الدواء حق -3-

الصراع في سبيل الشفاء :
ما الذي يجري في عالم شركات الدواء العملاقة؟ خمسة مشاهد.

بعد أن شاهدنا القصص الواقعية عن آثار تسليع الدواء على حياة الناس العاديين، بقي أن ننظر إلى الجانب الخفي من المعادلة، أي إلى تجّار الدواء ومصنّعيه، في الداخل كانوا أم في الخارج.
دعونا نمعن النظر في وضعنا في العالم : نحن دولة أنزلت جبراً إلى أسفل السلم في جميع المجالات، ولعب النظام الحالي الدور الأعظم في ذلك، 
ولكن،
تجارة الدواء وصناعته تكشفان علاقة ارتباط عجيبة. بين طرفين، يبدو وللوهلة الأولى أنه لا شيء يربطهما سوياً.
—-هنالك شركات عالمية تجني أكبر الأرباح من الدول الضعيفة، مثلنا، وتوجد داخل هذه الدول بعض الفئات التي تستفيد من هذه الحالة الذليلة، فتقتسم مع هذه الشركات هذه الأرباح، بدون النظر إلى حالة الناس وعزّة البلد.
إن الشركات الدوليّة للدواء وتجّاره المحليين مثل طرفي المقص : يعملان سوياً، لا فائدة لأحدهما دون الآخر.
هذه الحلقة مكرّسة لفهم الطريقة التي تعمل بها هذه الشركات بالتعاون والتنسيق مع التجّار المحلّيين والحكّام الفاسدين.
سنغادر عنابر المستشفيات والصيدليات، ونلج عالماً آخر. عالم البورصة، وسوق الأسهم، والفساد، والتلاعب بالمعايير، واتفاقيات التجارة الدولية. 
لن نسمع آهات المرضى، لن نجد العاطفة الإنسانية، بل الحسابات الباردة القاسية، سنرى العنف الذي يرتدي أفخم الأزياء ويتحدث بأكثر النبرات هدوءاً. عالم الدواء وشركاته هو عالم الموت المستتر بالتهذيب.
قد يستغرب البعض منّا، ويتساءل: ما علاقة هذين العالمين؟
استعد!.
(1)
كم هي أرباح صناعة الدواء؟ 
بقيت هذه الصناعة على مدى سنين طويلة على قمّة هرم الربحية العالمي، لا يشاركها في ذلك سوى صناعة السلاح والبرمجيات. من أين تأتي كل هذه الأرباح؟ تقول أسطورة غريبة أنها ناتجة عن ابتكارات علاجية فريدة، ومفيدة وعبقرية، تنجها هذه الشركات كل سنة وتنفق عليها بسخاء شديد من أرباحها التي تجنيها. ال وتوجهها نحو السوق، الذي يتلقّى هذه الانتاجات بحبور شديد، فيشتريها وتربح الشركات. وتتكرر الدائرة.
هذه، وكما أسلفنا، مجرد أسطورة.
أجرى باحثان هما دونالد رايت و دويل ليكتشين دراسة سنة 2005م عن إنفاق الشركات الدوائيّة على البحث والتطوير. وجدا أمراً قد يبدوعجيباً للوهلة الأولى : أن هذه الشركات تنفق بعد الخصومات الضريبية، 1% فقط، أجل! واحداً في المئة، من عائداتها على البحث. ليس هذا فحسب، بل القادم هو الأسوأ : 
—- لا توفّر الأدوية والمستحضرات الجديدة التي تطلقها هذه الشركات في السوق سوى إضافة علاجيّة ضئيلة، أو لا شيء على الإطلاق. في مجلّة برسكرايل انترناشيونال، نُشرت ورقة بحثية حول سوق الدواء في فرنسا ، وخلصت إلى أنه خلال العقد الواقع بين 2005م-2014م، تم طرح 1032 دواءاً جديداً، وهوعدد كبير، ولكن كم ياترى كانت فائدتها على المرضى؟
تقول المجلّة : فقط 66 دواءاً تحمل إضافات علاجية جديدة.
وماذا عن البقية؟ هي إما مضرة وغير مقبولة بالمعايير الطبية، 
وإما أنها لا تقدّم أي فوائد علاجية جديدة على الإطلاق.
ستة وستّون من أصل ألف واثنين وثلاثين ! . وهذا في فرنسا، وليس في بوتسوانا !.
تبرر الشركات الدوائية أرباحها الباهظة بالإنفاق السخي على البحث والتطوير، وبأن الاستثمار في قطاع كهذا هو أمر محفوف بالمخاطر الإقتصادية، وتشيع أنه من بين كل 10 آلاف مركب دوائي، واحدٌ منها فقط يتطور ليصل مرحلة الدواء، وأن تكلفة الوصول إلى دواء واحد تبلغ اثنين مليار ونصف المليار دولار. 
هذه الافتراضات تستند إلى بيانات سريّة غير قابلة للتحقق المستقل. ولا يسندها المنطق والوقائع المشاهدة.
لنفكر بالمنطق الإقتصادي نفسه : إذا كانت عمليّة تطوير الدواء بهذه الخطورة، أليس من المنطقي أن تتفاوت حظوظ الشركات الدوائية من سنة إلى أخرى، وفيما بينها؟ ولكننا نجد العكس تماماً : تتزايد الأرباح سنة وراء سنة، ودون توقّف أو تباطؤ. وهذا ما لاحظه أيضاً طبيب واقتصادي، هما ستانلي فرانكستاين وبيتر تمين ، من معهد ماساسوسيتش للتكنولوجيا بالولايات المتحدة عندما صرّحا (لا يهم عدد المرّات التي حذر فيها محللو الأسواق أن نهاية براءات الاختراع تهدد هذه الشركة أو تلك بالاندثار، لم يحدث ذلك على الإطلاق).
لماذا يحدث كل هذا ؟ 
لماذا تكذب الشركات؟ ولماذا تنتج أدوية لا فائدة علاجية ترجى من ورائها؟ ولماذا تتواصل أرباحها في الارتفاع رغم كل هذا؟ ولماذا ولماذا؟ عشرات الأسئلة تتناسل. وسنجد عليها الجواب.
علينا تحويل أنظارنا مرة ثانية إلى مكان جديد. خارج المصانع المعقّمة وغرف الاختبار المليئة بباحثين يرتدون الكمامات وملابس عازلة، ويتلوّن كل شيء فيها بالأبيض، 
علينا أن نذهب إلى البورصة. للغرابة.
في الماضي، كانت أرباح الشركات تأتي مما تنتجه. فورد تكسب من انتاج موديلات سيارات جديدة، وجنرال الكتريك تطوّر تقنية جديدة لصالح مهمة ناسا نحو القمر، وبوينغ تحسّن من محرّكاتها النفاثة وتنتج طائرات أبعد مدى وأكثر راحة، وهكذا كانت قاعدة (أنتج تكسب) هي السائدة.
ولكن، منذ الثمانينات، دخلنا في طور جديد. لم تعد الربحية رهينة بالإنتاج، بل بشيء آخرتماماً.
ظهر سوق الأسهم باعتباره ما يحدد مصير الشركة. كلما زاد إقبال المستشمرين على شراء سهم الشركة ، ارتفعت ارباحها. 
الإنتاج لوحده لم يعد كافياً.
ماذا تفعل الشركة في هذه الحالة؟ عليها أن تجذب نظر المستثمر في سوق الأسهم بدلاً عن المستهلك. وهذا تحوّل خطير للغاية رغم أنه يبدو للوهلة الأولى بلا معنى.
“بيدرو كواتريكاساس” من كلية الطب والصيدلة في جامعة كاليفورنيا يقول (إن حاملي الأسهم، ورجال البنوك الاستثمارية، والمحللين، الذين لا يعرفون سوى القليل عن اكتشاف الدواء، يمارسون ضغوطاً كبيرة على المدراء التنفيذيين لشركات الدواء من أجل العائد السريع). 
ولكي يحافظ المدراء التنفيذيون على جاذبية شركاتهم بالنسبة لمجتمع سوق الأسهم، لا بد لهم من تطوير بعض الأساليب الجديدة. لننظر إليها مجملاً، ونعود لتفصيلها واحداً تلو الآخر. 
(2)
يشتري مستثمر ما سهماً في شركة دوائية لأنه يرى في سجلاتها المالية استمرارية في الأرباح. ويقول : “تنتج هذه الشركة عدداً من الأدوية التي ينتجها مصنّعون آخرون، ولكن تبيع ضعفي أي واحد منهم. هذا أمرجيد، سأشتري هذا السهم.
يحاول المدير التنفيذي للشركة الدوائية المتعددة الجنسيات تلبية هذا الشرط. ماذا يفعل؟ عليه أن يضمن أن سعر الدواء الذي ينتجه يلبي شرطين : الحفاظ على حصّته السوقيّة، وهذا لا يعني تخفيض سعر الدواء، بل قد يعني رفعه في بعض الأحيان. فبعض الزبائن لا يشتري إلا الدواء الغالي، يفكّر المدير “إذا خفّضت سعري قد أخسر بعض المشترين ومعهم جزء من حصّتي في السوق”، وثانياً يحافظ على نسبة العائد الذي يحققه هذا الدواء بالنسبة لأرباح الشركة ككل. 
أحد الأدلّة البارزة على هذه الآلية هو ارتفاع سعر دواءٍ خاص بعلاج مرض ” التصلّب المتعدد ” في الولايات المتحدة من أحد عشر ألف دولار في منتصف التسعينات، إلى 60 ألف دولار في أيامنا هذه. رغم أن الدواء لم يتغيّر فيه شيء.

إذا ظلت الشركة محافظة على حصتها السوقيّة في دواء معيّن، وانخفضت عائداتها الكليّة، فلن يجذب ذلك أي مستثمر، عليها أن تحافئظ على الأمرين سوياً. وإلا فستخسر. 
لهذا السبب بالذات تحافظ كل الشركات على سريّة عمليّات التسعير وتحصر المعرفة بها في نخبة قليلة من مدرائها، كما كان السحرة القدامى يخفون تعاويذهم ويتناقلونها فيما بينهم جيلاً بعد جيل بحرص شديد.
ينظر المستثمر إلى خطط تطوير الشركة الدوائية، ويجد أنها تعمل على تطوير دواءٍ معيّن لمرض نادر، وتشير دراسات السوق أنه سيحقق عائدات ملياريّة للشركة فور دخوله السوق. “يا له من أمر جيّد، سأشتري هذا السهم” يحدّث المستثمر نفسه. فماذا سيفعل المدير التنفيذي لشركة الدواء ليحقق له مايريد؟.
بما أن الدواء في نظر هذين الطرفين مجرّد سلعة، فسيقوم المدير بضخ المزيد من الأموال في البحث عن أدوية جديدة، ولكن، أدوية لأية أمراض؟.
يوجد فرق كبير بين الأمراض التي تصيب مواطني الدول الغنيّة، وتلك التي تصيب مواطني الدول النامية والفقيرة. ومن المنطقي أن ترغب شركة دوائية في الحصول على أعلى أرباح ممكنة، عليها أن توجّه انتاجها نحو أولئك القادرين على سداد الفواتير. من يأبه بمرضى الجذام النائمين ليلاً جوار معمل استاك وسط الخرطوم، لا تنفَق الأموال في تطوير أدوية للأمراض التي تصيب من لا يملكون المال. هذا ما تفعله الشركات الدوائية، تنفق على الأدوية التي ستدر الأرباح حصراً. 
حسب دورية “لانسيت الدولية للصحة” فإن سبعة وثلاثين دواءاً من فقط من أصل ثمانمائة وخمسين تم تسويقها في الفترة الواقعة بين سنتي 2000م و 2011م، كانت موجّهة لعلاج هذه الأمراض الوبائيّة. 
أي 4 في المائة فقط. لمن يمثلون على الأقل نصف سكّان الكوكب. 
ما الذي يحدد سعر الدواء في هذه الحالة؟ تقول إشاعة ما أن حجم الإنفاق على البحث والتطوير في دواءٍ معيّن هو العامل الأساسي في تحديد سعر الدواء. 
لن نشغل أنفسنا بحشد الوقائع والأدلّة، سندع أصحاب الشأن يكشون الغطاء عمّا هو خفي.
لنسمع ” هانك ماكنيل “، وهو مدير تنفيذي سابق في شركة فايزر الدوائية الأمريكية، وهو يقول : (الاعتقاد أن ما يحدد أسعار المنتجات في صناعتنا، أو أي صناعة أخرى، هو استعادة ميزانية البحث والتطوير هو تصوّر خاطئ.) 
ما يحدد السّر هو قوى السّوق، كلما كان المريض يائساً أكثر، كلما كان مضطراً لدفع سعر أعلى.
أليس هذا هو التعريف الجنائي لـ(الابتزاز)؟.
(3)
لنكمل مسار القصة، ولنتخيّل أن الدواء قد دخل مرحلة التجارب السريرية النهائية قبل دخوله للأسواق. 
تسود رؤية متفائلة حول الرقابة على الدواء في الدول المتقدّمة، مفادها أن الرقابة هناك أفضل وأكثر حياديّة. هذه رؤية لا تستند إلى الوقائع العمليّة. 
لم تشهد الثمانينات موجة أمولة شركة الدواء وتركيزها على القيمة السوقيّة فقط، بل تبدّلت فيها قواعد الرقابة على الأدوية. وكل ذلك جرى في مصلحة الشركات وحاملي الأسهم فقط. الدولة كانت في هذه الحالة ،كما كان العهد بها دائماً، لجنة تنفيذية للطبقة المستفيدة.
لنأخذ المثال البارز من بريطانيا “هيئة الرقابة الدوائية”. لقد ظلّت هذه الهيئة حتى سنة 1989م تتحصّل على تمويلها من الضرائب العامة ومن رسوم الشركات. وبعد تلك السنة أصبح تمويلها يأتي بنسبة 100% من الشركات، تماشياً مع فلسفة السوق الحر التي كانت تطبقها رئيسة الوزراء في ذلك الوقت مارغريت تاتشر. يشرح كورتني ديفيس ودون ابراهام من كينغز كوليدج بلندن ماجرى بلغة واضحة ( شهدت السنوات الثلاثون الماضية طوفاناً من اصلاحات فك الرقابة، هدفها ظاهرياً هوتشجيع الابتكار الصيدلاني الذي سيخدم، في آن واحد، المصالح التجارية للشركات والمصالح الصحيّة للمرضى) ويؤكد أبراهام أن بمقدور الشركات أن تؤثر – ليس فقط على الوكالات الرقابية – بل على الحكومة ككل عبر التبرعات الماليّة، وأعمال اللوبيات، وحتى تعيينها ممثلين عنها في الهيئات الحكومية المسؤولة عن الرقابة على الدواء وفرض الضوابط. 
والله يا شركة الدواء، تفلق وتداوي!
تزامن ذلك مع تخفيض حكومات الدول المتقدّمة للميزانيات المخصصة لوكلات الرقابة على الدواء، مما وضع شركات الدواء في موقع يسمح لها بالتلاعب بنتائج الاختبارات السريرية. 
مدير الشركة التنفيذي لن يقبل برفض الدواء الذي ابتكره، فهذا يعني هبوط سعر الشركة، والخسارة، والطرد. 
لنر كيف يتم ذلك.
في وكالة الدواء الفيدرالية الأمريكية، يبلغ الوقت القياسي لاختبار الدواء الجديد المقدّم للوكالة ثلاثمائة يوم. ويجب على الوكالة أن تكمل 90 في المائة من الطلبات خلال هذه المدّة الزمنية. وإن لم تحصل ذلك، فإن رسومها التي تجنيها مهددة بالسحب من قبل الشركات مما يعرض عائداتها للخطر. ولهذا، يبدو أن الوكالة تتساهل تجاه معايير السلامة. تقول دراسة منشورة في مجلة نيو انغلند للطب أن نسبة سحب لأدوية التي أجيزت قبل شهرين من موعد الإجازة النهائي أكبر بخمس مرّات تقريباً من باقي الأدوية. وهذا لا يمكن أن يعني شيئاً سوى أن التلاعب بالمعايير سببه هو تقديم الربح على البشر، وهذه أزمة دوليّة بملامح سودانيّة.
إن قصور آليات الرقابة والمتابعة الوطنيّة سببه هو الإنصياع لهذه الشركات فحسب، ليس التحقق من صلاحية الدواء أمراً مستحيلاً، ولكن الأنظمة التي تتلاعب بصحّة مواطنيها ترى في هذه الآليات ترفاً غير مقبول. ويريد من يمسك بزمام الأمور نهب حصّته من الربح على حساب المواطن. تخريب آليات الرقابة الدوائية هي السلاح الثاني في عتاد مدراء الشركات الدوليّة والتجّار المحليين.