الثورة المضادة في السودان: تاريخ من الانقلابات العسكرية والنضال الجماعي

بقلم مجدي الجزولي

7 نوفمبر 2021

نشر لأول مرة بالأنجليزية:
https://spectrejournal.com/counterrevolution-in-sudan/
نشرت بموافقة الكاتب
تعريب: منصة قدام

قام الجيش السوداني بقيادة الجنرال عبد الفتاح البرهان في 25 أكتوبر 2021 باعتقال أعضاء من الحكومة الانتقالية، وإعلان حالة الطوارئ، منفذاً بذلك انقلاباً أعاد به تمكين الحكم العسكري في البلاد. ومن حينها، انفجر السودان بمظاهرات جماهيرية وإضرابٍ عام، رفض به الملايين من الناس العودة إلى حياتهم كالمعتاد في ظل الحكم العسكري، معلنين عن رفضهم هذا ببناء المتاريس، والانتظام في لجان المقاومة، ومؤكدين التزامهم بثورة السودان المتعثرة في 2018-2019، بالرغم من انقطاع شبه كامل للإنترنت. يأتي هذان الأسبوعان من المعارك العنيفة بين الشارع والجيش بعد عامين أطبق فيهما حصار الثورة المضادة – منذ وصول ممثلي ثورة 2018-2019 (بعد ثلاثين عام من حكم البشير) إلى اتفاقية هشة تقاسموا بموجبها السلطة مع الجيش أواخر عام 2019. اعتبر البعض هذه الاتفاقية تنازلًا خطيرًا عطل الحراك الثوري ومهد الطريق للانقلاب العسكري لا محالة. وبينما يتأرجح ميزان القوى في الهواء اليوم، مع مواجهة الجيش لمقاومة منقطعة النظير وعدم استطاعة الثورة حتى الساعة تمكين الحكومة المدنية التي يطالب بها الشعب السوداني، يكتب الكاتب والمحلل السياسي السوداني مجدي الجزولي عن الخلفية التاريخية لما يحدث حالياً. يصف فيها السودان اليوم كحصيلة تاريخ غني وطويل من معاداة الامبريالية، ونضالات قوى العمل، والحراك المناهض للنظام، في ظل اقتصاد سياسي تخلق بشكل كبير تحت شروط الامبريالية.

شيرين أكرم بوشر

بوادر انقلاب اليوم، المساعدات والقطن والنقابات المناهضة للإستعمار في سودان الخمسينات
يدعو بعضهم ما حدث في 25 أكتوبر بال “المحاولة الانقلابية”. ولكن سأسمي الأشياء بأسمائها. كان هذا (ولا يزال) انقلابًا عسكريًا – وليس بمحاولة انقلاب. ربما يكون أحد أسباب هذا الارتباك هو أنه انقلاب صممته ونفذته قيادة الجيش بدلا عن مجموعة من الضباط الساخطين من سحنة البرجوازية الصغيرة والذين تحدوا أوامر قادتهم وتحالفوا مع أقرانهم المدنيين من خريجي الجامعات والمهنيين. وفي هذا الشأن، يندرج ما حدث ضمن الفئة الأولى من الانقلابات في تاريخ السودان الحديث، وهي انقلاب القائد العام.

ولكن لفهم حقيقة ما يجري من تطورات، لابد من اعادة عجلة التاريخ للوراء. والمقاربة هنا هي مع انقلاب الجنرال إبراهيم عبود في 17 نوفمبر 1958، والذي تولى الحكم في لحظة انقسمت فيها الكتلة الحاكمة، بل وتمت دعوته لذلك من قبل رئيس الوزراء آنذاك، عبد الله خليل – وهو نفسه ضابط سابق – لاسكات مشاحنات الأحزاب السياسية وقتها، وفرض قيادة فردية على الكتلة الحاكمة.

تولى عبد الله خليل السلطة في يونيو 1956 بعد انهيار أول حكومة بعد الاستقلال بقيادة إسماعيل الأزهري. في ذلك الوقت، اعتمدت ميزانية الحكومة السودانية على بند تصديري واحد، وهو القطن، الذي يزرع في مشروع الجزيرة الواسع المملوك للدولة بين النيلين. تعرضت عودة القطن للتهديد من قبل حركة راديكالية متزايدة من المزارعين الأجراء في الجزيرة الذين كانوا يطالبون بنصيب أكبر من الأرباح وإعادة صياغة علاقات الإنتاج. نشأ اتحاد مزارعي الجزيرة في عام 1953 بمساعدة الجبهة المعادية للاستعمار، والتي تطورت فيما بعد لتصبح الحزب الشيوعي السوداني. سار الآلاف من مزارعي الجزيرة إلى العاصمة الخرطوم في ديسمبر 1953 واحتلوا ميدانًا رئيسا في المدينة، ميدان عبد المنعم، مطالبين بالاعتراف باتحادهم المولود حديثًا تحت نير الاستعمار البريطاني. مثل اعتصام ميدان عبد المنعم سابقة باكرة لتكتيك شعبي تجدد في اعتصام القيادة العامة المهيب في 2019.

وفي نقلة أخرى، اشتعلت الشرارة الراديكالية في جودة بالقرب من كوستي على النيل الأبيض في يناير 1956، بعد أسابيع قليلة من احتفالات استقلال السودان. اتبع المزارعون في منطقة النيل الأبيض نموذج مزارعي الجزيرة في النقابات وشكلوا نقابتهم الخاصة بحلول منتصف عام 1955. دخل عمال زراعة القطن في مشروع جودة في إضراب احتجاجا على التأخير في تسليم حصصهم الضئيلة من عائدات القطن. استجابت الدولة المستقلة القلقة بعنف مميت لتحدي القوى العاملة المضربة، التي كانت تهدد عبر مثالها الجريء بالإطاحة بنظام الاستغلال الذي تعتمد عليه الدولة وجودياً. أطلقت القوى الأمنية النار على المزارعين الثائرين فقتلت منهم 300 مزارع مستأجر في الحقول أو اختنقوا في زنزانات احتجاز مكتظة وسيئة التهوية.

وفي سياق متصل بواقع القطن، تعرضت صادرات السودان منه للخطر بسبب إغلاق قناة السويس – نتيجة الحرب الثلاثية البريطانية- الفرنسية- الإسرائيلية على مصر بعد إعلان عبد الناصر تأميم القناة. تم إغلاق قناة السويس أمام حركة الملاحة من أكتوبر 1956 إلى مارس 1957. أنتج السودان 441 ألف بالة من القطن في موسم 1955-1956، بزيادة 9٪ عن الموسم السابق. بلغت مبيعات التصدير 559 ألف بالة بسبب ترحيل المخزون من موسم 1954-1955، لكن الشحنات إلى أوروبا توقفت بسبب إغلاق القناة.
كما شهد عام 1957 انخفاضاً حاداً في عائدات الصادرات. انخفضت أسعار القطن من 77 سنتًا أَمْرِيكِيًّا للرطل في مارس 1957 قبل أن يصبح المحصول الجديد متاحًا للبيع إلى حوالي 30 سنتًا أَمْرِيكِيًّا للرطل في فبراير 1959.

تُرجم هذا التدهور في عائدات القطن على الفور إلى أزمة في الميزانية. عانى السودان خلال فترة السنتين 1957-1958 من عجز تجاري بلغ 27.4 مليون جنيه وعجز في الحساب الجاري قدره 34.3 مليون جنيه. كان جزء من استجابة عبد الله خليل لهذه الأزمات هو توجيه سياسة السودان الخارجية بحزم نحو الغرب الرأسمالي بما في ذلك الانفتاح على إسرائيل. خاطب عبد الله خليل الحكومة الأمريكية في فبراير 1957 طالبًا المساعدة الاقتصادية والتسليح العسكري. وقتها شنت الجبهة المعادية للاستعمار من خارج البرلمان والحزب الوطني الاتحادي المعارض من داخل البرلمان حملة شرسة ضد المعونة الأميركية المقترحة. لكن في النهاية، قطع عبد الله خليل الطريق على خصومه بمفاجأة وطلب من القيادة العسكرية أن تأخذ الأمور بأيديها.

شرع الجنرال إبراهيم عبود ومجلسه العسكري بمجرد وصوله إلى السلطة في تنفيذ خطة عبد الله خليل للمعونة الأمريكية. كما تفاوض عبود مع عبد الناصر حول التعويض النقدي عن غرق وادي حلفا في السودان تحت بحيرة السد العالي بأسوان. سجل السودان بفضل هذه التدفقات فائضاً صافياً لمدفوعات التحويل قدره 22.5 مليون جنيه سوداني في الفترة 1959-1962. عزز المجلس العسكري إنتاج القطن من خلال قمع العمالة والتوسع الأفقي لمشروع الجزيرة من خلال وامتداد المناقل الجنوبي الغربي الذي افتتح عام 1962 مما زاد صادرات السودان من 44.7 مليون جنيه سوداني في أزمة عام 1958 إلى 68 مليون جنيه سوداني في عام 1959 ثم 64 مليون جنيه عام 1960 و61.3 مليون جنيه عام 1961 و79.7 مليون جنيه عام 1962.

تدخل الجيش إذن لحسم الخلافات بين الفصائل المتناحرة داخل الكتلة الحاكمة وحماية المصالح الكلية لهذه الكتلة خلال فترة شدة في الميزانية وتصاعد للمد الراديكالي والنضال الجماهيري عبر الاستغلال المتزايد في الداخل المقترن بالسياسة الخارجية الموجهة نحو الإدارة قصيرة المدى لمشاكل الميزانية.

ربما أخذ الفريق البرهان بسابقة عبود في انقلابه. حيث أشار في تصريحاته في 25 أكتوبر إلى ضرورة توحيد السلطة المركزية. عرض في هذا السياق على رئيس الوزراء الانتقالي عبد الله حمدوك فرصة العمل معه وتسهيل توطيد سلطته بشكل أكثر سلاسة. لكن كان البرهان على دراية تامة بانقلاب قائد عام آخر في تاريخ السودان الحديث، وهو انقلاب القصر في 6 أبريل 1985 للجنرال عبد الرحمن سوار الذهب الذي أطاح بالجنرال نميري وساق سنة سوار الذهب كنموذج حميد للانتقال الديمقراطي. كان سوار الذهب وزير دفاع النميري وهو الذي تدخل وقتها للإطاحة بالديكتاتور الذي استمر حكمه 16 عامًا (1969-1985) في ذروة الانتفاضة الشعبية في مارس/ أبريل ضد النظام وأعلن عن نفسه كرئيس لمجلس عسكري انتقالي.

حرص المجلس العسكري لسوار الذهب خلال هذه الفترة الانتقالية القصيرة على تعطيل المطالب الراديكالية للانتفاضة الشعبية، بما في ذلك السعي للتوصل إلى تسوية تفاوضية للحرب الأهلية في جنوب السودان، ورفض إجراءات التقشف الاقتصادي التي فرضها نظام النميري والعمل على حل جهاز أمن الدولة ومحاكمة أنصار النظام. دخل سوار الذهب كتب التاريخ كضابط خير في الجيش لانحيازه إلى إرادة الشعب. لكنه نجح في حماية قادة الجبهة القومية الإسلامية الذين كانوا متحالفين مع نميري من غضبة انتفاضة مارس/ أبريل. جازاه الإسلاميون خيرا على عمله فانتقل بعدها إلى رئاسة هيئة الدعوة الإسلامية.

الانقلابات كإصلاحات معادية للثورة
منح انقلاب سوار الذهب عام 1985 الجيش فيتو عسكري على عمليات صنع القرار في الفترة الانتقالية وأدى إلى انقطاع كبير في الزخم الشعبي الذي أشعلته انتفاضة مارس/ أبريل. تكرر سيناريو مماثل في عام 2019 حيث أطاحت القيادة العسكرية بعمر البشير في 11 أبريل 2019 بضغط من حركة الاحتجاج بغرض فرض فيتو عسكري على النظام السياسي الذي سيعقب حكمه. بذلك فإن انقلاب البرهان في 25 أكتوبر/ تشرين الأول هو تحقيق للانقلاب المتوقف جزئياً في 11 أبريل/ نيسان 2019 الذي نفذه قادة المكون العسكري والميليشيات الأمنية الذي تطورت في ظل حكم البشير. استغرق الأمر عامين من التعايش بين الجيش وتحالف قوى الحرية والتغيير حتى تحقق الانقلاب كاملا. وربما كانت النقطة الفاصلة هي الموقف الدفاعي للجيش تجاه الحركة الثورية الواسعة لفترة في 2018-2019 حتى أصبح في وضع يمكنه من الهجوم. وبهذا المعنى، فإن انقلاب البرهان في 25 أكتوبر/ تشرين الأول هو تحقيق إعادة السيطرة، أي عين الثورة المضادة.

رغم كل ذلك كانت هذه الفترة الفاصلة مفيدة من منظور الكتلة الحاكمة، أشاد الفريق البرهان في حديثه يوم الانقلاب 25 أكتوبر بشخص رئيس الوزراء حمدوك وأعرب عن تقديره لإنجازات شراكتهما. قرظ البرهان “الإصلاحات الاقتصادية” التي نفذتها حكومة حمدوك، حزمة التقشف القاسية التي فرضها صندوق النقد الدولي والتي تضمنت إلغاء دعم الوقود، والتقليص الشديد في دعم القمح والكهرباء والأدوية وإلغاء الدولار الجمركي وتعويم العملة السودانية. علاوة على ذلك، تمكنت حكومة حمدوك من تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة. وشطبت واشنطن السودان من قائمتها للدول الراعية للإرهاب ورفعت العقوبات طويلة المدى على البلاد مقابل إعادة توجيه السودان لسياسته الخارجية نحو الاصطفاف مع الأنظمة التي ترعاها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. مع العلم بأن الجيش أيضاً تولى زمام المبادرة في العنصر الأساسي لهذا الاتفاق عندما التقى البرهان برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في فبراير 2020، في بداية تطبيع العلاقات بين الخرطوم وتل أبيب التي توجت بتوقيع السودان على “العهود الابراهيمية” برعاية الولايات المتحدة في يناير 2021. في المقابل، قدمت الولايات المتحدة للسودان مساعدات مالية تمس الحاجة إليها، وحزمة تخفيف عبء الديون في إطار مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون (HIPC)، وإمدادات القمح لإطعام المدن الجائعة للرغيف.

بالرجوع للوراء مجدداً نجد انه عندما شرع البشير في نفس إجراءات التقشف التي فرضتها الحكومة الانتقالية، واجه مقاومة شديدة في المدن، في البداية في سبتمبر 2013 عندما دعا ميليشيا قوات الدعم السريع لإطلاق النار على المتظاهرين في شوارع الخرطوم، ومرة أخرى في 2018-2019 عندما أسقطه المكون العسكري والأمني والميليشيات في نهاية المطاف. وبالمثل، حاول البشير تسوية الأمور مع الولايات المتحدة أولاً من خلال عرض خدمات نظامه الأمني على وكالة المخابرات المركزية، ثم تقويض علاقاته مع إيران لصالح التحالف مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. أرسل البشير الجيش وقوات الدعم السريع لخوض حرب المملكة العربية السعودية ضد اليمن في محاولة لإرضاء رعاته الجدد. بل إن كبار المسؤولين في حزب المؤتمر الوطني الحاكم في عهد البشير غازلوا فكرة تطبيع العلاقات مع إسرائيل. لم تفلح محاولات البشير في إنقاذ نظام الإنقاذ، لم يستطع المستبد المسن التخلص من متاع الحركة الإسلامية الثقيل وتعذر عليه تبديل جلده. لم يستطع التحول إلى حليف موثوق به في بنية الأمن الإقليمي المتحالفة مع الولايات المتحدة رغم ما بذل من جهد.

ذكر البرهان من محاسن عامي الشراكة “اتفاق جوبا للسلام في السودان” من بين إنجازات حمدوك، وهي سلسلة من تسويات الثروة وتقاسم السلطة الموقعة في أغسطس 2020 بين الحكومة وحركات التمرد الرئيسية في دارفور: حركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم وجيش/ حركة تحرير السودان بقيادة مني مناوي، بالإضافة إلى فصيل من الجيش/ الحركة الشعبية لتحرير السودان في شمال السودان بقيادة مالك عقار وياسر عرمان، والعديد من الفصائل الأصغر، بما في ذلك مليشيا جديدة نشأت على يد الاستخبارات العسكرية باسم حركة تمازج.

كان لأعضاء حكومة رئيس الوزراء حمدوك وسياسيي قوى الحرية والتغيير دور مهم في إبرام هذه الصفقات. مع الملاحظة انه وفي وقت سابق كان البشير أيضاً قد أبرم وخرق عدة اتفاقيات مع نفس الجماعات المتمردة. ولم يكن من المحتمل أن تجرى عملية سلام ذات مصداقية تحت سيطرته.

الاقتصاد السياسي للحكومة الانتقالية
بدأت الفترة الانتقالية كتحالف مع الشيطان، تحالف جمع سياسيي قوى الحرية والتغيير في السودان، جبهة الأحزاب السياسية وجمعيات المهنيين الذين دفع بهم الزخم الثوري إلى قيادة حركة الاحتجاج في 2018-2019، مع قادة الجيش والأمن والمليشيا. أضافت اتفاقية جوبا للسلام طرفًا ثالثًا لما كان يُنظر إليه في البداية على أنه تسوية ثنائية. من الناحية التشخيصية، أطاح انقلاب البرهان بسياسيي قوى الحرية والتغيير لصالح شركاء جوبا. اندلع العداء بين الجانبين، سياسيي قوى الحرية والتغيير والمتمردين السابقين، في شوارع الخرطوم لبعض الوقت قبل الانقلاب في هيئة مسيرات وتجمعات مضادة، وفي شكل حرب إعلامية وكلامية لاذعة وحملات قذف وشتيمة.

يتقاطع التباين الحقيقي بين سياسيي قوى الحرية والتغيير وقادة المتمردين إلى حد كبير مع خطوط التقسيم القياسية في السودان: المركز في مقابل المركز، الحضر في مقابل الريف، ناس البحر في مقابل الغرابة، أو الخرطوم مقابل البقية. وفي الواقع، ينتمي سياسيو قوى الحرية والتغيير وزعماء المتمردين إلى شبكتين اجتماعيتين وسياسيتين متمايزتين ومتنافستين. الأولى تشمل العالم الاجتماعي للخرطوم الحضرية والمهجر وتضم المتعلمين تعليما جامعيا المتحدثين بالانجليزية من أصحاب الكفاءة وشهادات الدراسات العليا من كبريات الجامعات الأوروبية والأميركية والخبرات المتصلة بسوق العمل العالمي. والثانية تمتد إلى المناطق النائية الواقعة تحت نير الصراع المسلح في أرياف السودان حيث أصبح السلاح الناري وسيلة للإنتاج. ربما ساعد تقصي سجلات صادرات وواردات السودان على استخلاص الأساس المادي للتناقض الديالكتيكي بين المناطق الحضرية والريفية في السودان ومن ثم الحد الفاصل بين هاتين الشبكتين. في هذا الخصوص، ربما يسرت نظرة خاطفة على الميزان التجاري الخارجي للسودان من إبانة بعض الغموض الأيديولوجي الذي يكتنف عبارات “الفترة الانتقالية” و”الشراكة المدنية العسكرية” التي رحبت بها القوى العالمية. في الأشهر الستة الأولى من عام 2021، بلغت قيمة إجمالي صادرات السودان 2.5 مليار دولار، مقابل فاتورة استيراد قدرها 4.1 مليار دولار. هذا العجز الهائل هو سمة دائمة لاقتصاد السودان في معظم تاريخه الحديث. تم سد هذا العجز جزئيًا خلال الطفرة النفطية لحوالي 10 سنوات بين عامي 1998 و 2011. ولكن خسرت حكومة السودان مع انفصال جنوب السودان في عام 2011 حوالي 75٪ من عائدات النقد الأجنبي. يعتمد السودان اليوم على مجموعة من سلع التصدير الأساسية للحصول على النقد الأجنبي وتمويل وارداته. صدّر السودان بين يناير ويونيو 2021، فول سوداني بقيمة 406 ملايين دولار، وماشية بقيمة 319 مليون دولار، وسمسم بقيمة 301 مليون دولار، وذهب بقيمة مليار دولار، وقطن بقيمة 92 مليون دولار. يُزرع معظم الفول السوداني والسمسم في السودان في القطاع المطري التقليدي من الاقتصاد الذي يشمل الجزء الأكبر من مزارعي السودان في سهول المناطق الغربية في كردفان ودارفور. كما تتركز الثروة الحيوانية كذلك في كردفان ودارفور في عهدة شعوب السودان الرعوية. إن تسليع أنظمة المعيشة هذه عملية استنزاف عنيفة ودموية اجتاحت ملايين الناس في أطراف السودان وأعادت صياغة علاقاتهم بطرق متناقضة تتجاوز النزاعات المجتمعية المشار إليها كثيرًا بين المزارعين والرعاة، وربطتهم بشكل وثيق بتقلبات أسواق التصدير.

على العموم، أصبح كل من الإنتاج الزراعي والحيواني عمليات عسكرية في بيئة من انعدام الأمن الريفي. تعمل الميليشيات وقوات الدعم السريع وجيوش المتمردين، فضلاً عن الجيش الحكومي، جزئيًا كهيئات شرطة مخصخصة تحرس هذه الأنظمة وتستغلها، بما في ذلك من خلال ضمان الديون وإنفاذ العقود التجارية. يعتمد استخراج الفائض من أطراف السودان على التوسع في الإنتاج الأفقي بدلاً من رفع مستوى إنتاجية المحاصيل المنخفضة بشكل مزمن، ونزع ملكية الأراضي، والاستغلال المفرط لقوة عاملة زراعية فقيرة قوامها النساء بشكل متزايد، وهي نفسها مستمدة من المجتمعات التي دمرتها النزاعات والتي تحاول البقاء على قيد الحياة معتمدة على أجور يومية بالكاد تلامس حاجز 1 دولار أمريكي في اليوم. نتيجة لذلك، يستطيع الكثيرون بالكاد شراء الذرة والدخن التي ينتجونها بأنفسهم لكن يفوز بريعها المزارعون الرأسماليون والملاك الغائبون، وبالتالي يهددهم الجوع بصورة مزمنة ويضطرون لتصفية قليل أصولهم وممتلكاتهم.

يفرض هذا الواقع الهروب من نظام العمل الساحق والهجرة إلى المدن بالنسبة للبعض كباعة متجولين وعمال موسميين وتجار صغار. وبالنسبة للكثيرين الآخرين عن طريق التجنيد في الميليشيات والجماعات المتمردة، أو في الآونة الأخيرة، نزوح العمال الذكور إلى مواقع تعدين الذهب على حدود الجغرافية النقدية للسودان. يزود الملايين من عمال المناجم الحرفيين السودان بحوالي نصف عائداته من العملات الأجنبية. تتوسط ما بين المنتجين في السودان – مزارعو السمسم والفول السوداني، وقطافو الصمغ العربي، والرعاة، وعمال مناجم الذهب الحرفيين – وأسواق التصدير سلاسل من المبتزين والنصابين: رجال الميليشيات، وضباط الجيش، والدائنون، والتجار، وتجار العملات الأجنبية، والمصرفيون، والممولون، وكبار المديرين التنفيذيين لشركات للتصدير، بالإضافة إلى خبراء البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومخبريهم المحليين. تمت هندسة نظام الاستغلال هذا والحفاظ عليه جُزئيًّا عبر قسط كبير من تاريخ السودان بعد الاستقلال من خلال الوسائل الأيديولوجية بما في ذلك التصويب العنصري للاختلاف العرقي، والسلطة العلمانية لرجالات الإدارة الأهلية المحلية، والسلطة الدينية لشيوخ الطرق وفي مقدمتهم السادة العظام من آل المهدي وآل الميرغني الذين سيطروا على حصة كبيرة من رأس المال التجاري. ظلت هذه الكتلة الرجعية في وضع يمكنها من منافسة النخبة الحضرية من المسؤولين الحكوميين وضباط الجيش على السلطة.

بذور بديل الحكم العسكري
أدى تآكل النظام السياسي الذي كان يحكم المناطق الريفية في السودان من خلال الحرب إلى وضع يحتاج فيه اللاعبون الطموحون، مثل قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو أو قادة الجماعات المتمردة، جبريل إبراهيم ومني مناوي وغيرهم، إلى قيادة قوات مقاتلة ذات شوكة للاستيلاء على حصة من فائض الإنتاج هذا. تمتد هذه الروابط من الاستغلال العسكري إلى أسواق التصدير السودانية، ومصادر عائدات صادراته، وفي مقدمتها الخليج العربي. صدّر السودان في الفترة من يناير إلى يونيو 2021 سلعا بقيمة 1.1 مليار دولار إلى الإمارات (السوق الأساسي لذهب السودان)، و 299 مليون دولار إلى مصر، و 207 ملايين دولار للسعودية، و 497 مليون دولار إلى المملكة العربية السعودية والصين. في المقابل، بلغت قيمة صادرات السودان للولايات المتحدة والقوى الغربية الكبرى 65 مليون دولار. من هذه الصورة يتلخص الخلاف على السلطة المركزية في الخرطوم في الخلاف الداخلي داخل الكتلة الحاكمة حول من ينفق هذه الأرباح وكيف.
ومن ناحية أخرى استورد السودان خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2021 مواد غذائية بقيمة 953 مليون دولار، منها القمح ودقيق القمح، المادة الغذائية الأولى للمدن، بتكلفة 239 مليون دولار، وسكر بقيمة 246 مليون دولار، ومواد غذائية أخرى بقيمة 239 مليون دولار. وبلغت فاتورة الواردات للسلع المصنعة 821 دولاراً أمريكياً والمنتجات البترولية 215 مليون دولار والآلات والمعدات 851 مليون دولار أمريكي. يكشف المزيد من التفصيل لهذه الأرقام عن الانحياز الحضري المذهل للاستهلاك. استورد السودان خلال النصف الأول من عام 2021 في فئة الكيماويات عطور ومستحضرات تجميل ما قيمته 39 مليون دولار، مقابل أسمدة بقيمة 43 مليون دولار. تصدرت منتجات الحديد والأسمنت المخصصة للبناء الحضري القائمة في فئة السلع المصنعة بمبلغ 178 مليون دولار أمريكي، تليها المواد البلاستيكية المصنعة بقيمة 104 ملايين دولار أمريكي. وبالمثل، اشتملت فئة الآلات والمعدات على أجهزة كهربائية بقيمة 203 ملايين دولار أمريكي مقابل جرارات بقيمة 186 مليون دولار أمريكي. بعبارة أخرى، يعرق وينزف المنتجون الريفيون السودانيون تحت نير نظام عسكري لاستخراج الفائض للحفاظ على الاستهلاك الحضري الشره. قد يؤدي التركيز الحصري على التمييز الصارم من وجهة نظر العلوم السياسية بين الحكم العسكري الشرير والحكم المدني الصالح إلى تدليس العلاقة الواضحة بين تدمير الحياة الريفية والمطالب الاستهلاكية الموجهة للمدن. أظهرت ثورة 2018-2019 والتطورات اللاحقة حتى انقلاب 25 أكتوبر وما تلاه من وقائع هذه الانقسامات في تكوين الجسم السياسي. ظهر ذلك جلياً في أن القيادة البرجوازية الصغيرة في الغالب للحركة الاحتجاجية التي وقفت في وجه البشير وتتحدى الآن البرهان – أي سياسيي قوى الحرية والتغيير- لم تكتشف بعد صيغة لربط النضالات الحضرية المؤطرة حول معارضة الدكتاتورية في مقابل الديمقراطية أو الحكم العسكري في مقابل الحكم المدني، مع الكثير من المنتجين الريفيين في السودان. كنه الاندفاع العدواني لرموز المكون العسكري- الميليشياوي- الأمني، البرهان وشركائه، تجاه جماعة الحرية والتغيير هو أن هؤلاء السياسيين غافلين عن الآليات التي تحافظ على هيمنة الكتلة الحاكمة وغير قادرين على قيادتها وتعزيز مصالحها.

إن الإطاحة بهذا النظام المسلح لاستخلاص فائض القيمة الريفي أمر جد عسير لكن الممارسة العملية لثورة 2018-2019 زوّدت الخاسرين في المجالات الحضرية والريفية بلجان المقاومة، وهي نواة للتنظيم تتجاوز الألاعيب العليا لسياسيي قوى الحرية والتغيير ويمكن أن تتحدى العسكرة ونظام الاستغلال في الريف عن طريق بذل تنظيم ديمقراطي شعبي. تم اختراع لجنة المقاومة خلال احتجاجات سبتمبر 2013 ضد إجراءات البشير التقشفية كخلايا للتعبئة على مستوى الأحياء في الخرطوم الحضرية. ثم تطورت مع تجربة ثورة 2018-2019 لتصبح ناجحة مفتوحة على الناس إذا جازت العبارة، وحدات تنظيم أفقي للتسييس والتعبئة والمناورة في الخرطوم، وكذلك في العديد من المدن الصغيرة في السودان. إن صمود الحركة الاحتجاجية خلال المد المرتفع لثورة 2018-2019 الذي يستمر حتى اليوم في المعارضة الشجاعة والعنيدة لانقلاب البرهان في 25 أكتوبر، مستمد إلى حد كبير من الطابع الفضفاض للجان المقاومة. انجذب الآلاف من الشابات والشبان إلى الحياة السياسية نتيجة لذلك، بذهن خال من أغلال النظام السوداني القديم من لوردات الطوائف والضباط العسكريين المخادعين والسياسيين من صنعة الحرم الجامعي.

للمفارقة حتى البرهان اضطر إلى صنع بعض قادة “لجان المقاومة” المزعومين من حواف المشهد السياسي وعالم وسائل التواصل الاجتماعي في السودان لتصويرهم في شكل جمهور مطيع في قاعة واسعة بمقر قيادة الجيش بينما كان يشرع في الحديث الصاخب عن احتمالات حدوث الانتقال إلى الديمقراطية بالوسائل العسكرية.

استفدت في هذه الكلمة من

FEWS Net 2021 Sudan Food Security Outlook June 2021 to January 2022

تقرير عبد الخالق محجوب للمؤتمر التداولي للحزب الشيوعي السوداني في ١٩٧٠ ضمن فؤاد مطر ١٩٧٢. الحزب الشيوعي نحروه أم انتحر. دار النهار، بيروت.

بنك السودان ٢٠٢١. الموجز الإحصائي للتجارة الخارجية. مجلد ٨٥، عدد ٢. الخرطوم.

Berridge W. 2014. Civil Uprisings in Modern Sudan: The ‘Khartoum Springs’ of 1964 and 1985. Bloomsbury, London.

الحزب الشيوعي السوداني ١٩٧٠. استراتيجية الثورة الوطنية الديمقراطية السودانية: المنجزات الفكرية والسياسية للمؤتمر الرابع للحزب والصرع ضد التيار الانتهازي اليميني (أكتوبر ١٩٦٧ – أكتوبر ١٩٧٠). الخرطوم.

حسن العبيد مدني ٢٠٠٨. عنبر جودة: عشرين دستة من البشر. الشركة العالمية للطباعة والنشر، الخرطوم.

Ali T.M. 1983. The Road to Jouda. Review of African Political Economy 10:26,4-14.

Mahmoud F. B. 1981. Some Aspects of the Political Economy of the Sudan. Sudan Notes and Records 62:47-68.

Abdel-Aziz O. F. 1979. Production and Marketing of Sorghum and Sesame in the Eastern Central Rainlands of the Sudan: The Contrast between the Public and Private Sectors. PhD thesis. School of Economic Studies. The University of Leeds.

Elemam H. E. E. 2017. The Impact of Climate Change on Crop Production and Food Security, North Kordofan State, Sudan. PhD thesis. Faculty of Agricultural Sciences. University of Gezira.

Ibrahim E. I. & Al-Feel M. A. 2018. Economic Efficiency of Groudnuts and Sesame in Traditional Rainfed Sector, North Kordofan-Sudan. International Journal of Agricultural and Environmental Sciences 3:15-18.

Abu Adil H. Y. A. 2003. The Economics of Sesame Production in Gadarif Mechanised Rainfed Sector. MSc thesis. Faculty of Agriculture. University of Khartoum.

Osman K. H. A. 1988. The Effendia and Concepts of Nationalism in Sudan. PhD thesis. Faculty of Letters and Social Sciences. University of Reading.

Patnaik U. & Moyo S. & Shivji I. 2011. The Agrarian Question in the Neoliberal Era: Primitive Accumulation and the Peasantry. Pamazuka Press, Cape Town, Dakar, Nairobi and Oxford.

Beswick S. F. 1995. The Black Hole of Kosti: The Murder of Baggara Detainees by Shaigi Police in Kosti Barracks, Sudan 1956. Northeast African Studies 2:61-83.

بنك الخليج ٢٠٢٠. التقرير السنوي ٢٠٢٠. الخرطوم.

Shaw D. J. 1965. The Managil South-Western Extension: An Extension to the Gezira Scheme. International Institute for Land Reclamation and Improvement. Bulletin 9. Wageningen, the Netherlands.

Mahbouk A. & Drees F. 1964 Domestic Policies and Payments Problems of the Sudan, 1947-1962. International Monetary Fund (IMF), Washington.

Ibrahim I. S. 2007. Urban Poverty: Consumption Patterns and Survival Strategies in Greater Khartoum. PhD thesis. Faculty of Economic and Social Studies. University of Khartoum.

International Monetary Fund 2020. Sudan IMF Country Report No. 20/72. Washington.

Osman E. I. 2020 Pastoral Women in Town: The Case of the Migrant Fulbe in Sinja, Sudan. Sudan Working Paper, Number 3. Chr. Michelsen Institute, University of Bergen, Ahfad University for Women.

Young A. 2017. Transforming Sudan: Decolonisation, Economic Development and State Formation. Cambridge University Press, Cambridge.

Keen D. 2008. The Benefits of Famine: A Political Economy of Famine and Relief in Southwestern Sudan 1988-1989. James Currey, Oxford.

Fegley R. 2011. Beyond Khartoum: A History of Subnational Government in Sudan. The Red Sea Press, Asmara.