الدواء حق


محمد ع، متقاعد في الخامسة والستين من عمره. وبعد خدمة طويلة في القطاع المصرفي كمدير رفيع، وجد نفسه يعاني من ارتفاع ضغط الدم، ومرض السكري ومشاكل في العمود الفقري. ويتعاطى 5 أصناف من الأدوية بصورة يومية. كان يحصل عليها بسعر مخفّض خلال خدمته لأنه يملك تأمين صحياً في شركة خاصة كجزء من عقد العمل. خرج عمنا محمد للمعاش منذ ثلاث سنوات، ولم يعد يملك تغطية تأمين صحي. ومن تلك اللحظة، بدأ ينتبه للأوضاع الدوائية في البلاد.( كانت الدنيا رمضان، بعد الفطور جاتني زمة نفس شديدة، مشيت المستشفى حولوني طوالي مستشفى خاص وقالوا لي احتمال تكون ذبحة, وفعلاً طلعت كده) يحكي عمنا أول مرة قابل فيها مباشرة قضية الدواء، وكانت المقابلة غير جميلة على الإطلاق. حسب ما استنتجناه من حديثه.( الدكتور قال لازم ادخل عملية قسطرة فوراً، وطلب لي فحوصات وأدوني أدوية ريحتني شوية، وكتب روشتة تانية عشان آخدها بعد العملية، أخروني، ما دخلت غرفة العملية إلا الساعة 12 بالليل، كنت تعبان شديد. والحمد لله طلعت بعد يومين وبقيت كويس شديد. بس عرفت سبب التأخير بعد طلعت من المستشفى).حسب قصة العم محمد، أمضى أبناؤه ساعات طويلة في البعحث عن دواءٍ مانع للتجلط. ذهبوا إلى كل صيدلية تجارية في العاصمة، وقال (الصندوق القومي للإمدادات الطبية) وهي الجهة الحكومية المسؤولية عن توفير الأدوية والمستلزمات الطبية، أن الدواء قد انقطع عن مخازنها. اصابت الحيرة أبناء عم محمد: ما الحل ومصير والدهم معلّق بين السماء والأرض بسبب انعدام الدواء؟. و ازداد قلقهم مع مرور الساعات. (قلت بيني وبين نفسي أبوي دا غايتو ربنا يستر عليه بس) تقول ابنته التي التقيناها معه عند إجراء هذا الاستقصاء الصحفي، (وأمروا عند الله) تواصل القول. جاء الفرج من إبنه الأكبر المقيم بدولة خليجية ثريّة، منذا أن سمع بانعدام دواء والده، سارع بشراء الدواء بالسعر التجاري من صيدلية قريبة، وقاد سيارته مسرعاً إلى المطار، وبقي في انتظار أي راكب سوداني عائد إلى الخرطوم ليحمّله الدواء، لحس الحظ، وجد رحلة مغادرة إلى الخرطوم بعد أقل من ساعتين، ذهب عشوائياً إلى أحد الركّاب السودانيين، عرفه بنفسه وشرح له الوضع باختصار، فتح العلبة ليثبت أنها لاتحوي أية مواد ممنوعة. قال الراكب (جداً، ولا يهمك)، تبادلا أرقام الهواتف وسجّل المسافر هاتف المستلم في الخرطوم، ساعات وكان الدواء في الخرطوم، توقيت مناسب. أثناء فترة النقاهة، بدأت الأخبار في الصحف المحليّة عن انعدام الأدوية والشكاوى المتكررة عن ارتفاع اسعارها تلفت نظره. (دي أوّل مرة أخش لي في تجربة زي دي، كانت صدمة) يصف بحزن احساسه بالخوف. أنه كان من الممكن أن يموت بسبب الوضع الإقتصادي السيء، وشعر بعدم الأمان. ويقول (إذا عندك قروش أو ما عندك، كلو بقى واحد، يعني تفتش شي بقروشك وغالي وممكن ما تلقى). هذه ليست الحادثة الوحيدة، وعم محمد ليس استثناءاً. الندرة في الدواء ليست حدثاً بسيطاً يمكن العبور فوقه دون اكتراث. ففي نوفمبر 2016م، تسبب إعلان الحكومة عن زيادات كبيرة في أسعار الدواء في اندلاع (العصيان المدني)، الذي قد يكون أكبر رد فعل معارض للنظام قبل الثورة الحالية. وعلى الصعيد المهني، دائماً ما يشتكي الأطباء ومقدموا الخدمة الصحيّة من عجز مرضاهم عن الحصول على الدواء اللازم في التوقيت الملائم. عجزُ كانوا هم أنفسهم أول ضحاياه. تكررت اعتداءات مرافقي المرضى عليهم، وانهالت عليهم اتهامهم بأنهم السبب في تدهور حالات ذويهم أو حتى وفاتهم. خلال السنين الماضية، أصبح منظر السودانيين المصطفين في المطارات والذين يحاولون نقل أدوية للبلاد عبر حقائب المسافرين أمراً معتاداً للغاية. وكانت هذه الندرة هي الدافع وراء نشوء عدد كبير من منظمات العون الشعبي، التي كان همها الأكبر هو التقليل من صعوبات الحصول على الأدوية النادرة والمعدومة، وتوفير جزء من تكلفتها للمرضى الأكثر فقراً. حسب شهادات العديد من المرضى والأطباء، والصيادلة، وغيرهم من العاملين في القطاع الصحّي، ازدهر وراء الكواليس (سوق أسود) لتجارة الدواء، لا يعلم أحد من يسيطر عليه ولا من هم الأفراد الذين يديرونه، الأسعار فيه فلكيّة للغاية. (المضطر يركب الصّعب) كما يقول المثل. ولكن ما يعرفه الجميع أن الأمر قد تعدّى حدود الاحتمال. …………………ولكن، ما هي الأسباب الرئيسية وراء ندرة وغلاء الأدوية؟ وما الذي يقوله النظام عن مسبباتها؟ هذه الحلقة من برنامج التعاون المشترك بين قدّام! و إذاعة صوت الثورة السودانية تحاول الإجابة على هذه التساؤلات. ستركّز هذه الحلقة على نقد الفكرة الرئيسية التي يدير بها النظام مسألة العلاج ، وفي القلب منه مسألة حق الحصول على العلاج.إن هذه الفكرة سخيفة في جوهرها، تكرارها المستمر عبر وسائل الإعلام رسّخها في أذهان الكثيرين. خطأ التشخيص يعني خطأ العلاج، وتشخيص النظام للمشكلة خاطئ، وكلّ حلوله خاطئة بالمثل. عايزين نطلع من النظام ؟ لازم نفكر بطريقة مختلفة عنّه. الثورة تحتاج تغيير في الأفكار كما هي تغيير في السّلطة. الدواء كسلعةلكي نستطيع فهم الفلسفة العامة في سياسة النظام في الدواء، لابد أن ننظر قليلاً من بعيد ونتأمل بهدوء بعض سياساته الأخرى في حقول متنوعة، ونعود بعد ذلك لنقارنها مع السياسات المتّبعة في حقل الدواء، فتظهر الخطوط العامّة الجامعة.ماذا تقول نظريّة النظام؟ تقول أن الدواء سلعة. وهذه نقطة بداية محورية لفهم كل السياسة العامة والمشاكل المترتبة عليها . يتواصل خط تفكير النظام : الدواء مثله مثل أي سلعة يحمل العرض والطلب ، أممممممم ، يوجد طلب على الدواء، إذن يوجد مشترون، وتدريجياً سيجد بعض (الأفراد) أنه من المربح جلب هذه السلعة لهم، وستظهر بينهم منافسة شديدة، وسيظهر عرض في الدواء موازٍ للطلب، فتتوازن كفتا العرض والطلب، وتحل المشكلة. أفلا تكبّرون!. بناءاً على هذا، ما هو واجب الهيئات الرقابية الحكومية إذن ؟ يأتي الجواب : بتسهيل العقبات أمام البائع ليعرض سلعته على المشتري بأسرع وقت ممكن. كيف نسعّر السلعة إذن؟ هذا هو السؤال الطبيعي في تسلسل الأفكار هذا ، يقول الجواب : باختيار السعر الذي ضمن أرباح البائع أولاً. فالطلب شبه مضمون ما دام المرض موجوداً.هذه هي النقطة الأساسية لدى النظام وتجار الدواء، الربحيّة. وتأتي بعدها باقي المشكلات. أولهابقول فكر النظام الخاطئ : في أي سلعة أخرى، يضمن البائع تصريف منتجه بأن يختار السّعر الذ في متناول الشاري. يفكّر : الأسعار العالية للغاية قد تخرج بعض المشترين من السوق، وبالتالي تنخفض الأرباح . ولكن مراقبة سوق الدواء تقول شيئاً مختلفاً ، يبدو وكان هنالك شيئا مخلتلفاً للغاية في الدواء تميّزه عن كل سلعة أخرى : إنه ليس سلعة يمكن تأجيل شرائها ، وليس بمقدور المشتري أن يقول : أهاااا ، خلاص ح أجي الشهر الجاي أشتريهو . هو قضية حياة أو موت . إما الآن ، أو أبداً. المشتري مضطر أن يفعل المستحيل للحصول على الدواء . وجد البائع الحل للمشكلة الأولى : الطلب مضمون ، ومهما ارتفع السّعر فستجد السلعة المشتري. الدواء في هذا الفكر هو البضاعة السحرية : لا تكسد، لا تبور، لا تخسر. مهما ارتفع سعرها، أي مهما كان هامش ربح فاحشاً، ستجد طريقها للبيع .المشكلة الثانية هي المشكلة بين سلطات التسعير الحكومية وبين بائعي الدواء ككل . ماهو معدّل الربح المناسب؟ يسأل النظام نفسه. أي بائع له تكاليفه الخاصة. وصاحب التكاليف الأقل، يربح أكثر. ماذا فعل النظام في هذه الحالة؟ قانون التسعير لسنة 2010م، حدّد الأرباح بالنسبة المئوية من سعر التكلفة، بطريقة تسمح لأي بائع مهما ارتفعت تكاليفه بجني الأرباح. مالذي يفعله البائعون؟ يضخمون تكاليفهم، وبالتالي تزيد النسبة التي تحتسبها سلطات التسعير كأرباح لصالحهم. مثلاً : يسجّل أحد المستوردين أن تكاليف الدواء قد بلغت 50 دولار للوحدة ، بينما تكلفتها الحقيقية تبلغ 38 دولاراً. كم يعني هذا من ربح؟ يعني ان ربحه قد أصبح يقارب الأربعين في المئة بدلاً عن عشرين في المئة التي نصّ عليها القانون. والصراع بين النظام وبين بائعي الدواء هو تصغير هذه النسبة أو تكبيرها، وليس حول الربح من الأساس.ما الذي تفعله السلطات الرقابية الحكومية في هذه الحالة ؟ لا شي!. حرفياً. ومن الطبيعي والحال هكذا أن تستمر الأسعار في التصاعد.إن التعامل مع الدواء باعتباره سلعة هو أساس الكارثة الدوائية الحالية التي يعيشها أمثال محمد ع. الطلب على الدواء موجود ، ولكن ما يفكّر فيه البائع ليس كل طلب متوفر. ليس كل طلب على الدواء مما يلبى . يلبي بائع الدواء الطلب الذي يحقق له شرطاً واحداً : الربح . لنفترض أن هناك مرضاً يصيب الفئات الأفقر من المجتمع، التي لا تملك (القوّة الشرائيّة) حسب المصطلح الكريه – لشراء الدواء . هنالك طلب فعلي وحيوي على الدواء . ولكن هل سيفكّر تاجر ما في سوق الدواء في استيراده ؟ الجواب وبكل تأكيد هو لا . الطلب لا يخلق العرض ، الصحيح هو أن الطلب الذي يحقق الأرباح هو وحده ما يحقق العرض .وكان من الطبيعي أن تتركّز أنظار كل بائعي الدواء على الأصناف المربحة مضمونة التصريف. وهنا ظهر أمر شبه جنوني : معظم التجار والمستوردين يعرضون نفس الدواء ، نفس المادّة الفعّالة ، بأسماء تجارية مختلفة !تنحسر شيئاً فشيئاً الأصناف المتوفرة ، وتتكاثر الأسماء التجارية . إن بزوغ شركات الدواء وتركيزها على تأهيل منادبيها لتسويق منتج يتشابه في خصائصه العلاجية هو أمر دعائي بحت ، يدخل تحت تصنيف البروباغاندا أكثر من العلم ، يجد سرّه في هذه الآليّة الخفيّة ، المنافسة الحادة على بيع نفس المنتج بأسعار مختلفة . ولهذا ، فإن دواءاً نادراً مثل الذي كان يبحث عنه حاج محمد لا يجد مكاناً له في السوق ، فالطلب عليه لم يعد مجزياً .وتتركز الموارد على جلب المستحضرات الصيدلانية ذات الربح المضمون ومن النوع الذي يسهل الحصول على ترخيص ببيعه ، مثل المكملات الغذائية ، أدوية التجميل ، وغيرها .إن سرنا بهذا المنطق إلى نهايته ، لوجدنا أن الحديث عن أن نقص العملة الصعبة هو السبب وراء نقص المعروض من الدواء هو حق أريد به باطل . علينا قبل كل شيء ان نبحث عن الأصناف التي يستوردها البائعون باستخدام العملة الصعبة ، لنكتشف أنهم يستوردون تقريباً نفس الأصناف ، أو يستوردون أدوية لا قيمة علاجيّة لها، ولكنها تجد مشترين مقتدرين . ماذ نسمّي الشخص الذي يستورد المكملات الغذائية وتنعدم في بلاده أدوية الطوارئ، ويريد تسليع كل دواءٍ حتى للأطفال تحت الخامسة؟ أليس هذا ما نطلق عليه ( متحزّم وعريان)؟.إن النظام الذي يتعامل مع الدواء كـ (سلعة) سيعجز عن حلٍّ أزمة الوفرة ، ولن يتمكن من إيصال الدواء لمن يحتاجونه بالفعل.لنعد قليلاً إلى منطق الأحوال الذي نراه بأعيننا . من يحتاجون الدواء هم (مرضى) وليسوا (مستهلكين). هذا ليس مجرّد فرق لغوي بسيط . نحن أمام رؤيتين مختلفتين تماماً للعالم . إن من يتعامل مع المرضى باعتبارهم مستهلكين يسألهم عن كميّة الأموال في جيوبهم ، ولا يتورّع عن اختلاق الشح والندرة لزيادة أرباحه. ومن يعتبرهم مرضى يسأل نفسه : هل وصل البشر لعلاج لهذا المرض أم لا. فلا شيء يبرر معاناة مريضٍ أو تعريضه لخطر الموت لأي سبب كان. إن كان هنالك من دواءٍ ، فالمنطقي هو توفيره لكل مريض بكل وسيلة ممكنة ، كل كلام يعارض هذا هو جنون ، هو همجية .يعيش النظام الحالي على التبذير . وكما يبذر موارد الشعب على التسليح وعلى شكل مخصصات للدستوريين والموظفين الحكوميين وجيش من البيروقراطيين العاطلين عن موهبة ، فإنه يبذّر أموال العلاج الشحيحة أصلاً على استيراد نفس أصناف الأدوية ، وعلى مستحضراتٍ لا يحتاجها سوى 0.1% من أثرياء البلاد . لنوضّح سخف هذه المقاربة ، هل من شخص عاقل يحمل إلى بيته آخر اليوم ثلاثة أنواع من العيش من ثلاثة أفران مختلفة ، فيسألونه : وين الفول والجبنة والزيت ؟ فيتحجج أمام عياله ويقول بنبرة غاضبة : لا توجد موارد كافية ! . هذه مسخرة ، بل مهزلة .تسقط بس يعني أن يسقط إعتبار الدواء سلعة ، وأن يسقط اعتبار المريض زبوناً ، يعني إعادة الإنسانية المهدرة ، وأن نضع حداً للإهدار والتبذير ، ونتمكّن أخيراً من وضع مواردنا حيث نحتاجها فعلاً.أنت يا مريض الضغط، ب أمي المصابة بالسكري، وأنتم يا من تخشون المرض بسبب الفقر ، من زحفتم أياماً تبحثون عن العلاج في مئة جحر ، حلنا سوياً واحد ، أن نتفق :الدواء حق. الحياة حق . #تسقط_بس.