? حال الدنيا: كيف تفكّر القوى الخارجية في الثورة السودانية؟ (1-2)

في عالم وحّدته الرأسمالية وأصبح كل حدث فيه مؤثراً على الطرف الآخر من الكوكب، وفُتحت فيه الحدود القومية وأصبحت المعلومات، والأفكار، ورؤوس الأموال، في حركة دائمة لا تهدأ، يصبح من مصلحة كل طبقة حاكمة أياً كانت الرقعة الجغرافيّة التي تحكمها، أن تصيخ السمع جيداً للذبذبات غير المسموعة للشعوب. يقول التاريخ أنها ستنتقل إليها لامحالة. كل هزة سياسية تعقبها موجات من الاضطراب في أماكن أخرى. النظام الكوكبي موحّد، ولهذا فانتقال كل شيء ممكن، ويختلف التوقيت والطريقة التي يتبدّى فيها هذا الإنتقال، فعلى الرغم من أن هذا النظام موحّد، إلا أنه ليس واحداً. هذا أهم قوانين الثورة.

الثورة السودانية 2018م ليست استثناءاً. وترقب القوى الدولية لمجريات أحداثها ليس محل استغراب. وسيكون من المفيد مراجعة العوامل التي تحكم تفكير القوى الدولية حول طبيعة الثورة ومساراتها المحتملة، فلا غنى عن فهمها للدفع بالثورة إلى الأمام وحمايتها من الإنتكاسات والتدخل الإمبريالي. علينا أن نحاول فهم العلاقات التي تربط بين القوى التي تحاول التأثير على مجرى الأحداث في السودان، وسياستها الدوليّة على وجه العموم. وهذا ما يستدعي التفكير خارج الصندوق الأكاديمي الذي يختزل التفاعلات بينها على المواثيق الدبلوماسية حصراً، والنتقال للبحث افي الإقتصاد السياسي المعاصر للإمبريالية، أي بناء تصور مادي-تاريخي للتداخل بين (1) الأزمة الرأسمالية المعاصرة في طور العولمة 2008م و (2) علاقات الطبقات في كل بلد من البلدان الموثرة على السودان.
لا بد من بعض احتراز ضروري، وهو التعريف ببعض العوامل التي تؤثر على موازين القوى بين الدول الإمبريالية من جانب وبينها وبين النظام في السودان من جانب آخر. ينبغي عرضها بصورة نقديّة، لأنها تصادم الحس التلقائي السائد، ومن العسير تقبلها للوهلة الأولى.

? العامل الأول : ليس التبادل التجاري هو العامل الحاسم

لا يتحدد النفوذ الذي تحظى به دولة ما على النظام في السودان بحجم التبادل التجاري بينهما. مثلاً: يبلغ التبادل التجاري بين الصين والسودان مئات أضعاف التبادل بين السودان والولايات المتحدة. ولكن هل ينعكس حجم هذا التبادل على مدى التأثير السياسي؟ لننظر إلى الوقائع : يكاد ينعدم النفوذ الدبلوماسي للصين على تشكيل سياسات النظام الراهن، بينما يتوسّل النظام لتحسين علاقاته الدبلوماسية مع الولايات المتحدة. للتدليل على ذلك يكفي النظر للدور الذي لعبه التدخّل الإمبريالي الأمريكي في إقرار اتفاقية السلام الشامل 2005م، وفي إعادة توجيه السياسة الخارجية للنظام السوداني تجاه قضايا الشرق الأوسط مثل الموقف من إيران. السر ليس في علاقة السودان بالصين، بل في العلاقة التي تربط الصين بالولايات المتحدة، والتي تشكّل توازناً معيّناً للقوى بين هاتين الدولتين على الصعيد العالمي، يجعل تأثيرهما متفاوتاً على النظام.

? العامل الثاني : ولكنه الإقتصاد أيضاً، يا غبي!

لقد عدّل نظام البشير من تحالفاته الإقليمية أكثر من مرّة، آخرها سنة 2015م عندما انتقل من صف إيران – حماس – حزب الله – حركة الإخوان المسلمين، إلى محور السعودية – الإمارات- مصر. السبب وراء هذا التحوّل هو اقتصادي بالأساس: لقد أثرت أزمة نقص النقد الأجنبي على قدرة النظام على تلبية الحاجيات الأساسية من خبز ودواء وبترول، وبسبب تركيبة النظام الداخلية، كان الانتقال إلى حيث توجد الأموال خياراً منطقياً. كان الثمن هو توقيّع النظام بعد 2015م على اتفاقيات اقتصادية مع دول الخليج حازت بفضلها على أراضٍ وامتيازات وتسهيلات ضخمة، ولكنها على عكس تمنياته لم تنعكس إيجاباً على الوضع المعيشي. إن النفوذ السعودي على القرار السياسي للنظام يجد مصدره في القبضة القوية التي تحكم بها الأموال السعودية سيطرتها على الاقتصاد السوداني، وهذا أمر مفهوم. ولكن ماذا عن الصين التي تملك نفس الحضور الإقتصادي القوي؟ إن اختلاف مدى النفوذ بين السعودية والصين يكشف عن أمر مهم: إن السياسة الخارجية لكلٍّ منهما محددّة بالسياسة الأمريكية في المنطقة والعالم، في نهاية المطاف. لقد توافقت سياسة السعودية الأدوار الدبلوماسية للسعودية مع السياسة الأمريكية تجاه إيران وضرورة عزلها مثلاً، ووترافقت مع الحوجة الإقتصادية لرأس المال السعودي للتوسّع، فتضخم الدور السياسي للسعودية أسياً. إن كل مكسب تجنيه السعودية سيصب في صالح الولايات المتحدة عند المصب، أما في الجانب المقابل، على السياسة الخارجية الصينية أن تبقى في حالة حذر دائم، وسكّت شعار (عدم التدخل) كرمز لسياستها الخارجية ككل، لأن مصالحها قد تتعرض للتهديد من قبل الولايات المتحدة في منطقة جغرافية أخرى في العالم، مثل بحر الصين الجنوبي، إن هي أخطأت في حساب خطواتها السياسية في السودان أو في أي مكانٍ آخر. إنها تقايض ابتعادها عن ساحة الصراع في السودان بمساحات إخرى تجد فيها مصالح أكثر رسوخاً. الإقتصاد هو سياسة بلغة أخرى.

? العامل الثالث: إضغط تكسب، (ثم تخسر؟)

التوقيع على الاتفاقيات والأوراق شيء، تنفيذها على أرض الواقع شيء آخر. كل طرف موقّع له مصالحه الخاصة، وقد يتنازل عن بعضها أثناء التفاوض ليضمن تحقيق الأهم من بينها. ثم يتفق الطرفان على نقطة وسط. ولكن والشيطان دائماً ما يأتي وقت التنفيذ، التنفيذ مكمن التفاصيل.
لقد أبرم النظام العديد من الإتفاقيات، ولكنه حاول التنصل منها وعجز عن ذلك، فلجأ للعبة جديدة عنوانها (اضغط تكسب)، وأبرز مثالين على هذه اللعبة التي يمارسه النظام هو ردّة فعله تجاه (1) رفع العقوبات الأمريكية، وعلى (2) ما يفسّره بالتباطؤ السعودي في حل أزمة الوقود والدقيق المحليّة في 2017م.
نبدأ بالمثال السعودي باعتباره الأكثر تأثيراً. لقد أرسل النظام جنوداً وضباط سودانيين سنة 2015م للمشاركة في التدخّل السعودي في اليمن. ومرّت سنتان ولم تحلَّ بعد أزمات الوقود والدقيق، ولا زال الميزان التجاري في حالة عجز واحتياطي العملة الصعبة في الحضيض، مع إلقاء بعض الفتات الذي ينقذ النظام من الإنهيار الكامل، وهو أسلوب للتدخل يبقي النظام تحت حالة دائمة من الضغط الصامت، ولكن الفعّال. لقد أجبِر النظام على الإنصياع دون أن تكون له فرصة للمناورة.

لنضع طاقية النظام ونفكّر بطريقته : بعد كل ما فعلته السعودية، هل كان بإمكان النظام التراجع عن تحالفاته الجديدة والعودة لتوطيد العلاقات مع إيران؟ الجواب هو (لا). والأسباب كثيرة. لن يثق الإيرانيون بالنظام بعد الآن، وأفضل الاحتمالات أن يقابلوا الخطوة ببرود دبلوماسي، إضافة إلى أن إيران لا تملك الإمكانات الإقتصادية اللازمة لمساعدة السودان على حل معضلاته بسبب العقوبات الأمريكية عليها. إن انسحب السودان من محوره الجديد الذي اختاره، فإنه سيستعدي قوى جديدة دون أن يجني أية مكاسب. مافيش فايدة!.
لقد وقع النظام في الفخ. ولا مخرج، ولكن لا بد من المحاولة. جاء الحل في محاولة اللعب على التناقضات الإقليمية بين حلفائه الجدد ومنافسيهم، وهنا ظهرت تركيا.
إن التنافس على النفوذ الإقليمي بين تركيا والسعودية – الإمارات تبدّى بكل مستوياته في لحظة الإطاحة بالرئيس المصري محمد مرسي واعتلاء السيسي مكانه سنة 2013م. لقد حاولت بعض الأطراف إبراز هذا الصراع وكأنه بين أنصار الديمقراطية (حركة الإخوان المسلمين وتركيا) والملكيات السلالية وقوى الديكتاتورية (السعودية والإمارات والجيش المصري). ولكن هذه الرواية تتجاهل الصلات الباطنية بين ملكيات وأمارات الخليج وحركة الإخوان خلال الستينات والسبعينات والتي وفّرت لها ملاذاً آمناً بعد وصول الضباط الأحرار للسلطة في مصر سنة 1952م، ولولا ذلك الدعم لما بقي للحركة من أثر. ظلت حركة الإخوان منذ نشوء حركة التحرر الوطني في الخمسينات مجرّد أداة للسياسة الخارجية للقوى الإمبريالية في المنطقة. وتتعامى عن تبعيتها جميعاً لأحلاف الولايات المتحدة في المنطقة. وبالتالي فإخفاء الخلاف وراء هذه لافتة الديمقراطية ليس أكثر من تزييف. يجب البحث عن منابت الصراع بعيداً عن ضجة القنوات الإخبارية، أي في الإقتصاد السياسي للشرق الأوسط.

? منافذ وموانئ

إن الصراع السيطرة على مسارات الملاحة البحرية هو أحد أبرز أشكال الصراعات التجارية. أن تنتج البضائع فحسبـ هذا ليس كافياً، على المنتج أن يضمن طرق تصريف منتوجه، ومن هذه النقطة ظهر البحر الأحمر كساحة تنافس محموم.
تحاول الإمارات حماية موقعها كمركز للتجارة الدوليّة، ولا بد أن تؤمّن البنى اللوجستية التي تسمح بفتح أسواق جديدة غير مستغلّة إن هي أرادت الحفاظ على موقعها وتوسيعه في وجه المنافسة التركية . ولهذا فهي تحاول السيطرة على الموانئ في البحر الأحمر، وعلى خطوط سكك الحديد في افريقيا. لقد سمحت الحرب اليمنية للإمارات بالسيطرة على مضيق باب المندب، وميناء عصب في اريتريا، وتحاول الآن انتزاع السيطرة على ميناء الحاويات الجنوبي في بورتسودان، وإن نجحت، يكون ساحل البحر الأحمر على ضفتيه حتى قناة السويس آمناً ومفتوحاً بلا عوائق أمام حركة البضائع المتحركة من ميناء جبل علي بدبي.
ولكن تركيا ترى في هذا تهديداً لمصالحها، وتحاول أن تلعب نفس اللعبة، وهي أن تسيطر على المعابر والمنافذ الحيوية وتصرّف إنتاجها. من هنا التقت خطة النظام السوداني في الضغط على حلفائه مع طموح قوتين متنافسين، فما كان منه إلا أن حاول اللعب على كليهما.

? نفذ وعودك وإلا…..!

زار اردوغان الخرطوم في ديسمبر 2017م، مما تسبب في موجات عنيفة من التراشق الإعلامي بين مصر والسودان، وأعلن البشير منح تركيا ميناء سواكن للبحر الأحمر من أجل (صيانة الآثار العثمانية). كانت هذه الحجة مما يصعب تصديقه. ولم يفت على السعودية والإمارات التقاط الرسالة: إما أن تفوا بوعودكم وتنقذونا، وإما أن (…). وسكت النظام عن التصريح بالتهديد المباشر وغلّف خطوته بنبرة دبلوماسيّة ساخرة. أما التلويح بسحب الجنود السودانيين من حرب اليمن، الذي حرّكته أذرع النظام داخل البرلمان وأثارته الصحف، فاضطر البشير نفسه لنفيه وإعادة الحديث المكرور عن العلاقات الأزلية والأخوية بين البلدين، ولم يتكرر يعدها على الإطلاق.
محاولة الضغط الثانية : روسيا. فبعد عشرين عاماً من فرض العقوبات على السودان، وبوساطة من حلفاء النظام الخليجيين الجدد، رفعت الولايات المتحدة الحظر التجاري والإقتصادي عن البلاد. في أكتوبر 2017م، ولكن النظام الذي كان يستشعر وطأة الأزمة الاقتصادية الخانقة كان يريد المزيد، كان يريد من الولايات المتحدة أن تضغط على حلفائها الخليجيين لتوفير الدعم الإقتصادي الذي تحتاجه بشدّة، ولهذا حاول اللعب على حبال التناقضات الدولية، بمستوى أعلى قليلاً.
ذهب البشير إلى موسكو بعد شهر من إعلان رفع الحظر، نهاية نوفمبر 2017م، وقال بالحرف (نريد الحماية من التدخلات الأمريكية). وروسيا التي تبحث عن توسيع نفوذها الدبلوماسي فيما تراه عدوانية حلف الناتو في أوروبا الشرقية، وجدت في دعوة البشير فرصة لكسب موطئ قدم جديد. هذه المرّة في القارة الافريقية، حيث القوى الأوروبية الإمبريالية القديمة التي تتنازع ضدها في أوكرانيا وأوسيتيا. وفتح النظام معبراً للتدخل الروسي في افريقيا الوسطى.
ما النتيجة التي جناها النظام من لعبة (اضغط تكسب)؟
لقد استفاد النظام وقتياً من ألعابه البهلوانية. فحسب العديد من المتابعين للشؤون الاقتصادية، وصلت العديد من شحنات الدقيق التركي والأوكراني بتمويل روسي، وبعض ناقلات النفط محمّلة بالوقود من الإمارات والسعودية خلال سنة 2017م.

? حليف غير موثوق هو عدو مستقبلي

لننظر إلى خريطة القوى الدولية ذات العلاقة مع النظام: هناك لاعبون دوليون ذوو مصالح إقتصادية بحتة (الصين)، وأصحاب مصالح عابرة ومؤقتة (الإتحاد الأوروبي)، وباحثون عن النفوذ الدولي (روسيا)، وفوقهم صاحبة المصالح السياسية طويلة الأمد (الولايات المتحدة). لم يحاول أي منهم حتى الآن على الأقل التدخل في مجرى الثورة. وهذا لا يعني أنهم لن يتدخلوا، كلُّ تحت شروط معيّنة.
ثانياً: لاعبون إقليميون تندمج لديهم المصالح السياسية – الإقتصادية بصراعاتهم الداخلية : الإمارات (التي تريد الموانئ بأي ثمن)، والسعودية (التي تريد استتباع السودان باعتباره مزرعتها الخاصة)، وتركيا (التي تبحث عن سوق لتصريف انتاجها وعن منافذ عبور)، أما الاستثناء فهو مصر التي تغلب عليها المخاوف السياسية (وقضية مياه النيل قضية سياسية في نظرها) وهي أكثر من يخشى اندلاع ثورة في السودان. والسبب واضح : نظامها السياسي أكثر هشاشة وهو الأكثر عرضة للتأثر بأي موجة ثورية قادمة، رغم أنها من أشد أعداء البشير، إلا انها أكثر من يخشى سقوطه.
ولكن لا شيء أسوأ على البهلوان من أن يمل الجمهور حركاته مهما كانت جنونية، العادة تقتل المفاجأة، ويبدو أن كل حلفاء النظام قد أصيبوا أخيراً بالملل. في 2018م، لم يهب أحد لنجدة النظام وسط كل مصاعبه الإقتصادية الخانقة. على الورق، هو حليف الجميع، ولكن على أرض الواقع الجميع يرفض مساعدته. لقد أدت سياسة النظام في بناء التحالفات على أساس اللعب على التناقضات إلى نتيجة عكسية: لقد أصبحت سبباً لاكتساب الأعداء، معظم حلفائه الآن أعداء. لقد زرع النظام في تحالفاته الأكاذيب، فحصد منها الخوازيق.