وتم البدء بمنح هذه القروض بطلب من القوى الاستعمارية، لتمويل مشاريعها في المستعمرات، واستمر بعد الاستقلال بغرض تمكين جنوب العالم من تصدير السلع الأساسية الى الشمال، وبشرط استيراد بضائع القوى الصناعية (2).

? تصاعدت العديد من الانتقادات للبنك الدولي من الدول النامية، بسبب التعامل التفضيلي الذي حظيت به أوروبا والدعم الذي وفرته لها خطة مارشال، وكذلك بسبب طريقة التصويت المتبعة في البنك. وفي فترة الخمسينات والستينات، اقترحت العديد من الدول النامية انشاء صندوق يتبع للأمم المتحدة بهدف التنمية الاقتصادية (Special United Nations Fund for Economic Development SUNFED)، وقام البنك الدولي لمجابهة هذه الانتقادات، بإنشاء هيئة التمويل الدولية “international finance corporation”، بهدف تمويل القطاع الخاص في الدول النامية. وعندما لم ينجح في إرضاء الدول الداعية لSUNFED ، قام بإنشاء رابطة التنمية الدولية international development association، والتي تقوم بمنح القروض بفائدة منخفضة للدول الفقيرة (2).

? في السبعينيات توسعت عمليات البنك عن طريق الترويج لقروض التكييف الهيكلي، كضامن لنجاح مشاريع البنك، من أجل تشجيع السياسات المؤسسية الرامية الى ازدهار الدول والقضاء على الفقر. وبدلا من تمويل مشاريع البنى التحتية حصرا، تم البدء بتمويل المشاريع “الانمائية” كإنتاج الأغذية، والتنمية الريفية، والحضرية. واستمر ذلك في الثمانينات ليشمل قطاعات التعليم، وسائل الاتصال، التراث الثقافي، والحوكمة الرشيدة (5).

? الصراع مع الأمم المتحدة (الصراع ضد دول العالم الثالث):

? لم يمر وقت طويل حتى ظهرت الطبائع الخفية لهذه المؤسسات. للأمم المتحدة هيئة تسمى: المجلس الاجتماعي والاقتصادي للأمم المتحدة (The economic and social council of the united nations ECOSOC). أرسل رئيس هذه الهيئة في مارس 1946 رسالة لحكام البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، تطالب بانشاء هيئة للاتصال بين المؤسستين والمجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة. طلب البنك الدولي تأجيل النقاش في هذه المسألة حتى إجتماع المدراء التنفيذيين في مايو، ونجح البنك في المماطلة ولم يتم أي اتفاق بين الاطراف إلا في نوفمبر 1947 اذ لم يتم الرد على الرسالة الأولى وتم الرد على الرسالة الثانية من قبل المدراء التنفيذيين بأن النقاش في هذه المسألة هو نقاش سابق لأوانه. في هذه الأثناء وقعت الامم المتحدة اتفاقيات مع منظمة الأغذية العالمية ومنظمة العمل العالمية ومع اليونسكو.تمت المحاولة الثالثة في يوليو 1946 عندما اقترح الامين العام للأمم المتحدة ان يتم الجلوس مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في سبتمبر القادم، مجددا كان رد المدراء ان الوقت لم يحن بعد. وبحسب مؤرخي البنك الدولي فإن هذه الماطلة سببها ” تخوف البنك والصندوق من أن يتسبب الانضواء تحت الأمم المتحدة في هبوط تقيّيمهما المالي في وول ستريت ومن وضعهما تحت حكم تأثيرات سياسية غير مرغوب فيها.”وأخيرا طرح البنك الدولي وثيقة للنقاش في الأمم المتحدة كانت بحسب اريك توسان إعلان استقلال أكثر من اعلان تعاون، وأثارت جدلا واسعا داخل الامم المتحدة، فرأتها بعض الدول تعديا سافرا على ميثاق الامم المتحدة، حيث صرح ممثل النرويج ان “بلاده لا يمكن أن تقبل بمنح صندوق النقد والبنك الدولي امتيازات قد تقوض سلطة الأمم المتحدة..” فرد عليه ممثل الولايات المتحدة ب ” أن لا شئ بامكانه تقويض سلطة الأمم المتحدة أكثر من عدم توصلها لاتفاق مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي”.أخيرا تم قبول الوثيقة من قبل مجلس الامم المتحدة للاقتصاد والاجتماع (13 مع واثنان ضد وثلاثة امتناع) لتتم المصادقة عليها في نوفمبر1947 من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة.وضعت هذه الاتفاقية البنك الدولي كمنظمة متخصصة تابعة للأمم المتحدة، ولكن منحتها الحق في العمل كمؤسسة دولية مستقلة عندما تطلب هي ذلك، وايضا سمحت لها بتحديد نوع المعلومات التي تود مشاركتها مع مجلس الامم المتحدة للاقتصاد والاجتماع. ويشير توسان إلى ان هذا الوضع يخرق ميثاق الامم المتحدة في عدة مواد، وبحسب مؤرخي البنك الدولي فإن هذه الاتفاقية لم تكن مرضية لسكرتاريا الامم المتحدة ولكنها كانت مجبرة على قبولها (2).

❌نورد هنا بعض الأمثلة التي رفض فيها البنك الدولي الانصياع لقرارات الأمم المتحدة :

? في العام 1964 صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة وخرجت بقرار مفاده “أن نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا خرق ميثاق الأمم المتحدة ولذلك يجب امتناع جميع المنظمات التابعة للأمم المتحدة عن تقديم اي مساعدة مالية لجنوب افريقيا”. رفض البنك الدولي بشكل صريح الالتزام بهذا القرار واستمر في مساعدة السلطة في جنوب افريقيا حتى العام 1968، وموَّل البنك محطات توليد توفر الطاقة لأصحاب البشرة البيضاء فقط، واستمر كذلك صندوق النقد الدولي في تقديم القروض لنظام الفصل العنصري ولم يغير سياساته إلا بعد أن أصدر الكونغرس الامريكي قرارا يحظر تمويل النظام في جنوب افريقيا.

? في العام 1965 أصدرت الأمم المتحدة قرارا ضد البرتغال لتمسكها بسياستها الاستعمارية في الوقت الذي نالت فيه معظم الدول استقلالها، و وجهت رسميا صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للتوقف عن تقديم المساعدات المالية والتقنية للبرتغال ما لم تتخلى عن سياساتها الاستعمارية. رفضت المؤسستان تنفيذ قرارات الأمم المتحدة استنادا على الوثيقة التي تحكم علاقتهما بالأمم المتحدة والتي تضمن لهما عدم الانصياع لأي من قراراتها.

?كيفية التصويت داخل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي :

? خلافا لغيرهما من مؤسسات الأمم المتحدة (حيث يعتمد الصوت الواحد للبلد الواحد) فإن للبنك والصندوق نظام تصويت خاص يضمن سيطرة البلدان الغنية، حيث يتم حساب عدد الأصوات بنسبة مساهمة البلد المالية الى اجمالي مساهمات جميع البلدان. مثلا تملك الولايات المتحدة حاليا 17.46% من الاصوات داخل صندوق النقد الدولي ويملك السودان 0.04% من الاصوات(6).

? بحسب تقييم صادر عن الأمم المتحدة فإن شكل سياسة التصويت هذه غير عادل ويمنح الولايات المتحدة سلطة تفوق نصيبها من المساهمة الفعلية ولابد من تغييره (7). الجدير بالذكر أن هنالك اتفاق غير مكتوب بين الأوربيين والامريكان مفاده أن مدير صندوق النقد الدولي يجب أن يكون اوروبيا ومدير البنك الدولي يجب ان يكون امريكيا، وفعلا هكذا تجري الأمور حتى تاريخ اللحظة.

❌ لم تكن دول العالم الثالث مرتاحة لهذا الوضع، فكانت تشكو من ان البنك الدولي يقدم لها قروض بسعر الفائدة السائد في السوق العالمي بينما قدمت الولايات المتحدة منح مجانية لإعمار أوروبا وقروض ذات فوائد متدنية ، كذلك كانت دول العالم الثالث غير مرتاحة لنظام التصويت داخل البنك الدولي، وتحت هذه التأثيرات دعت دول العالم الثالث لإنشاء منظمة تابعة للأمم المتحدة ومعنية بالتنمية وتوفير القروض للبلدان التي تحتاجها، ويتم التصويت فيها بحسب (بلد واحد صوت واحد). قدم هذا الاقتراح كما ذكرنا سابقا في العام 1949 تحت اسم (صندوق الأمم المتحدة الخاص بالتنمية الاقتصادية)(SUNFED)، والذي يهدف لتمويل بلدان العالم الثالث بغرض بناء المدارس والطرق وتوليد الطاقة والمستشفيات وغيرها من البنية التحتية، ويتم التصويت بالتساوي بين جميع الأعضاء في المشروع، والنقطة الأهم ان هذه القروض يمكن تسديدها بالعملة المحلية للبلد(8) ، فماذا حدث؟

⭕ فكرة وجود صندوق خاص بالتمويل تتحكم فيه الأمم المتحدة ومنفصل عن البنك الدولي لم تكن مقبولة للولايات المتحدة والبلدان الصناعية، وخوفا من ان تصبح هذه البلدان المتقدمة أقلية تصويتية في مؤسسات تمويل عالمية تتبع للأمم المتحدة عملت على قطع الطريق امام المشروع الذي تقدمت به بلدان العالم الثالث، فطرحت الولايات المتحدة مشروع إنشاء هيئة التمويل العالمي (IFC) كمنظمة متخصصة في تمويل القطاع الخاص في العالم الثالث وتحت مظلة البنك الدولي، لم تنجح خطوة الولايات المتحدة في تقليل الحماس نحو مشروع SUNFED ، ولكن لسوء الحظ انقسمت بلدان العالم الثالث، فالهند التي كانت تدعم مشروع صندوق الامم المتحدة المتخصص غيرت موقفها لتدعم مشروع الولايات المتحدة الداعي لتكوين رابطة التنمية الدولية (IDA) تحت مظلة البنك الدولي ايضا، وتقوم بتوفير قروض ميسرة للعالم الثالث. وفرت الولايات المتحدة 42% من رأسمال رابطة التنمية الدولية وفي العام الاول لنشاطها منحت الرابطة 50% من قروضها للهند(2) ، الآن تتبع كل من IDA وال IFC لمجموعة البنك الدولي أما SUNFED فلا وجود لها.

? نظريات البنك حول التنمية:

⭕ لتحقيق النمو الاقتصادي لابد للدول النامية من الاستدانة وتشجيع الاستثمار الخارجي، نسبة لعجز رأس المال المحلي عن تلبية متطلبات النمو. على القطاع العام تهيئة البنى التحتية من طرق، سكة حديد، محطات الطاقة، المؤاني وشبكات الاتصال الخ و على القطاع الخاص تولى أمر التجارة، الزراعة، الصناعة، المواصلات والخدمات المالية والشخصية وكل ما يجني أرباحاً (2). كما ذكرنا سابقا، اتجهت قروض البنك الدولي لتمويل مشاريع البنى التحتية حصرا حتى السبعينات. هذه القروض يستدينها القطاع العام وتدفعها الدولة، لتهيئة الاساس الذي سيعمل عليه القطاع الخاص لجني الارباح وتحقيق النمو الاقتصادي المزعوم .

❌سنستعرض هنا أهم الاسس النظرية التي يستند عليها البنك الدولي في تسويق وصفاته كحقائق علمية مدعومة بالأرقام .

1️⃣ نموذج Heckscher-Ohlin-Samuelson (HOS):

⭕ اشتهر هذا النموذج في الثلاثينات فيما عرف بنظرية المزايا النسبية (comparative advantage). يشكل العمل، الأرض ورأس المال عوامل الانتاج، وتختلف الدول في مدى توفر هذه العوامل الثلاثة. في نموذج HOS تستفيد اقتصادات جميع الدول في السوق العالمي عند تخصيص الدولة للإنتاج والتصدير بالاعتماد على العامل المتوفر لديها بكثرة وبالتالي الاقل تكلفة، ستعمل التجارة الحرة على موازنة عوامل الانتاج بين الدول المختلفة بتصديرالدول للمتوفر واستيراد النادر الذي تصدره دولة اخرى لوفرته لديها وهكذا دواليك(2).

❌يتجاهل النموذج إختلاف ظروف الانتاج و طبيعة الرأسمال بين الدول النامية و الدول الصناعية. فإختلاف البنية التحتية و الوضع التعليمي و الصحي سيؤدى لاختلافات في عوائد الاستثمار حيث تتحصل الدول الصناعية على أضعاف عوائد استثمار البلدان النامية. (2)

2️⃣ مراحل النمو الاقتصادي الخمسة ل Rostow :

⭕ في 1960 قام والت روستو في كتابهِ مراحل النمو الاقتصادي: مانفستو غير شيوعي، بوصف خمسة مراحل تمر بها الدول لتنمو اقتصاديا. في المرحلة الاولى تعتمد المجتمعات البدائية على النشاط الزراعي تماما ولا وجود لاي تقدم تقني، ثم تأتي مرحلة يبدأ فيها التبادل والادخار وتظهر بعض التقنيات حتى الوصول الى مرحلة الاقلاع التي تزداد فيها معدلات الاستثمار والادخار وتتجه الدولة نحو النمو التراكمي. في المرحلة الرابعة يسود التقدم التقني جميع المجالات ويتنوع الانتاج ليأتي اخيرا عصر الاستهلاك الجماعي. يرى روستو أن في المرحلة الثالثة (كبريطانيا في الثورة الصناعية) لابد من دخول رؤوس اموال خارجية أي (الاستثمار الأجنبي) كشرط للنمو ولتراكم رأس المال لاحقا، وان الهدف هو الوصول إلى مرحلة الولايات المتحدة الامريكية بعد الحرب العالمية الثانية (2).

❌أوضحت العديد من الدراسات عدم دقة نموذج HOS ، كما وجهت العديد من الانتقادات لنظريه روستو لتبسيطها المخل وتجاهلها الحقائق التاريخية للدول الأخرى(2).

3️⃣ نموذج العجز الثنائي:

⭕ في منتصف الستينات، قام كلا من هولس شينري -الذي أصبح نائب رئيس البنك الدولي لاحقا- وزميله آلان ستراوت، بتقديم نموذج العجز الثنائي. في المراحل الاولى من النمو الصناعي، يمثل العجز في المدخرات -رأس المال المحلي- السبب الاول في عرقلة النمو، والذي يحتم ضرورة الاستثمار الخارجي، ولكن حتى وبعد الوصول الى مراحل متقدمة من التصنيع، يتسبب عدم توفر العملات الصعبة لاستيراد متطلبات الصناعة من معدات وسلع وسيطة ومواد خام، في عرقلة التنمية. ولحل عجز السيولة هذا لابد للدول النامية من أن تستدين (2).

❌يرى عدد من الاقتصاديين ضعف الأساس النظري لهذا النموذج، فرأس المال الاجنبي لم يدعم بل استبدل راس المال المحلي، إضافة للزيادة في معدلات الاستهلاك وبالتالي تقليل المدخرات. يظهر ذلك العلاقة العكسية بين التمويل الأجنبي والادخار القومي بوضوح (2).

4️⃣ التنمية عن طريق التصدير:

⭕ بدلا من استبدال الواردات – الاستعاضة عن توريد البضائع الاجنبية بالتصنيع المحلي- تقدم استراتيجية البنك الدولي التصدير والاستدانة كحل لعجز الدول النامية، والتبرير النظري لذلك كما توضح آن كروجر والتي ترأست البنك الدولي لاحقا هو”ان النظام القائم على التصدير بدلا من احلال الواردات سيقضي على البطالة لان الطلب على المنتجات في السوق العالمي سيكون لانهائيا” (2).

5️⃣ الأثر غير المباشر the trickle-down effect:

⭕ ظهر هذا المصطلح في أدبيات البنك الدولي منذ نشأته، وعاد مجددا للظهور في الثمانينات رغم تصاعد العديد من الانتقادات له. إن النمو الاقتصادي عن طريق وصفات البنك، يغذي جيوب الاغنياء أي المستثمرين، الذين لابد منهم لدفع عجلة الانتاج. لكن وبحسب منظري البنك فان هذا النمو الاقتصادي سيفيد لاحقا الفقراء بطريقة غير مباشرة عند تحسن الوضع الاقتصادي للدولة عموما، فالانشغال بالتوزيع العادل للثورات لا يعني شيئا إذا لم يكن هناك نمو اقتصادي.

بل يرى رئيس البنك الدولي السابق يوجين بلاك ان اللامساواة في الدخل ضرورة لازمة للنمو الاقتصادي وستمكن الناس من الهروب من الفقر.

❌ وبالرغم من أن دراسات البنك في فترة السبعينات أثبتت عدم صحة هذه الفرضية الا أن البنك عاد لمزاولة نفس الطرح النظري عند استلام آن كروجر لمنصبها في الثمانينات (2).

? تظهر الحقائق الآن وبعد عقود، فشل الخطط التنموية للبنك الدولي وصندوق النقد وان هذا الأساس النظري ونماذج النمو الاقتصادي التي تؤطر رؤية البنك انما نجحت في جعل الدول النامية، معتمدة على رأس المال الاجنبي وغارقة في الديون (9).

❌يروج خبراء البنك لسياساتهم بأن رأس المال الأجنبي سيعمل على زيادة معدلات نمو رأس المال المحلي حتي يصل لمرحلة لا يحتاج بعدها الى مزيدا من المنح. لكن ما يحدث في الواقع هو أن عوائد راس المال الأجنبي سرعان ما تهرب الى خارج البلد في شكل أرباح. تنبأ هؤلاء الخبراء بأن كولومبيا ستصل إلى هذه المرحلة المستدامة في عام 1965 ويوغسلافيا في 1966 والأرجنتين والمكسيك في 1965-1975 والهند في السبعينات وباكستان بعدها بثلاث الى أربع سنوات والفلبين في منتصف السبعينات! (2).

? يرى إريك توسان في مقاله “الأكاذيب النظرية للبنك الدولي”:

أن صندوق النقد العالمي والبنك الدولي يقومان بإقراض الدول بمنهجية تسعى للتأثير على سياساتها، فالدين الخارجي هو الوسيلة لإخضاع الدول المستدينة” وأن الخطط التنموية للبنك الدولي لم تفشل لأخطاء حسابية او لسوء في الادارة بل رُسِمت بدقة، وعُلمت في الجامعات وسطرت في آلاف الكتب عن التنمية الاقتصادية. فلا يوجد أبلغ مما صرح به كلا من ماكس ميليكان ودونالد بلاكمر في كتابهما (الدول الصاعدة: نموها وسياسة الولايات المتحدة) بأن “دعم الدول برؤوس الأموال يشكل وسيلة الضغط الامثل لإقناع هذه الدول النامية باتباع مصالح امريكا والعالم الحر، ولذلك لابد للمبالغ من أن تكون ضخمة وبشروط مرنة حتى يقتنع المتحصلين أن هذه اللعبة تستحق التعب!”(9)

? عمار أوروبا (خطة مارشال)، شروط إعفاء الدين الالماني مقابل شروط إعفاء ديون الدول النامية!

? بعد الحرب العالمية الثانية انقسم العالم الى معسكرين ، معسكر شرقي بقيادة الإتحاد السوفييتي ومعسكر غربي بقيادة الولايات المتحدة. كان كل معسكر يعمل على تقوية دُولهِ خصوصا ذات المواقع الإستراتيجية منها، وفي هذا الإطار قررت الولايات المتحدة ان أوروبا التي دمرتها الحرب لابد من اعادة اعمارها ومحاربة الفقر فيها وتنمية صناعتها. وبحسب الولايات المتحدة فإن أوروبا وقتها لم تكن قادرة على استيراد احتياجاتها الغذائية من الولايات المتحدة، وأن ضغط الاستيراد هذا سيعيق إنفاق الحكومات على اعادة البناء فشرعت الولايات المتحدة في مساعدة أوروبا، وبإيعاز منها تكونت المنظمة الاوربية للتعاون الاقتصادي في أبريل 1948، إذ طلب وزير الخارجية الامريكي جورج مارشال من الاوربيين تقييم وضعهم ولعب دور فعال في كيفية إدارة المساعدات التي يمكن ان تقدمها الولايات المتحدة (10).

❓فكيف ساعدت الولايات المتحدة أوروبا في اعادة التنمية والتقليل من الفقر؟

⭕ رسميا تحت مسمى برنامج التعافي الاوربي (خطة مارشال) قدمت الولايات المتحدة بين عامي 1948-1951 مساعدات مالية قدرها 13 مليار دولار (تعادل حوالي 122 مليار دولار بدولار 2017) 11 مليار في شكل منح و 2 مليار في شكل قروض (11)، المنح هي هبات مجانية لا ترد أما القروض فتسترد على فترة زمنية محددة بفوائدها. ووضعت الولايات المتحدة شروطها كالآتي :

1️⃣ يتم تحديد وتنسيق إعادة الإعمار بين الدول الاوربية داخل منظمة التعاون الاقتصادي الاوربية. 2️⃣ تستخدم المساعدات المالية لاستيراد السلع التي تنتجها الولايات المتحدة.

⭕ شطبت الولايات المتحدة ديونها على فرنسا وبلجيكا، وايضا تم عقد اتفاقية تخص ديون ألمانيا على بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة سواء تلك التي قبل الحرب أم بعدها، عرفت ب اتفاقية لندن 1953 حيث أقرت الاتفاقية أن الدول الدائنة الثلاث ستدخل في اتفاق مع المانيا ، ستحرص كل الاطراف على ان يكون عادلا وألا يتسبب في تدهور الوضع المالي لألمانيا وألا يستنزف مخزون ألمانيا من العملات، بلغت ديون المانيا قبل الحرب 22.6 مليار مارك الماني و 16.2 مليار مارك لفترة ما بعد الحرب. أقرت الاتفاقية تخفيض ديون ما قبل الحرب إلى 7.5 مليار وديون ما بعد الحرب الى 7 مليار ، أي شطب ما قيمته 62.6 % من ديون المانيا. أيضاً نصت الاتفاقية على ايقاف عمليات الدفع واعادة التفاوض اذا لم تستطع المانيا السداد. وقبل الدائنون ان تدفع المانيا ديونها بعملتها المحلية، وأن تقلل ألمانيا كذلك من استيراد السلع التي يمكن ان تصنعها محليا، وتم الاتفاق على ان لا تتعد نسبة المدفوع من الديون 5٪ من عائدات الصادر الالمانية وذلك بغرض التأكد من الا تدفع ألمانيا ما يفوق طاقتها. إضافة إلى ذلك تم ضبط معدلات الفائدة بحيث تتراوح بين 0-5 %، واضعين في الاعتبار ما تلقته ألمانيا من دولارات خطة مارشال و200 مليون دولار اضافية كمساعدات امريكية. وتمكنت ألمانيا من سداد ديونها في وقت وجيز في عام 1960.

? حسب اريك توسان كان الغرض من الاتفاق المحافظة على نمو الاقتصاد الالماني ومساعدة المانيا في تحسين رفاهية مواطنيها وتمكينها من دفع ديونها دون أن تصبح فقيرة. نبقى مع اريك لنعرض مقارنة بين كيفية معاملة بلدان العالم الثالث فيما يخص المساعدات وسداد القروض وكيفية معاملة المانيا:

⭕برغم خروجها من حرب كانت المانيا اقوى اقتصاديا من دول العالم الثالث في يومنا هذا ومع ذلك تلقت من المساعدات ما تنكره الدول الغربية على الدول النامية اليوم.

⭕ نسبة مدفوعات الديون إلى عوائد الصادر : سمح لألمانيا بأن تكون مدفوعات سداد الديون اقل من 5% من عوائد ما تصدره، اما الدول النامية فأن متوسط نسبة مدفوعات ديونها يبلغ 12.5 % من عوائد الصادر، وفي أواخر التسعينات تجاوزت هذه النسبة ال 20.%

⭕ معدل الفائدة على الدين الخارجي : حددت اتفاقية لندن معدلات فائدة لا تتجاوز ال 5% لألمانيا. مقارنة بألمانيا فإن معدلات الفائدة للدول النامية كانت عالية وتراوحت في الفترة من 1980 إلى 2000 بين 4.8 و 9.1%.

⭕ العملة التي يجب ان تسدد بها الديون: سمح لألمانيا أن تسدد ديونها بعملتها المحلية بينما يجب على الدول النامية السداد بالعملة الصعبة

⭕ امكانية مراجعة الاتفاق: سمحت اتفاقية لندن بإمكانية ايقاف مدفوعات الديون، بينما اتفاقيات الدول النامية لا تتضمن إمكانية كهذه.

⭕ إضافة إلى مزايا اخرى تضمنها التعامل مع المانيا وكوريا الجنوبية والفلبين ودول اخرى تعتبرها الولايات المتحدة استراتيجية (البنك الدولي والولايات المتحدة سمحا لكوريا الجنوبية بانتهاج سياسات حظرها البنك في البرازيل والمكسيك).

? خلص اريك إلى ان عدم منح هذه المزايا للدول النامية يوضح ان الدائنين لهذه الدول لا يقرضونها بغرض تخليصها من ديونها بل تكمن مصلحتهم في الحفاظ عليها في حالة مديونية دائمة وعندها يمكنهم جني الارباح من خلال فوائد الديون وايضا من خلال التحكم في سياساتها والتأكد من ان تحافظ هذه الدول على ولائها للمؤسسات الدولية المختلفة (2).

⭕ عندما أرادت الولايات المتحدة مساعدة أوروبا وكوريا الجنوبية لم تلتفت للطرق والوصفات التي يطرحها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والتي يروج لها باعتبارها “نظريات علمية” وطرق سليمة لمحاربة الفقر وتنمية البلدان، بينما تلتزم الدول النامية بهذه الوصفات ولا تحصل إلا على المزيد من الديون

? المراجع تستند هذه المادة بصورة أساسية على كتابات اريك توسان في هذا المجال، وبعض الفقرات مترجمة كما هي من كتابه (البنك الدولي: نقد تمهيدي)

1. The Bretton Woods Conference, 1944. [online] Available at: https://2001- 2009.state.gov/r/pa/ho/time/wwii/98681.htm [Accessed 14 Oct. 2019].

2. Toussaint, E. (2008). The World Bank. London: Pluto Press.

3. Imf.org. (2019). About the IMF History. [online] Available at:https://www.imf.org/external/about/history.htm [Accessed 14 Oct. 2019].

4. Imf.org. (2019). Factsheet – IMF Concessional Financing through the Enhanced StructuralAdjustment Facility (ESAF). [online] Available at:https://www.imf.org/external/np/exr/facts/esaf.htm [Accessed 15 Oct. 2019].

5. World Bank. (2019). History. [online] Available at:https://www.worldbank.org/en/about/archives/history [Accessed 14 Oct 2019].

6. Imf.org. (2019). IMF Members’ Quotas and Voting Power, and IMF Board of Governors. [online]Available at: https://www.imf.org/external/np/sec/memdir/members.aspx [Accessed 20 Oct..]2019

7. Hans Schmeets (2018) How World Bank Governance Indicators May Predict the Assessment of Elections by International Observers: Evidence From the OSCE-Region, Nordic Journal of Human Rights, 36:1, 55-73, DOI: 10.1080/18918131.2018.1446623

8. Manzer, R. (1964). The United Nations Special Fund. International Organization, 18(4), pp.766- 789.Oecd.org. (2019). The “Marshall Plan” speech at Harvard University, 5 June 1947 – OECD. [online] Available at: https://www.oecd.org/general/themarshallplanspeechatharvarduniversity5june1947.htm [Accessed 20 Oct. 2019].

9. Harvard Gazette. (2019). 70 years ago, a Harvard Commencement speech outlined the Marshall Plan, and calmed a continent. [online] Available at: https://news.harvard.edu/gazette/story/2017/05/70-years-ago-a-harvard-commencement- speech-outlined-the-marshall-plan-and-calmed-a-continent/ [Accessed 20 Oct. 2019].

10. “Marshall Plan | Summary and Significance”. Encyclopedia Britannica. Retrieved 2018-03-09.

11. Carew, Anthony (1987). Labour Under the Marshall Plan: The Politics of Productivity and the Marketing of Management Science. Manchester University Press. ISBN 978-0-7190-2553-2

حرب الشعب والجنود ضد البرهان لا تحت قيادته: نداء ثوري للشعب الاثيوبي

? إنه لنذير شؤم للثورة أن يقود البرهان حرباً ضد القيادة الاثيوبية تحت دواعٍ دفاعية مزعومة و ما إن وصل أول جندي إلى نقطة الحدود الدولية في الفشقة الكبرى يوم الاثنين الماضي، حتى ظهر الثمن: قالت صحف الثلاثاء أن موازنة سنة 2021م تشمل زيادة في الإنفاق على الدفاع والداخلية وستخفّض موازنة التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية، وستغوص الموازنة في عجز بقيمة 300 مليار جنيه. لهذه الحرب سعر، والبرهان لا يتورع عن المضاربة فيه.

⭕️ إشعال حرب مع الخارج هو محاولة لممارسة السياسة في الداخل بأدوات أخرى. ويشترك آبي أحمد رئيس وزراء اثيوبيا مع البرهان في تطبيق هذه القاعدة الآن. والتقى حس برهان التجاري باندفاعية آبي وطفولته السياسية ليصنعا واقع الحرب الحالية. فآبي الذي وصل للسلطة مثل البرهان بعد احتجاجات وتحركات جماهيرية أجبرت الحاكمين على استبدال سلفه هايلي ميريام ديسالين، يحاول تقوية قبضته على السلطة، ورفض إقامة الانتخابات في مواعيدها مرتين، ويجّر بلادهم لحرب أهلية ضد إقليم تغراي بعون أرضي من إريتريا وبتكنولوجيا الدرون الإماراتية.

⭕️ ودخول ميكيلي لا يغير من حقيقة أن حرب العصابات في تلك المرتفعات حقيقة من يوميات الحياة، لقد سدّد ضربة موجعة لدبرصيون جبرميكائيل حاكم الإقليم ولكنه لم ولن يقتله بعد، وسيظل الباب الذي فتحه باباً نحو مزيد من الحرب لا للنصر النهائي. أما البرهان الذي يحكم بإرادته الكاملة والمطلقة كل السودان، فيريد أن يسوّر انتصاره على مدنيي الحرية والتغيير وحمدوك ويحصّنه، يريد أن يجثو حمدوك على ركبتيه ويقدّم له فروض الاستسلام علناً. يريد البرهان التتويج. ولكنه يعلم تماماً أن ثلاثة قوى لا زالت له بالمرصاد: لجان المقاومة صاحبة تسقط تالت، وعمال كنانة وعسلاية المحتشدون في الإضرابات، وصغار الضباط والجنود الذين مازالوا ينظرون له بعين الاحتقار والغبن بعد أن جردهم من السلاح وجلب عليهم العار بمجزرة 3 يونيو.

⭕️ يريد البرهان أن يشعل فيهم حماسة نابليونية ولكن أن تصب لصالحه لا ضده، موجّهة ضد عدو خارجي متوهم. (كيف تضربون عن العمل والبلاد في حالة حرب؟ كيف تسقط تالت والجنود على الحدود؟ كيف لا تنفذون أيها الجنود تعليمات الضباط الكبار على الجبهة؟ هذه خيانة!) يريد البرهان أن يجلب هذه المقاطع إلى مجال النقاش العام، فيتحول إثر هذه الحرب إلى الزاكي طمبل أو جنرال جياب في حرب وطنية ضد غزو أجنبي. ولن يقصّر مدنيو التسوية الانتهازيون، والكيزان، وكبار التجار والمضاربين، وموظفو منظمات الكوارث الدولية، ومصدرو السلع الزراعية، والقادة القبليون النشطون في تهريب البشر والسلاح في الهتاف بصوت واحد: اخترناك اخترناك يالبرهان! البرهان حربو تمام! لأنهم الرابحون من حربه. لن تمنع الخلافات الهامشية إسلاميي المؤتمر الوطني أو علمانيي المؤتمر السوداني ويساريي منظمات الكوارث وريفيي الإدارة الأهلية من الإنصهار في كيان واحد خلف من سيجلب لهم الأرباح ويشل حركة أعدائهم من قوى العمل والسلاح والمتاريس بالخطاب الكاذب في البداية، ثم بالدم.

? وتدور الحرب الآن تحت دعاوى كاذبة بالدفاع. وهو أمر تمت صياغته بدقة تحصنه من النقد. لقد ظلت الأراضي محل النزاع اليوم معترفاً بها تحت السيادة السودانية، ولم تفقد بهزيمة عسكرية، بل بعد كارثة ديبلوماسية سنة 1995م بعد محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في أديس أبابا. انفتحت بعدها جبهات الحرب وسحب الجيش من قواعده في المنطقة بأوامر عليا بعد اشتباكات مع القوات الاثيوبية. واعترفت اثيوبيا اسمياً بسيادة السودان على المنطقة ولكنها لجأت لسلاح آخر للحصول على الأرض: للمال. في شبكة معقدة للفساد بين كبار ملاك الأراضي السودانيين، والضباط العظام في القيادة الشرقية، والمحامين، وعصابات الشفتا والسلطات الرسمية لإقليم أمهرا، كان يتم إيجار الأرض بأربعة أو خمسة أضعاف سعرها وبأوراق رسمية موثّقة في القضارف وتصل بالباطن إلى المالك الاثيوبي النهائي. ومن يرفض الخضوع لهذه الشبكة كان عرضة لانتقام ونهب الشفتا تحت بصر أجهزة القانون السودانية التي لا ترى إلا ما تريد أن تراه. وتنكشف شراكة اللصوص شاغلي المناصب الرسمية على جانبي الحدود عندما نفكر في سعر العمل المنتج في هذه الأرض.

⭕️ إن العامل الزراعي الاثيوبي ظل دائماً وبصرف النظر عن مالك الأرض يتلقى الأجر المنخفض والبائس نفسه والأقل حتى من حد الكفاف، بينما يتم اقتسام الأرباح بعيداً عنه وعن المالك السوداني المفترض والراعي اللذين انسدت أمامهما سبل العيش في الفشقة. في الحدود فوضى ظاهرية يختبئ وراءها نظام محكم للاستغلال والقهر. يشترك فيه جميع من في السلطة ضد جميع من هم خارجها، ويربح فيه الطرف الأول فقط سواءاً أكان يقيم في قندر أم في القضارف.
واستمر هذا النظام بعد أن وصل البرهان للسلطة، يريد فرض قانون جديد ليزيد حصته في نظام السرقة هذا، لا ليلغيه. وهذا دافع اقتصادي يضاف للحافز السياسي ويهلل له جمهور يعرف مصالحه المادية جيداً. النظام الجديد لن يكون أقل قسوة على العاملين الزراعيين الاثيوبيين ولا أكثر محاباة للمزارعين والرعاة السودانيين، بل سيكون أشد عنفاً وقسوة وتخريباً. وآبي أحمد بحربه ضد إقليم تقراي قد وضع 50 ألف عامل زراعي إضافي في يد البرهان ليحركهم في مزارع جديدة، وبالتأكيد، بأجور أقل، وأرباح أكبر. وهذا أهم مايريده البرهان.

⭕️ وحتى نتحقق مما يريده البرهان علينا أن ننظر في خطته العسكرية. الاحتمالات التي وضعها والقوى الموظفة والتداعيات العسكرية والدبلوماسية المرجّحة. إن العوامل الطبيعية والظروف الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية مأخوذة في مجموعها هي ما يحدد ظروف الانتصار ويحكم طبيعة الحرب سواءاً أكانت دفاعية أم هجومية.

? ونحتاج أن نلقي نظرة أكثر قرباً على الجيشين السوداني والاثيوبي. وعلى الرغم من أن عدد سكان اثيوبيا يتجاوز السودان بمرة ونصف تقريباً، إلا أن هناك تعادلاً شبه تام في بقية المؤشرات: تبلغ نسبة السكان في سن الخدمة العسكرية القابلين للإستدعاء 1:1.5 لصالح اثيوبيا، فإن عدد القوات يميل لصالح السودان بنسبة ضئيلة هي 1 مقابل 1.2. ويملك السودان تقريبا ضعف عدد الطائرات القتالية لدى نظيره الاثيوبي وخمسة أضعاف الهليكوبترات الهجومية و 690 دبابة مقابل 400 لدى الاثيوبيين، تنقلب الكفة عندما يأتي الأمر لمدافع الميدان وراجمات الصواريخ التي تمتلك اثيوبيا عدداً مقدراً منها بينما لا تحوزها القوات السودانية. ويعود التفوق للسودان عندما نرى القوات البحرية التي يملك السودان فيها 18 سفينة بينما اثيوبيا العالقة بلا سواحل لا تملك سلاح بحرية واستيرادها تحت رحمة جيبوتي وخط السكك الحديد الدولي الذي يربط الميناء بالداخل. ولكن العامل الأكثر سطوعاً في التفاوت بين الجيشين هو الموازنة: ينفق الجيش السودان 8 أضعاف نظيره الاثيوبي ويملك قاعدة للتصنيع الحربي أكثر اتساعاً وتنظيماُ.

? ونحلل التضاريس. وهي تفرض واقعها الخاص اللذي يجب أن تأخذه كل خطة عسكرية في الاعتبار. الحدود الدولية بين السودان واثيوبيا ليست فقط مجرد رسم وهمي لخط على خريطة، بل هي في غالبها تحديداً في القطاع الشمالي الذي تدور فيه الاشتباكات حالياً حدود طبيعية تفصل السهل السوداني على القضبة الاثيوبية، حسب خط غوين المحدد سنة 1903م وتمتد لحوالي 300 كلم من خور يابوس جنوباً في الحدود الثلاثية مع جنوب السودان حتى الحرة شمالاً حيث الحدود الثلاثية أيضاً مع اريتريا. ويزداد الارتفاع كلما توجهنا شرقاً وجنوباً.

?ونبدأ بتوقيت شن الهجوم وملابساته. تدور اشتباكات بين الشفتا والجنود السودانيين منذ فبراير الماضي ولم يرد البرهان مباشرة عليها، بل فضّل الانتظار. أتى توقيت الهجوم بعد تعثر مفاوضات سد النهضة التي طالب فيها الوفد السوداني بتغيير نهج التفاوض. وإذا أخذنا بالاعتبار أنه حتى مركز معلومات وزارة الري تسيطر عليه قوات تابعة للجيش ووصل الأمر لشكوى وزير الري لوسائل الإعلام منها علانية، فإن القول بسيطرة البرهان الكاملة على ملف التفاوض مقبول ومرجّح.

ولم يكن تصريح وفد التفاوض حول السد إلا خطوة تصعيدية مضمرة. العنصر الثاني في التوقيت هو اندلاع الحرب الأهلية في اقليم تغراي الذي أجبر الجيش الفيدرالي الاثيوبي وعدداً كبيراً من المزارعين الكبار من التقراي في الفشقة للانسحاب من جبهة بلادهم الغربية نحو الجبهة الشمالية. مما خلق نقطة فراغ تسمح بالتقدم. وفي توقيت مقارب والعنصر الثالث في التوقيت، كان سلاح الجو المصري في تدريب مشترك مع نظيره السوداني في قاعدة مروي الجوية، وهذه ليست بالتأكيد صدفة. وقبل اتخاذ قرار الهجوم، لم يقم البرهان بتحشيد قوات كافية. إذن: اختير التوقيت التي تكون فيه الجبهة الاثيوبية ضعيفة، وقوات الجيش غير كافية، مع استعداد في سلاح الجو مع قوة أجنبية أخرى.

?والخلاصة هي أن شروط انتصار نهائي وجازم لطرف على آخر مستحيل في هذه الحرب. إن التوازن العسكري الحالي، حتى إذا أخذ معزولاً عن الجوانب السياسية والدبلوماسية، سيؤدي إلى شربكة الخصمين في مستنقع لا مخرج منه. خصمان ضعيفان مستميتان في حرب عبثية تزيدهما ضعفاً. في هذه المرحلة، يخوض الجيش السوداني الحرب بطريقة نظامية بقوات مشكّلة حسب الأكاديميا العسكرية الكلاسيكية وهذا سيحقق نجاحاً في إبعاد الشفتا، مع بعض المناوشات مع الجيش الاثيوبي الرسمي. ولكن ستبدأ المشكلة عندما تتمركز هذه القوى في معسكرات ثابتة وتصبح طرق إمدادها أكثر استقراراً، عندئذ ستكون مكشوفة أمام الحرب غير النظامية التي ستشنها الشفتا بدعم الجيش الفيدرالي. وهذا التمركز الجديد حتى يستقر لزمن كافٍ يتطلب غطاءاً جوياً دائماً بواسطة المروحيات واستخدام القوات الخاصة خفيفة الحركة على نمط البيريات الخضر المجهزة على خوض حرب العصابات الطويلة. ويتطلب هذا أيضا السيطرة على المرتفعات المطلة على الحدود وإبعاد الجيش الاثيوبي منها والحفاظ عليها بطلعات جوية من سلاح الجو، أي باختصار تحويل الطابع الدفاعي المزعوم لهذه الحرب إلى حرب عدوانية سافرة. ولأن الامكانات التكنولوجية والحدود التي تفرضها التضاريس بعيدة عن تحقيق ذلك، فهذا سيدفع المخططين في الجيش السوداني للاستعانة بقوات غير تقليدية موازية قد تكون الدعم السريع أو – في مرحلة لاحقة – مليشيات جديدة مشكلة محلياً، لمواجهة المليشيات الاثيوبية والشفتا، ولضرب الجيش الفيدرالي الاثيوبي نفسه. الإنهاك والجمود سيولد مليشيات على خطوط اثنية وقبلية بدفع من الجيشين الرسميين وبدعم منهما. والأخطر أنه سيدفع كلا الخصمين لتوسيع فضاء المعركة إلى مساحات جديدة.

? وإذا نظرنا للحدود الدولية المتشابكة بين السودان وأثيوبيا وجنوب السودان وأريتريا، فإنها تشكل حيزاً هائلاً لحرب من النوع غير النظامي والذي سماته الأساسية هي صغر حجم الوحدات المقاتلة، واتساع نطاق ساحة الاشتباك، وعشوائية التشكيلات العسكرية والتسليح الخفيف والاحتماء بعوامل الطبيعة من غابات وتضاريس. والبنية الاجتماعية القبلية والاثنية على الشريط الحدودي تعيش حالة من التهديد الوجودي بسبب تغلغل الأسواق وتسليع الحبوب والضغوط المناخية وازدياد حدة الاشتباكات فيما بينها على موارد العيش، في الوقت الذي تطبق فيه حكومات السودان واثيوبيا سياسات تقشفية في الاقتصاد وتبيع اراضيهم للاستثمار الجشع في الزراعة التصديرية، اقتصاد نهب وإفقار. وبالتالي تعمل على تسليح نفسها لحماية موارد عيشها من النهب ولمجابهة منافسين آخرين من نفس البيئة وللاعتراض على السياسات الاقتصادية المركزية. ويعيش في هذه المنطقة 30 مليون شخص على حافة المجاعة. يكفي للتدليل على ذلك مجزرة التي ارتكبت في إقليم قمز-بني شنقول جنوب اثيوبيا على بعد 450 كلم جنوب مسرح العمليات في الفشقة راح ضحيتها 400 مدني بيد جماعات من المنطقة ترى في الضحابا مجرد وافدين يسرقون خيراتهم يوم الاربعاء الماضي. وهذا مجرد مثال. وسيلقي التنافس والتنازع بين آبي والبرهان شرارة على برميل البارود هذا. بل سيحفزهم يأس هذه المجتمعات للدخول في لعبة التسليح المتبادل. وبالتأكيد، لن يستخدم المسلحون الجدد سلاحهم حسب أوامر العواصم حصراً، بل كيفما يرون أن مصالحهم. نحن الآن نشهد تكون دارفور الشرقية مرة أخرى.

⭕️ هذا التحليل العسكري لا يكتمل دون الإجابة على سؤال من سيمول الحرب؟. في الخرطوم تستهلك الحكومة ثلاثة أرباع الإقراض المصرفي ولا يمكن أن يتوسع ذلك أكثر في السياق الحالي. إن الدولة الآن قد ابتلعت المجتمع بكل خيراته لتنفق على ذاتها. وهذا سيجعل البرهان رهناً لصاحب القوة العسكرية الاقليمية التي يرى أنها قادرة على حسم الصراع لصالحه: الجنرال السيسي. ومن يتابع حالة الشبق الاعلامي التي تنتاب معلقيه هذه الأيام لابد من أن يستغرب. هناك حيمة شرهة للحرب. وفي اللحظة التي ينهار فيها الطرفان لن يستغرب أحد إذا تعرض سد النهضة الاثيوبي لضربة جوية في وسط انشغاله بالمناوشات على الحدود السودانية، وآبي بطفوليته سمح لنفسه بالانقياد وراء التصعيد في اقليم تغراي مما فتح اثيوبيا أمام هذا المأزق. حرب على عدة جبهات وسط اقتصاد مختنق. إن هذه الحرب التي لا منتصر فيها لن تجلب لمزاعي القضارف والرعاة أرضهم، ولن تحرر عمال الرزاعة الاثيوبيين من قهرهم، ولن يمانع البرهان غداً في تسليم الفشقة مجدداً لمن مات الجنود في قتالهم بالأمس إذا وجد في ذلك منفعة قصيرة الأمد. وبيان مرازعي الفشقة الرافض لما أحس أنه استهبال من البرهان دليل على أرجحية ذلك. بل لها هدف واحد: أن تستمر لأطول زمن ممكن ليتاح لكل ديكتاتور منهم زيادة الانفاق العسكري على حساب الحليب والتعليم، ولإسكات المعارضة الثورية في الداخل، وانهاك القوى الثورية بقتال بعضها البعض وتهرق دمها في عبث باسم الوطنية والكرامة. إن الجنود وصغار الضباط الذين خالفوا تعليمات البشير والبرهان وانحازوا للثورة بحماية القيادة العامة وأهينوا بمجزرة 3 يونيو، يراد التضحية بهم الآن بالحرب على الحدود بإدخالهم في حرب لا مكان فيها لانتصار. الفشقة أرض سودانية. ولكن لمن؟ للبرهان أم للشعب العامل فيها؟ والقضارف التي تنتج معظم غلال وحبوب البلاد هي حيث ينتشر السل وسوء التغذية بينما تزدهر الخرطوم بالمباني والسيارات. إن سؤال السيادة الوطنية لا يطرح مجرداً من وقائع الإستغلال. لنا نحن سيادتنا على الفشقة نحدد ما يزرع فيها ونوزع الناتج بديمقراطية وعدالة. ولكن من نحن؟ نحن العمال الاثيوبيون، نحن الجنود، والنازحون، نحن المزارعون، باختصار نحن المضطهدون، نحن ثورية لا تشمل البرهان ولا آبي أحمد، بل هي ضدهم، في مواجهتهم، إذا كان المستبدون على استعداد لتناسي خلافاتهم وإنشاء حلفهم، فنحن أيضاً لنا حلفنا، أممية الثوريين.

❌إن الدفاع عن الوطن لا يمكن أن يتم إلا تحت قيادة ثورية وأن تكون حروبها محددة الهدف وترفض أن تخضع العاملين لاضطهاد جديد.

?حرب الجنود والشعب هي حرب ضد الاستغلال، ضد البرهان، ضد آبي أحمد، ضد العنصرية والترويج للقبلية، ضد الديكتاتورية، لا تحت قيادتهم، لا تحت شعاراتهم، لا مع راياتهم. لا يساند الثوريون حرباً تحت قيادة عدوهم، عاشت وحدة الشعوب! السلام مع الشعب الاثيوبي! لا حرب تحت قيادة الخونة! يسقط حمدوك والبرهان!.

❓ برهانتياهو : كيف تفكّر الثورة في السياسة الخارجية؟

⭕ مقدمة

⭕ بعد الثورة ومع التسيس العالي لقطاعات عريضة من الجماهير ، وإتساع قاعدة التفكير والتقرير في الشئون والمصائر العامة ،أصبح الجميع متحمساً للنقاش والحوار. وجدنا أنفسنا فجأة أمام أسئلة لم يكن التفكير فيها ممكنا أو ضروريا قبل ديسمبر 2019م. قبل ديسمبر إنحصر تفكيرنا في الكوز الوالي، في ابتكار أساليب مواجهة قمع الأجهزة الأمنية، والتغلب على حاجز الخوف والسلبية . فجأة، بعد 11 أبريل، تبين لنا وجوب التفكير: في فلسطين، والصين، والإمارات، ومحمد بن سلمان، جنوب السودان ، وليبيا، ، إذا كنّا نريد الانتصار على البرهان وحميدتي وحلف الساسة الباعو الدم. من أهم هذه الأسئلة التي طرحتها الثورة :

ماهو موقف الثوّار من قضية فلسطين؟

⭕ في الإسبوع الماضي أثارت تصريحات الناطق الرسمي بإسم وزارة الخارجية عن نية السودان تطبيع العلاقات مع إسرائيل، الكثير من الجدل، الغضب والإدانة , وأيضا التأييد! مثلما كان الحال مع لقاء عبد الفتاح البرهان مع رئيس وزراء دولة الإحتلال بنجامين نتنياهو مطلع العام الجاري . فتح هذين الحدثين أبوابا للنقاش والتفكير العام لم توصد بعد،

? يجب أن نتخذ نحن الثوريون ، ناس( الترس دا ما بتشال)، موقفاً واضحاً حيال هذين الحدثين.

⭕ بداية نري أنه من الضروري للثوري إتخاذ الموقف الصحيح من كل حدث و كل خبر، ( وصحة الموقف تتأتي من كونه في مصلحة الشعوب والجماهير المستغلة والمضهدة ). ولكن، الموقف الصحيح يأتي من نقاش واسع، صريح، ومستند على الحقائق وقائم على الاحترام المتبادل، وليس من التعصب الذي لا يسنده منطق.

❌ في مايلي نطرح خمس⁦5️⃣⁩ نقاط تجعل رفض التطبيع مع إسرائيل هو الموقف الثوري والمنحاز لنضالات الشعوب ضد مستغليها ومضهديها ، من حيث كونها دولة إحتلال وإبادة وتمييز عنصري ،ترسخ علاقات الإستبداد والإستغلال والإضهاد داخليا ،مع ترسيخ موازي لعلاقات الإستغلال والتبعية للمراكز الإمبريالية مما يجعلها مانعا قويا ضد الثورات والتغير الإجتماعي لمصلحة أكثرية السكان في المنطقة . وفي النقطة السادسة⁦6️⃣⁩ نبتدر طرحا في السياسة الخارجية للثورة يزاوج بين الثورية والواقعية ويدحض إدعاءات الإنتهازيون الإنهزاميوم المغلفة بلبوس ” الواقعية “.

⭕ننوه إلي أن النقاش حول قضية التطبيع قد يطول ويتشعب ، وربما يثير بعض الخلافات، ويوقعنا في بعض الأخطاء. ولكن، ماهي الثورة إن لم تكن الشجاعة في مواجهة كل شيء، بدءاً من التاتشرات وانتهاءاً بقضايا الفكر.يجب ألا نخشى الخلاف، بل يجب أن نخشى السكوت على الخلافات ،أكثر من خشيتنا الخلاف في ذاته ، فليكن شعارنا “أسمع كلام الببكيك” بدلاً عن الطبطبة والمجاملات.

1️⃣ اسرائيل دولة عنصرية :
⭕ توجد في كل الدول أشكال من التمييز ضد فئه أو فئات من السكان. هنالك تمييز ضد النساء، وضد المهاجرين من دول أخرى، تمييز ضد أقليات وقبائل معينة، إلخ. تعاني الكثير من الفئات الإجتماعية من درجات متفاوتة من التمييز المجتمعي ، والإقصاء ، ولكن لم تتوقف الشعوب عن النضال ضد كافة أشكال التمييز بكل الوسائل، لم تستسلم له. ولكن مشكلة الثورة السودانية مع إسرائيل هي نفس مشكلتها مع البشير: كلاهما يحوّل التمييز من ظاهرة اجتماعية يجب محاربتها إلى سياسة رسمية تتبناها الدولة وتعمل على تنفيذها بالعنف.

⭕ إسرائيل تمارس التمييّز العنصري ضد الملايين من الفلسطينيين، تحرمهم من الحق الإنساني في التنقل( 1)، والتعليم، وبناء المنازل، وحتى من المياه النقية. وصف توني كاسريل – وهو يهودي من جنوب افريقيا ومناضل ضد نظام الفصل العنصري في بلاده لمدّة طويلة- أن ماتقوم به إسرائيل يذكره بحكومة بلاده زمن نظام الفصل العنصري. “أرى نفس السياسات الوحشية في إسرائيل” يكتب كاسريل في صحيفة بريطانية(2).

⭕ ولا تقتصر عنصرية إسرائيل علي الفلسطينيين فقط، بل يمتد الأمر للاجئين الأفارقة في إسرائيل. ومعظمهم من مناطق الحروب الأهلية في السودان ومن اريتريا. وبحسب القانون الدولي، إسرائيل ملزمة بتوفير الملجأ والحماية لهم حتى تتعامل منظمات اللاجئين الدولية مع أوضاعهم. ولكن، كان للحكومة الإسرائيلية رأي آخر، ففي شهر يناير 2018م، وحسب شهادات نقلتها صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، عرضت إسرائيل على 38 ألف لاجئ خيارين: 3500 دولار لكل لاجئ مع تذكرة عودة إلى بلد ثالث في إفريقيا، أو السجن(2). ولنا طبعاً أن نتخيل مصير لاجئ سوداني وقد تمت إعادته بهذه الطريقة وقت حكم البشير. “إسرائيل صغيرة وعندها مشاكلها الخاصة، وليس بمقدورها أن تعمل كوكالة تشغيل من أجل القارة الإفريقية” تقول آيليت شاكيد، وزيرة العدل الإسرائيلية في بوست على فيس بوك مبرراً هذه السياسة(4).

⭕ لم يسلم اليهود من أصول عربية من العنصرية. في بحث أكاديمي كتبته سارة لودين عنوانه “القومية الإسرائيلية: بناء الصهيونية وأثره على العنصرية بين اليهود، السياسة، والخطاب الثوري”، تقول خلاصته :

“على الرغم من الحماس في الغرب وإسرائيل لفكرة الوطن اليهودي الذي يضم كل اليهود ويعاملهم على قدم المساواة، فإن البحوث المعاصرة تعرض صورة مخالفة تماماً لذلك. تتواصل انتشار العنصرية الثقافية والجسدية بمعدلات تشبه الوباء بواسطة الحكومة، ورجال الدين المؤثرين والمجتمع ككل.” الجدير بالذكر أن هذا البحث هو الأعلى انتشاراً بين البحوث الأكاديمية التي تغطي مبحث العنصرية في إسرائيل(5)

? نتذكر شعارنا “يا عنصري ومغرور”. والتشابه بين نتنياهو والبشير أكبر من أن لا نراه.

2️⃣ قد تخشى إسرائيل بعض الحكومات، ولكنها تخشى كل الشعوب:

⭕ إذا نظرنا لأي شعب خرج في ثورة، سنجد أنه يتعاطف بصورة طبيعية مع بقية الشعوب التي تعاني مثل معاناته. والشعب الفلسطيني في مقدمة تلك الشعوب. لأنه يتعرض لإضطهاد لا مثيل له في التاريخ المعاصر.
✊? “التضامن” هو الأسلوب الذي اخترعته الشعوب من أجل حماية نفسها من الإضطهاد وتوسيع صفوفها. لا تملك الشعوب المضطهدة سوى وحدة صفوفها وإذا تفرقت واختلفت، هزمت. عندما هتفنا “كل البلد دارفور” كنا نعلن التضامن مع كل ضحايا البشير في البلاد، ونوحّد صفوفنا، وهكذا انتصرنا. ⁦

⁦✊?⁩ إذا كبرنا المقاس قليلاً، سنجد أن نفس القاعدة تنطبق على كل شعوب العالم. عندما تعرضنا لمجازر 3 يونيو، وقف أحرار العالم وثواره معنا، وضغطوا على المجلس العسكري وحاصروه وتم كشف كل الفضائح والفيديوهات التي كان يحاول إخفاءها بقطع الانترنت. التضامن سلاح الشعوب. وهو السلاح الأقوى لدى الشعب الفلسطيني في مواجهة إسرائيل. ولهذا، لا يمكن أن ترتاح إسرائيل لأي ثورة. لأنه من الطبيعي أن ينظر الثوار لقضية الفلسطينيين بتعاطف وتضامن.?

⭕ قد تخشى إسرائيل أسلحة بعض الدول أو جيوشها، ولكنها تملك العتاد العسكري المتطور. ولكن بمجرد ما أن تبدأ ثورة حقيقية في التبلور حتى تجد أنها قد أخذت صف أعدائها القدامى ضد شعوبها. مصر بعد ثورة يناير، دعمت إسرائيل رئيساً ينتمي للإخوان المسلمين وكانت العلاقات تسير بهدوء بينهما، وفي سوريا، كانت تنظر بسعادة لبشار الأسد وهو يقتل شعبه، ووقفت مع السيسي ضد ثورة مصر، ومع كل الأطراف في اليمن ماعدا الشعب اليمني.

? الحكومة عدو مؤقت، الشعوب عدو دائم. هكذا تفكر إسرائيل في الثورات. لأنها لاتريد أن يتضامن أحد مع الشعب الفلسطيني، تريد استمرار عنصريتها دون معارضة.

⁦3️⃣⁩ الحكومات الدكتاتورية تكره إسرائيل أحياناً، وشعوبها والشعب الفلسطيني دائماً

⭕ فلننظر إلى سوريا وبشار الأسد. لم يطلق الأسد رصاصة واحدة ضد إسرائيل منذ 1973م. بينما حطم سوريا كلها لأنها قالت “حرية”. وكلما ضربت إسرائيل هدفاً في الداخل السوري، قال بشار “نحتفظ بحق الرد” حتى جمع ترسانة جميلة من حقوق الرد المتراكمة.

⭕ والبشير الذي دائماً ما كان يصرخ باسم فلسطين، عندما أحس بإقتراب الثورة، تخلى عن كره إسرائيل، وبدأ وزير خارجيته غندور يبحث عن اجتماعات مع مسؤولين إسرائيليين. غير البشير تحالفاته الإقليمية ليس لأنه قد نضج سياسياً، بل لأنه أحس أن كرسي السلطة يهتز. والأمثلة لا تعد ولا تحصى.

⁦4️⃣⁩ صهاينة، مش يهود!

❓ يسأل شخص ويستغرب: هل في فرق بين الصهيونية واليهودية؟. نعم، والفرق بسيط، مثل الفرق بين الكيزان والإسلام.

⭕ تقوم الصهيونية، مثل الكيزانية، على فكرة أن معتنقي الدين اليهودي يجدون العداء من كافة شعوب الأرض. كل الشعوب بلا استثناء. هذه فكرة غير حقيقية طبعاً، ولكنها مجدية في تعبئة معتنقي الديانة اليهودية سياسياً. هذه نفس فكرة الكيزان عن أن مسلمي السودان يتعرضون لمؤامرة كونية من قوى فضائية مخيفة لها قرون و9 عيون. أفكار كهذه خطيرة ومدمّرة لأنها تبرر إبادة كل من يعترض عليها. ليس كل يهودي صهيونياً، كما أن المسلمين في غنى عن كل كوز، بل داسوه دوس عديل كده ومشوا صلوا عادي.

⭕ معارضة الثوار لإسرائيل تختلف عن سياسة الكيزان. الثوار يعلمون أن الظلم واحد، ولا يعادون شخصاً لمجرد ديانته، هذه عنصرية، وإنما ينظرون لمواقفه السياسية واتساقه ومبادئه. نحن نرفض إسرائيل وما تفعله للفلسطينيين، ونرفض ما جرى لليهود في أثناء الحرب العالمية الثانية على يد النازيين في نفس الوقت. هذا ظلم، وذاك أيضاً ظلم، وكلاهما عند الثورة مرفوض. بينما سياسة الكيزان هي شتيمة اليهود وإظهار أن الحرب دينية. الصهيونية ليست اليهودية، والوقوف ضد الصهيونية يختلف تماماً عن الترويج للكراهية باسم الأديان.

⭕ اليوم ينشط عدد من اليهود ضد سياسات إسرائيل التمييزية والعنصرية. لعب يهود أكاديميون إسرائيليون دوراً فاعلاً في الترويج لمقاطعة إسرائيل في المملكة المتحدة حين شاركوا في إصدار قرار من جمعية الأساتذة الجامعيين بالمملكة المتحدة بمقاطعة الجامعات الإسرائيلية، وهم اليوم مشاركون فاعلون في حركة المقاطعة، سحب الاستثمارت والعقوبات.(6) BDS

⭕وفي نفس الوقت، تتعاون أنظمة عربية عديدة مع إسرائيل، وتنشئ شراكات اقتصادية تعزز قوي الاستغلال والإضطهاد في المنطقة. هل نرفض هؤلاء لديناتهم، ونقبل البشير لديانته؟ هذا ليس من ذكاء الثوار، هذه ليست سياسة ثورية.

⁦5️⃣⁩ البرهان يتحرك بالأوامر من الخارج

⭕ حاول البرهان إظهار أن لقاءه مع نتنياهو هو من أجل المصلحة العليا للبلاد ومن أجل سيادتها وحذا الناطق الرسمي السابق للخارجية حذوه. ولكن الوقائع تقول عكس ذلك.حينها قال البرهان بنفسه أن هنالك 8 جهات تولت ترتيب اللقاء. هل من بينها جهات سودانية❓ تقول كل الدلائل: لا. هذا اللقاء دليل على غياب السيادة الوطنية السودانية، وليس كما يقول البرهان من أجل العزة والسيادة.

⭕ المضحك هو محاولة البرهان تكرار نفس أساليب البشير في الأمر أن أنه طالب الدعاة بمواصلة الدعوة في سبيل الله وأن البلاد لن تفرّط في الدين. يوم الجمعة 21 فبراير، مافي زول سألوا دحين ي ريس السويتو في موضوع القدس دا ما تفريط؟. وغايتو.

?نرفض التطبيع مع إسرائيل، لأن الثورة قامت بالضبط ضد كل ما تمارسه إسرائيل

⁦6️⃣⁩ الحل : سياسة خارجية ثورية، واقعية، ومبدئية

❌ يمكن لأي مراقب للرأي العام أن يلاحظ تنامي تيار من الرأي العام لا يري مانعا من التعامل مع إسرائيل، و فد نجد هذا الميل حتى بين البعض من أفضل وأنبل الثوريين. هذا الموقف ليس نتيجة خيانة للمبادئ أو رفض للعدالة أو إنكار لحقوق الشعوب الإخرى، إن ببساطة معبّر عن ظاهرتين متداخلتين: اليأس من إرث الماضي، والطموح إلى سياسة خارجية بديلة. ولكن اليأس هو ما يقود الطموح، وهذا ما يجب استعداله.

⭕ يئس الشعب لفترة طويلة من بهلوانيات السياسة الخارجية للكيزان. بدأ الكيزان بشعار (يهود يهود آل سعود)، و تأييد جنون الدكتاتور صدام حسين ضد شعب الكويت، ثم (أمريكا وروسيا قد دنا عذابها) و (الأممية الإسلامية) واستضافة بن لادن.انتهى الكيزان بنقيض كل هذا. أصبحت البلاد تحت رحمة آل سعود أكثر فأكثر، وسلّم قوش كل ملفات أخوان الجهاد والأممية الإسلامية إلى دولهم، وأصبح رفع السودان من قوائم العقوبات الأمريكية، والحصول على تأييد روسيا في مجلس الأمن حتى بزيارة بشّار الأسد الذي عافه كل صاحب ضمير في هذا الكوكب، غاية المنى. (كنّا وين وبقينا وين❗).

⭕ في منتصف هذا المشوار الطويل خربت حياة الملايين من السودانيين.الملايين التي تقدمت هذه المسرة الطويلة إلى اليأس،.لماذا تكبدنا عناء هذا المشوار الطويل؟ الم يكن من الأسهل أن نذهب إلى السعودية وروسيا وأمريكا منذ البداية ما دمنا نحتاجهم بدون كل هذه التضحيات المؤلمة. ما جدوى الأكروبات الكلامية؟. هكذا كان يقول الشعب.

❓ ولكن هل انعدمت فرصة بناء سياسة خارجية تنطلق من مبادئ الثورة؟، سياسة تجمع بين الواقعية، والمبدئية؟ لا، بالعكس، لقد فتحت الثورة باب بناء هذه السياسة.

⭕ إننا نعيش في عالم غير عادل. ولكن متى كانت عدم عدالة الظروف تؤدي للإستسلام؟ يقول البرهان أن العالم غير عادل ويجب علينا الكف عن محاولة تعديله، ويسمي هذا بالواقعية!. هناك خيط دقيق يفصل بين الواقعية والإنتهازية والإستسلام. الواقعية في السياسة الخارجية تعني أن تنطلق من لا-عدالة العالم، ولكن، أن تعمل في نفس الوقت على تغييره، بما تملك، لا أكثر، بالكثير من الحسابات الواقعية، ولكن أيضاً، بالكثير من المبادئ، والكثير جداً من الجرأة. أليست الثورة نفسها مزيجاً من الواقعية والجرأة؟.

? أولي عناصر هذه السياسة هي تسمية الأشياء بأسمائها. مايجري في فلسطين استعمار استيطاني بغيض، واليهودية ليست جنسية وباتالي ليست مواطنة بل هي ديانة، ونحن لا نعادي الأديان أياً كانت، بل نحارب سياسات التمييز باسم أي دين

? ثاني عناصر السياسة الخارجية الواقعية هي في إدراك حسابات أعداء الثورة. نضع هذا السيناريو الإفتراضي: إذا قامت هبة ثورية جديدة ولم يجد البرهان خياراً سوى الاستعانة بسلاح الجو الإسرائيلي، هل سيتردد؟. بالطبع لا، ولن يرفض الإسرائيليون أيضاً إن رأوا في الثورة تهديداً لأوضاعهم. إسرائيل هي عدو كل الشعوب الثائرة لأنها قائمة على الظلم الذي يحارب ضده أي ثائر.

? من أهم عناصر الواقعية هي أن يرى الثائر نية الغدر في عين عدوّه مهما كان كلامه طيباً.

? ثالث عناصر الواقعية هي منع زيادة الظلم القائم الآن على الشعب الفلسطيني، لأننا لم نبلغ الآن مرحلة رفعه نهائياً. وقف التجارة والاستثمارات مع الشركات الإسرائيلية التي تموّل القمع، والضغط للتحقيق حول المجازر والانتهاكات المرتكبة، ومحاصرة أنشطة الشراكة مع الجامعات الإسرائيلية، هي نقاط أولية قابلة للزيادة عليها.

❌ من يظن أن الاستثمارات ستتدفق، والخير سيعم البلاد فوراً من علاقة مع إسرائيل، وسيصل إلى كل فئات الشعب السوداني، هو الحالم، والأحمق، والإنتهازي، والذي يريد الاستسلام للعالم الراهن. كان من الأفضل له لو أنه قال لنا في ديسمبر 2018م (مافي فايدة من الثورة نستنى انتخابات 2020م وخلاص). روح اليأس واحدة في الحالتين. السودان في العالم، والعالم بظلمه كله في السودان، ولا يمكن أن نتحرر وغيرنا في الأغلال، هذا هو الوهم. الواقعية هي في مواجهة الأشياء كما هي وليس في الاستسلام لها.

? فلسطين هو أكثر بقعة في العالم يبدو فيها الظلم مكشوفاً بلا غطاء. فلسطين بوصلة الثورة، من انحرف عنها، تاه. نتيناهو، إنت زاتك #تسقط_بس.

#السودان_ضد_التطبيع

1: https://www.icj-cij.org/en/case/131
2: https://www.theguardian.com/commentisfree/2019/apr/03/israel-treatment-palestinians-apartheid-south-africa
3 : https://www.nytimes.com/2018/02/02/world/middleeast/israel-migrants-african.html
4: https://www.theatlantic.com/international/archive/2018/01/african-migrants-israel/551747/
5: https://www.academia.edu/19760136/Israeli_Nationalism_the_Constructs_of_Zionism_and_its_Effect_on_Inter_Jewish_Racism_Politics_and_Radical_Discourse
6: https://bdsmovement.net/what-is-bds

كسر التوافق النيوليبرالي 1 – 3

#إرشيف

هدوء في الخرطوم ودم يسفك مجددا في دنقلا، فرحة البعض ودموع الغبن من الأغلبية، تذبذب، تردد وحالة انتظار مخلوطة بالترقب والهواجس. بين قطب وآخر تتوزع المواقف والاحاسيس بعد توقيع ورقة السلم المؤقت المسماة بالاعلان الدستوري. الثابت ؟ لم ينته الأمر بعد.

نتعامل في قدام! مع الوضع الراهن كمحطة انتظار عابرة، ستعود المعارك مجددا، ولكننا مصممون على أن نعود بكل قوانا. 

هذه العودة للإرشيف تهدف لتعرية أمرين : لم يأت نظام الإنقاذ وسياساته من العدم كصاعقة في سماء صافية بل لحماية مصالح بعينها، والأهم أن شكلا من التواطؤ الخفي لإخفاء سبب الأزمة الثورية السودانية -كان ولا يزال – يجري بين كافة ممثلي الطبقات المسيسين حزبيا وعالم منظمات التمويل الأجنبي عن القوى الجماهيرية التي يدعون تمثيلها.  أساس هذا التواطؤ هو التعامي عن دور السياسات النيوليبرالية في تدمير حياة الملايين من شعبنا حربا ومرضا وتجهيلا  وتبعية الخارج. إن تاريخ السودان منذ 1976م، منذ تطبيق هذه السياسات لا يجد حظه الكافي أبدا في العرض العلمي المنهجي ، ويصل هذا الأمر لذروته في تاريخ الحكم البرلماني الثالث 1985م – 1989م ، حيث لا سيرة إلا عن مناورات السياسيين بينما يخرس صوت نضالات الشعب تماما في مواجهات الإفقار وتخفيض العملة وفرض الضرائب عليه. وإن في هذا الصمت ، كلاما وكلاما.

إن هذه الوثيقة ، التقييم الاستخباري لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية المؤرخ بشهر أبريل 1988م، يعرض المأزق الذي تورط فيه رأس النظام البرلماني وقتها الصادق المهدي بسبب هذه السياسات وبسبب من رغبته ومصلحته في تطبيقها ، فظل يناور حسب  التقرير ويتقلب بين المعسكرات الإقليمية والدولية ، وبين إسكات الشارع الثوري وإرضاء البنك الدولي ودائني الدولة ، وعجز بالطبع، فأصيب النظام السياسي بالشلل بالكامل. وسقط كورقة ذابلة. إن الكثير مما يقوله التقرير يتشابه لدرجة مذهلة مع ما كان يفعله البشير أخريات أيامه ، ونميري في لوثاته الجائحة قبل طرده، وبين انقلاب، وثورتين، وعدد لا يحصى من الحروب الداخلية، وانتفاضات معلومة ومجهولة، يبقى وكأن أمرا واحدا ظل لا  يمس : هذه السياسات النيوليبرالية . توافق عليها الجميع في الماضي، ونرى أن البعض في صفوف الثورة يريدون لهذا التوافق الاستمرار. هذا التوافق الصامت يجب أن يقض بقوة الثورة،  وفورا . لأنه جريمة.

وقبل أن نترككم مع الوثيقة ، التي سنعلق عليها بصورة مفصلة غدا ، علينا أن نعرف أن التاريخ يكرر نفسه مرتين بقول هيغل ، وعلينا ألا نسمح بتكراره مرة أخرى ، فهذه المرة ستقع علينا المهزلة حسب ماركس ، ونحن ما حمل مآسي ومهازل زيادة!

https://www.cia.gov/library/readingroom/document/cia-rdp89s01450r000200180001-6

السودان :كلفة عدم الانحياز

*صدرت الورقة من إدارة الاستخبارات (التحليل حاليا) بوكالة الإستخبارات المركزية- ابريل 1988*

*تم إعداد هذه الورقة من قبل مكتب تحليل الشرق الأدنى و جنوب آسيا، بمساهمات من مكتب تحليل القيادة. بالتنسيق مع إدارة العمليات*

*تم استخدام معلومات متوفرة حتى تاريخ 15 فبراير في اعداد هذا التقرير*

استنتاجات أساسية:

– كان لتحول موقف رئيس الوزراء السوداني الصادق المهدي من السياسة الخارجية الموالية للغرب الخاصة بالرئيس السابق جعفر نميري الى سياسة عدم الانحياز تكاليف معتبرة:

. خارجيا، قلل داعمو السودان التقليديين مساعداتهم العسكرية والاقتصادية

. داخليا، وفر الانحسار العام في المساعدات الدولية اشكالا آخر يمكن لناقدي الصادق من تقويض حكمه

بالرغم عن ذلك، فإنه من شبه المؤكد أن الصادق سوف يثابر في محاولة تطبيق سياسته الخارجية المستقلة. فهو يرى سياسة “حسن جوار” خارجية غير منحازة كأفضل الطرق لتعزيز أمن السودان وإبقاءه على سدة الحكم. يشعر الصادق بدين شخصي نحو الرئيس الليبي قذافي و يأمل في تجنب تحويله لعدو، يمقت المصريين، و يريد على المحافظة على بعض المسافة من الولايات المتحدة. في أثناء انحسار المساعدات من حلفاء السودان التقليديين، سعى الصادق نحو المساعدات من ليبيا و ايران.

لمسار عدم الانحياز الذي يتبناه الصادق عدة تبعات متوقعة غير حميدة للسودان. من الأرجح ان يتعمق الانقسام و الاستقطاب السياسي الداخلي. ستزداد الاشكاليات المتعلقة بالدعم من الدول العربية المنتجة للنفط المعتدلة. سيهدد الطموح الليبي الأمن في الخرطوم و سيادة السودان على اقليم دارفور. يمكن للمساعدات الايرانية أن تحول التخاصمات السياسية الى اشتباكات مسلحة بين مليشيات حزبية و من المرجح أن تقوي عزيمة الحركة الشعبية – المناهضة للاسلاميين- بقيادة جون قرنق لمواصلة القتال.

ستؤثر التبعات المهددة للاستقرار لسياسات الصادق بعدم الانحياز بصورة سلبية على مصالح الولايات المتحدة في المنطقة. ارتفاع مستوى التدخل الليبي و الايراني في الخرطوم سيزيد على الارجح من الخطر الأمني على دبلوماسيي الولايات المتحدة و حلفائها هناك. و يصاعد ذلك التدخل أيضا من احتمالات تزايد الدعم لمتمردي قرنق من الدول الأفريقية و تصاعد حدة الاستقطاب في اقليم القرن الافريقي .

إذا تمت الاطاحة بالصادق في خلال السنة القادمة، هناك احتمال اكبر قليلا من المتوسط بأن يسعى النظام العسكري اللاحق له الى مسار موالى للغرب ،و لو على الأقل في بدايته. سيسعى السودان نحو المزيد من المساعدات الأمريكية، و لكن اذا جاء الدعم من الغرب و الدول العربية المعتدلة صورة مخيبة للآمال، فقد تتجه الخرطوم تجاه تكثيف مبادرتها نحو الحكومات الاقليمية الراديكالية للمساعدة. خلال كل هذه العملية، ستحصل طلبات الولايات المتحدة للتعاون في حل مشاكل الشعوب المصابة بالجفاف و المجاعة على القليل من الانتباه من الحكومات الاقليمية التي تقع اولوياتها الاساسية في البقاء في ظل التمردات المختلفة و محاولة فرض رؤاها على الدول المجاورة.

قائمة محتويات

-استنتاجات أساسية

– اعادة صياغة تركة نميري: منطق الصادق

– خيارات صعبة

                  . حرب أهلية

                  . أزمة إقتصادية

                  . معارضة داخلية

  – البحث عن وجهة جديدة

              .السعي نحو “فك الانحياز”

              . تحدي مصر

              . مسايرة الليبيين

              . مغازلة الإيرانيين

             .الاستهتار بالافريقيين

– تبعات سياسات الصادق

                    .لا مكاسب من القوى العظمى

                    . ابعاد مصر

                    . زيادة في الانقسامات الداخلية

                    . اضمحلال المساعدات الأجنبية

                    . تهديدات طويلة الأمد على الاستقرار

– احتمالات التغيير

– سيناريو بديل: ماذا إن تمت الإطاحة بالصادق

– تأثيرات بالنسبة للولايات المتحدة

السودان: كلفة عدم الانحياز

منذ الاطاحة بالرئيس السوداني جعفر نميري في ابريل من العام 1985 ، و خلفاؤه – المجلس الانتقالي العسكري في 1985-86 و رئيس الوزراء منذ انتخابات 86 الصادق المهدي- يغيرون بصورة منهجية مواقف راسخة في السياسة الخارجية السودانية :

– بدلا عن الانضمام للولايات المتحدة و مصر كشريك في مسائل الأمن الاقليمي، سعى الصادق للأمن عبر بناء علاقات ” حسن جوار” مع كل دول الإقليم

– بدلا عن معاداة الدول الراديكالية في المنطقة، ليبيا و إيران، سعى الصادق لاستيعابهم

– بدلا عن الإعتماد على الولايات المتحدة و الأصدقاء الإقليميين للمساعدات، سعى الصادق العون من كل المعسكرات.

 إعادة صياغة تركة نميري:

نعتقد أن الصادق يرى في الابتعاد عن اتجاه نميري الأساسي في السياسة الخارجية في سنواته الثمانية الأخيرة في السلطة – اصطفاف السودان بصورة شبه حصرية مع الولايات المتحدة و مصر و دول عربية اخرى معتدلة – طريقة للاستثمار سياسيا في الرفض الشعبي تجاه نميري. يصرح الصادق علنيا أن نميري، الذي حكم السودان منذ مايو 1969 و حتى ابريل 1985، قد تمت الإطاحة به ليس فقط بسبب أنه اصبح ديكتاتوريا بصورة متزايدة، و لكن لأن السودانيين قد ربطو بصورة مباشرة مصاعبهم المتنامية بسياساته الخارجية :

– تدهور الوضع الأمني في السودان في ظل حكم نميري، أظهر ضعف نميري كل من قصف الليبيين لأمدرمان، جزء من العاصمة، في 1984. و عودة ظهور و نجاحات متمردي الجنوب –هذه المرة تحت مسمى الحركة/الجيش الشعبي/ة لتحرير السودان- تحت قيادة جون قرنق، بالرغم من المساعدات العسكرية الأمريكية و المصرية.

– تدهور الوضع الإقتصادي خلال العقد الأخير من حكم نميري. تطبيق نميري الإجراءات التقشفية المشترط عليها من صندوق النقد الدولي أدت الى نزول المتظاهرين الى الشوارع مما أدى للإطاحة به.

يبدو أن الصادق قد وصل لإستنتاج أن بمقدار الدرجة التي يربط بها السودانيون مشاكلهم بفشل نميري، يمكن أن يشتري زمنا لنفسه عبر اظهار القطيعة مع سياسات الماضي.

دفاع الصادق عن تحوله من سياسات نميري يشير الى اعتقاده بملائمة سياسة عدم الانحياز لواقع السودان الاستراتيجي. علنا و تكرارا يشير الصادق أن ضعف السودان عسكريا و – طول و نفاذية حدوده – يجعله غير قادر على تحمل تبعات خلق أعداء في دول الجوار. علاقات جيدة مع مصر و ليبيا، على سبيل المثال، افضل من علاقات جيدة مع مصر وحدها . ليبيا كعدو لها إمكانية إثارة الاضطرابات في السودان و تجديد الدعم لمتمردي الجنوب – وفرت ليبيا التمويل و الأسلحة لحركة قرنق في 1984 و 85 لإسقاط نميري – في زمن تبدو فيه اثيوبيا مصممة على إضعاف الخرطوم عبر زيادة دعمها للتمرد في السودان. على أي حال، توحي تصريحات الصادق أنه يعتقد بتقديم مصر القليل جدا لمساعدة السودان في تخطي مشاكله الأمنية و المالية. يصرح الصادق أيضا بفاعلية عدم الانحياز و”حسن الجوار” في التقليل من احتمالات الصراعات الداخلية الهادمة للاستقرار، بالإضافة لتنويع مصادر المساعدات الأجنبية،و التي يحتاجها السودان بشدة.

على العكس من مصر، حيث يوجد تجانس عالي اثني و لغوي بين السكان و مساندة لسلطة مركزية قوية، سكان السودان متنوعون . و يتنازع السودانيون بين الولاء للخرطوم و الرغبة المنتشرة بين العديد من القبائل الممتدة عبر الإقليم،التي تتاخم أراضيها التقليدية حدود السودان، في الحكم الذاتي. لذلك، فإن دعم الصادق بصورة صريحة تشاد ضد ليبيا، على سبيل المثال، فسيحتم من الاشتباكات بين القبائل الموالية لتشاد و القبائل الموالية لليبيا في إقليم دارفور، كما سيوفر عاملا في تقوية المطالب الانفصالية لبعض المجموعات هناك، بالإضافة إلى إضعاف قاعدته السياسية من طائفة الأنصار و حزب الأمة، و التي تعتبر دارفور من أهم معاقلها.

خيارات صعبة :

– حرب أهلية:

يجب على الصادق حث كل من المساعدات، المتناقصة أصلا، من الحلفاء التقليديين و السعي نحو مكاسب أكبر من الشركاء الأقل موثوقية لإستيفاء احتياجات المؤسسة العسكرية السودانية في الحرب الأهلية. التمرد الجنوبي ضد الهيمنة الإسلامية الشمالية، و الذي ازداد حدة في عهد الصادق، يستنزف الاقتصاد و يوقف التنمية كما يهدد بانقسام الدولة. في اعتقادنا أن إلغاء قوانين الشريعة – أكثر رموز هيمنة الشمال قوة بالنسبة لمتمردي الجنوب – سيحسن من امكانيات الوصول لتسوية عبر المفاوضات. لكنه من المحتم أن يثير معارضة عنيفة من الجبهة القومية الاسلامية ذات التأثير القوي، كما سيغضب مانحي المساعدات التقليديين من العرب ، و من الممكن أيضا أن يضعف بصورة خطيرة من صورة الصادق كقائد اسلامي .

– أزمة إقتصادية:  

يجد الصادق نفسه مجبرا بسبب الإقتصاد الشبه منهار على البحث دوما عن الدعم الخارجي المالي و النفطي لإستيفاء الطلب المحلي المتنامي على السلع و الخدمات. تقع معضلته في كيفية توفير الدعم الكافي لمنع انهيار الاقتصاد الشمالي دون دفع تكاليف محلية باهظة. حاول الصادق استخلاص الدعومات من كلا “الراديكاليين” مثل ليبيا و ال”معتدلين” مثل السعوديين، فقط ليجد نفسه يغضب أحدهما و هو يدفع ثمن مساعدات الآخر. المساعدات السعودية، على سبيل المثال، اضمحلت أثناء إصدار الصادق تصريحات مصممة لتطمين “الراديكاليين”. على الرغم من تفسخ الاقتصاد تحت السياسات القائمة على تدخل الدولة، يتردد حكام السودان في تطبيق الإجراءات التقشفية الموصوفة من قبل صندوق النقد الدولي التي يمكن أن تؤدي لإحتجاجات مهددة لبقاء النظام.

– معارضة داخلية:

بحث الصادق عن حلفاء جدد و أكثر دعما في الخارج، بالرغم من المخاطر التي يتبعها ذلك، يعكس الضعف السياسي الداخلي. ينقصه ليس فقط الدعم الراسخ من القوات المسلحة، بل أيضا القابلية من أحزاب مدنية مفتاحية في العملية السياسية للانضمام لمقاربة غير متحزبة لحل مشاكل السودان. يشير الأكاديميون الأمريكيون  ذوو الاختصاص بالسودان الى أن التخاصم الحزبي الشديد هو المعتاد بين الأحزاب المدنية المسجلة رسميا التي يزيد عددها عن الثلاثين قليلا. صعوبة المدنيين في الوصول لإتفاق يعكس عدم وجود خطر خارجي متفق عليه و النزعة المستمرة لدى السياسيين الشماليين لتقويض بعضهم البعض في محاولتهم لمشاركة السلطة بينهم و مع  أبناء بلدهم الغير مسلمين الجنوبيين.

البحث عن وجهة جديدة :

في التراجع عن اصطفافات السودان الخارجية في عهد نميري، و في البحث عن أصدقاء جدد في المعسكر الراديكالي، بالإضافة الى الاستهانة بأهمية بناء علاقات أفضل مع جيرانه الأفريقيين، نعتقد أن الصادق قد وجه البلد لمسار جديد و عالي الخطورة. ظهرت سياسته الخارجية كتركيبة تجمع بين عناصر متنافرة أثناء اصداره لردود أفعال عشوائية و غريبة على أحداث اقليمية و محلية. بالرغم من ذلك، نعتقد أن السمات الأساسية لسياسة الصادق الخارجية قد بدأت بالتشكل.

– السعي نحو “فك الانحياز”:

في أوضح فراق له من سياسات فترة نميري، سعى الصادق لتراخي علاقات السودان مع كل من الولايات المتحدة و مصر بصورة معتبرة فقد قام بكل من:

. الانتقاص من أهمية تعاون السودان العسكري مع واشنطن. في بدايات 1987 ، و بدون التشاور مع هيئة الأركان العامة السودانية، أمر الصادق –في أجل غير مسمى- سحب معدات عسكرية أمريكية من بورتسودان تم تركيبها من قبل الولايات المتحدة للاستخدام في حالة التدخل العسكري في الخليج الفارسي. كما رفض السماح بمناورات عسكرية مشتركة مع قوات أمريكية – في ارتداد عن تعاون السودان في تمارين “النجم الساطع” تحت سلطة نميري

. في نهاية 1987 ، على أعقاب زيارة من قائد قوات المنطقى الوسطى العسكرية الأمريكية ، صور الصادق المحادثات علنيا كمجرد جزء من سياسة حوار لكلا القوتين العظمى

. تصوير أهمية تطبيع العلاقات مع موسكو. في 1986 زار الصادق الاتحاد السوفييتي، فيما يبدو كحركة مقصودة، قبل أن يزور الولايات المتحدة. منذ ذلك لم يختلف الصادق علنيا مع السوفييت في أي من القضايا.

يشك الصادق في التزام الولايات المتحدة ببقائه السياسي، حسب ما نرى. منذ زيارته لواشنطن في أكتوبر من عام 1986، طلب الصادق مساعدات عسكرية و اقتصادية تقارب في المستوى ما تلقاه نميري – ما يقارب 187 مليون دولار في 1985. لكن، بالرغم عن إصراره على واقع أنه يمثل أحد الحكومات القلة المنتخبة ديمقراطيا في أفريقيا و الشرق الأوسط ، يرى الصادق المساعدات الأمريكية الاقتصادية للسودان في حالة تضاؤل. كما انهار مستوى المساعدات العسكرية.

من وجهة نظر الصادق، فإن واشنطن لم تظهر أي نية في مساعدته  لمكافحة ما يعتبره المهدد الأمني الأكبر                  على السودان – الدعم العسكري الإثيوبي المتزايد لمتمردي جنوب السودان بقيادة قرنق.

و بالمقابل من شبه المؤكد اعتقاد الصادق أن موسكو – الراعي العسكري و الإقتصادي الأكبر لأديس أبابا – لديها النفوذ اللازم .

باءت بالفشل أكبر جهود الصادق تجاه المسألة في 1986 لإقناع القادة السوفييت بإجبار اثيوبيا على تخفيف الضغط على السودان. و لكن ربما لايزال يحتفظ ببعض الأمل، أن يكون استمراره في تفادي العلاقة الوثيقة التي نماها نميري مع واشنطن ، عامل حث في نهاية المطاف للمساعدة السوفيتية تجاه مسألة التمرد الاثيوبية- السودانية.

– تحدي مصر :

لدى الصادق إرث شخصي من عدم الثقة يشوش علاقته مع المصريين. لا يكن للمصريين حبا عميقا، و لا هم له . نعتقد أنه لا يزال يكن الضغينة تجاه مساعدة المصريين لنميري في قمع تمرد الأنصار في 1970. الصادق غاضب مما يعتبره تعالي المصريين المستمر تجاه السودانيين.

(فقرة كاملة محجوبة)

منذ انتخابه في 1986 ، يبدو أن الصادق يسعى بكل الطرق الممكنة لإعلان استقلال حكومته من النفوذ المصري. زار عواصم قاصية و متباعدة – من موسكو و حتى واشنطن – قبل ان يزور القاهرة. أعلن لاحقا ابطال معاهدة الدفاع المشترك بين السودان و مصر، التي صادق عليها نميري كرمز للعلاقات الثنائية الوثيقة بين البلدين. و أصر على معاهدة  أخوة مبهمة ، يصرح أنها تعبر بصورة أكثر دقة عن العلاقة بين السودانيين و المصريين. كما تعامل بصورة متزايدة مع القذافي بدون استشارة القاهرة. توحي اتصالاته مع المصريين بعدم رغبته في القطع الصريح، و لكن يؤشر سلوكه الى عزمه على نقل شكل التواصل الى علاقة لائقة و لكن خالية من الروابط الوثيقة بصورة مميزة.

– مسايرة الليبين:

عكس المجلس العسكري الانتقالي السوداني في 1985 سياسة نميري في العداء الصريح تجاه القذافي و بدأ في انشاء علاقات أكثر ودية. منذ انتخابه في 1986 ، ذهب الصادق أكثر في ذلك الاتجاه. فقد:

. رفض ادانة ارهاب و تدخلات طرابلس الدولية.

. سعى بصورة نشطة المساعدات الاقتصادية و العسكرية الليبية

. قبل بإنشاء مكتب شعبي ليبي(سفارة) كبير في الخرطوم (باقي الفقرة محجوب)

. رضخ بقبول وجود ليبي محدود في اقليم دارفور، رغم تشكيل ذلك الوجود له لمشاكل أمنية.

نعتقد أن هنالك عوامل عديدة تعلل مسايرة الصادق للنشاط الليبي. على الصعيد الشخصي، فعلى الأرجح شعور الصادق بأنه مديون للزعيم الليبي. منح القذافي اللجوء للصادق خلال عدة فترات منفى بين 1970 و 1978 و عرض المساعدة العسكرية عندما حاول الصادق الإطاحة بنميري عام 1976. (النص محجوب) على العكس من رئيس مصر مبارك، يبدو أن القذافي هو قائد يشعر الصادق بالراحة في التعاطي معه.

نعتقد أن الصادق مدرك جيدا لقدرة القذافي على مساعدته أو ايذائه:

.من ناحية تشير تقارير صحفية و من السفارة أن الصادق يرى القذافي كمصدر لمساعدات مهمة كالنفط وو المساعدة العسكرية، التي أصبحت بمقدار أكبر من الأهمية بسبب تدهور مساعدات المانحين التقليديين. السخاء الليبي(النص محجوب)(غالبا تبرير) قد ازداد منذ سقوط نميري.

. من الناحية الأخرى، من شبه المؤكد بأن الصادق يعتقد بإمكانية خطر القذافي. تفجير الليبين لمحطة راديو في امدرمان عام 1984 و قرار القذافي بعرض المال و التموينات العسكرية لمتمردي جون قرنق هي عوامل تذكير للصادق بغدر القذافي.  على الأرجح يتعامل الصادق بمنطق أن غضب القذافي قد يدفعه بالقيام بنفس العمليات تجاهه. نعتقد أن الصادق يعلم بقيام مسؤولين ليبيين في الخرطوم بالسعي نحو و تشجيع ضباط ساخطين في القوات المسلحة للتآمر ضده، و من المرجح اعتقاده بقيام الليبيين بمضاعفة جهودهم ان أثار حنق القذافي.

يعلم الصادق بالتأكيد من تجاربه من منتصف الى نهايات 1987 أن الليبيين لديهم القدرة على تشكيل هواجس عسكرية و سياسية للخرطوم في غرب السودان دون أي محاسبة. لأن السودان ينقصه قوة مضادة يمكن التعويل عليها – جيش ،سلاح جو او شبكة استخبارات ذو قوة- و أيضا لأن الصادق يقاوم “تسول” المساعدة المصرية. يبدو أنه يعتقد بأنه يجب أن يعتمد على الدبلوماسية الشخصية المباشرة لإبقاء العداء الليبي بعيدا.

– مغازلة الإيرانيين:

منذ استلامه المنصب قام الصادق ب:

. تجنب إدانة دور ايران في العداوات المستمرة في الخليج الفارسي أثناء عرضه للتوسط بين ايران و العراق.

. رحب بطاقم سفارة ايرانية في الخرطوم، (باقي الفقرة محجوب)

.أتخذ على افضل التقديرات موقفا ضبابيا من قضايا مثل تدخل ايران في اضطرابات في مكة اثناء موسم الحج في اغسطس 1987، الامر الذي كان له تكلفة عالية على علاقات السودان مع السعوديين.

في رأينا، أن هدف الصادق المباشر هو التحصل على مساعدات اقتصادية من إيران. منذ زيارته لطهران في ديسمبر 1986، سعى الصادق بصورة رئيسية نحو تأمين مصدر ثابت للتموين النفطي و شروط تجارة مسهلة. عبر كسب صداقة الايرانيين في أثناء معاداة معظم العرب لطهران، يأمل الصادق على الأرجح أن يكتسب مساعدتهم بصورة أكثر سهولة.

نعتقد أن خط بناء الصداقة تجاه كل من إيران و العراق يخدم أهداف الصادق الرئيسية. و على ضوء العديد من التصريحات العلنية ، في اعتقادنا أن الصادق يؤمل في محاكاة نموذج قادة السودان في الخمسينات و الستينات. حيث أن سمعتهم كوسطاء في النزاعات الإقليمية جعلت المانحين المحتملين قابلين ل”شراء” خدماتهم، و عملت على تشتيت أصوات الانتقاد الداخلية بعيدا عن القائد الذي ينجح في الحصول على الاعتراف الاقليمي “كرجل دولة” . على الرغم من رفض كل من بغداد و طهران لعروضه بالتوسط، من الأرجح ان يكون خريج أوكسفورد، المسلم السني المخلص ما يزال متمسكا بظنه أنه الأقدر على رأب الصدع بين العراق الحداثوية و ايران ذات الحكم الديني.

– الاستخفاف بالأفريقيين:

تتسق تعاملات الصادق مع جيران السودان في شرق و وسط أفريقيا مع نظامي السودان السابقين و لكن، في اعتقادنا ذات فهي ذات خطور أكبر على استقرار السودان.

 مثل سلفيه – نميري و المجلس الانتقالي العسكري – يريد الصادق إيقاف أو إعاقة وصول الدعم لحركة قرنق من اثيوبيا، كينيا، يوغندا، زائير و تشاد. مع وصول التمرد الى سنته الخامسة دون نهاية في الأفق، تعاني حكومة الصادق الإئتلافية من شلل مستمر في تعاملها مع المسائل التي يمكن أن تمنع من دعم الأفرقة السود للحركة الشعبية لتحرير السودان.

خلال فترته في المنصب، اتخذ الصادق بشكل كبير نبرة عداء تجاه اثيوبيا، مستشهدا بالدعم الإثيوبي لمتمردي قرنق. في نظرنا، سمح الصادق لفرص الحوار البناء بين الدولتين بالإفلات. مؤخرا، تعثرت مبادرة مصرية لبدء محادثات بين الصادق و الرئيس الاثيوبي منغستو في بدايات هذه السنة مع تشكيك كلا الطرفين بصدق نوايا الآخر. كما لم تتحقق مقترحات لايقاف كلا الجانبين دعم التمردات عبر حدودهما.

للحد من مساندة كينيا للحركة الشعبية لتحرير السودان عبر المساعدات الغير مميتة و الدعم الدبلوماسي، نعتقد أن الصادق عليه تغيير النظرة السائدة في نيروبي حول الحرب الأهلية السودانية كصراع بين أقلية مهمشة من المسيحيين السود و أغلبية متجبرة من المسلمين الشماليين. و قد فشل الصادق  الى حد كبير في إنجاز ذلك. هو متردد حيال إبطال حكم القانون الإسلامي في الجنوب، و في نظرنا، لم يقم بالجهود الدبلوماسية لشرح موقفه للرئيس الكيني موه-اي.

فيي تعامله مع زائير و دعمها المحدود للحركة الشعبية، أثبت الصادق عدم إمكانيته أو قدرته على تهدئة مخاوف كينشاسا من علاقة السودان بليبيا. يقع تخوف الرئيس موبوتو الرئيسي من سودان ضعيف أو منقسم يعمل كممر للمساعدات الليبية للمتمردين في زائير. بسبب عجز الصادق عن الإشارة الى أي تقليص في التقارب الليبي-السوداني – بل فعليا هو في حالة تزايد-يوجد لدى موبوتو دافع لتوفير الدعم و لو على الأقل الرمزي منه للحفاظ على خياراته مفتوحة في السودان.

تقع معضلة الصادق بما يتعلق بالرئيس التشادي هابري في تهدئة الشكوك في تسامح الخرطوم مع وجود ليبي عسكري في غرب السودان- و تلك مهمة ،بالنسبة للصادق ، غير ممكنة عسكريا و سياسيا. قد يسلم الصادق بفكرة أن السودان لا يمكنه التحكم بأي من القوات التشادية أو الليبية التي تجول غرب السودان و قد يكتفي بأن يأمل بعدم وقوع اشتباك ضخم تشادي- ليبي داخل الأراضي السودانية. على أي حال، نعتقد أن الصادق قد اظهر لا مبالاة مفرطة تجاه احتمال أن توفر تشاد دعما عسكريا محدودا للحركة الشعبية، مما يسمح لها بفتح جبهة جديدة ضد القوات السودانية في غرب السودان. (النص محجوب)

من غير المرجح أن تؤدي مساعدة تشاد للمتمردين السودانيين الى امكانية القيام بالغارات العابرة للحدود بصورة فعالة الا بعد فترة من الزمن،ان أدت لذلك على الإطلاق، و لكن يبدو أن هابري مصمم على رفع تكاليف سياسة الصادق ب”حسن الجوار” تجاه طرابلس .

 تداعيات سياسات الصادق :

من المرجح أن تعود جهود الصادق لسلوك مسار عدم الانحياز عليه بتكاليف سياسية باهظة. فشلت سنتان من اتباع عدم الانحياز في جذب المقدار الكافي من المساعدات الأجنبية لتخطي أي من التمرد الجنوبي أو ركود السودان الاقتصادي. يتصاعد التذمر وسط عناصر عسكرية و مدنية بسبب تصورهم أن عدم انحياز السودان يعيق المساعدات من أصدقاء نميري القدامى – مصر، السعودية و الولايات المتحدة – دون أن يجذب مساعدات تعويضية من الإتحاد السوفييتي، أوروبا الشرقية، ليبيا و ايران. علاوة على ذلك، في تقديرنا،  ستجلب مسايرة الصادق للنشاط الليبي و الايراني لرئيس الوزراء متاعب أكثر بكثير من الفوائد.

– لا مكاسب من القوى العظمى:

ستستمرخيبة الأمل على الارجح في أن تكون نتيجة محاولات الصادق في حث الدعم السوفييتي عبر وضع مسافة بينه و بين الولايات المتحدة . سيظل هدف الصادق الرئيسي في التعامل مع السوفييت هو توجيه ضغطهم نحو اثيوبيا- و بصورة غير مباشرة الحركة الشعبية – للتقليل من الأعمال العدائية ضد الخرطوم. و لكن من غير المرجح  أن تلتزم موسكو بذلك. من وجهة نظر موسكو، يمكن أن تؤدي ضغوطات من هذا النوع الى نفور الرئيس الاثيوبي ، الذي تشكل صداقته أحد دعائم الموقف الاستراتيجي للاتحاد السوفييتي في القرن الأفريقي و الخليج الفارسي. علاوة على ذلك، من وجهة نظر موسكو، ليس من المنطقي دعم قائد سوداني لا يبدي أي التزام تجاه الاتحاد السوفييتي كما تجعل المشاكل الداخلية من فترة توليه للحكم غير معروفة المآلات.

– نفور مصر:

من الأكثر ترجيحا أن تؤدي علاقات الصادق السيئة مع مصر الى إيذائه بدلا عن مساعدته. في وجه جرأة المتمردين السودانيين ، و إمكانية اندلاع صراع ليبي- تشادي- سوداني في اقليم دارفور، تتفق مجموعات داخلية رئيسية أنه ليس وقتا جيدا لمعاداة مصر. تلك المجموعات – القوات المسلحة، شريك الصادق في الائتلاف الحزب الاتحادي الديمقراطي، و حزب الجبهة الاسلامية الوطنية المعارض – ستندد بسوء حصافة الصادق في تنفير مصر إذا تصاعد الخطر الأمني الخارجي.

نحن نعتقد أن استياء المصريين من الصادق في تزايد. من وجهة نظر القاهرة، الصادق ضعيف و متردد و سياسي من الدرجة الثالثة، على حسب تقارير السفارة. أيضا أضعف ثقة المصريين، ذو التعامل الأبوي، في الصادق تجرؤه على التشكيك في العلاقة الوثيقة تاريخيا مع السودان و تغزله الصريح في أعداء مصر الإيرانيين و الليبيين. على حسب مسؤولين بالسفارة الأمريكية بالقاهرة، لا يكترث قادة مصر بسقوط الصادق، و يفترضون فناؤه السياسي في المستقبل القريب، و يعملون على تقوية الصلات بمجموعات أساسية يمكن أن تكون ذات تأثير في السياسة الخارجية السودانية عقب نهاية فترته.

– تصاعد الانقسامات الداخلية:

تنظر العديد من المجموعات التي يحتاج الصادق الى دعمها للبقاء السياسي لسياسته الإيرانية- الليبية ككارثة محتملة و ستلقي باللوم على الصادق في حال وقوع أي فشل في السياسة الخارجية. (فقرة محذوفة)

حتى و إن وسعت ليبيا و إيران من نطاق المساعدات للصادق، سيوفر على الأرجح تصعيد الوجود الإيراني و الليبي في السودان لخصوم الصادق المدنيين نقاط خلاف ليستغلوها سياسيا. قائد الجبهة الاسلامية القومية حسن الترابي، منافس الصادق، يتفق على الأرجح مع صحة المقاربة المسايرة تجاه ليبيا. و غالبا يرى فائدة في الحفاظ على قناة مفتوحة مع طهران، زميلته في الطريق الإسلامي – و إن كانت مثالا متطرفا. و مع ذلك، فهو في الغالب سيشجب الصادق بسبب التعدي الليبي و الإيراني على سيادة السودان و ذلك لأنه، في رأينا، يريد إضعاف الصادق و كسم دعم الجيش.

نتوقع أن عائلة الميرغني، الغرماء التقليديون لعائلة المهدي و القادة المحاصرون للحزب الإتحادي الديمقراطي الموبوء بالانشقاقات، ستستمر في معارضة قبول الصادق بالاختراقات الليبية و الايرانية في السودان بشدة. في مواجهة صراع من عناصر موالية لليبيا لقيادة الحزب، على الأرجح يعلق آل الميرغني شديدي الولاء لمصر آمالهم على القاهرة لتجاوز الخلافات الداخلية و الحفاظ على موقع الحزب كلاعب أساسي في السودان. مقابل هذا الدعم، تريد القاهرة –و من شبه المؤكد حصولها على – مقاومة آل الميرغني للنفوذ المتصاعد لخصوم مصر الإقليميين داخل السودان.

من شبه المؤكد أن الصراع المستمر بين مسايرة الصادق لأعداء مصر الإقليميين و معارضة آل الميرغني لذلك المسار سيعمق التصور العام حول عدم فاعلية و انقسام الحكومة. حجة قادة الجبهة الاسلامية القومية –أن حكم السودان عبر أسرتي المهدي و الميرغني الطائفي يجب أن ينتهي – ستلقى على الأرجح تجاوبا بين الطلاب و رجال الأعمال و أعضاء النقابات المهنية الباحثين عن إتجاه واضح من حكومتهم و برامج للإزدهار المستقبلي.

قد يواجه الصادق انشقاقا واسعا داخل حزب الأمة و طائفة الأنصار إذا واصل الليبيون ترسيخ وجودهم في اقليم دارفور. في بدايات 1987 أثار توزيع الليبيين السلاح لقبائل معادية نحو طائفة الأنصار و حزب الأمة أصوات تندد بعدم حمايتهم.

هدد نواب الأمة الممثلون للدوائر المحلية ، تحت الخوف من فقد الدعم الشعبي، بأنهم سيحاربون الصادق داخل الحزب ان لم يوقف التدخلات الليبية.. في ذلك الحين تمكن الصادق مؤقتا من اقناع الليبيين بالانسحاب، و لكن تظل الإحتمالات قوية بأنه سيواجه نفس المشكلة في المستقبل.

في تقديرنا، فإن سعي الصادق الدؤوب نحو بناء العلاقات الوثيقة مع إيران سيضاعف من مشاكله السياسية الداخلية.

رمزيا، اجمع العالم العربي في 1987 على إدانة ايران. بقدر تجاهل الصادق لهذا الحدث، نعتقد أن الرأي العام الشمال سوداني سيتحد ضده. نخمن أن معظم السودانيين الشماليين، و هم مسلمون و يشعرون بالانتماء تجاه العالم العربي، يريدون الانضمام للتيار السياسي السائد العربي ،متضمنا ذلك التوافق ضد إيران. لا يريد السودانيون فقط المساعدات المادية من العرب، بل أيضا الدعم الخارجي السياسي و الديني في تعاملهم مع حرب أهلية تستنزفهم اقتصاديا و تهدد بتمزيق البلاد.

– اضمحلال المساعدات الخارجية :

من وجهة نظرنا، فإن محاولات الصادق المستمرة في جلب الدعم من كل المعسكرات ستؤدي الى تقليل يمكن ملاحظته منذ الآن في المساعدات من الدول العربية المعتدلة الغنية بالنفط. المساعدات السعودية – و هي تقليديا مكون ضخم في مساعدات السودان الخارجية – هبطت من ما يقارب ال300 مليون دولار في 1986 لما ينيف ال100 مليون دولار في 1987، وفقا لتقديرات مبنية على تقارير من السفارة الأمريكية. على الرغم أن السعوديين قد قللو بصورة عامة مساعداتهم الخارجية في المنطقة بسبب انخفاض عائدات النفط في منتصف الثمانينات، فقد تدنت المساعدات المقدمة للسودان بصورة بارزة، على حسب مسؤولين بسفارة الولايات المتحدة. يستنكر السعوديون غزل الصادق لإيران و ليبيا في اثناء التزايد الملحوظ للخطر الإيراني على السعودية و دول الخليج الأخرى.

تحول موقف السعوديين و قادة دول أخرى في الخليج تجاه سياسة الصادق بعدم الانحياز الى الغضب – و سيستمر الموقف غالبا في أن يكون سلبيا –طالما بقي التهديد الإيراني. في أول نصف من عام 1987 عبر السعوديين عن قلقهم الشديد لمسؤولين أمريكيين من احتمال ظهور حلقة من الحكومات الموالية للسوفييت ممتدة من ليبيا، عبر السودان، و حتى اثيوبيا. لاستباق ذلك السيناريو، رأى السعوديون ضرورة دعم الصادق في حربه ضد رئيس اثيوبية الشيوعي منغستو، و وكيله، قائد الحركة الشعبية جون قرنق، الذي يشتبه السعوديون أنه شيوعي “متخفي”.

في النصف الثاني من 1987، من الواضح استبدال الخطر العاجل الاستراتيجي الايراني للخطر طويل الأمد الشيوعي في تفكير السعوديين، و تحاول الرياض الآن ضغط الصادق لإعادة تقييم علاقته مع إيران عبر التهديد بحجب المساعدات المستقبلية. كذلك يقلل من فرص عودة المساعدات الى مستواها السابق إصرار الرياض على الخرطوم باصلاح علاقتها بالقاهرة.

– تصاعد مهددات الأمن الداخلي:

 في تقديرنا، فإن سياسات الصادق الغير منحازة ترفع من مستوى التهديدات المباشرة لأمن السودان الداخلي. نعتقد بأن ليبيا و إيران مصممان على تجنيد أنصار في الخرطوم ليتمكنا من تشكيل تعاطف مع قضاياهم المختلفة و،بالترتيب، الهجوم على دبلوماسيي العرب المعتدلين و الولايات المتحدة ، بالإضافة الى تقويض أي نظام في الخرطوم تراه طرابلس أو طهران مواليا للغرب أكثر من اللزوم. الصادق، في رؤيتنا يفتقر للموارد الأمنية التي تمكنه من ردع الليبيين و الايرانيين.

(فقرة محجوبة)قد تستفز أي جهود سودانية للحد من النشاطات الليبية في دارفور التي تسعى لتقويض حكومة تشاد القذافي ليصعد من الإجراءات التخريبية ضد الصادق. (فقرة محجوبة)الليبيون،في اعتقادنا، يستمرون في البحث عن  متعاطفين داخل القوات المسلحة السودانية. على الرغم من فشل اللجان الثورية السودانية المدعومة من ليبيا في أن تكون أداة مناسبة للتحريض في الخرطوم، الا أن طرابلس لم تتخلى عنها.

(نص محجوب) يسعى الايرانيون في الخرطوم لتناول ايجابي إعلامي لهم. و يحاولون انشاء مركز ثقافي، رغم منع الخرطوم لمثل هذا النشاط (باقي الفقرة محجوب).

– مهددات طويلة الأمد على الاستقرار:

في رؤيتنا، فإن نوايا ليبيا لغرب السودان و خطط إيران لتدريب مليشيات الأنصار يشكلان خطرا طويل الأمد على إستقرار السودان.

تحركات ليبيا منذ سقوط نميري توحي بأن طرابلس تريد تأثيرا قويا، ان لم تكن سيطرة تامة، على اقليم دارفور في غرب السودان. الى الآن ابدى الصادق عدم رغبة أو عدم قدرة، أو الاثنين معا، لمجابهة الانتهاكات الليبية.

بوجود معقل في دارفور ،  سيكون لليبيا قاعدة دائمة على الحدود التشادية الشرقية يمكن منها مهاجمة القوات التشادية التي تشكل عائقا أمام مطامح ليبيا في تلك المنطقة. بالاضافة لذلك، فستحصل رغبة القذافي في دمج ليبيا و السودان سياسيا و إقتصاديا –وبالتالي إضعاف نفوذ مصر في السودان –على دفعة كبيرة في طريق إنجازها. أخيرا، على الأرجح يرى القذافي  الوجود الليبي في دارفور كقوة مفيدة في منع خط عودة السودان نحو السياسات المعادية لليبيا.

تحت ستار تحسين الطرقات، المطارات و الانتاج الزراعي، عزز الليبيون من وجودهم في دارفور. اتفق كل من محافظ دارفور و محافظ بلدية الكفرة المتاخمة لدارفور في يوليو 1987 على مباشرة مشاريع تنموية مشتركة،(جملة محجوبة) رغم أن الخرطوم تعتبر الاتفاقية غير مشروعة. أثناء ذلك، تجد القوات النظامية التي يناهز عددها الألفي فرد في الغرب – و المنوطين بحفظ الأمن في مساحة أكبر من اليابان – أنه من شبه المستحيل منع دخول الإقليم للجنود الليبيين و المتمردين المدعومين من قبل تشاد.

(فقرة محجوبة)

المساعدات العسكرية الإيرانية لطائفة الصادق الأنصار قد تثير غضب الرتب العالية من ضباط القوات المسلحة السودانية الذين،في رؤيتنا، لا يزالوا ينظرون الى أنفسهم كأوصياء على الدولة السودانية ،ليس فقط كحماة لنظام محدد. سباق تسليح متعدد الأطراف – و الخطر الذي يتبع ذلك على النظام العام – قد يجبر كبار الضباط على التدخل في الحكومة قبل أن يهدد الاستقطاب الحاد بين المدنيين وحدة القوات المسلحة نفسها.

احتمالات التغيير:

يوحي عزم الصادق المستمر على تبديل مسار السياسة الخارجية المتخذ خلال فترة نميري، و قناعته  حول ملائمة عدم الإنحياز لخدمة مصالح السودان، و نقاط تعاميه عن ليبيا و ايران بضآلة احتمالات التغيير في السياسات التي تبناها في أول عامين من توليه المنصب. على الرغم من التكاليف المتصاعدة على المدى القصير و الطويل، يبدو الصادق غير مقتنعا بمكاسب العدول عن مساره الحالي.

و لكن، يمكن أن يقوم الصادق تدريجيا –أو حتى بشكل مفاجىء –بإنهاء موقفه الودي تجاه ليبيا و ايران في 1988. قد يرى أن التكلفة السياسية الداخلية للحفاظ على علاقة جيدة مع القذافي و الملات أصبحت أكبر من الدعم الإقتصادي و العسكري الذي يتحصل عليه منهم. سيشير تغير مثل ذلك في السياسة الخارجية الى اعتقاده باشتداد التذمر المدني ضده من كل الجهات و أن الجيش السوداني على وشك الإطاحة به.

تتضمن مؤشرات التغيير في السياسة الخارجية السودانية –من الأقل الى الأكثر حدة – الآتي :

. نحو ليبيا – انتقاد الصادق علنيا لسياسات قذافي في الاقليم، الحث على التوافق بين ليبيا و تشاد. ايقاف الزيارات الرسمية لطرابلس.

. إعلان ليبيا كخطر أمني في الخرطوم و في اقليم دارفور السوداني.

. أن يأمر الصادق بطرد الدبلوماسيين ،ضباط المخابرات و العناصر العسكرية الليبيين من السودان.

. تجاه إيران –إدانة الصادق علنيا إصرار الايرانيين على مواصلة الحرب مع العراق، و وقفه للزيارات الرسمية الإيرانية للخرطوم.

. أن يأمر الصادق بالتضييق الأمني على الايرانيين في الخرطوم ، و يشجب بصورة علنية حالات ضبط التجنيد من قبل ايرانيين في العاصمة

.أن يأمر الصادق بطرد بعض الإيرانيين

إن أوقف الصادق العمل بسياسة “حسن الجوار” تجاه ليبيا و إيران، ترجح الإحتمالات أن طرابلس ستحاول خلق مشاكل كبيرة. القذافي، إن ذهب في اتجاه رؤية الصادق كعدو يقارب النميري،قد يوقف المساعدات العسكرية، و يجدد الدعم العسكري لمتمردي الجنوب، و يصعد النشاط التخريبي في الخرطوم، على وجه الخصوص داخل الجيش السوداني.

من المرجح أن تسعى إيران لخلق اتصالات مع مجموعات معادية للصادق، و لكن انشغالها بحربها مع العراق و مسائل أخرى في الخليج ستحد من قابليتها في دعم أنشطة هدامة.

تبدو التغيرات الملموسة في السياسة السودانية على جبهات أخرى –القوى العظمي، مصر، و الدول الأفريقية –أقل احتمالية.

من الأرجح ان تكون كل من كراهية الصادق للمصريين و مقاومته للاصطفاف مع الولايات المتحدة متجذرة بعمق لايسمح بأي تغييرات ذات أهمية في موقفه.

قاعدته الشمالية المسلمة –بالإضافة لدوره كزعيم طائفة دينية شمالية –تجعل من غير المرجح بصورة مساوية أن يكون هناك تحول في سياسته تجاه أفريقيا السوداء.

سيناريوهات بديلة: ماذا إن تمت الإطاحة بالصادق؟

إن أطاح ضباط في القوات المسلحة السودانية بالصادق، فسيحدث ذلك على العموم –و لكن ليس على وجه الحصر – بسبب تجاوز مستوى الطلب السوداني على السلع و التجهيزات العسكرية للمساعدات التي جذبها الصادق. سيكون النقص في السلع الأساسية قد أصبح حادا و ربما بالترافق مع توسيع الصادق للإجراءات التقشفية، ستكون قد أدت الى احتجاجات مدنية مستمرة و واسعة النطاق.

النقص في التجهيزات العسكرية ، ربما بالترافق مع هزائم عسكرية مهمة في الجنوب و إهانات في الغرب، ستكون قد قلبت موقف القادة العسكريين في الخرطوم بصورة قاطعة ضد لستمرار حكم الصادق.

على الأرجح سيبدل حاكمو السودان الجدد –في الأغلب ضباط و لعل بعضا من المدنيين – عدة نواحي من سياسة الصادق بعدم الانحياز. أولا، نتوقع أنهم سيتخذوا خطوات لإستعادة الدعم الوثيق المصري للخرطوم، مما سيتضمن تخفيضا للتفاعل الودي مع ليبيا. لا تشارك الأركان العامة في العادة موقف الصادق البارد تجاه المصريين، و (الجملة محجوبة) سيفضلون التسليح من القاهرة على طرابلس.

ثانيا، نتوقع أن يتجاوب الحكام الجدد مع السعوديين و دول خليج أخرى “معتدلة” أكثر من إيران.(باقي الفقرة محجوب)

و لكن أيضا، قد يواصل حكام السودان الجدد البحث عن الدعم من أي طرف إن لم توفر الحكومات الإقليمية الموالية للغرب أو الولايات المتحدة أو الديمقراطيات الأوروبية المساعدات الكافية حسب تقديرهم لمجابهة مهددات السودان الأمنية المتعددة و لتخفيف المصاعب الإقتصادية التي يمكن أن تعيد إحياء المظاهرات المهددة للنظام في الخرطوم.

التأثيرات بالنسبة للولايات المتحدة:

تؤثر سياسة الصادق بعدم الانحياز بصورة سيئة على مصالح الولايات المتحدة الإقليمية.

ستؤثر التبعات المهددة للاستقرار لسياسات الصادق بعدم الانحياز بصورة سلبية على مصالح الولايات المتحدة في المنطقة. ارتفاع مستوى التدخل الليبي و الايراني في الخرطوم سيزيد على الارجح من الخطر الأمني على دبلوماسيي الولايات المتحدة و حلفائها هناك. و يفاقم ذلك التدخل أيضا احتمالات تصاعد الدعم لمتمردي جنوب السودان من الدول الأفريقية و استقطاب اقليم القرن الافريقي .

إذا تمت الاطاحة بالصادق في خلال السنة القادمة، هناك احتمال اكبر قليلا من المتوسط بأن يسعى النظام العسكري اللاحق له الى مسار موالى للغرب ،و لو على الأقل في بدايته. سيسعى السودان نحو المزيد من المساعدات الأمريكية، و لكن اذا جاء الدعم من الغرب و الدول العربية المعتدلة صورة مخيبة للآمال، فقد تتجه الخرطوم نحو تكثيف مبادرتها نحو الحكومات الاقليمية الراديكالية للمساعدة.

خلال كل هذه العملية، طلبات الولايات المتحدة للتعاون في حل مشاكل الشعوب المصابة بالجفاف و المجاعة ستحصل على القليل من الانتباه من الحكومات الاقليمية التي تقع اولوياتها الاساسية في البقاء في ظل التمردات المختلفة و محاولة فرض رؤاها على الدول المجاورة.

ملحقات

ملحق- الصادق المهدي: سياسة خارجية مشخصنة

في رؤيتنا، الصادق المهدي هو رجل يتمتع بالثقة في النفس و يعتقد بحقه في قيادة عشيرته، و طائفته، و بلاده.

أوحى له كل من انحداره من سلالة المهدي، بالإضافة لتربيته المدللة و امتيازه التعليمي (يملك شهادة بمرتبة الشرف في مجال الإقتصاد من أوكسفورد) بأنه شخص خاص. صعوده السريع في السياسة – تم انتخابه للبرلمان عند وصوله للعمر المتطلب و هو الثلاثين و أصبح رئيس الوزراء لأول مرة في السنة البعدها –عزز لديه تلك القناعة.

ذكي، رفيع الثقافة ، لطيف ،و مفعم بالحيوية، على حسب مسؤلين أمريكيين، الصادق ماهر في تكييف تكتيكاته لإرضاء جمهوره. يلعب عدة أدوار مهمة –زعيم طائفة الأنصار، سياسي، رئيس حزب الأمة ، و مثقف حديث –و يركز على أحدهم ثم الآخر ليجذب دوائر مختلفة و يكتسب الدعم كقائد. تحالف في أوقات مختلفة مع مجموعات من كل التوجهات الأيديولوجية من الشيوعيين و حتى الإخوان المسلمين. لدى الصادق عقلية نظرية و له القدرة على الشرح المطول لمدى واسع من المواضيع التاريخية و الدينية (له العديد من المؤلفات). و لكن، كقائد هو(نص محجوب) لا يوضح أي برامج سياسية متماسكة أو استراتيجيات لتحقيق مصالح السودان. كما لا يظهر الإصرار في تحقيق السياسات التي يضعها كأهداف.

(فقرة محجوبة)

نعتقد أن ضغينة الصادق التي يعبر عنها مرارا و تكرارا تجاه التأثيرات الخارجية على السودان تعكس موقعه كقائد من العالم الثالث،(نص محجوب)  يعتبر تشكيه من أن الحكومة المصرية حاولت تاريخيا جعل السودان في موقع التبعية مواصلة لإرثه المهدي الموروث من جده، الذي حارب ضد الهيمنة المصرية (و البريطانية). نعتقد أن سعيه للعلاقة مع معمر القذافي،كمثال، لا يعكس فقط سياسته “حسن الجوار”و امتنانه الشخصي للجوء السياسي الذي وفره له القذافي خلال فترة نميري، بل أيضا تعاطفه مع تحدي القذافي للقوى العظمى. على الرغم من أن الصادق لا يتصرف كالقذافي (أو الخميني)، نعتقد أن سياسات المواجهة المتخذة من قبل المتطرفين الإسلاميين تجذب الصادق(باقي النص محجوب)

ملحق- قاعدة الصادق المهدي التقليدية: الأنصار

يعرف الأنصار بأنهم مسلمو السودان الذين يدينون بالولاء السياسي تاريخيا لمحمد أحمد ابن السيد عبدالله ، الرمز ذو الكاريزما  

الذي أعلن في ثمانينات القرن الماضي أنه المهدي –المنقذ الذي جاء لتخليص الإسلام –و قاد تمردا ناجحا ضد الهيمنة المصرية. نتج عن التمرد ميلاد دولة إسلامية مستقلة استمرت لمدة 13 عاما حتى تمت الإطاحة بها من قبل تدخل عسكري بريطاني مصري.

تم توارث ولاء الأنصار للمهدي – نظير السودان التقريبي لجورج واشنطن في الولايات المتحدة – للذكور من سلالته، الصادق هو ابن حفيد الصادق.

يعتبر الأنصار أكبر طائفة في السودان، ويتركز معظم أعضائها في غرب السودان، مع وجود تمثيل معتبر في وسط السودان و الخرطوم. وفرت قوتهم العددية الأفضلية لحزب الطائفة السياسي –حزب الأمة،المرؤوس من قبل الصادق –في انتخابات 1986. وفقا لورقة أكاديمية مقدمة في ندوة تمت تحت رعاية الحكومة الأمريكية في أكتوبر 1986، فإن دعم الأنصار لحزب الأمة قد انتقل غربا نحو حدود السودان مع تشاد.

ملحق- حكومة الصادق الإئتلافية المضطربة:

الحكومة الإئتلافية التي تم تشكيلها في مايو 1986 تحت قيادة حزب الأمة و زعيم طائفة الأنصار الصادق المهدي –ثالث الجهود السودانية منذ الاستقلال في 1956 لبناء ديمقراطية برلمانية –هي حكومة ضعيفة بصورة متأصلة. تجعل الخصومات المتجذرة، الحزبية منها أوالشخصية بين النخب المدنية،مهمة الوصول لإتفاق بين القادة السياسيين حول المسائل الخارجية و الداخلية و تطبيقها شبه مستحيلة.

جائت نتيجة انتخابات ابريل من 1986 بحزب الأمة في المركز الأول و الإتحادي الديمقراطي في المركز الثاني. يقود الإتحادي الديمقراطي رؤوس عائلة الميرغني. الذين يستمد دعمهم الأساسي من الطائفة الختمية، و هم الغريم الموالي لمصر التاريخي لعائلة المهدي.

جاءت في المركز الثالث الجبهة الإسلامية القومية الممثلة لليمين الإسلامي المتطرف، يرأسها حسن الترابي، عدو الصادق السياسي و صهره. الترابي، وفقا لتصريحاته منذ انتخابات 1986، يسعى لإضعاف و في النهاية التخلص من سيطرة آل المهدي و آل الميرغني السياسية على الشمال المسلم . بسبب عجز كل من حزب الأمة و الإتحادي الديمقراطية عن الحصول على النفوذ الانتخابي الكافي للحكم المنفرد، قررا أن يحكما سويا. و لكن تعاونهم موبوء بالمشاكسات حول المناصب الوزارية الرئيسية،و الإتجاه المناسب للسياسة الخارجية، و السيطرة على أجهزة الدولة الاستخبارية. نتيجة لذلك، فإن الائتلاف لم يشغل نفسه الا قليلا بمحاولة تشكيل جبهة موحدة لمعالجة الأزمات الداخلية و الخارجية المتنامية.    

مهام قدّام! في التجهيز للعصيان (1-3) إلى مقدمات الطور الثاني من الثورة

كانت قدّام! على مستوى المهام الموضوعية المطروحة أمام الطور الأول للحركة الثورية منذ ديسمبر 2018م حتى أبريل 2019م. ذلك لأنها دمجت شيئين في نفس اللحظة، لقد حافظت على أعلى درجات المرونة التكتيكية، وتمسّكت بما هو استراتيجي بقبضة الفولاذ. تجنّبت بهذا الخط الانتهازي الذي يريد العمل من أجل العمل ويقبل بأي فتات تنازل يلقي به الخصم ويصوره كأنه ذروة مكاسب الثورة، والخط المتصلّب الذي يريد كل شيء الآن وفوراً ويكتفي بالصراخ المنبري دون عمل واقعي. كانت قدّام تعلم ماتريد، وتعرف ما تواجه، فناورت مع الغالبية مرّات، وتمسّكت بالعزلة المبدئيّة مرّات أخرى، ولم تفقد وسط كل هذه التقلّبات الإحساس بالواقع، أو التفكير في الهدف النهائي، فنمت وأزهرت.
يحقّ لـ قدّام أن تنظر بعين راضية لماضيها القريب. من مصلحة الثورة أن تواصل على نفس المسار، تطمح، وتعمل.
ندخل هذه الأيام في طور جديد من الثورة. سماته الرئيسية هي الفرز المتزايد الحدّة داخل المجتمع بين قطبين تتوسّع الهوّة بينهما كل ساعة، وانبثاق مبهر لتنظيمات الجماهير الثورية من أعمق أساسات المجتمع البرجوازي، تنظيمات حيّة، عامرة بالمبادرة وتحمل وعياً جذرياً بديلاً، وازدياد عنف التوترات داخل الطبقات الحاكمة القديمة – خصوصاً تلك التي حاولت التزيي برداء الثورة البرّاق على سبيل التموية المنافق – إضافة لانكشاف النوايا الرجعية لبرجوازيات الخليج ومصر ضد شعبنا في أعين كل هذه الشعوب، وتسيّس الجنود وصغار الضبّاط و افتضاح انفصال الجنرالات عن مطالب الثورة في نظرهم.
إزاحة البشير كانت بداية هذا الطور. وأُشرع باب التنظيم العلني للجماهير في كلّ مكان بقوة الثورة بعد طول كبت. هذا يغيّر كل شيء. وينبغي لرؤية الصورة كلها رؤيةً شاملة لا تهمل الدقائق الصغيرة، أن نراجع بصورة مجملة للمسار الذي اتخذته الثورة في علاقتها بمطالبها وتنظيماتها الخاصة، وأن ندقق في الفروق التي تبدو سطحيّة حتى وقت قريب. من سبر هذا المسار المستكشف للتو سيشير سهم عملاق مكتوب عليه “المستقبل! من هنا”، وعلينا أن نجده.
في الطور الأول من الثورة لم تكن الجماهير الغالبة تجد منصّة للإنطلاق سوى المنظمات القديمة. لم يكن بمقدورها تأسيس منصاتها الخاصة، فالقمع والخوف يسيطران على الساحة. وكان على الأقسام المتحرّكة منها أن تستند على ماهو موجود وأن تمثّل أنها تصدّق كل من قال أنه مع الثورة حتى وإن كانت يداه ملطختين بدماء الخيانة في الماضي، كانت حالة اضطرار سياسية. ولهذا منذ ديسمبر وحتى أبريل : لا تحظى الجماهير العريضة بتنظيماتها الخاصة سوى لجان تظاهر محور عملها فعل الثورة لا التفكير في الثورة، ولا تُطرح على الساحة المطالب النوعية التي تخصّها إلا بصورة عموميّة ملغّزة، وبصيغ مكتوبة بدقّة احتيالية بحيث يسهل التملّص منها. جماهير مبعدة إلى ظل الأحداث أحياناً، أو لجبّ تحت الأرض حيث لا يراها الأسياد القدامى. وخلا بعض الأقسام الأكثر جذريّة من البرجوازية الصغيرة المفقرة مؤخراً كالأطباء ولجنتهم المركزية التي بزغت من نضالات جماهيرية في سبيل الصحّة، فإن ثقة الجماهير العريضة في المنصات السياسية التي استمرّت في الحديث باسمها ظلت متأرجحة بين الشّك واليأس، وكانت تترقب أثناء معاركها خنجر الخيانة في ظهرها كل لحظة ولا تتكل سوى على أن العمل الثوري سيثلم خناجر الخونة، وكلا الإحساسين لا يمكن أن يوصفا أنهما من الأحاسيس الإيجابية تجاه مستقبل الثورة. كانت تلك مرحلة الخروج من اليأس السوداوي إلى الترقّب الرمادي بدفعٍ من الإرادة الثورية المتفائلة.
وسقط البشير، مات الرمادي واكتسى كل شيء منذ تلك اللحظة بألف لون، وخرج من كانوا لا يُرَون إلى النور الباهر. حلّت لحظات التفاؤل والتنظيم. برز العالم الجديد الذي لا يسيطر عليه السادة الرماديون القدامى. كل شيء ملوّن، بدأ كل شيء يسقط في يد من أنجزوا الثورة، بدأت الموازين تتغير.
إن (إعلان الحرّية والتغيير) رغم عموميّته الشديدة، وسكوته عن مطالب جموع غفيرة من الشعب، هو نتاج تسوية غريبة : بين ثوريين وأنصاف ثوريين لم يجدوا بعد نقطة ارتكازهم التنظيمية، وبين خونة ذوي امتيازات يريدون أن يرتكزوا على الثورة ليعظّموا مكاسبهم، ثم يلقوا بالثورة في دمائها بعد أن يستنفذوا غرضهم منها، وقوّة ثورية نظريتها العمل ولم تعمل في النظرية بعد. خاف الثوريون إغضاب الرجعيين فيعدَموا تنظيمات الحركة، وخاف الرجعيون المجاهرة برفضهم للثورة بسبب بأس قوى الثورة التي تفجّرت، وفي حالة حضور خوفين، تتأجل المعارك، ولكن ضرورتها تظل كامنة، وبمجرّد أن ينقص خوف أحد الطرفين قليلاً، فالصراع محتّم. إن (إعلان الحرّية والتغيير) والقوى التي صاغته يمثّل حالة عجيبة من التقاء الأضداد تحت ظروف متقلّبة. هو كرة تقف على رأس هرم، توازنها على القمّة هو الاستثناء الغريب الذي يحتاج لتفسير، أما تدحرجها الحتمي وتهشمها فأمر معقول، منطقياً وواقعياً، وهو ما يحدث حالياً. 
الإطاحة بالبشير في 11 أبريل أنتجت منصات جديدة للعمل دخلت عبرها جماهير متفجرة الثورية إلى الساحة، تنظّمت بسرعة فائقة، ودشنت بذلك بداية الطور الثاني من الثورة السودانية. ولفهم العلاقة المعقّدة – على طرفي نزعتي الإنفصال والتوحّد بين المنصات القديمة والجديدة – أي بين هذه القوى الثورية البازغة – من جانب – وبين القوى التي كانت تملك منصاتها وتنظيماتها الجاهزة قبل الثورة من جانب آخر، لنفهم العلاقة بين الطورين، نحتاج أن نستعمل بعض التشبيهات المستعارة من خارج نطاق السياسة الثورية، وتتشابه معها في منطقها الديالكتيكي.
نستعير المثال من الحقل الطبّي: كانت تناقضات المجتمع السوداني قد بلغت درجة هائلة من الاحتداد في الشهور التي سبقت الثورة. وكان أعداء الثورة وحلفاؤها يترقبون اندلاعها، ولكل استعداداته. كانت الشروط الموضوعية في أتم النضوج، ولكن من سيحتضن أمشاج الثورة الضعيفة التي تواجه خطر الموت في أي لحظة؟.
إن برنامج (إعلان الحريّة و التغيير) هو الأم التي احتضنت تناقضات الثورة، لقد نمت الثورة في رحمه كما ينمو الجنين في رحم أمه تماماً، واكتسب منها بعض الصفات والملامح. واستمر كذلك حتى تبدّلت الظروف. وكانت 11 أبريل لحظة خروج الروح من جثة النظام القديم المتعفّنة هي ذاتها اللحظة التي اكتسب فيها الجنين روحه الخاصة وبدأ في الطرق بقوّة على رحم الأم، له منذ تلك اللحظة عقله الخاص ورغبته الفريدة في الحياة الجديدة المنفصلة عن ماضي أمه. استمرت الضربات تزيد أياماً وتهدأ أخرى، كل ضربة تضربها الثورة على الرحم الذي لم يعد يسعها هي صيحة مختنقة لحياة جديدة تريد أن تعلن حضورها، وتنطلق بحرية، وتفجّ صمت العالم بصوتها المنغّم بالإنتصار. قدر التاريخ في أن يُخرج الظاهرة من تناقضات ظاهرة أخرى، وهذا ليس عقوقاً، بل تعبيراً عن منطق التاريخ في تصارعه الأبدي. إن الصراع المؤلم بين أطراف (إعلان الحريّة والتغيير)، وبينها وبين هذه القوى المنتظمة تواُ، هو تعبير عن هذه السيرورة. وبنهاية التاسع عشر من مايو، انتهت أوهام من يريدون إبقاء الجنين في الرحم نفسه، وأن تظل الأم في معاناتها نفسها دون أن تضع وليدها، إن هؤلاء يصرّون على إبقاء الكرة على رأس الهرم نفسه إلى الأبد، أي يراهنون على ماضٍ جميل، وللمفارقة، مستحيل أيضاً. نحن والثورة على أعتاب نهاية فترة اشتباك الطور الأول بالثاني. وفي أوقات التنازع تظهر أعراض مرضيّة متنوعة، أبرزها في حالتنا هذه سيكون طغيان العادة في وضع يحطّم كل معتاد. على قوى الثورة أن تدرك إن للتعود على الأساليب القديمة في الثورة مخاطره الرهيبة والتي تصل لدرجة تعريض الثورة نفسها لخطر الإفناء. إن الأشياء تتبدّل في خضم الثورة بسرعة تذهب عقول من لم يعتادوا منطقها الإنفجاري والمباغت، لقد تغيّرت الظروف، والقوى، والأجواء والتحالفات وقوّة الطبقات وكل شيء كان يحكم العالم القديم منذ الإطاحة بالبشير، ويجب أن يكون الثوريون بنفس العقل، عليهم أن يتبنوا عقل الثورة، ويتركوا الصيغ الجاهزة المعتادة حتى وإن كانت قد لبّت حوجاتهم في الماضي. لقد أعلنت وفاة (إعلان الحرية والتغيير) بفشل إجتماع أمس لاقتسام سلطة كان يستحيل اقتسامها منذ البداية. إن الحركة الثورية في حاجة لنقطة ارتكاز جديدة، لبرنامج جديد، لتشكيل تنظيمي جديد، يبني على انتصارات الماضي ويطمح أيضاً لمواصلة الانتصارات في المستقبل. وكما يعرف جميع الناس : إن التأخر ساعة الولادة عن شق بطن الأم لإخراج الجنين يعني إعلان حكم بالموت عليهما سوياً. فمن دمٍ نازفٍ من شق صغير على بطن الأم، تنجو حياتان، أما التخوّف الأبله بتعريض الأم لأوجاع المشرط، فيقتل الأم والجنين سوياً. إن البرنامج الثوري الجديد هو مشرط الثورة لإنقاذ جنين قواها النامية تواً، في رحم القديم كان، وبخروجه معفّراً بالدم وعالقاً بأنسجة الماضي الواهية، يكتسب الحياة، وتنتصر الثورة، بالانتزاع الحنون.
إن مهمّة قدّام! الأولى في المرحلة القادمة هي طرح البرنامج الجديد، مستندة على التنظيمات الجماهيرية الجديدة، وعلى مطالبها الحقيقية المستمدّة من ظروفها الواقعية. برنامج لا يقبل التنازلات، ومفتوح على التحالفات مع كل من يريد بناء عالمٍ جديد، في آن. هذه هي الضرورات الموضوعية للطور الثاني من الثورة. وتعلم قدّام! أن الرضا الذاتي عن الإنجازات القديمة ليس مدخلاً للقبول والتأثير في المستقبل. وعليه، فإنها إذ تعرّف مهمتها التاريخية بدقّة، فإنها مستعدّة للقتال في سبيل الانتصار حتى النهاية. إن نجاح الإضراب السياسي العام مرهون بانطلاق هذه المهمّة، وليس بالضرورة أن تنتهي مع إعلانه. ففي 13 مارس، فشل الإضراب العام الذي كان قد دعا له موقعو (إعلان الحرية والتغيير) لسبب موضوعي. وهو أن برنامج الإعلان كان واقعاً في تناقض صارخ، فهو لا يلبي مطامح معظم الجماهير التي كانت – بإضرابها – ستطيح بالنظام، وفي نفس الوقت الذي كانت فيه قوى (إعلان الحرية والتغيير) تطالبها عبر الخطابات المحشوّة بالحماسة أن تقاتل في سبيل حماية (الوطن). كان بين قوى الإعلان وقوى الثورة التي يقصيها الإعلان هوّة لا تردم. ففشل الإضراب. ليس هنالك من درب للانتصار سوى كسر قيد (إعلان الحرية والتغيير) عن أيدي القوى الثورية الجديدة التي بزغت بعد الإطاحة بالبشير، وردم الهوّة عبر برنامج جديد يجذبها ويعبّر عنها. هذا أول شروط الاستجابة الواقعية لتقلبات الثورة.

نواصل،

قدام! نحن الغضب نحن الشعب

لماذا يجب حل جهاز الأمن؟ 7 أسباب

أنشأ النظام جهاز الأمن من أجل هدف واحد : قمع الثورة.
الإنقاذ نظام دكتاتوري، ووضعت احتياطات للمحافظة على نظامها كما هو، وأول هذه الاحتياطات هو جهاز الأمن. الجهاز يدين بالولاء الكامل للنظام. كل أفراده مهما كانت رتبهم موالون له، لا يوجد أمنجي “جيد”، كلهم أعداء للثورة.
يطالب الثوريون بحلّ الجهاز كخطوة أولى بعد اختفاء البشير عن الساحة وتكليف ضباطه بإدارة الأزمة. هذه هي الأسباب الأبرز وراء هذا الطلب.
واحد : غير عملي
النظام الحالي يخاف من كل الناس، ويحاول أن يراقبهم ويعرف أدق التفاصيل عن حياتهم في كل يوم وكل لحظة. ولهذا ينتشر عناصره في كل مدينة، حي، وشارع، ويجمعون كل الأحاديث التي يسمعونها.
كل ما يجمعه أفراد الأمن خلال يوم العمل هو من شاكلة “فلان عايز قروش من فلان” و “علّان يتعاطى المخدرات” و “فلانة عليها ملاحظات أخلاقية”، وما شابه ذلك من تافه القول. هذه ليست معلومات استخباراتية سرية عن طراز جديد من الصواريخ العابرة للقارات مثلاً، بل أقاويل لا سند لها. ماهي الفائدة التي ستجنيها بلادنا من هذه “الشمارات” و”القوالات”؟.
التجسس على الناس ليس حفظ الأمن. يوجد فرق.
جهاز الأمن يوظف كوادر بشرية وميزانيات قياسية في جمع أشياء غير مفيدة، بل ومضرّة. نشاط جهاز الأمن الحالي غير عملي ولا يحفظ الأمن ولن يحميه من هبة الشعب الثائر كما يأمل. والدليل أمامنا في الميدان.
اثنان : جهاز فاسد ويتستر على الفاسدين
بقول تقرير المراجع العام كل سنة أن الجهاز وشركاته يرفضان الخضوع للتفتيش المالي. ولا يحتاج اثبات فساد ذمّة ضباط الجهاز وأفراده إلى أدلة أكثر من التي يعرفها الجميع : العين تشوف والعقل يفهم. كم من عاطل أصبح من الأثرياء بعد أن تولى منصباً بجهاز الأمن أو شركاته؟. المال في جهاز الأمن سايب، والمال السايب يعلم السرقة.
لا يقف موضوع الفساد على منتسبي جهاز الأمن فقط، بل يتعداهم إلى مجمل شرائح وطبقات الفاسدين المقرّبين من النظام، فهو يحميهم ويتستر عليهم، ويدمّر الأدلة التي تدينهم. هل تمّت محاكمة محاكمة أي فاسد استناداً على أدلة وقرائن جمعها جهاز الأمن؟ هل بمقدوره التنقيب في أسرار ثروات البشير واخوته وعائلته الممتدة؟ وعائلات مدراءه الكبار وأفراده؟ هذا أمر مستحيل طبعاً.
ثالثاً : جهاز عميل
يسلّم جهاز أمن النظام معلومات إلى دول أجنبية أخرى حسب الطلب. ربما يقول أحدهم أنها ممارسة متعارف عليها بين الأجهزة الأمنية في العالم، ولكن هذا ليس صحيحاً. 
يجب أن نميّز بين التعاون الاستخباري، وهو أن يتفق جهازان على تبادل المعلومات حول مسألة خطيرة مثل تجارة البشر أو تهريب المخدرات على قدم المساواة في علاقة نديّة، وبين أن يأمر جهاز أجنبي من جهاز الأمن الحالي أن يحضر له معلومات يحتاجها دون أن يكون الجهاز الأجنبي مطالباً بالمعاملة بالمثل. جهاز الأمن الحالي هو (خادم سيدو)، يؤمر فيطاع.
إنه يجمع هذه المعلومات بأموالنا نحن، ويسلمها مجاناً، أو مقابل تراب القروش، لجهات أجنبية أخرى.
ولا تريد العديد من الأنظمة القمعية لثورتنا أن تنجح، لأن لها مصالح مع النظام الحالي، وإذا نجحت ثورتنا فربما نهدد هذه المصالح، إن جهاز الأمن يعمل لصالح الأنظمة الأجنبية في محاولات سحقه لثورتنا، إنه يحمي المصالح الأجنبية على حساب مصالح المواطن السوداني. 
هذه هي العمالة عارية ومكشوفة.
أربعة : جهاز تمييزي
الشكل الأول من التمييز هو المعاملة التفضيلية التي يجدها الجهاز على حساب مؤسسات أخرى من الجيش. يأخذ الجهاز ميزانيات ضخمة من الميزانية العامة، وتحقق شركاته الاستثمارية أرباحاً طائلة من شركاته الاستثمارية. أين تذهب هذه الأموال؟ مثلاً: يتلقى ضابط الأمن في المتوسط 15 ضعف راتب الضابط في القوات المسلّحة، ويحصل على تسهيلات وامتيازات مصرفية وسكنية يستحيل على ضباط بقية الأجهزة أن يحلموا بها حتى. 
الشكل الثاني هو التمييز والانتقاء في الاختيار للعمل بالجهاز. يتم انتقاء ضباط وأفراد الجهاز بناءاً على درجة ولائهم للنظام، وهم في الغالب أعضاء في حزبه السياسي. وهذا يكشف المهمة الرئيسية للجهاز: حماية النظام، لا حماية الوطن. 
الشكل الثالث هو بث الفرقة بين فئات الشعب المسحوقة، بتعزيز الانتماءات القبليّة، وترسيخ الاستعلاء الجهوي، والحرمان من الخدمات العامة لأسباب سياسي، والفصل للصالح العام لمن لا يضمن ولاؤه. 
إن الثقافة التي يتلقاها ضباط وأفراد الجهاز ويتشربون بها هي ثقافة الاستعلاء على كل من عداهم من منسوبي الدولة الآخرين وعلى المواطنين. ويتعلمون أن ولاءهم للبشير والنظام فقط، ولتنظيمهم الخاص. وهم في أمان من المحاسبة على جرائمهم.
جهاز الأمن هو مليشيا حزبية مسلّحة تحمي النظام، وليس مؤسسة عسكرية لحماية الوطن.
خمسة : يهدد السلم الاجتماعي
أساليب جهاز الأمن تتسب في أضرار اجتماعية ونفسية لا تحصى. إنه يستهدف الثوريين وكل ما يرى أنه يمثّل تهديداً للنظام عبر بث الإشاعات، واغتيال الشخصية، والكذب، والتشكيك في الذمم المالية والسلوكيات الأخلاقية.
إنه يثير النعرات القبليّة، ويختلق الخلافات بين أبناء الحي الواحد، ويزرع في كل شخص إحساس الشك في الآخر. 
جهاز الأمن أكبر مهدد للسلم الاجتماعي.
ستة: جهاز عاجز
تعرّضت بلادنا إلى عدد كبير من الضربات العسكرية الأجنبية طوال فترة الإنقاذ. إن جهاز الأمن عاجز بسبب ثقافته الإدارية وتركيب هياكله وعقيدته القتالية عن مواجهة التهديدات الأمنية الخارجية. لقد ضربت الولايات المتحدة مصنع الشفاء، وقام سلاح الطيران الإسرائيلي بعدد لا يحصى من الضربات الجوية داخل البلاد دون أية مقاومة. 
من يسمع تصريحات منسوبيه عن قدراته، وتهديداتهم المتواصلة للمتظاهرين العزّل بالقتل والتصفية، وسرعة استجابته لإطار محروق في دقائق معدودة، لظنّ أن إسرائيل لن تجرؤ على التفكير بضرب الخرطوم، ولكن من الواضح أن جهاز الأمن ينطبق عليه مثل “أسد علي وفي الحروب نعامة”.
جهاز الأمن عاجز عن حماية البلاد من التهديدات والاعتداءات الأجنبية، #يسقط_بس
سبعة، خاتمة : الأمن حصيلة،
يحس الإنسان بالأمن بعد أن يتحرر من ضغط الحاجة للخبز والدواء والحياة الكريمة، ولا يخشى التعبير عن رأيه في شؤون بلاده بحرية. أما الحديث عن حفظ الأمن في بلد مليئة بالجوعى والمحتاجين فأمر مستحيل. الأمن حصيلة، وامتطاء التاتشرات، وإطلاق الرصاص عشوائياً في كل اتجاه، وتصفية الثوريين وبث الاشاعات لا يأتي بالأمن، بل يزعزعه.
إن جهاز الأمن الحالي غير قابل للإصلاح، إنه فاسد تماماً، وهو المهدد الرئيسي للأمن. كل أفرعه ومؤسساته وأفراده يشكلون قوى الثورة المضادة. إن حل جهاز الأمن حلاً كاملاً، وإعادة بنائه من جديد على أسس مؤسسية وعلمية شفافة وواضحة لا يمكن أن تتم إلا تحت حكم ديمقراطي كامل. 
استمرار جهاز الأمن يعني استمرار اهدار الموارد، واستمرار التمييز، واشتعال النزاعات القبليّة، وبقاء بلادنا تحت رحمة القوى الدولية، وهذه مشاكل لا يمكن معالجتها بالحلول الجزئية. إنه عدو لكل ما ترفعه الثورة من شعارات وما تريده من أهداف.
جهاز الأمن الحالي هو عدو الثورة، حل جهاز الأمن هو حماية للثورة.

يسقط الجنرالات: سقط النظام ولازالت المعركة مستمرة؛ معركة بناء الوطن

تتنافس الآن عدة انقلابات داخل المؤسسة العسكرية هدفها جميعاً هو قطع الطريق أمام الثورة، و هي تقف جميعاً ضد لتوحيد قوى الثورة من جنود القوات المسلحة و فقراء شعبنا. و رغم إتفاق كل فصائل الإنقلابيين على هذا الهدف، فإن التنافس بين كبار الضباط و مؤسسات النظام البائد، و تخوفها من تصفية الحسابات فيما بينها، جعل اتفاقها على كيفية تنفيذ هذه المهمة موضع شك.سيعلن كبار ضباط القوات المسلحة إزاحة البشير، لكن سيبدأ فصل جديد من فصول الديكتاتورية، حيث ستفضي هذه الاصطفافات المضادة للثورة إلى إعادة إنتاج النظام البائد وفق أسس وشروط جديدة. إن البيان العسكري الذي سيعلن في الساعات القادمة هو صافرة بداية الثورة المضادة. وسيكون لها عدة أشكال و أقنعة، ليس هدف قوى الثورة هو الانحياز لهذا الطرف الإنقلابي أو ذاك ضد الآخر، بل مواصلة التعبئة الجماهيرية من أسفل، وكشف مخططات الإنقلابيين مهما تلونت خطاباتهم، كلهم زيف، قد تصل الأمور بينها إلى درجة المواجهة المسلحة. إن الهدف الأساسي لثورة الجموع هو مناهضة كل أشكال الاستبداد، القديمة منها أو الجديدة. فلتتوحد قوى الثورة ضد أي نمط جديد من أنماط الدولة العميقة، دولة العسكر التي ظلت تنحاز منذ استقلال السودان للفئات النخبوية المهيمنة سياسياً واقتصادياً. وإذا كانت عهود النظام البائد قد أخفت كل أشكال الصراع الطبقي، فقد آن أوان الفرز الطبقي الحاد، مجسدة بذلك أعنف شكل من أشكال الثورة المضادة لثورة فقراء الريف والحشر. إننا الآن في مفترقات سبل بناء دولة المواطنة و الحقوق و المؤسسات. أي البناء القاعدي من الأسفل إلى الأعلى، ومن الأطراف إلى المركز. إننا سنعمل معاً على بناء دولة تكون قادرة على إعادة توزيع الموارد و الثروات القومية بشكل منصف و عادل بين كل المجتمعات المحلية، من جهة، وبين الطبقات الفقيرة، من جهة أخرى.اننا نمضي الان قدماً صوب أطوار و مسارات بناء دولة تنحاز للفقراء والمهمشين و المقيمين و المنبوذين.
قدام! نحن الغضب، نحن الشعب
#سقطت_تب#مدن_السودان_تنتفض#يسقط_الجنرالات

الدواء حق -3-

الصراع في سبيل الشفاء :
ما الذي يجري في عالم شركات الدواء العملاقة؟ خمسة مشاهد.

بعد أن شاهدنا القصص الواقعية عن آثار تسليع الدواء على حياة الناس العاديين، بقي أن ننظر إلى الجانب الخفي من المعادلة، أي إلى تجّار الدواء ومصنّعيه، في الداخل كانوا أم في الخارج.
دعونا نمعن النظر في وضعنا في العالم : نحن دولة أنزلت جبراً إلى أسفل السلم في جميع المجالات، ولعب النظام الحالي الدور الأعظم في ذلك، 
ولكن،
تجارة الدواء وصناعته تكشفان علاقة ارتباط عجيبة. بين طرفين، يبدو وللوهلة الأولى أنه لا شيء يربطهما سوياً.
—-هنالك شركات عالمية تجني أكبر الأرباح من الدول الضعيفة، مثلنا، وتوجد داخل هذه الدول بعض الفئات التي تستفيد من هذه الحالة الذليلة، فتقتسم مع هذه الشركات هذه الأرباح، بدون النظر إلى حالة الناس وعزّة البلد.
إن الشركات الدوليّة للدواء وتجّاره المحليين مثل طرفي المقص : يعملان سوياً، لا فائدة لأحدهما دون الآخر.
هذه الحلقة مكرّسة لفهم الطريقة التي تعمل بها هذه الشركات بالتعاون والتنسيق مع التجّار المحلّيين والحكّام الفاسدين.
سنغادر عنابر المستشفيات والصيدليات، ونلج عالماً آخر. عالم البورصة، وسوق الأسهم، والفساد، والتلاعب بالمعايير، واتفاقيات التجارة الدولية. 
لن نسمع آهات المرضى، لن نجد العاطفة الإنسانية، بل الحسابات الباردة القاسية، سنرى العنف الذي يرتدي أفخم الأزياء ويتحدث بأكثر النبرات هدوءاً. عالم الدواء وشركاته هو عالم الموت المستتر بالتهذيب.
قد يستغرب البعض منّا، ويتساءل: ما علاقة هذين العالمين؟
استعد!.
(1)
كم هي أرباح صناعة الدواء؟ 
بقيت هذه الصناعة على مدى سنين طويلة على قمّة هرم الربحية العالمي، لا يشاركها في ذلك سوى صناعة السلاح والبرمجيات. من أين تأتي كل هذه الأرباح؟ تقول أسطورة غريبة أنها ناتجة عن ابتكارات علاجية فريدة، ومفيدة وعبقرية، تنجها هذه الشركات كل سنة وتنفق عليها بسخاء شديد من أرباحها التي تجنيها. ال وتوجهها نحو السوق، الذي يتلقّى هذه الانتاجات بحبور شديد، فيشتريها وتربح الشركات. وتتكرر الدائرة.
هذه، وكما أسلفنا، مجرد أسطورة.
أجرى باحثان هما دونالد رايت و دويل ليكتشين دراسة سنة 2005م عن إنفاق الشركات الدوائيّة على البحث والتطوير. وجدا أمراً قد يبدوعجيباً للوهلة الأولى : أن هذه الشركات تنفق بعد الخصومات الضريبية، 1% فقط، أجل! واحداً في المئة، من عائداتها على البحث. ليس هذا فحسب، بل القادم هو الأسوأ : 
—- لا توفّر الأدوية والمستحضرات الجديدة التي تطلقها هذه الشركات في السوق سوى إضافة علاجيّة ضئيلة، أو لا شيء على الإطلاق. في مجلّة برسكرايل انترناشيونال، نُشرت ورقة بحثية حول سوق الدواء في فرنسا ، وخلصت إلى أنه خلال العقد الواقع بين 2005م-2014م، تم طرح 1032 دواءاً جديداً، وهوعدد كبير، ولكن كم ياترى كانت فائدتها على المرضى؟
تقول المجلّة : فقط 66 دواءاً تحمل إضافات علاجية جديدة.
وماذا عن البقية؟ هي إما مضرة وغير مقبولة بالمعايير الطبية، 
وإما أنها لا تقدّم أي فوائد علاجية جديدة على الإطلاق.
ستة وستّون من أصل ألف واثنين وثلاثين ! . وهذا في فرنسا، وليس في بوتسوانا !.
تبرر الشركات الدوائية أرباحها الباهظة بالإنفاق السخي على البحث والتطوير، وبأن الاستثمار في قطاع كهذا هو أمر محفوف بالمخاطر الإقتصادية، وتشيع أنه من بين كل 10 آلاف مركب دوائي، واحدٌ منها فقط يتطور ليصل مرحلة الدواء، وأن تكلفة الوصول إلى دواء واحد تبلغ اثنين مليار ونصف المليار دولار. 
هذه الافتراضات تستند إلى بيانات سريّة غير قابلة للتحقق المستقل. ولا يسندها المنطق والوقائع المشاهدة.
لنفكر بالمنطق الإقتصادي نفسه : إذا كانت عمليّة تطوير الدواء بهذه الخطورة، أليس من المنطقي أن تتفاوت حظوظ الشركات الدوائية من سنة إلى أخرى، وفيما بينها؟ ولكننا نجد العكس تماماً : تتزايد الأرباح سنة وراء سنة، ودون توقّف أو تباطؤ. وهذا ما لاحظه أيضاً طبيب واقتصادي، هما ستانلي فرانكستاين وبيتر تمين ، من معهد ماساسوسيتش للتكنولوجيا بالولايات المتحدة عندما صرّحا (لا يهم عدد المرّات التي حذر فيها محللو الأسواق أن نهاية براءات الاختراع تهدد هذه الشركة أو تلك بالاندثار، لم يحدث ذلك على الإطلاق).
لماذا يحدث كل هذا ؟ 
لماذا تكذب الشركات؟ ولماذا تنتج أدوية لا فائدة علاجية ترجى من ورائها؟ ولماذا تتواصل أرباحها في الارتفاع رغم كل هذا؟ ولماذا ولماذا؟ عشرات الأسئلة تتناسل. وسنجد عليها الجواب.
علينا تحويل أنظارنا مرة ثانية إلى مكان جديد. خارج المصانع المعقّمة وغرف الاختبار المليئة بباحثين يرتدون الكمامات وملابس عازلة، ويتلوّن كل شيء فيها بالأبيض، 
علينا أن نذهب إلى البورصة. للغرابة.
في الماضي، كانت أرباح الشركات تأتي مما تنتجه. فورد تكسب من انتاج موديلات سيارات جديدة، وجنرال الكتريك تطوّر تقنية جديدة لصالح مهمة ناسا نحو القمر، وبوينغ تحسّن من محرّكاتها النفاثة وتنتج طائرات أبعد مدى وأكثر راحة، وهكذا كانت قاعدة (أنتج تكسب) هي السائدة.
ولكن، منذ الثمانينات، دخلنا في طور جديد. لم تعد الربحية رهينة بالإنتاج، بل بشيء آخرتماماً.
ظهر سوق الأسهم باعتباره ما يحدد مصير الشركة. كلما زاد إقبال المستشمرين على شراء سهم الشركة ، ارتفعت ارباحها. 
الإنتاج لوحده لم يعد كافياً.
ماذا تفعل الشركة في هذه الحالة؟ عليها أن تجذب نظر المستثمر في سوق الأسهم بدلاً عن المستهلك. وهذا تحوّل خطير للغاية رغم أنه يبدو للوهلة الأولى بلا معنى.
“بيدرو كواتريكاساس” من كلية الطب والصيدلة في جامعة كاليفورنيا يقول (إن حاملي الأسهم، ورجال البنوك الاستثمارية، والمحللين، الذين لا يعرفون سوى القليل عن اكتشاف الدواء، يمارسون ضغوطاً كبيرة على المدراء التنفيذيين لشركات الدواء من أجل العائد السريع). 
ولكي يحافظ المدراء التنفيذيون على جاذبية شركاتهم بالنسبة لمجتمع سوق الأسهم، لا بد لهم من تطوير بعض الأساليب الجديدة. لننظر إليها مجملاً، ونعود لتفصيلها واحداً تلو الآخر. 
(2)
يشتري مستثمر ما سهماً في شركة دوائية لأنه يرى في سجلاتها المالية استمرارية في الأرباح. ويقول : “تنتج هذه الشركة عدداً من الأدوية التي ينتجها مصنّعون آخرون، ولكن تبيع ضعفي أي واحد منهم. هذا أمرجيد، سأشتري هذا السهم.
يحاول المدير التنفيذي للشركة الدوائية المتعددة الجنسيات تلبية هذا الشرط. ماذا يفعل؟ عليه أن يضمن أن سعر الدواء الذي ينتجه يلبي شرطين : الحفاظ على حصّته السوقيّة، وهذا لا يعني تخفيض سعر الدواء، بل قد يعني رفعه في بعض الأحيان. فبعض الزبائن لا يشتري إلا الدواء الغالي، يفكّر المدير “إذا خفّضت سعري قد أخسر بعض المشترين ومعهم جزء من حصّتي في السوق”، وثانياً يحافظ على نسبة العائد الذي يحققه هذا الدواء بالنسبة لأرباح الشركة ككل. 
أحد الأدلّة البارزة على هذه الآلية هو ارتفاع سعر دواءٍ خاص بعلاج مرض ” التصلّب المتعدد ” في الولايات المتحدة من أحد عشر ألف دولار في منتصف التسعينات، إلى 60 ألف دولار في أيامنا هذه. رغم أن الدواء لم يتغيّر فيه شيء.

إذا ظلت الشركة محافظة على حصتها السوقيّة في دواء معيّن، وانخفضت عائداتها الكليّة، فلن يجذب ذلك أي مستثمر، عليها أن تحافئظ على الأمرين سوياً. وإلا فستخسر. 
لهذا السبب بالذات تحافظ كل الشركات على سريّة عمليّات التسعير وتحصر المعرفة بها في نخبة قليلة من مدرائها، كما كان السحرة القدامى يخفون تعاويذهم ويتناقلونها فيما بينهم جيلاً بعد جيل بحرص شديد.
ينظر المستثمر إلى خطط تطوير الشركة الدوائية، ويجد أنها تعمل على تطوير دواءٍ معيّن لمرض نادر، وتشير دراسات السوق أنه سيحقق عائدات ملياريّة للشركة فور دخوله السوق. “يا له من أمر جيّد، سأشتري هذا السهم” يحدّث المستثمر نفسه. فماذا سيفعل المدير التنفيذي لشركة الدواء ليحقق له مايريد؟.
بما أن الدواء في نظر هذين الطرفين مجرّد سلعة، فسيقوم المدير بضخ المزيد من الأموال في البحث عن أدوية جديدة، ولكن، أدوية لأية أمراض؟.
يوجد فرق كبير بين الأمراض التي تصيب مواطني الدول الغنيّة، وتلك التي تصيب مواطني الدول النامية والفقيرة. ومن المنطقي أن ترغب شركة دوائية في الحصول على أعلى أرباح ممكنة، عليها أن توجّه انتاجها نحو أولئك القادرين على سداد الفواتير. من يأبه بمرضى الجذام النائمين ليلاً جوار معمل استاك وسط الخرطوم، لا تنفَق الأموال في تطوير أدوية للأمراض التي تصيب من لا يملكون المال. هذا ما تفعله الشركات الدوائية، تنفق على الأدوية التي ستدر الأرباح حصراً. 
حسب دورية “لانسيت الدولية للصحة” فإن سبعة وثلاثين دواءاً من فقط من أصل ثمانمائة وخمسين تم تسويقها في الفترة الواقعة بين سنتي 2000م و 2011م، كانت موجّهة لعلاج هذه الأمراض الوبائيّة. 
أي 4 في المائة فقط. لمن يمثلون على الأقل نصف سكّان الكوكب. 
ما الذي يحدد سعر الدواء في هذه الحالة؟ تقول إشاعة ما أن حجم الإنفاق على البحث والتطوير في دواءٍ معيّن هو العامل الأساسي في تحديد سعر الدواء. 
لن نشغل أنفسنا بحشد الوقائع والأدلّة، سندع أصحاب الشأن يكشون الغطاء عمّا هو خفي.
لنسمع ” هانك ماكنيل “، وهو مدير تنفيذي سابق في شركة فايزر الدوائية الأمريكية، وهو يقول : (الاعتقاد أن ما يحدد أسعار المنتجات في صناعتنا، أو أي صناعة أخرى، هو استعادة ميزانية البحث والتطوير هو تصوّر خاطئ.) 
ما يحدد السّر هو قوى السّوق، كلما كان المريض يائساً أكثر، كلما كان مضطراً لدفع سعر أعلى.
أليس هذا هو التعريف الجنائي لـ(الابتزاز)؟.
(3)
لنكمل مسار القصة، ولنتخيّل أن الدواء قد دخل مرحلة التجارب السريرية النهائية قبل دخوله للأسواق. 
تسود رؤية متفائلة حول الرقابة على الدواء في الدول المتقدّمة، مفادها أن الرقابة هناك أفضل وأكثر حياديّة. هذه رؤية لا تستند إلى الوقائع العمليّة. 
لم تشهد الثمانينات موجة أمولة شركة الدواء وتركيزها على القيمة السوقيّة فقط، بل تبدّلت فيها قواعد الرقابة على الأدوية. وكل ذلك جرى في مصلحة الشركات وحاملي الأسهم فقط. الدولة كانت في هذه الحالة ،كما كان العهد بها دائماً، لجنة تنفيذية للطبقة المستفيدة.
لنأخذ المثال البارز من بريطانيا “هيئة الرقابة الدوائية”. لقد ظلّت هذه الهيئة حتى سنة 1989م تتحصّل على تمويلها من الضرائب العامة ومن رسوم الشركات. وبعد تلك السنة أصبح تمويلها يأتي بنسبة 100% من الشركات، تماشياً مع فلسفة السوق الحر التي كانت تطبقها رئيسة الوزراء في ذلك الوقت مارغريت تاتشر. يشرح كورتني ديفيس ودون ابراهام من كينغز كوليدج بلندن ماجرى بلغة واضحة ( شهدت السنوات الثلاثون الماضية طوفاناً من اصلاحات فك الرقابة، هدفها ظاهرياً هوتشجيع الابتكار الصيدلاني الذي سيخدم، في آن واحد، المصالح التجارية للشركات والمصالح الصحيّة للمرضى) ويؤكد أبراهام أن بمقدور الشركات أن تؤثر – ليس فقط على الوكالات الرقابية – بل على الحكومة ككل عبر التبرعات الماليّة، وأعمال اللوبيات، وحتى تعيينها ممثلين عنها في الهيئات الحكومية المسؤولة عن الرقابة على الدواء وفرض الضوابط. 
والله يا شركة الدواء، تفلق وتداوي!
تزامن ذلك مع تخفيض حكومات الدول المتقدّمة للميزانيات المخصصة لوكلات الرقابة على الدواء، مما وضع شركات الدواء في موقع يسمح لها بالتلاعب بنتائج الاختبارات السريرية. 
مدير الشركة التنفيذي لن يقبل برفض الدواء الذي ابتكره، فهذا يعني هبوط سعر الشركة، والخسارة، والطرد. 
لنر كيف يتم ذلك.
في وكالة الدواء الفيدرالية الأمريكية، يبلغ الوقت القياسي لاختبار الدواء الجديد المقدّم للوكالة ثلاثمائة يوم. ويجب على الوكالة أن تكمل 90 في المائة من الطلبات خلال هذه المدّة الزمنية. وإن لم تحصل ذلك، فإن رسومها التي تجنيها مهددة بالسحب من قبل الشركات مما يعرض عائداتها للخطر. ولهذا، يبدو أن الوكالة تتساهل تجاه معايير السلامة. تقول دراسة منشورة في مجلة نيو انغلند للطب أن نسبة سحب لأدوية التي أجيزت قبل شهرين من موعد الإجازة النهائي أكبر بخمس مرّات تقريباً من باقي الأدوية. وهذا لا يمكن أن يعني شيئاً سوى أن التلاعب بالمعايير سببه هو تقديم الربح على البشر، وهذه أزمة دوليّة بملامح سودانيّة.
إن قصور آليات الرقابة والمتابعة الوطنيّة سببه هو الإنصياع لهذه الشركات فحسب، ليس التحقق من صلاحية الدواء أمراً مستحيلاً، ولكن الأنظمة التي تتلاعب بصحّة مواطنيها ترى في هذه الآليات ترفاً غير مقبول. ويريد من يمسك بزمام الأمور نهب حصّته من الربح على حساب المواطن. تخريب آليات الرقابة الدوائية هي السلاح الثاني في عتاد مدراء الشركات الدوليّة والتجّار المحليين.

الدواء حق -2-


” تم تغيير الأسماء والأماكن حفاظاً على خصوصية المشاركين”
سلمى محمد،
“أنا ربّة منزل وأم لأربعة أطفال”. هكذا وصفت لنا وضعها الإجتماعي. تسكن سلمى أحد الأحياء الطرفية في العاصمة، زوجها عامل مخرطة في المنطقة الصناعية. وتحكي ” كانت أمورنا كويسة والحمد لله، ساكنين وماكلين وشاربين، الحمد لله مستورة ومبسوطين وراضين بالمقسوم .
تنهر أحد اطفالها وتطلب منه مغادرة الغرفة،
وتواصل في الحكي ” بس في يوم ظهرت لي حبّة في صدري الشمال، لاحظت ليها وأنا بستحمى ، بس ما ركزت قلت عضة حشرة وبتروح، ما انتبهت إلا والحبّة بقت كبيرة وماشة تزيد، بقيت حاسة طوالي بـ طمام بطن ، ولفة راس. وزني بقى في النازل وكل الأهل بقوا يعلقوا لي : (مالك كملتي من لحم الدنيا كده؟)، (ما عرفتك والله يا سلمى! عندك سكري ولا شنو؟)، أنا زاتي حاسة اني ما كويسة. بعد فترة بدأ ألم حولين الحبّة دي، ويزيد وبزيد لامن حماني النوم، ووجع برضو في البطن والظهر. وجع شديد زي السكاكين بتقطّع فيني، غلبني، كلمت أحمد <زوجها>، سألنا من دكتور كويس وصفوا لينا واحد مشينا ليهو ” تقطع حديثها بعد أن وصلت لهذه النقطة، ويترقق صوتها “طلع المرض البطال بعيد عنكم”.
أصيبت سلمى بسرطان الثدي وهي في الثلاثين من عمرها. وللمقارنة، تصاب أنثى من كل ثمانية في السودان بالمرض، مما يضعه على قائمة أكثر الأمراض تسبباً بالوفاة. مما يجعل قصّتها تكراراً لقصص كثيرة، وآلام مكبوتة وراء جدران المستشفيات وغرف البيوت. إنها نموذج يتكرر بصور مختلفة. 
لقد انقلب عالم سلمى رأساً على عقب. 
عندما زرناها هي و زوجها وأخبارناهم بنيتنا تسجيل حلقة عن مشاكل المواطنين مع الدواء، قال “مشكلتنا كلها مع أب قردة دا”.
تداولت وسائل إعلام محليّة تصريحاً منسوباً لوزير الصحّة الاتحادي بحر إدريس أبو قردة قال فيه “مرضى السرطان ديل بنصرف عليهم قروش كتيرة وفي الآخر بموتوا “، ووجه التصريح بحملة انتقادات عنيفة. يقول أحمد بغضب شديد “بالله دا كلام دا؟ دا بقى وزير كيف؟ الموت دا من العيّان؟ في عيّان عايز يموت يعني؟ الموت دا أمر الله، نحن نبطّل العلاج عشان ما نخلّص قروش الحكومة ولا الفهم شنو؟ “.
بعد أن استمعنا لقصّة سلمى، وجدنا أنفسنا في وسط معضلة كبيرة : 
إن كنا نريد فهم السبب وراء عجز سلمى وملايين من أمثالها في العثور على الدواء، علينا ألا نكتفي بعالم الصيدليات والمستشفيات، وأسماء الوصفات والأدوية التجارية، والشركات الصيدلانية. علينا أن نمر عبره فقط لنلج عالماً أوسع وأكثر تعقيداً، يجب أن نفهم المجال الإجتماعي الواسع. يجب أن نفهم الفساد، والتفاوت الإجتماعي، والقطاع غير المهيكل والعمل المؤقّت، والخصخصة، باختصار : لقد اكتشفنا أن الدواء ليس مجرّد سلعة، ليس منتجاً على الرف يستلمه المشتري بعد دفع النقود، إنه، وفي مجتمعنا المعاصر، وبطريقة تداوله التي نراها أمام أعيننا، تجسيد للأوباء والمخازي كلها. 
عجز سلمى وأمثالها عن الوصول للدواء ليس إلا نصف المشكلة، أو أقل!.
ووجدنا أن الواجب علينا أن نكمّل هذا الاستقصاء الصحفي بالمعرفة الإجتماعية العامّة.
تتلقى سلمى جرعات العلاج الكيماوي في مستشفى الذرّة بالخرطوم. تحصل على جزء كبير من الأدوية بدون مقابل، وهو أمر من المتوقّع أن يتغيّر قريباً مع تشديد الحكومة للتقشّف المالي. 
لا تملك سلمى ولا زوجها أي تغطية تأمينية مثل غالبية العمال اليدويين في السودان. يُنظر للتأمين الحكومي العام بأنه مضيعة للمال فحسب، فهو لا يغطّي عدداً كبيراً من الأدوية، أو هي غير متوفرة إلا في صيدليات التأمين الحكومية البعيدة جغرافياً عن مناطق سكن معظم المستفيدين من التأمين الحكومي حسب رأيهم ، ولا يمكن الحصول عليها إلا بالدخول في دوامة من الإجراءات البيروقراطية العقيمة. أما أقساط التأمين الصحي في شركات التأمين الخاصة، فهي باهظة للغاية مقارنة بدخولهم، وقد يبلغ قسط التأمين مرة ونصف دخل العامل العادي، 
ولذلك يجدون أنفسهم بدون أن تأمين صحي ملائم.
ماذا تفعلون إذا مرض أحد أفراد الأسرة ؟ سألنا أحمد زوج سلمى. قال ” عندنا كشف بنعملوا نحن الأهل وبعدّاك بنشوف لينا طريقة نجيب قروش من الخيّرين إذا ما غطّى “. 
ولفهم السبب في عجز زوج سلمى عن الحصول على الدواء غير المشمول في الحزمة المجانية، علينا أن نزور مكان عمله.
أدت سلسة من عمليّات الخصخصة وبيع منشآت القطاع العام إلى تشريد الآلاف من العاملين، وكما أن الحرب الأهلية التي تصاعدت بعد سنة 1989م، قادت الملايين للنزوح من مناطق الحرب إلى العاصمة الخرطوم. 
اجتمع المعطّلون الجدد بالنازحين، فأصبحت البطالة سمة سائدة للعاصمة.
قاد العرض الكبير من العمالة إضافة إلى الركود الإقتصادي إلى تخفيض الأجور بصورة دراماتيكية. أصبح العمل من أجل سد الرّمق، اليوم باليوم، هو الشكل الأكثر انتشاراً. لم يعد هناك من مهرب، إما أن تعمل بأي أجر تجده، وإما أن تجوع ويجوع أطفالك. إنه خيار صفري. وصل انخفاض الأجور مع استفحال الأزمة الإقتصادية ليصل درجات لا يصدّقها عقل. هل تريد عزيزي السامع أن تضحك في وسط هذه المأساة؟ بسعر الدولار الرسمي البالغ 47 ألف جنيه مقابل الدولار، هل تعلم أن الحد الأدنى للأجور الرسمي في السودان يبلغ 9 دولارات؟!!! 
نعم ، 9 دولارات!، و دا بأسعار الحكومة كمان. وهي 4 دولارات إن أخذنا سعر السوق الأسود. وهو الأصح.
هذا الواقع، أسوأ من الكابوس.
غابة من العاطلين الذين يريدون فرصة للعمل، يفكّر صاحب العمل ويقول لنفسه : كل عامل قابل للإستبدال، سأجد من يقبل بأجر أقل مما أمنحه حالياً،. “ما عجبك؟ دا العندي، ما نفع معاك اتخارج”. كثيراً ما سمع <أحمد> هذه الكلمة تتردد في المنطقة الصناعية، مصحوبة باللعنات والشتائم لصاحب العمل مع كلّ خلاف حول الأجور. لقد تجمّدت الأجور، رغم أنها لا تكفي شيئاً. ليس هناك كاسبون، كل العمّال حاسرون، ولكنّهم جميعاً عاجزون عن التحرّك، هناك الالآف ينتظرون في الصفوف مستعدون لشغل الأماكن الشاغرة.
الخصخصة هي ما صنع سوق العمل الذي يشقى فيه <أحمد>. 
لنستمع إلى أحمد يروي قصة يومه : “بصحى أذان الصبح، بمرق أصلي في الجامع ومنها طوالي أركب المواصلات ، بصل الورشة وبشرب لي كباية جبنة وببدأ شغل طوالي، الساعة 3 ونص بمشي شغل تاني في مصنع حلويات بطلع منو 9 المسا، وبرجع البيت روحي مارقة وما شايف قدّامي . بقع أنوم طوالي ، ياهو دا البرنامج . لمن يقرّب يوم المتابعة مع الدكتور بشيل هم، عشان كلّ ما نمشي زيارة بكتب لينا أدوية جديدة، والأدوية القديمة ذاتها تمشي الصيدلية تلقى أسعارها زادت، دا كلو من أب قردة، بطلع من الصيدلية جيبي ما فيهو ولا جنيه مرات إلا أحاسب بتاع الأمجاد في البيت”.
يعمل أحمد أربعة عشر ساعةً في اليوم، ويقضي ساعتين على الأقل في المواصلات، يقضي يوم الجمعة في النوم. 
في وضع كهذا، أصبح من الصعب على عمّال المنطقة الصناعية، ومعهم كل من قرروا العمل لصالح أنفسهم، مثل ستات الشاي والعتّالة والميكانيكية وبائعي الرصيد وصبيان الخردة أن يطالبوا بشبكة حماية اجتماعية، بضمان عام للحياة، بالصحة المجّانية. 
اليوم باليوم، كل ساعة محسوبة، لكل لحظة ثمنها، وللتوقّف عواقبُ على كل شيء.
لقد أمتدّت الخصخصة إلى القطاع الصحّي كما هو معروف. البعض يشتكي من غلاء أسعارها ويحاول توسيع تأمينه الخاص ليغطّي معظم احتياجاته. ولكن بالنسبة لأحمد ومعارفه وأقاربه، فمجرد الاقتراب من هذه المؤسسات شبه مستحيل.
قمنا بحساب أجر <أحمد> في الشهر، وقارناه بأسعار الترقيد في مستشفى خاص اخترناه عشوائياً، ووجدنا أنه يكفي للإقامة لمدة يومين فقط. بدون احتساب تكلفة الفحوصات والأدوية.
لقد جهّزت السياسات الإقتصادية للنظام المسرح أمام هذه المأساة. ويمثّلها اليوم على خشبة الألم المميت ملايين المرضى ومرافقيهم، الذين يجولون بلا هدى في شوارع العاصمة وحواضر الرّيف، منهم من يتعففون ويصمتون، ومن يتسولون، ومن تراهم بين الذهول والغضب والألم على حافة الجنون، ينظرون بأعين يكحلها الدم. كل هؤلاء شخصيّات لابد أن أحدنا قد صادفها في حياته لمرّة على الأقل، (الموت فينا يمشي على ساقين) كما قال الصادق الرضي شعراً، وها قد استحال حقيقة معاشة.
هل هذا كلّ شيء؟
إن تسليع الخدمة الصحيّة ليس فقط مجرّد كارثة إقتصادية وصحيّة ، إن له تبعات اجتماعية ونفسيّة قاسية للغاية. تبعاتٍ تبدو غير منظورة بالنسبة لوزير الصحة الإتحادي السابق. الذي لم ينفك أحمد يلومه أثناء حديثنا معه.
اضطر أحمد ملازمة زوجته في المستشفى لأسبوعين تقريباً ، وبقي الأطفال في رعاية الجيران . بعدها ، اضطر لإحضار أخت زوجته وأمه من مسقط رأسهم ، كي يساعدوا على رعاية الأطفال والبقاء مع زوجته في المستشفى أثناء ساعات عمله . دفع زملاؤه ومعارفه في مكان العمل في “الكَشِف” وغطّى جزءاً لا بأس به من منصرفات تلك الفترة . 
ورغم أن سلمى تحصل على بعض الأدوية مجاناً، وهذا ما يغضب أب قردة وقيادات النظام ، إلا أن ذلك ليس كافياً لتقليل الصدمة الإقتصادية على أسرتها .
تأثرت حياتهما الإجتماعية بمرض زوجته، لم يعد أحمد يزور الأقرباء والجيران كما في الماضي، لا وقت لديه. يصف حياته بأنها عبارة عن “شغل ونوم بس”. 
تراجع مستوى أطفاله الدراسي، أصبحوا انطوائيين أكثر، أصبح أحمد نفسه أكثر عصبيّة، أشد خوفاً، والأهم من ذلك : أكثر غضباً.
من المتوقع أن تشدد الحكومة من إجراءاتها التقشفية على قطاع الصحّة هذا العام. وسيكون لهذا آثار إجتماعية واقتصادية مدمّرة على أحمد وسلمى، وعلى ملايين الأسر الأخرى التي تعيش على حدّ الكفاف. 
إن تحويل العلاج لسلعة خاضعة للعرض والطلب يؤثّر على كل فئات المجتمع. ولكن ما تقوله قصة سلمى أن هذا التأثير متفاوت حسب الدخل الشهري والمستوى الإقتصادي. 
الأسر العاملة في القطاعات الصناعية، والنساء الأميات، والعاملين في القطاع غير المهيكل مثل بائعي الرصيد، وسائقي حافلات النقل العام، وستات الشاي، والفرّيشة، هم أكثر الفئات المتأثرة بهذه السياسة الكارثيّة. 
إنهم بلا مدّخرات، بلا أصول أو أملاك، بدون دعم شبكات اجتماعية خارج البلاد. بينما بمقدور الموظفين المتوسطين في القطاع الخاص الاعتماد نسبياً على هذه العوامل كمصدّات للأزمة.
التأمين الصحي الحكومي الذي يلزمهم بدفع ما يقارب من نصف دخلهم الشهري أو أكثر مقابل خدمات منخفضة المستوى ليس خياراً معقولاً بالنسبة لهم. 
ندرة الدواء، والزيادة الهائلة في أسعاره، لا تعني بالنسبة لجزء كبير من هؤلاء حكماً بالموت فقط، بل بالمعاناة قبل الموت أيضاً.
بانسبة للمسنين بلا عائل، والاطفال، والنساء المطلقات والأرامل، والعاطلين عن العمل، مجرّد فرض سعر للدواء، مهما كان بسيطاً، يجعله سلعة يستحيل الوصول إليها.هؤلاء أكثر من يحتاجون الدواء، ولكن نظاماً اجتماعياً يضع الأرباح قبل الناس، يحرمهم منه تماماً. إن فشل التأمين الصحّي العام سببه بسيط وواضح : هو أنه يعمل بنفس النظرية الربحيّة التي يستند عليها باقي القطاع الصحّي، قد تكون رسومه الأقل من حيث التكلفة، ولكن فشله يكشف أيضاً أن مجرّد التفكير بمنطق جني الأرباح من حياوات البشر وصحتهم هو كفيل بحرمان الشق الأعظم منهم من حق الوصول إلى الرعاية التي يحتاجونها.
مأساة يكابدها أحمد وزوجته كل يوم ولم تتوقف عندهما فقط، بل امتدت للأسرة الكبيرة كلها. 
أصبحت أخت سلمى مضطرة للبقاء بجوارها معظم الوقت، أستأجرت منزلاً بالقرب منها وانتقلت بأسرتها إليه. الأطفال و كما سبق وقلنا أصحبوا أكثر انطوائية، في حالة بكاء شبه دائم. يقولون “أكل حبوبة ما زي أكل ماما”. يخشون فقدان أمهم في كل لحظة. ” عمر ولدي الصغير بقى ببول في السرير كل ما نكون ماشين المستشفى “. 
لم يعد أحمد قادراً على أخذ إلى أي نشاط ترفيهي بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية. مما زاد الطين بلّة.
تسليع الدواء لا يدمّر فقط جيوب المرضى وأسرهم، بل يهدم حيواتهم، يزعزعها، يلقي بتبعاته على الأطفال، يضع المزيد من أعباء العمل المنزلي على النساء، يزيد الاستغلال في أماكن العمل، يهدر الكرامة، ويزرع الخوف في قلب الإنسان.
إن الصحة والعلاج لا يعنيان فقط الحماية من وقوع المرض، أو قتل العامل البيولوجي المسبب له، إنه يعني أيضاً تجنّب التأثيرات النفسية والعاطفية السلبيّة للوقوع في المرض أو مرافقة المريض. إن الخصخصة وسوء ظروف العمل وقلّة الأجور ونقص الأمان الوظيفي تفاقم من سوء حالة المريض وأسرته، وتلقي عليهم تبعات أشد وطأة، فيصبح الألم ألمين، ولا توفر كل المؤسسات الخاصة أو العامة أي شكل من أشكال الدعم النفسي المنهجي لهؤلاء.
بالنسبة لأحمد وأسرته، وعشرين مليون مواطن آخر من فقراء السودان، شعار “الدواء حق” يعني إعادة التأكيد أن “الحياة حق”. تسليع الدواء هو الموت بالنسبة لهم.
لا زال أحمد متمسكاً بالأمل، وسلمى تلاعب أطفالها وهي على الفراش. الحياة لن تتوقف، 
ولكن، ألم يحن الوقت لتحويل الحياة إلى موسم فرحٍ بدلاً عن طقس يومي للكآبة، بسبب تسليع مالا يمكن تسليعه؟.
الدواء حق، الحياة حق، والثورة هي الطريق.