الدواء حق -2-


” تم تغيير الأسماء والأماكن حفاظاً على خصوصية المشاركين”
سلمى محمد،
“أنا ربّة منزل وأم لأربعة أطفال”. هكذا وصفت لنا وضعها الإجتماعي. تسكن سلمى أحد الأحياء الطرفية في العاصمة، زوجها عامل مخرطة في المنطقة الصناعية. وتحكي ” كانت أمورنا كويسة والحمد لله، ساكنين وماكلين وشاربين، الحمد لله مستورة ومبسوطين وراضين بالمقسوم .
تنهر أحد اطفالها وتطلب منه مغادرة الغرفة،
وتواصل في الحكي ” بس في يوم ظهرت لي حبّة في صدري الشمال، لاحظت ليها وأنا بستحمى ، بس ما ركزت قلت عضة حشرة وبتروح، ما انتبهت إلا والحبّة بقت كبيرة وماشة تزيد، بقيت حاسة طوالي بـ طمام بطن ، ولفة راس. وزني بقى في النازل وكل الأهل بقوا يعلقوا لي : (مالك كملتي من لحم الدنيا كده؟)، (ما عرفتك والله يا سلمى! عندك سكري ولا شنو؟)، أنا زاتي حاسة اني ما كويسة. بعد فترة بدأ ألم حولين الحبّة دي، ويزيد وبزيد لامن حماني النوم، ووجع برضو في البطن والظهر. وجع شديد زي السكاكين بتقطّع فيني، غلبني، كلمت أحمد <زوجها>، سألنا من دكتور كويس وصفوا لينا واحد مشينا ليهو ” تقطع حديثها بعد أن وصلت لهذه النقطة، ويترقق صوتها “طلع المرض البطال بعيد عنكم”.
أصيبت سلمى بسرطان الثدي وهي في الثلاثين من عمرها. وللمقارنة، تصاب أنثى من كل ثمانية في السودان بالمرض، مما يضعه على قائمة أكثر الأمراض تسبباً بالوفاة. مما يجعل قصّتها تكراراً لقصص كثيرة، وآلام مكبوتة وراء جدران المستشفيات وغرف البيوت. إنها نموذج يتكرر بصور مختلفة. 
لقد انقلب عالم سلمى رأساً على عقب. 
عندما زرناها هي و زوجها وأخبارناهم بنيتنا تسجيل حلقة عن مشاكل المواطنين مع الدواء، قال “مشكلتنا كلها مع أب قردة دا”.
تداولت وسائل إعلام محليّة تصريحاً منسوباً لوزير الصحّة الاتحادي بحر إدريس أبو قردة قال فيه “مرضى السرطان ديل بنصرف عليهم قروش كتيرة وفي الآخر بموتوا “، ووجه التصريح بحملة انتقادات عنيفة. يقول أحمد بغضب شديد “بالله دا كلام دا؟ دا بقى وزير كيف؟ الموت دا من العيّان؟ في عيّان عايز يموت يعني؟ الموت دا أمر الله، نحن نبطّل العلاج عشان ما نخلّص قروش الحكومة ولا الفهم شنو؟ “.
بعد أن استمعنا لقصّة سلمى، وجدنا أنفسنا في وسط معضلة كبيرة : 
إن كنا نريد فهم السبب وراء عجز سلمى وملايين من أمثالها في العثور على الدواء، علينا ألا نكتفي بعالم الصيدليات والمستشفيات، وأسماء الوصفات والأدوية التجارية، والشركات الصيدلانية. علينا أن نمر عبره فقط لنلج عالماً أوسع وأكثر تعقيداً، يجب أن نفهم المجال الإجتماعي الواسع. يجب أن نفهم الفساد، والتفاوت الإجتماعي، والقطاع غير المهيكل والعمل المؤقّت، والخصخصة، باختصار : لقد اكتشفنا أن الدواء ليس مجرّد سلعة، ليس منتجاً على الرف يستلمه المشتري بعد دفع النقود، إنه، وفي مجتمعنا المعاصر، وبطريقة تداوله التي نراها أمام أعيننا، تجسيد للأوباء والمخازي كلها. 
عجز سلمى وأمثالها عن الوصول للدواء ليس إلا نصف المشكلة، أو أقل!.
ووجدنا أن الواجب علينا أن نكمّل هذا الاستقصاء الصحفي بالمعرفة الإجتماعية العامّة.
تتلقى سلمى جرعات العلاج الكيماوي في مستشفى الذرّة بالخرطوم. تحصل على جزء كبير من الأدوية بدون مقابل، وهو أمر من المتوقّع أن يتغيّر قريباً مع تشديد الحكومة للتقشّف المالي. 
لا تملك سلمى ولا زوجها أي تغطية تأمينية مثل غالبية العمال اليدويين في السودان. يُنظر للتأمين الحكومي العام بأنه مضيعة للمال فحسب، فهو لا يغطّي عدداً كبيراً من الأدوية، أو هي غير متوفرة إلا في صيدليات التأمين الحكومية البعيدة جغرافياً عن مناطق سكن معظم المستفيدين من التأمين الحكومي حسب رأيهم ، ولا يمكن الحصول عليها إلا بالدخول في دوامة من الإجراءات البيروقراطية العقيمة. أما أقساط التأمين الصحي في شركات التأمين الخاصة، فهي باهظة للغاية مقارنة بدخولهم، وقد يبلغ قسط التأمين مرة ونصف دخل العامل العادي، 
ولذلك يجدون أنفسهم بدون أن تأمين صحي ملائم.
ماذا تفعلون إذا مرض أحد أفراد الأسرة ؟ سألنا أحمد زوج سلمى. قال ” عندنا كشف بنعملوا نحن الأهل وبعدّاك بنشوف لينا طريقة نجيب قروش من الخيّرين إذا ما غطّى “. 
ولفهم السبب في عجز زوج سلمى عن الحصول على الدواء غير المشمول في الحزمة المجانية، علينا أن نزور مكان عمله.
أدت سلسة من عمليّات الخصخصة وبيع منشآت القطاع العام إلى تشريد الآلاف من العاملين، وكما أن الحرب الأهلية التي تصاعدت بعد سنة 1989م، قادت الملايين للنزوح من مناطق الحرب إلى العاصمة الخرطوم. 
اجتمع المعطّلون الجدد بالنازحين، فأصبحت البطالة سمة سائدة للعاصمة.
قاد العرض الكبير من العمالة إضافة إلى الركود الإقتصادي إلى تخفيض الأجور بصورة دراماتيكية. أصبح العمل من أجل سد الرّمق، اليوم باليوم، هو الشكل الأكثر انتشاراً. لم يعد هناك من مهرب، إما أن تعمل بأي أجر تجده، وإما أن تجوع ويجوع أطفالك. إنه خيار صفري. وصل انخفاض الأجور مع استفحال الأزمة الإقتصادية ليصل درجات لا يصدّقها عقل. هل تريد عزيزي السامع أن تضحك في وسط هذه المأساة؟ بسعر الدولار الرسمي البالغ 47 ألف جنيه مقابل الدولار، هل تعلم أن الحد الأدنى للأجور الرسمي في السودان يبلغ 9 دولارات؟!!! 
نعم ، 9 دولارات!، و دا بأسعار الحكومة كمان. وهي 4 دولارات إن أخذنا سعر السوق الأسود. وهو الأصح.
هذا الواقع، أسوأ من الكابوس.
غابة من العاطلين الذين يريدون فرصة للعمل، يفكّر صاحب العمل ويقول لنفسه : كل عامل قابل للإستبدال، سأجد من يقبل بأجر أقل مما أمنحه حالياً،. “ما عجبك؟ دا العندي، ما نفع معاك اتخارج”. كثيراً ما سمع <أحمد> هذه الكلمة تتردد في المنطقة الصناعية، مصحوبة باللعنات والشتائم لصاحب العمل مع كلّ خلاف حول الأجور. لقد تجمّدت الأجور، رغم أنها لا تكفي شيئاً. ليس هناك كاسبون، كل العمّال حاسرون، ولكنّهم جميعاً عاجزون عن التحرّك، هناك الالآف ينتظرون في الصفوف مستعدون لشغل الأماكن الشاغرة.
الخصخصة هي ما صنع سوق العمل الذي يشقى فيه <أحمد>. 
لنستمع إلى أحمد يروي قصة يومه : “بصحى أذان الصبح، بمرق أصلي في الجامع ومنها طوالي أركب المواصلات ، بصل الورشة وبشرب لي كباية جبنة وببدأ شغل طوالي، الساعة 3 ونص بمشي شغل تاني في مصنع حلويات بطلع منو 9 المسا، وبرجع البيت روحي مارقة وما شايف قدّامي . بقع أنوم طوالي ، ياهو دا البرنامج . لمن يقرّب يوم المتابعة مع الدكتور بشيل هم، عشان كلّ ما نمشي زيارة بكتب لينا أدوية جديدة، والأدوية القديمة ذاتها تمشي الصيدلية تلقى أسعارها زادت، دا كلو من أب قردة، بطلع من الصيدلية جيبي ما فيهو ولا جنيه مرات إلا أحاسب بتاع الأمجاد في البيت”.
يعمل أحمد أربعة عشر ساعةً في اليوم، ويقضي ساعتين على الأقل في المواصلات، يقضي يوم الجمعة في النوم. 
في وضع كهذا، أصبح من الصعب على عمّال المنطقة الصناعية، ومعهم كل من قرروا العمل لصالح أنفسهم، مثل ستات الشاي والعتّالة والميكانيكية وبائعي الرصيد وصبيان الخردة أن يطالبوا بشبكة حماية اجتماعية، بضمان عام للحياة، بالصحة المجّانية. 
اليوم باليوم، كل ساعة محسوبة، لكل لحظة ثمنها، وللتوقّف عواقبُ على كل شيء.
لقد أمتدّت الخصخصة إلى القطاع الصحّي كما هو معروف. البعض يشتكي من غلاء أسعارها ويحاول توسيع تأمينه الخاص ليغطّي معظم احتياجاته. ولكن بالنسبة لأحمد ومعارفه وأقاربه، فمجرد الاقتراب من هذه المؤسسات شبه مستحيل.
قمنا بحساب أجر <أحمد> في الشهر، وقارناه بأسعار الترقيد في مستشفى خاص اخترناه عشوائياً، ووجدنا أنه يكفي للإقامة لمدة يومين فقط. بدون احتساب تكلفة الفحوصات والأدوية.
لقد جهّزت السياسات الإقتصادية للنظام المسرح أمام هذه المأساة. ويمثّلها اليوم على خشبة الألم المميت ملايين المرضى ومرافقيهم، الذين يجولون بلا هدى في شوارع العاصمة وحواضر الرّيف، منهم من يتعففون ويصمتون، ومن يتسولون، ومن تراهم بين الذهول والغضب والألم على حافة الجنون، ينظرون بأعين يكحلها الدم. كل هؤلاء شخصيّات لابد أن أحدنا قد صادفها في حياته لمرّة على الأقل، (الموت فينا يمشي على ساقين) كما قال الصادق الرضي شعراً، وها قد استحال حقيقة معاشة.
هل هذا كلّ شيء؟
إن تسليع الخدمة الصحيّة ليس فقط مجرّد كارثة إقتصادية وصحيّة ، إن له تبعات اجتماعية ونفسيّة قاسية للغاية. تبعاتٍ تبدو غير منظورة بالنسبة لوزير الصحة الإتحادي السابق. الذي لم ينفك أحمد يلومه أثناء حديثنا معه.
اضطر أحمد ملازمة زوجته في المستشفى لأسبوعين تقريباً ، وبقي الأطفال في رعاية الجيران . بعدها ، اضطر لإحضار أخت زوجته وأمه من مسقط رأسهم ، كي يساعدوا على رعاية الأطفال والبقاء مع زوجته في المستشفى أثناء ساعات عمله . دفع زملاؤه ومعارفه في مكان العمل في “الكَشِف” وغطّى جزءاً لا بأس به من منصرفات تلك الفترة . 
ورغم أن سلمى تحصل على بعض الأدوية مجاناً، وهذا ما يغضب أب قردة وقيادات النظام ، إلا أن ذلك ليس كافياً لتقليل الصدمة الإقتصادية على أسرتها .
تأثرت حياتهما الإجتماعية بمرض زوجته، لم يعد أحمد يزور الأقرباء والجيران كما في الماضي، لا وقت لديه. يصف حياته بأنها عبارة عن “شغل ونوم بس”. 
تراجع مستوى أطفاله الدراسي، أصبحوا انطوائيين أكثر، أصبح أحمد نفسه أكثر عصبيّة، أشد خوفاً، والأهم من ذلك : أكثر غضباً.
من المتوقع أن تشدد الحكومة من إجراءاتها التقشفية على قطاع الصحّة هذا العام. وسيكون لهذا آثار إجتماعية واقتصادية مدمّرة على أحمد وسلمى، وعلى ملايين الأسر الأخرى التي تعيش على حدّ الكفاف. 
إن تحويل العلاج لسلعة خاضعة للعرض والطلب يؤثّر على كل فئات المجتمع. ولكن ما تقوله قصة سلمى أن هذا التأثير متفاوت حسب الدخل الشهري والمستوى الإقتصادي. 
الأسر العاملة في القطاعات الصناعية، والنساء الأميات، والعاملين في القطاع غير المهيكل مثل بائعي الرصيد، وسائقي حافلات النقل العام، وستات الشاي، والفرّيشة، هم أكثر الفئات المتأثرة بهذه السياسة الكارثيّة. 
إنهم بلا مدّخرات، بلا أصول أو أملاك، بدون دعم شبكات اجتماعية خارج البلاد. بينما بمقدور الموظفين المتوسطين في القطاع الخاص الاعتماد نسبياً على هذه العوامل كمصدّات للأزمة.
التأمين الصحي الحكومي الذي يلزمهم بدفع ما يقارب من نصف دخلهم الشهري أو أكثر مقابل خدمات منخفضة المستوى ليس خياراً معقولاً بالنسبة لهم. 
ندرة الدواء، والزيادة الهائلة في أسعاره، لا تعني بالنسبة لجزء كبير من هؤلاء حكماً بالموت فقط، بل بالمعاناة قبل الموت أيضاً.
بانسبة للمسنين بلا عائل، والاطفال، والنساء المطلقات والأرامل، والعاطلين عن العمل، مجرّد فرض سعر للدواء، مهما كان بسيطاً، يجعله سلعة يستحيل الوصول إليها.هؤلاء أكثر من يحتاجون الدواء، ولكن نظاماً اجتماعياً يضع الأرباح قبل الناس، يحرمهم منه تماماً. إن فشل التأمين الصحّي العام سببه بسيط وواضح : هو أنه يعمل بنفس النظرية الربحيّة التي يستند عليها باقي القطاع الصحّي، قد تكون رسومه الأقل من حيث التكلفة، ولكن فشله يكشف أيضاً أن مجرّد التفكير بمنطق جني الأرباح من حياوات البشر وصحتهم هو كفيل بحرمان الشق الأعظم منهم من حق الوصول إلى الرعاية التي يحتاجونها.
مأساة يكابدها أحمد وزوجته كل يوم ولم تتوقف عندهما فقط، بل امتدت للأسرة الكبيرة كلها. 
أصبحت أخت سلمى مضطرة للبقاء بجوارها معظم الوقت، أستأجرت منزلاً بالقرب منها وانتقلت بأسرتها إليه. الأطفال و كما سبق وقلنا أصحبوا أكثر انطوائية، في حالة بكاء شبه دائم. يقولون “أكل حبوبة ما زي أكل ماما”. يخشون فقدان أمهم في كل لحظة. ” عمر ولدي الصغير بقى ببول في السرير كل ما نكون ماشين المستشفى “. 
لم يعد أحمد قادراً على أخذ إلى أي نشاط ترفيهي بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية. مما زاد الطين بلّة.
تسليع الدواء لا يدمّر فقط جيوب المرضى وأسرهم، بل يهدم حيواتهم، يزعزعها، يلقي بتبعاته على الأطفال، يضع المزيد من أعباء العمل المنزلي على النساء، يزيد الاستغلال في أماكن العمل، يهدر الكرامة، ويزرع الخوف في قلب الإنسان.
إن الصحة والعلاج لا يعنيان فقط الحماية من وقوع المرض، أو قتل العامل البيولوجي المسبب له، إنه يعني أيضاً تجنّب التأثيرات النفسية والعاطفية السلبيّة للوقوع في المرض أو مرافقة المريض. إن الخصخصة وسوء ظروف العمل وقلّة الأجور ونقص الأمان الوظيفي تفاقم من سوء حالة المريض وأسرته، وتلقي عليهم تبعات أشد وطأة، فيصبح الألم ألمين، ولا توفر كل المؤسسات الخاصة أو العامة أي شكل من أشكال الدعم النفسي المنهجي لهؤلاء.
بالنسبة لأحمد وأسرته، وعشرين مليون مواطن آخر من فقراء السودان، شعار “الدواء حق” يعني إعادة التأكيد أن “الحياة حق”. تسليع الدواء هو الموت بالنسبة لهم.
لا زال أحمد متمسكاً بالأمل، وسلمى تلاعب أطفالها وهي على الفراش. الحياة لن تتوقف، 
ولكن، ألم يحن الوقت لتحويل الحياة إلى موسم فرحٍ بدلاً عن طقس يومي للكآبة، بسبب تسليع مالا يمكن تسليعه؟.
الدواء حق، الحياة حق، والثورة هي الطريق.