?حال الدنيا : كيف ترى القوى الدولية الثورة السودانية (2-2)

?الرمادي والأخضر

جرت مياه كثيرة تحت الجسر منذ الجزء الأول من هذا المقال. وهذا يستدعي أن نتبع منطق الواقع، لا أن نتأخر عنه دعوى الحفاظ على نقاء الفكر النظري. فهزيمة النظرية أمام الواقع، هو انتصار للنظرية، إن استفادت منه في استيضاح صورة الأحداث، هذا إن كانت نظرية حقيقيّة بالفعل.
قلنا : البشير صديق للكل على الورق، ولكنه عدو للكل في الواقع. هو يخدم مصالح الجميع، ولكنهم يطمعون فيما هو أكثر، يريد حلفاء البشير الدوليون إقصاء بعضهم البعض واحتكار الاستفادة من انصياعه التام، وفي نفس اللحظة يخشون أن ينحاز لأحدهم بسبب هشاشة موقفه، وتشبثه بكل بادرة تعاون مهما كانت فاترة.
هذه معادلة دقيقة للغاية. واجتماع الطمع والوساوس لدى كل الأطراف يثمر التردد. وقفت كافة القوى الدولية والإقليمية موقف المتفرّج عند إندلاع الثورة في ديسمبر الماضي، بل وساهم تنصلها عن الالتزامات المادية التي وعدت بها النظام، بإضافةً للأزمة العامة للنظام الرسمالي في العالم ككل، في مفاقمة الظروف التي أدّت لاندلاع الثورة من الأساس، وفضّلت الإنتظار المتردد. كلها تريد، وبدرجات متفاوتة، إضعاف البشير كي يسهل ابتزازه أكثر، وترى في الشارع الثوري أداة ضغط جديدة – ورغم علمها بخطورة مثل هذه المقاربة – لاطلاع بعضها على الحالة المترديّة لأجهزته القمعية، واحتمالية عجزها عن مواجهة انتفاضة شعبية. ولكن سر ترددها يعود للتخوف من ردود أفعال باقي المنافسين. كلَ الأطراف تراقب بعينين مختلفين : عينٌ أولى على بعضها البعض، ينظر السعوديون إلى الأتراك، وينظر الأتراك إلى الإماراتيين، وينظر كلهم إلى قطر، ويرصد القطريون تحركات الشارع الثائر ويحرّكون منصاتهم الإعلامية لصالحه أحياناً، فيراقبهم السعوديون، الذين يشاركون الإماراتيين معلوماتهم، وهم بدورهم يشاورون مصر فيما ينبغي عمله، فتفاوض باسمهم جميعاً، وهم يحسبون في كل لحظة مخاطر التدخّل والمكاسب من الانتظار، والعين الثانية على مسار الثورة وقواها ومطالبها المرفوعة. العين الأولى هي عين التوجس الجماعي للمحاور المتنافسة، أما العين الثانية فهي عين الخشية على المصير الفردي.
إنها لعبة يطارد كل طرف فيها، كل الأطراف. والثورة تحوّل الأرضية التي تتم فوقها المطاردة.

?تلخيص المواقف

? مصر والإمارات : لا بريدك لا بحمل بلاك

مصر: آخر من يود رؤية البشير يسقط. إن التداعيات السياسية لسقوط نظام سياسي مجاور في وسط أزمة داخلية كالتي يعاني منها السيسي ليس أمراً مرحّباً به. ولكنها أيضاً لا تملك الموارد المادية الكافية لإنتشاله إقتصادياً، وتكبّلها تحالفاتها الإقليمية عن إعلان موقفها السياسي المنحاز لصالح البشير، ولكنها تتساءل أيضاً : ماذا إن نجى البشير من هذه الأزمة وعاد لممارسة ألاعيبه وضغوطاته عبر ملفي سد النهضة وحلايب المحتلة؟. فتتردد وتنتظر.
الإمارات : لا تهتم بالتداعيات السياسية لسقوط النظام. ترى وضعها السياسي الداخلي في حالة متماسكة. عينها فقط على استثماراتها في السودان وعلى استمرارية جنوده في الحرب اليمنية التي تخوضها من أجل هذه الاستثمارات بالذات. وقد قدّم النظام كلَ مايمكن في سبيل إرضائها، وهي في انتظارأن يقدّم لها معارضو البشير ضماناتٍ مماثلة. لقد دفع نضال عمّال ميناء بورتسودان توجّس الإمارات إلى نقطة أعلى، فقد عطّلوا استيلاءها على الميناء. فهي ستقف في صف النظام كي لا يسقط، وتتمكن بالتالي من فرض سيطرتها، ولكن ليس لدرجة ينجو فيها تماماً من خطر الشارع، وتحت هذه المعادلة، الإنتظار مفيد أيضاً. لقد التقى خطّا مصروالإمارات في هذا الطور من الثورة. لنبقَ النظام متأرجحاً بين الأمل والخوف، ونراقب.

? قطر وتركيا : كان غلبك سدّها

همّ قطر الأساسي كسر التحالف الثلاثي ضدها (السعودية، الإمارات، مصر + البحرين). وتنظر لسقوط البشير أو بقائه من هذه الزاوية. إن قبِل النظام الحالي بالقطع مع دول التحالف الثلاثي وانحاز لصفها هي وتركيا، فستوفر له الدعم السياسي والدبلوماسي والإعلامي الذي يحتاجه فوراً، وإن ضمنت مشاركتها في صياغة خارطة طريق لنظام جديد يكون أكثر إيجابية في التعاطي مع قضيتها، فستدعم سقوطه. ليس لقطر شيء تخسره في حربها الباردة ضد السعودية، وترى أن النظام قد تخاذل عن نصرتها ساعة الحوبة، وبقي في صف السعودية، وهي بالتالي أكثر القوى الإقليمية استعداداً للتحرّك ضد البشير مهما كانت النتائج، وتفكر : إن سقط فستدخل السعودية في دوامة جديدة من الصراع حول البديل، ستتساوى فيها الكتوف، وتفتح الجبهة السياسية مجدداً للصراع الطبقي في مصر. وإن بقي، فلا يمكن للنظام أن يتخذ ضدها أية اجراءات عقابية. هو عاجز، وفي يدها ورقة ملف التسوية في دارفور. إن تحرّك الدوحة يجد مناصرة صامتة من تركيا، التي تعلم أن ميناء سواكن غير صالح جيولوجياً لإقامة قاعدة من النوع الذي يقلب توازنات القوى العسكرية في البحر الأحمر، خصوصاً مع حصول الإمارات المرتقب على ميناء بورتسودان. لن نخسر شيئاً، سنورّط أعداءنا، ولا تبعات سلبية على أفعالنا، لماذا لا نبادر بالتحرّك ضد البشير؟ هو سؤال مطروح بصيغة (هيا، لنفعلها). إن النظرية الليبرالية في العلاقات الدولية التي تشخّص مواقف الدول بناءاً على (ما تقوله) عن نفسها لا استناداً على مصالحها وتوازنات القوى الداخلية والخارجية المحيطة بها، عاجزٌ عن تفسير مثل هذا الموقف القطري-التركي الذي وجد في الثورة السودانية حدثاً يجب دعمه، وهو يعتبر أن صلة تنظيم الأخوان المسلمين بالنظام في البلدين هو معيارٌ كافٍ لتوقع موقفهما من الثورة في السودان. ليس من المستغرب أن تحاول القوى الدولية المتنافسة استغلال المشاكل الداخلية لدى عدوّها، وتدعم القوى المعارضة له كي يتسنى لها إضعافه، وتحقيق مصالحها. إن تنظيم الأخوان المسلمين ليس سوى بيدق في لعبة القوى الإقليمية في الشرق الأوسط، لقد وضع نفسه في هذه الخانة، ومساواة البيدق باللاعب الذي يحرّكه، حماقة. هاهي الوقائع تكشف خطَل هذا الإختزال.

? السعودية : هذه الأرض لنا

اللاعب الأهم في السودان. صاحبة أكبر الاستثمارات، والشريك الأكبر في التجارة الخارجية، وتضم أكبر جالية سودانية في الخارج . إن موقف السعودية هو مزيج من موقفي الإمارات وقطر. تعتبر أن حضورها الإقتصادي والسياسي قوي للغاية في السودان، لدرجة أن أي نظام قادم بعد البشير لن يتمكن من الإفلات من فلكها، أي أنها لن تخسر شيئاً إن تدخّلت ضد البشير، فهو عاجز عن الرد، ولكنها لن تقوم ذلك لأنه ليس هناك، حتى الآن، ما يهدد مصالحها ويستدعي التدخّل. وبينما تريد الإمارات سماع التطمينات من معارضي البشير الآن في وسط الثورة، لن تكترث السعودية إن سمعتها منهم بعد إسقاطه. ونأتي هنا للموقف الآخر : لم تدعم البشير أيضاً. ترى أنها قد دعمته بما يكفي وحان وقت سداد الفواتير، عليه أن يقدّم المزيد من التنازلات والإمتيازات أولاً ثم تنظر السعودية في المكافأة المجزية حسب تقديرها الخاص، إنه الدعم بالدفع الآجل. حرب اليمن، التي تخوضها السعودية بجنود سودانيين، هي الخط الأحمر الوحيد الذي سيدفعها عبور البشير له للتحرك ضدّه بصورة مكشوفة وسريعة. طالما بقيت الكتائب على تلال اليمن، لا شيء يشغل بال السعودية.

?نتائج وتوقعات

إن السودان ضمن ثلاثة نطاقات جيو- سياسية متداخلة، النطاق الأول هو الشرق الأوسط، حيث احتياطيات البترول واسرائيل والتنافس الإيراني – السعودي – التركي، والإسلام السياسي المعسكر، والنفوذ الأمريكي شبه المطلق. 
النطاق الثاني فهو افريقيا جنوب الصحراء، والذي يعتبر أسرع الأقاليم من حيث النمو الديموغرافي في العالم، ويتميز عن الشرق الأوسط بضعف القوى الإنتاجية، النسبي، وثقل الديون الدولية الباهظة، والحروب الأهلية الطويلة، حيث الفاعلون المحليون لهم اليد العليا أكثر من الدولة القوميّة ذاتها. يعتبر هذا النطاق منطقة النفوذ الإمبرياليات الآفلة، بريطانيا وفرنسا، إقتصادياً، تعتمد هذه المنطقة أكثر من غيرها على بيع المواد الخام لصالح الصين. والحضور الأمريكي فيها يتركز على مهمّتين: محاربة الإرهاب الجهادي، والمساعدات الإنسانية. إن امتصاص الفوائض يتم فيها عبر فوائد الديون، واستحلاب الكوادر البشريّة المؤهّلة. 
أما النطاق الثالث فهو القرن الإفريقي، حيث يتنافس كل العالم على معابر التجارة البحريّة، وتتركز منابع النيل، وغلبة التوترات الإثنية، وظواهر كغياب الدولة القومية الموحّدة كما في الصومال.
إن تعقّد الصورة أمام القوى الدولية عن الواجب فعله تجاه الثورة السودانية ليس غباءاً، بل هو نتيجة تراكب أزمتين.

? الأولى أزمة الرأسمالية في طورها الإحتكاري، والتي فاقمت التوترات بين كل الدول الرأسمالية الكبرى، وطرحت مسألة الثورة على جدول الأجندة. لقد أّدت الأزمة العالمية إلى تدهور القّوة العالمية للولايات المتحدة، وفتحت الباب أمام اللاعبين المحليين مثل تركيا أو السعودية للعب دور أكثر استقلالية على الساحة الإقليمية على الأقل، وشجّع دولاً كروسيا والصين على إبداء ردود فعل دفاعية تجاه الاستراتيجية العسكرية الأمريكية. إن العسكرة، والحمائيّة الإقتصادية كانتا دوماً الآليّة التي تستخدمها الرأسمالية الإحتكارية للخروج من أزمتها. وبالتالي فإن رد فعل روسيا بالتدخّل في افريقيا الوسطى عبر استغلال ضعف البشير، وخطّة الصين عبر (مبادرة الحزام والطريق) التي تحاول بها تفريغ فيض إنتاجها عبر فتح اسواق جديدة واختراق نطاقات جيوسياسية متنوعة، وتوسيع نطاق التعامل باليوان، جعل الإمارات تطمح للعب دور نقطة التجارة الأكبر (في منطقة جبل علي)، والناقل اللوجستي الأول وجعل التنافس على الحصول على امتياز ميناء بورتسودان مسألة حياة أو موت، لا للرأسمالية الخليجية فحسب، بل لمصيرالرأسمالية الصينية كلها، وللتنافس الأمريكي الصيني أيضاً.

? الأزمة الثانية هي الأزمة المحلّية. إن احتداد الصراع السياسي في النطاقات الثلاثة قد انتقل إلى السودان بواسطة الإرتباط الإقتصادي، والتداخل السكّاني، والتأثير الكبير لوسائل الإعلام الجديد. إن البنية الفكريّة في السودان متأثرة بالتيارات الفكرية في الشرق الأوسط أكثر من سواها، وانتفاضات الشعوب منذ العام 2011م وجدت أصداءاً كبيرة ومرحبة، حتى إن الثورة الحالية قد نقلت شعارات وأساليب تلك الإنتفاضات. ولكن التشكيلة الإقتصادية الإجتماعية تشبه وإلى حدٍّ كبير تلك الموجودة في نطاقي القرن الافريقي وإفريقيا جنوب الصحراء. إن الديون الباهظة والتوترات الإثنية والقبليّة، وضعف الإنتاجية الإقتصادية، هي الأرض التي يجب على الأفكار المتأثرة بتيارات السياسة في الشرق الأوسط أن تجد الأساليب المناسبة لاستزراع نفسها فيها. وهي بالتالي بنية تجمع ما بين مركزة النظام السياسي كما في بلدان الشرق الأوسط، والتسويات بين هذا النظام والفاعلين خارج الدولة كالقبائل، والجماعات، والمنظمات الدولية، التي تميّز تشكيل دول إفريقيا جنوب الصحراء ومنطقة القرن الإفريقي. وبالتالي فأزمتها المحليّة هي أزمة المشروعية في أعين المحكومين، وأزمة العجز عن الحكم بالطريقة القديمة، يواجه النظام أزمة حل الأزمة، إنها لحظة إلتقاء التناقضات، أي لحظة بزوغ الضرورة الموضوعية في اندلاع الثورة السودانية في ديسمبر 2018، وما زيادة أسعار الخبز إلا الصدفة التي فجرّت كل هذا البارود المحلّي، والدولي، بنفس المطالب الآتية من انتفاضات 2011م. هذه ليست مجرّد معركة لطرد البشير، إنها حرب تحرر جميع شعوب هذه الأقاليم، والطبقة العاملة والشعب السوداني هو من سيحل، عبر حلّه قضيته الخاصة بتصفية نظام البشير، سبعة أعشار قضيتها. إنها ثورة سودانيّة بأبعاد كونيّة.
إن التنافس الإمبريالي عند اشتداده ينتج الحرب العالمية. إننا على ملتقى الطرق: ثورة سودانية تفتح الباب أمام انتقال الموجة الثوريّة إلى منطقة تتمركز فيها التنافسات الإمبريالية، وتفرض السلم بقوّة الجماهير، وأما أن نجد أنفسنا في عالم تعود فيه المجازر، وغرف الغاز، والإبادة الجماعية، وجنون القادة، واحتمال إفناء شعوب بكاملها تحت خطر الحرب النووية. 
صدقت روزا لوكسمبورغ : إما الإشتراكية، أو البربرية.