البنك الدولي وصندوق النقد الدولي: خلفية تاريخية ونظرية.

? في يوليو 1944 إجتمع ممثلو 44 دولة في بريتون وودز، نيوهامشير، شمال شرق الولايات المتحدة الامريكية للاتفاق على كيفية إدارة النظام النقدي العالمي بعد الحرب العالمية الثانية، فيما عرف رسميا باسم “مؤتمر الأمم المتحدة النقدي والمالي” والذي تم على إثره إنشاء “صندوق النقد الدولي” و “البنك الدولي لإعادة الإعمار والتنمية”(1).

? وفقا لأرشيف وزارة الخارجية الامريكية فإن هذه المؤسسات تم إنشائها بعد استيعاب صانعي السياسة الامريكية للدروس المستفادة من فترة ما بين الحربين العالميتين، مختصر تلك الدروس كما وضح فرانكلين روزفلت، رئيس الولايات المتحدة الامريكية، هو أن التجارة الحرة تمثل الأساس لتعزيز الرفاه والسلام في العالم (1).

❓ ماذا حدث في فترة ما بين الحربين العالميتين؟

? الكساد العظيم، أسوأ كارثة اقتصادية

⭕ في ثلاثينيات القرن الماضي وللحد من آثار الأزمة الاقتصادية قامت العديد من الدول بزيادة التعاريف الجمركية وخفض قيمة العملة المحلية للمنافسة في أسواق الصادرات، بالإضافة إلى منع مواطنيها من حيازة النقد الأجنبي (1). قامت ألمانيا بالتوقف عن دفع ديون الحرب لفرنسا، بلجيكا، إيطاليا، وبريطانيا، والذين توقفوا بدورهم عن دفع ديونهم للولايات المتحدة. تبعا لذلك اضطرت الولايات المتحدة إلى أن تقلل بصورة جذرية من تصدير رؤوس الأموال للخارج وأن تحد من إيراداتها.

⭕ بتبسيط أكثر، تصدر الولايات المتحدة كأكبر قوة صناعية في العالم بضائعها للخارج وتمنح الدول القروض بشرط استيراد البضائع الامريكية. أدى الكساد الكبير الى توقف هذه الدول عن دفع مستحقاتها لأمريكا، وإلى تقليل استيراد البضائع الأمريكية بصورة كبيرة. توقفت تبعا لذلك عجلة النظام الرأسمالي تماما (2).

.

⭕ وفقا لمؤرخي صندوق النقد الدولي فإن إنهيار التجارة العالمية وارتفاع معدلات البطالة وتدهور المعيشة (3) كان نتيجة لزعزعة هذه السياسات إستقرار النظام الاقتصادي العالمي (1)، حتّم ذلك على الدول الصناعية إيجاد مخرج ما لضمان استمرارية حركة التجارة، وعدم تكرار سيناريو الثلاثينات بعد الحرب. هذا المخرج كان هو البريتون وودز ، أي صندوق النقد والبنك الدولي. في أبريل 1944 نشر “البيان المشترك بواسطة الخبراء من أجل إنشاء صندوق النقد العالمي” الذي شكل أساس التفاوض الذي تم لاحقا في بريتون وودز (1). وافق الكونغرس على إتفاقية بريتون وودز في يوليو 1945 ليتم إانشاء المؤسستين رسميا في ديسمبر 1945 (3).

? صندوق النقد الدولي:

? إن نظام النقد العالمي هو النظام الذي يحكم أسعار الصرف والدفع عالميا للدول ومواطنيها لشراء البضائع والخدمات. إزالة معوقات التجارة العالمية هو هدف صندوق النقد المعلن. اتفقت الدول الأعضاء عند انشاء الصندوق على تثبيت سعر الصرف، حيث سعرت العملات المحلية بالدولار والدولار بالذهب (3). استمر العمل بنظام سعر الصرف الثابت لثلاثة عقود، حتى أزمة صرف الدولار في أغسطس 1971، حيث قام ريتشارد نيكسون رئيس الولايات المتحدة وقتها بوقف صرف الدولار بالذهب، وفي مطلع 1973 ساد #تعويم_سعر_الصرف في البلدان الصناعية الكبرى (4).

⭕ وبسبب أزمة النفط في بداية السبعينيات، لجأت العديد من الدول المستوردة للنفط للاقتراض من البنوك التجارية، ومع رفع الدول الصناعية فوائد الديون من أجل التحكم بالتضخم نشأت ازمة الدين العالمية (3). قامت البنوك التجارية الغربية بإعادة تدوير دولارات البترول، بأخذ ودائع الدول المصدرة للنفط واقراضها للدول المستوردة للنفط من الدول النامية بأسعار فائدة عائمة ومتغيرة، تراكمت على أثرها ديون الدول المستوردة للنفط وبنهاية السبعينات كلفتها ما يعادل 22 مليار دولار في الفترة من 1978-1982. ومع انهيار أسعار السلع التصديرية الدول النامية بسبب الكساد، استجابت هذه الدول للأزمة بسياسات مالية توسعية، وبأسعار صرف ضخمة، وبالمزيد من الاستدانة! (3).

⭕ قام صندوق النقد في منتصف السبعينات بإنشاء صندوق ائتماني من اجل الإستجابة للعجز في ميزان مدفوعات الدول الفقيرة. وفي 1986 قام بإطلاق برنامج قروض ميسرة عرف باسم مرفق “التكييف الهيكلي” (Structural Adjustment Facility) والذي عدل بعد عام لمرفق التكييف الهيكلي المعدل (Enhanced Structural Adjustment Facility) (3).? تعرضت سياسات التكييف الهيكلي إلى انتقاد لاذع بعدما اكتسحت الأزمة المالية دول شرق آسيا من تايلاند الى اندونيسيا وكوريا في 1997، وعلى ضوء هذه الانتقادات انشأ صندوق النقد بالتعاون مع البنك الدولي برنامجه لتقييم القطاع المالي وخفف من حماس توجهات سياسته التحررية. وبدأ في هذه الفترة بالتوجه نحو صياغة مبادرة اعفاء الديون للدول الفقيرة (3). كما تم استبدال مرفق التكييف الهيكلي المعدل بمرفق النمو والحد من الفقر poverty reduction and growth facility (4).

? البنك الدولي :

? تم إنشاء البنك الدولي لهدفين، أولهما إعادة اعمار أوروبا التي تضررت بسبب الحرب العالمية الثانية، وثانيا لتعزيز النمو الاقتصادي في جنوب العالم (2، 5). عند انشاء البنك كان من بين الأعضاء ثلاثة دول فقط من افريقيا (مصر، اثيوبيا، وجنوب افريقيا) نسبة لتبعية بقية افريقيا للدول الاستعمارية. وكانت فرنسا أول المتحصلين على قرض في 1947 (5) تبعتها هولندا، والدنمارك ولكسمبورغ (2). ولكن قامت خطة مارشال في ابريل 1948 بتقويض سياسات اقراض أوروبا من قبل البنك (تابع/ي “خطة مارشال” تفاصيل أكثر موضحة في بقية المقال).

? تغير تركيز البنك الدولي من اوروبا واتجه إلى أمريكا اللاتينية، وافريقيا وآسيا، حيث قام بمنح العديد من القروض لتمويل مشاريع البنى التحتية، كالسدود، وشبكات الكهرباء، وأنظمة الري، والطرق (5). وتم البدء بمنح هذه القروض بطلب من القوى الاستعمارية، لتمويل مشاريعها في المستعمرات، واستمر بعد الاستقلال بغرض تمكين جنوب العالم من تصدير السلع الأساسية الى الشمال، وبشرط استيراد بضائع القوى الصناعية (2).

? تصاعدت العديد من الانتقادات للبنك الدولي من الدول النامية، بسبب التعامل التفضيلي الذي حظيت به أوروبا والدعم الذي وفرته لها خطة مارشال، وكذلك بسبب طريقة التصويت المتبعة في البنك. وفي فترة الخمسينات والستينات، اقترحت العديد من الدول النامية انشاء صندوق يتبع للأمم المتحدة بهدف التنمية الاقتصادية (Special United Nations Fund for Economic Development SUNFED)، وقام البنك الدولي لمجابهة هذه الانتقادات، بإنشاء هيئة التمويل الدولية “international finance corporation”، بهدف تمويل القطاع الخاص في الدول النامية. وعندما لم ينجح في إرضاء الدول الداعية لSUNFED ، قام بإنشاء رابطة التنمية الدولية international development association، والتي تقوم بمنح القروض بفائدة منخفضة للدول الفقيرة (2).

? في السبعينيات توسعت عمليات البنك عن طريق الترويج لقروض التكييف الهيكلي، كضامن لنجاح مشاريع البنك، من أجل تشجيع السياسات المؤسسية الرامية الى ازدهار الدول والقضاء على الفقر. وبدلا من تمويل مشاريع البنى التحتية حصرا، تم البدء بتمويل المشاريع “الانمائية” كإنتاج الأغذية، والتنمية الريفية، والحضرية. واستمر ذلك في الثمانينات ليشمل قطاعات التعليم، وسائل الاتصال، التراث الثقافي، والحوكمة الرشيدة (5).

? الصراع مع الأمم المتحدة (الصراع ضد دول العالم الثالث):

? لم يمر وقت طويل حتى ظهرت الطبائع الخفية لهذه المؤسسات. للأمم المتحدة هيئة تسمى: المجلس الاجتماعي والاقتصادي للأمم المتحدة (The economic and social council of the united nations ECOSOC). أرسل رئيس هذه الهيئة في مارس 1946 رسالة لحكام البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، تطالب بانشاء هيئة للاتصال بين المؤسستين والمجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة. طلب البنك الدولي تأجيل النقاش في هذه المسألة حتى إجتماع المدراء التنفيذيين في مايو، ونجح البنك في المماطلة ولم يتم أي اتفاق بين الاطراف إلا في نوفمبر 1947 اذ لم يتم الرد على الرسالة الأولى وتم الرد على الرسالة الثانية من قبل المدراء التنفيذيين بأن النقاش في هذه المسألة هو نقاش سابق لأوانه. في هذه الأثناء وقعت الامم المتحدة اتفاقيات مع منظمة الأغذية العالمية ومنظمة العمل العالمية ومع اليونسكو.تمت المحاولة الثالثة في يوليو 1946 عندما اقترح الامين العام للأمم المتحدة ان يتم الجلوس مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في سبتمبر القادم، مجددا كان رد المدراء ان الوقت لم يحن بعد. وبحسب مؤرخي البنك الدولي فإن هذه الماطلة سببها ” تخوف البنك والصندوق من أن يتسبب الانضواء تحت الأمم المتحدة في هبوط تقيّيمهما المالي في وول ستريت ومن وضعهما تحت حكم تأثيرات سياسية غير مرغوب فيها.”وأخيرا طرح البنك الدولي وثيقة للنقاش في الأمم المتحدة كانت بحسب اريك توسان إعلان استقلال أكثر من اعلان تعاون، وأثارت جدلا واسعا داخل الامم المتحدة، فرأتها بعض الدول تعديا سافرا على ميثاق الامم المتحدة، حيث صرح ممثل النرويج ان “بلاده لا يمكن أن تقبل بمنح صندوق النقد والبنك الدولي امتيازات قد تقوض سلطة الأمم المتحدة..” فرد عليه ممثل الولايات المتحدة ب ” أن لا شئ بامكانه تقويض سلطة الأمم المتحدة أكثر من عدم توصلها لاتفاق مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي”.أخيرا تم قبول الوثيقة من قبل مجلس الامم المتحدة للاقتصاد والاجتماع (13 مع واثنان ضد وثلاثة امتناع) لتتم المصادقة عليها في نوفمبر1947 من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة.وضعت هذه الاتفاقية البنك الدولي كمنظمة متخصصة تابعة للأمم المتحدة، ولكن منحتها الحق في العمل كمؤسسة دولية مستقلة عندما تطلب هي ذلك، وايضا سمحت لها بتحديد نوع المعلومات التي تود مشاركتها مع مجلس الامم المتحدة للاقتصاد والاجتماع. ويشير توسان إلى ان هذا الوضع يخرق ميثاق الامم المتحدة في عدة مواد، وبحسب مؤرخي البنك الدولي فإن هذه الاتفاقية لم تكن مرضية لسكرتاريا الامم المتحدة ولكنها كانت مجبرة على قبولها (2).

❌نورد هنا بعض الأمثلة التي رفض فيها البنك الدولي الانصياع لقرارات الأمم المتحدة :

? في العام 1964 صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة وخرجت بقرار مفاده “أن نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا خرق ميثاق الأمم المتحدة ولذلك يجب امتناع جميع المنظمات التابعة للأمم المتحدة عن تقديم اي مساعدة مالية لجنوب افريقيا”. رفض البنك الدولي بشكل صريح الالتزام بهذا القرار واستمر في مساعدة السلطة في جنوب افريقيا حتى العام 1968، وموَّل البنك محطات توليد توفر الطاقة لأصحاب البشرة البيضاء فقط، واستمر كذلك صندوق النقد الدولي في تقديم القروض لنظام الفصل العنصري ولم يغير سياساته إلا بعد أن أصدر الكونغرس الامريكي قرارا يحظر تمويل النظام في جنوب افريقيا.

? في العام 1965 أصدرت الأمم المتحدة قرارا ضد البرتغال لتمسكها بسياستها الاستعمارية في الوقت الذي نالت فيه معظم الدول استقلالها، و وجهت رسميا صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للتوقف عن تقديم المساعدات المالية والتقنية للبرتغال ما لم تتخلى عن سياساتها الاستعمارية. رفضت المؤسستان تنفيذ قرارات الأمم المتحدة استنادا على الوثيقة التي تحكم علاقتهما بالأمم المتحدة والتي تضمن لهما عدم الانصياع لأي من قراراتها.

?كيفية التصويت داخل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي :

? خلافا لغيرهما من مؤسسات الأمم المتحدة (حيث يعتمد الصوت الواحد للبلد الواحد) فإن للبنك والصندوق نظام تصويت خاص يضمن سيطرة البلدان الغنية، حيث يتم حساب عدد الأصوات بنسبة مساهمة البلد المالية الى اجمالي مساهمات جميع البلدان. مثلا تملك الولايات المتحدة حاليا 17.46% من الاصوات داخل صندوق النقد الدولي ويملك السودان 0.04% من الاصوات(6).

? بحسب تقييم صادر عن الأمم المتحدة فإن شكل سياسة التصويت هذه غير عادل ويمنح الولايات المتحدة سلطة تفوق نصيبها من المساهمة الفعلية ولابد من تغييره (7). الجدير بالذكر أن هنالك اتفاق غير مكتوب بين الأوربيين والامريكان مفاده أن مدير صندوق النقد الدولي يجب أن يكون اوروبيا ومدير البنك الدولي يجب ان يكون امريكيا، وفعلا هكذا تجري الأمور حتى تاريخ اللحظة.

❌ لم تكن دول العالم الثالث مرتاحة لهذا الوضع، فكانت تشكو من ان البنك الدولي يقدم لها قروض بسعر الفائدة السائد في السوق العالمي بينما قدمت الولايات المتحدة منح مجانية لإعمار أوروبا وقروض ذات فوائد متدنية ، كذلك كانت دول العالم الثالث غير مرتاحة لنظام التصويت داخل البنك الدولي، وتحت هذه التأثيرات دعت دول العالم الثالث لإنشاء منظمة تابعة للأمم المتحدة ومعنية بالتنمية وتوفير القروض للبلدان التي تحتاجها، ويتم التصويت فيها بحسب (بلد واحد صوت واحد). قدم هذا الاقتراح كما ذكرنا سابقا في العام 1949 تحت اسم (صندوق الأمم المتحدة الخاص بالتنمية الاقتصادية)(SUNFED)، والذي يهدف لتمويل بلدان العالم الثالث بغرض بناء المدارس والطرق وتوليد الطاقة والمستشفيات وغيرها من البنية التحتية، ويتم التصويت بالتساوي بين جميع الأعضاء في المشروع، والنقطة الأهم ان هذه القروض يمكن تسديدها بالعملة المحلية للبلد(8) ، فماذا حدث؟

⭕ فكرة وجود صندوق خاص بالتمويل تتحكم فيه الأمم المتحدة ومنفصل عن البنك الدولي لم تكن مقبولة للولايات المتحدة والبلدان الصناعية، وخوفا من ان تصبح هذه البلدان المتقدمة أقلية تصويتية في مؤسسات تمويل عالمية تتبع للأمم المتحدة عملت على قطع الطريق امام المشروع الذي تقدمت به بلدان العالم الثالث، فطرحت الولايات المتحدة مشروع إنشاء هيئة التمويل العالمي (IFC) كمنظمة متخصصة في تمويل القطاع الخاص في العالم الثالث وتحت مظلة البنك الدولي، لم تنجح خطوة الولايات المتحدة في تقليل الحماس نحو مشروع SUNFED ، ولكن لسوء الحظ انقسمت بلدان العالم الثالث، فالهند التي كانت تدعم مشروع صندوق الامم المتحدة المتخصص غيرت موقفها لتدعم مشروع الولايات المتحدة الداعي لتكوين رابطة التنمية الدولية (IDA) تحت مظلة البنك الدولي ايضا، وتقوم بتوفير قروض ميسرة للعالم الثالث. وفرت الولايات المتحدة 42% من رأسمال رابطة التنمية الدولية وفي العام الاول لنشاطها منحت الرابطة 50% من قروضها للهند(2) ، الآن تتبع كل من IDA وال IFC لمجموعة البنك الدولي أما SUNFED فلا وجود لها.

? نظريات البنك حول التنمية:

⭕ لتحقيق النمو الاقتصادي لابد للدول النامية من الاستدانة وتشجيع الاستثمار الخارجي، نسبة لعجز رأس المال المحلي عن تلبية متطلبات النمو. على القطاع العام تهيئة البنى التحتية من طرق، سكة حديد، محطات الطاقة، المؤاني وشبكات الاتصال الخ و على القطاع الخاص تولى أمر التجارة، الزراعة، الصناعة، المواصلات والخدمات المالية والشخصية وكل ما يجني أرباحاً (2). كما ذكرنا سابقا، اتجهت قروض البنك الدولي لتمويل مشاريع البنى التحتية حصرا حتى السبعينات. هذه القروض يستدينها القطاع العام وتدفعها الدولة، لتهيئة الاساس الذي سيعمل عليه القطاع الخاص لجني الارباح وتحقيق النمو الاقتصادي المزعوم .

❌سنستعرض هنا أهم الاسس النظرية التي يستند عليها البنك الدولي في تسويق وصفاته كحقائق علمية مدعومة بالأرقام .

1️⃣ نموذج Heckscher-Ohlin-Samuelson (HOS):

⭕ اشتهر هذا النموذج في الثلاثينات فيما عرف بنظرية المزايا النسبية (comparative advantage). يشكل العمل، الأرض ورأس المال عوامل الانتاج، وتختلف الدول في مدى توفر هذه العوامل الثلاثة. في نموذج HOS تستفيد اقتصادات جميع الدول في السوق العالمي عند تخصيص الدولة للإنتاج والتصدير بالاعتماد على العامل المتوفر لديها بكثرة وبالتالي الاقل تكلفة، ستعمل التجارة الحرة على موازنة عوامل الانتاج بين الدول المختلفة بتصديرالدول للمتوفر واستيراد النادر الذي تصدره دولة اخرى لوفرته لديها وهكذا دواليك(2).

❌يتجاهل النموذج إختلاف ظروف الانتاج و طبيعة الرأسمال بين الدول النامية و الدول الصناعية. فإختلاف البنية التحتية و الوضع التعليمي و الصحي سيؤدى لاختلافات في عوائد الاستثمار حيث تتحصل الدول الصناعية على أضعاف عوائد استثمار البلدان النامية. (2)

2️⃣ مراحل النمو الاقتصادي الخمسة ل Rostow :

⭕ في 1960 قام والت روستو في كتابهِ مراحل النمو الاقتصادي: مانفستو غير شيوعي، بوصف خمسة مراحل تمر بها الدول لتنمو اقتصاديا. في المرحلة الاولى تعتمد المجتمعات البدائية على النشاط الزراعي تماما ولا وجود لاي تقدم تقني، ثم تأتي مرحلة يبدأ فيها التبادل والادخار وتظهر بعض التقنيات حتى الوصول الى مرحلة الاقلاع التي تزداد فيها معدلات الاستثمار والادخار وتتجه الدولة نحو النمو التراكمي. في المرحلة الرابعة يسود التقدم التقني جميع المجالات ويتنوع الانتاج ليأتي اخيرا عصر الاستهلاك الجماعي. يرى روستو أن في المرحلة الثالثة (كبريطانيا في الثورة الصناعية) لابد من دخول رؤوس اموال خارجية أي (الاستثمار الأجنبي) كشرط للنمو ولتراكم رأس المال لاحقا، وان الهدف هو الوصول إلى مرحلة الولايات المتحدة الامريكية بعد الحرب العالمية الثانية (2).

❌أوضحت العديد من الدراسات عدم دقة نموذج HOS ، كما وجهت العديد من الانتقادات لنظريه روستو لتبسيطها المخل وتجاهلها الحقائق التاريخية للدول الأخرى(2).

3️⃣ نموذج العجز الثنائي:

⭕ في منتصف الستينات، قام كلا من هولس شينري -الذي أصبح نائب رئيس البنك الدولي لاحقا- وزميله آلان ستراوت، بتقديم نموذج العجز الثنائي. في المراحل الاولى من النمو الصناعي، يمثل العجز في المدخرات -رأس المال المحلي- السبب الاول في عرقلة النمو، والذي يحتم ضرورة الاستثمار الخارجي، ولكن حتى وبعد الوصول الى مراحل متقدمة من التصنيع، يتسبب عدم توفر العملات الصعبة لاستيراد متطلبات الصناعة من معدات وسلع وسيطة ومواد خام، في عرقلة التنمية. ولحل عجز السيولة هذا لابد للدول النامية من أن تستدين (2).

❌يرى عدد من الاقتصاديين ضعف الأساس النظري لهذا النموذج، فرأس المال الاجنبي لم يدعم بل استبدل راس المال المحلي، إضافة للزيادة في معدلات الاستهلاك وبالتالي تقليل المدخرات. يظهر ذلك العلاقة العكسية بين التمويل الأجنبي والادخار القومي بوضوح (2).

4️⃣ التنمية عن طريق التصدير:

⭕ بدلا من استبدال الواردات – الاستعاضة عن توريد البضائع الاجنبية بالتصنيع المحلي- تقدم استراتيجية البنك الدولي التصدير والاستدانة كحل لعجز الدول النامية، والتبرير النظري لذلك كما توضح آن كروجر والتي ترأست البنك الدولي لاحقا هو”ان النظام القائم على التصدير بدلا من احلال الواردات سيقضي على البطالة لان الطلب على المنتجات في السوق العالمي سيكون لانهائيا” (2).

5️⃣ الأثر غير المباشر the trickle-down effect:

⭕ ظهر هذا المصطلح في أدبيات البنك الدولي منذ نشأته، وعاد مجددا للظهور في الثمانينات رغم تصاعد العديد من الانتقادات له. إن النمو الاقتصادي عن طريق وصفات البنك، يغذي جيوب الاغنياء أي المستثمرين، الذين لابد منهم لدفع عجلة الانتاج. لكن وبحسب منظري البنك فان هذا النمو الاقتصادي سيفيد لاحقا الفقراء بطريقة غير مباشرة عند تحسن الوضع الاقتصادي للدولة عموما، فالانشغال بالتوزيع العادل للثورات لا يعني شيئا إذا لم يكن هناك نمو اقتصادي.

بل يرى رئيس البنك الدولي السابق يوجين بلاك ان اللامساواة في الدخل ضرورة لازمة للنمو الاقتصادي وستمكن الناس من الهروب من الفقر.

❌ وبالرغم من أن دراسات البنك في فترة السبعينات أثبتت عدم صحة هذه الفرضية الا أن البنك عاد لمزاولة نفس الطرح النظري عند استلام آن كروجر لمنصبها في الثمانينات (2).

? تظهر الحقائق الآن وبعد عقود، فشل الخطط التنموية للبنك الدولي وصندوق النقد وان هذا الأساس النظري ونماذج النمو الاقتصادي التي تؤطر رؤية البنك انما نجحت في جعل الدول النامية، معتمدة على رأس المال الاجنبي وغارقة في الديون (9).

❌يروج خبراء البنك لسياساتهم بأن رأس المال الأجنبي سيعمل على زيادة معدلات نمو رأس المال المحلي حتي يصل لمرحلة لا يحتاج بعدها الى مزيدا من المنح. لكن ما يحدث في الواقع هو أن عوائد راس المال الأجنبي سرعان ما تهرب الى خارج البلد في شكل أرباح. تنبأ هؤلاء الخبراء بأن كولومبيا ستصل إلى هذه المرحلة المستدامة في عام 1965 ويوغسلافيا في 1966 والأرجنتين والمكسيك في 1965-1975 والهند في السبعينات وباكستان بعدها بثلاث الى أربع سنوات والفلبين في منتصف السبعينات! (2).

? يرى إريك توسان في مقاله “الأكاذيب النظرية للبنك الدولي”:

أن صندوق النقد العالمي والبنك الدولي يقومان بإقراض الدول بمنهجية تسعى للتأثير على سياساتها، فالدين الخارجي هو الوسيلة لإخضاع الدول المستدينة” وأن الخطط التنموية للبنك الدولي لم تفشل لأخطاء حسابية او لسوء في الادارة بل رُسِمت بدقة، وعُلمت في الجامعات وسطرت في آلاف الكتب عن التنمية الاقتصادية. فلا يوجد أبلغ مما صرح به كلا من ماكس ميليكان ودونالد بلاكمر في كتابهما (الدول الصاعدة: نموها وسياسة الولايات المتحدة) بأن “دعم الدول برؤوس الأموال يشكل وسيلة الضغط الامثل لإقناع هذه الدول النامية باتباع مصالح امريكا والعالم الحر، ولذلك لابد للمبالغ من أن تكون ضخمة وبشروط مرنة حتى يقتنع المتحصلين أن هذه اللعبة تستحق التعب!”(9)

? عمار أوروبا (خطة مارشال)، شروط إعفاء الدين الالماني مقابل شروط إعفاء ديون الدول النامية!

? بعد الحرب العالمية الثانية انقسم العالم الى معسكرين ، معسكر شرقي بقيادة الإتحاد السوفييتي ومعسكر غربي بقيادة الولايات المتحدة. كان كل معسكر يعمل على تقوية دُولهِ خصوصا ذات المواقع الإستراتيجية منها، وفي هذا الإطار قررت الولايات المتحدة ان أوروبا التي دمرتها الحرب لابد من اعادة اعمارها ومحاربة الفقر فيها وتنمية صناعتها. وبحسب الولايات المتحدة فإن أوروبا وقتها لم تكن قادرة على استيراد احتياجاتها الغذائية من الولايات المتحدة، وأن ضغط الاستيراد هذا سيعيق إنفاق الحكومات على اعادة البناء فشرعت الولايات المتحدة في مساعدة أوروبا، وبإيعاز منها تكونت المنظمة الاوربية للتعاون الاقتصادي في أبريل 1948، إذ طلب وزير الخارجية الامريكي جورج مارشال من الاوربيين تقييم وضعهم ولعب دور فعال في كيفية إدارة المساعدات التي يمكن ان تقدمها الولايات المتحدة (10).

❓فكيف ساعدت الولايات المتحدة أوروبا في اعادة التنمية والتقليل من الفقر؟

⭕ رسميا تحت مسمى برنامج التعافي الاوربي (خطة مارشال) قدمت الولايات المتحدة بين عامي 1948-1951 مساعدات مالية قدرها 13 مليار دولار (تعادل حوالي 122 مليار دولار بدولار 2017) 11 مليار في شكل منح و 2 مليار في شكل قروض (11)، المنح هي هبات مجانية لا ترد أما القروض فتسترد على فترة زمنية محددة بفوائدها. ووضعت الولايات المتحدة شروطها كالآتي :

1️⃣ يتم تحديد وتنسيق إعادة الإعمار بين الدول الاوربية داخل منظمة التعاون الاقتصادي الاوربية. 2️⃣ تستخدم المساعدات المالية لاستيراد السلع التي تنتجها الولايات المتحدة.

⭕ شطبت الولايات المتحدة ديونها على فرنسا وبلجيكا، وايضا تم عقد اتفاقية تخص ديون ألمانيا على بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة سواء تلك التي قبل الحرب أم بعدها، عرفت ب اتفاقية لندن 1953 حيث أقرت الاتفاقية أن الدول الدائنة الثلاث ستدخل في اتفاق مع المانيا ، ستحرص كل الاطراف على ان يكون عادلا وألا يتسبب في تدهور الوضع المالي لألمانيا وألا يستنزف مخزون ألمانيا من العملات، بلغت ديون المانيا قبل الحرب 22.6 مليار مارك الماني و 16.2 مليار مارك لفترة ما بعد الحرب. أقرت الاتفاقية تخفيض ديون ما قبل الحرب إلى 7.5 مليار وديون ما بعد الحرب الى 7 مليار ، أي شطب ما قيمته 62.6 % من ديون المانيا. أيضاً نصت الاتفاقية على ايقاف عمليات الدفع واعادة التفاوض اذا لم تستطع المانيا السداد. وقبل الدائنون ان تدفع المانيا ديونها بعملتها المحلية، وأن تقلل ألمانيا كذلك من استيراد السلع التي يمكن ان تصنعها محليا، وتم الاتفاق على ان لا تتعد نسبة المدفوع من الديون 5٪ من عائدات الصادر الالمانية وذلك بغرض التأكد من الا تدفع ألمانيا ما يفوق طاقتها. إضافة إلى ذلك تم ضبط معدلات الفائدة بحيث تتراوح بين 0-5 %، واضعين في الاعتبار ما تلقته ألمانيا من دولارات خطة مارشال و200 مليون دولار اضافية كمساعدات امريكية. وتمكنت ألمانيا من سداد ديونها في وقت وجيز في عام 1960.

? حسب اريك توسان كان الغرض من الاتفاق المحافظة على نمو الاقتصاد الالماني ومساعدة المانيا في تحسين رفاهية مواطنيها وتمكينها من دفع ديونها دون أن تصبح فقيرة. نبقى مع اريك لنعرض مقارنة بين كيفية معاملة بلدان العالم الثالث فيما يخص المساعدات وسداد القروض وكيفية معاملة المانيا:

⭕برغم خروجها من حرب كانت المانيا اقوى اقتصاديا من دول العالم الثالث في يومنا هذا ومع ذلك تلقت من المساعدات ما تنكره الدول الغربية على الدول النامية اليوم.

⭕ نسبة مدفوعات الديون إلى عوائد الصادر : سمح لألمانيا بأن تكون مدفوعات سداد الديون اقل من 5% من عوائد ما تصدره، اما الدول النامية فأن متوسط نسبة مدفوعات ديونها يبلغ 12.5 % من عوائد الصادر، وفي أواخر التسعينات تجاوزت هذه النسبة ال 20.%

⭕ معدل الفائدة على الدين الخارجي : حددت اتفاقية لندن معدلات فائدة لا تتجاوز ال 5% لألمانيا. مقارنة بألمانيا فإن معدلات الفائدة للدول النامية كانت عالية وتراوحت في الفترة من 1980 إلى 2000 بين 4.8 و 9.1%.

⭕ العملة التي يجب ان تسدد بها الديون: سمح لألمانيا أن تسدد ديونها بعملتها المحلية بينما يجب على الدول النامية السداد بالعملة الصعبة

⭕ امكانية مراجعة الاتفاق: سمحت اتفاقية لندن بإمكانية ايقاف مدفوعات الديون، بينما اتفاقيات الدول النامية لا تتضمن إمكانية كهذه.

⭕ إضافة إلى مزايا اخرى تضمنها التعامل مع المانيا وكوريا الجنوبية والفلبين ودول اخرى تعتبرها الولايات المتحدة استراتيجية (البنك الدولي والولايات المتحدة سمحا لكوريا الجنوبية بانتهاج سياسات حظرها البنك في البرازيل والمكسيك).

? خلص اريك إلى ان عدم منح هذه المزايا للدول النامية يوضح ان الدائنين لهذه الدول لا يقرضونها بغرض تخليصها من ديونها بل تكمن مصلحتهم في الحفاظ عليها في حالة مديونية دائمة وعندها يمكنهم جني الارباح من خلال فوائد الديون وايضا من خلال التحكم في سياساتها والتأكد من ان تحافظ هذه الدول على ولائها للمؤسسات الدولية المختلفة (2).

⭕ عندما أرادت الولايات المتحدة مساعدة أوروبا وكوريا الجنوبية لم تلتفت للطرق والوصفات التي يطرحها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والتي يروج لها باعتبارها “نظريات علمية” وطرق سليمة لمحاربة الفقر وتنمية البلدان، بينما تلتزم الدول النامية بهذه الوصفات ولا تحصل إلا على المزيد من الديون

? المراجع تستند هذه المادة بصورة أساسية على كتابات اريك توسان في هذا المجال، وبعض الفقرات مترجمة كما هي من كتابه (البنك الدولي: نقد تمهيدي)

1. The Bretton Woods Conference, 1944. [online] Available at: https://2001- 2009.state.gov/r/pa/ho/time/wwii/98681.htm [Accessed 14 Oct. 2019].

2. Toussaint, E. (2008). The World Bank. London: Pluto Press.

3. Imf.org. (2019). About the IMF History. [online] Available at:https://www.imf.org/external/about/history.htm [Accessed 14 Oct. 2019].

4. Imf.org. (2019). Factsheet – IMF Concessional Financing through the Enhanced StructuralAdjustment Facility (ESAF). [online] Available at:https://www.imf.org/external/np/exr/facts/esaf.htm [Accessed 15 Oct. 2019].

5. World Bank. (2019). History. [online] Available at:https://www.worldbank.org/en/about/archives/history [Accessed 14 Oct 2019].

6. Imf.org. (2019). IMF Members’ Quotas and Voting Power, and IMF Board of Governors. [online]Available at: https://www.imf.org/external/np/sec/memdir/members.aspx [Accessed 20 Oct..]2019

7. Hans Schmeets (2018) How World Bank Governance Indicators May Predict the Assessment of Elections by International Observers: Evidence From the OSCE-Region, Nordic Journal of Human Rights, 36:1, 55-73, DOI: 10.1080/18918131.2018.1446623

8. Manzer, R. (1964). The United Nations Special Fund. International Organization, 18(4), pp.766- 789.Oecd.org. (2019). The “Marshall Plan” speech at Harvard University, 5 June 1947 – OECD. [online] Available at: https://www.oecd.org/general/themarshallplanspeechatharvarduniversity5june1947.htm [Accessed 20 Oct. 2019].

9. Harvard Gazette. (2019). 70 years ago, a Harvard Commencement speech outlined the Marshall Plan, and calmed a continent. [online] Available at: https://news.harvard.edu/gazette/story/2017/05/70-years-ago-a-harvard-commencement- speech-outlined-the-marshall-plan-and-calmed-a-continent/ [Accessed 20 Oct. 2019].

10. “Marshall Plan | Summary and Significance”. Encyclopedia Britannica. Retrieved 2018-03-09.

11. Carew, Anthony (1987). Labour Under the Marshall Plan: The Politics of Productivity and the Marketing of Management Science. Manchester University Press. ISBN 978-0-7190-2553-2

حرب الشعب والجنود ضد البرهان لا تحت قيادته: نداء ثوري للشعب الاثيوبي

? إنه لنذير شؤم للثورة أن يقود البرهان حرباً ضد القيادة الاثيوبية تحت دواعٍ دفاعية مزعومة و ما إن وصل أول جندي إلى نقطة الحدود الدولية في الفشقة الكبرى يوم الاثنين الماضي، حتى ظهر الثمن: قالت صحف الثلاثاء أن موازنة سنة 2021م تشمل زيادة في الإنفاق على الدفاع والداخلية وستخفّض موازنة التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية، وستغوص الموازنة في عجز بقيمة 300 مليار جنيه. لهذه الحرب سعر، والبرهان لا يتورع عن المضاربة فيه.

⭕️ إشعال حرب مع الخارج هو محاولة لممارسة السياسة في الداخل بأدوات أخرى. ويشترك آبي أحمد رئيس وزراء اثيوبيا مع البرهان في تطبيق هذه القاعدة الآن. والتقى حس برهان التجاري باندفاعية آبي وطفولته السياسية ليصنعا واقع الحرب الحالية. فآبي الذي وصل للسلطة مثل البرهان بعد احتجاجات وتحركات جماهيرية أجبرت الحاكمين على استبدال سلفه هايلي ميريام ديسالين، يحاول تقوية قبضته على السلطة، ورفض إقامة الانتخابات في مواعيدها مرتين، ويجّر بلادهم لحرب أهلية ضد إقليم تغراي بعون أرضي من إريتريا وبتكنولوجيا الدرون الإماراتية.

⭕️ ودخول ميكيلي لا يغير من حقيقة أن حرب العصابات في تلك المرتفعات حقيقة من يوميات الحياة، لقد سدّد ضربة موجعة لدبرصيون جبرميكائيل حاكم الإقليم ولكنه لم ولن يقتله بعد، وسيظل الباب الذي فتحه باباً نحو مزيد من الحرب لا للنصر النهائي. أما البرهان الذي يحكم بإرادته الكاملة والمطلقة كل السودان، فيريد أن يسوّر انتصاره على مدنيي الحرية والتغيير وحمدوك ويحصّنه، يريد أن يجثو حمدوك على ركبتيه ويقدّم له فروض الاستسلام علناً. يريد البرهان التتويج. ولكنه يعلم تماماً أن ثلاثة قوى لا زالت له بالمرصاد: لجان المقاومة صاحبة تسقط تالت، وعمال كنانة وعسلاية المحتشدون في الإضرابات، وصغار الضباط والجنود الذين مازالوا ينظرون له بعين الاحتقار والغبن بعد أن جردهم من السلاح وجلب عليهم العار بمجزرة 3 يونيو.

⭕️ يريد البرهان أن يشعل فيهم حماسة نابليونية ولكن أن تصب لصالحه لا ضده، موجّهة ضد عدو خارجي متوهم. (كيف تضربون عن العمل والبلاد في حالة حرب؟ كيف تسقط تالت والجنود على الحدود؟ كيف لا تنفذون أيها الجنود تعليمات الضباط الكبار على الجبهة؟ هذه خيانة!) يريد البرهان أن يجلب هذه المقاطع إلى مجال النقاش العام، فيتحول إثر هذه الحرب إلى الزاكي طمبل أو جنرال جياب في حرب وطنية ضد غزو أجنبي. ولن يقصّر مدنيو التسوية الانتهازيون، والكيزان، وكبار التجار والمضاربين، وموظفو منظمات الكوارث الدولية، ومصدرو السلع الزراعية، والقادة القبليون النشطون في تهريب البشر والسلاح في الهتاف بصوت واحد: اخترناك اخترناك يالبرهان! البرهان حربو تمام! لأنهم الرابحون من حربه. لن تمنع الخلافات الهامشية إسلاميي المؤتمر الوطني أو علمانيي المؤتمر السوداني ويساريي منظمات الكوارث وريفيي الإدارة الأهلية من الإنصهار في كيان واحد خلف من سيجلب لهم الأرباح ويشل حركة أعدائهم من قوى العمل والسلاح والمتاريس بالخطاب الكاذب في البداية، ثم بالدم.

? وتدور الحرب الآن تحت دعاوى كاذبة بالدفاع. وهو أمر تمت صياغته بدقة تحصنه من النقد. لقد ظلت الأراضي محل النزاع اليوم معترفاً بها تحت السيادة السودانية، ولم تفقد بهزيمة عسكرية، بل بعد كارثة ديبلوماسية سنة 1995م بعد محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في أديس أبابا. انفتحت بعدها جبهات الحرب وسحب الجيش من قواعده في المنطقة بأوامر عليا بعد اشتباكات مع القوات الاثيوبية. واعترفت اثيوبيا اسمياً بسيادة السودان على المنطقة ولكنها لجأت لسلاح آخر للحصول على الأرض: للمال. في شبكة معقدة للفساد بين كبار ملاك الأراضي السودانيين، والضباط العظام في القيادة الشرقية، والمحامين، وعصابات الشفتا والسلطات الرسمية لإقليم أمهرا، كان يتم إيجار الأرض بأربعة أو خمسة أضعاف سعرها وبأوراق رسمية موثّقة في القضارف وتصل بالباطن إلى المالك الاثيوبي النهائي. ومن يرفض الخضوع لهذه الشبكة كان عرضة لانتقام ونهب الشفتا تحت بصر أجهزة القانون السودانية التي لا ترى إلا ما تريد أن تراه. وتنكشف شراكة اللصوص شاغلي المناصب الرسمية على جانبي الحدود عندما نفكر في سعر العمل المنتج في هذه الأرض.

⭕️ إن العامل الزراعي الاثيوبي ظل دائماً وبصرف النظر عن مالك الأرض يتلقى الأجر المنخفض والبائس نفسه والأقل حتى من حد الكفاف، بينما يتم اقتسام الأرباح بعيداً عنه وعن المالك السوداني المفترض والراعي اللذين انسدت أمامهما سبل العيش في الفشقة. في الحدود فوضى ظاهرية يختبئ وراءها نظام محكم للاستغلال والقهر. يشترك فيه جميع من في السلطة ضد جميع من هم خارجها، ويربح فيه الطرف الأول فقط سواءاً أكان يقيم في قندر أم في القضارف.
واستمر هذا النظام بعد أن وصل البرهان للسلطة، يريد فرض قانون جديد ليزيد حصته في نظام السرقة هذا، لا ليلغيه. وهذا دافع اقتصادي يضاف للحافز السياسي ويهلل له جمهور يعرف مصالحه المادية جيداً. النظام الجديد لن يكون أقل قسوة على العاملين الزراعيين الاثيوبيين ولا أكثر محاباة للمزارعين والرعاة السودانيين، بل سيكون أشد عنفاً وقسوة وتخريباً. وآبي أحمد بحربه ضد إقليم تقراي قد وضع 50 ألف عامل زراعي إضافي في يد البرهان ليحركهم في مزارع جديدة، وبالتأكيد، بأجور أقل، وأرباح أكبر. وهذا أهم مايريده البرهان.

⭕️ وحتى نتحقق مما يريده البرهان علينا أن ننظر في خطته العسكرية. الاحتمالات التي وضعها والقوى الموظفة والتداعيات العسكرية والدبلوماسية المرجّحة. إن العوامل الطبيعية والظروف الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية مأخوذة في مجموعها هي ما يحدد ظروف الانتصار ويحكم طبيعة الحرب سواءاً أكانت دفاعية أم هجومية.

? ونحتاج أن نلقي نظرة أكثر قرباً على الجيشين السوداني والاثيوبي. وعلى الرغم من أن عدد سكان اثيوبيا يتجاوز السودان بمرة ونصف تقريباً، إلا أن هناك تعادلاً شبه تام في بقية المؤشرات: تبلغ نسبة السكان في سن الخدمة العسكرية القابلين للإستدعاء 1:1.5 لصالح اثيوبيا، فإن عدد القوات يميل لصالح السودان بنسبة ضئيلة هي 1 مقابل 1.2. ويملك السودان تقريبا ضعف عدد الطائرات القتالية لدى نظيره الاثيوبي وخمسة أضعاف الهليكوبترات الهجومية و 690 دبابة مقابل 400 لدى الاثيوبيين، تنقلب الكفة عندما يأتي الأمر لمدافع الميدان وراجمات الصواريخ التي تمتلك اثيوبيا عدداً مقدراً منها بينما لا تحوزها القوات السودانية. ويعود التفوق للسودان عندما نرى القوات البحرية التي يملك السودان فيها 18 سفينة بينما اثيوبيا العالقة بلا سواحل لا تملك سلاح بحرية واستيرادها تحت رحمة جيبوتي وخط السكك الحديد الدولي الذي يربط الميناء بالداخل. ولكن العامل الأكثر سطوعاً في التفاوت بين الجيشين هو الموازنة: ينفق الجيش السودان 8 أضعاف نظيره الاثيوبي ويملك قاعدة للتصنيع الحربي أكثر اتساعاً وتنظيماُ.

? ونحلل التضاريس. وهي تفرض واقعها الخاص اللذي يجب أن تأخذه كل خطة عسكرية في الاعتبار. الحدود الدولية بين السودان واثيوبيا ليست فقط مجرد رسم وهمي لخط على خريطة، بل هي في غالبها تحديداً في القطاع الشمالي الذي تدور فيه الاشتباكات حالياً حدود طبيعية تفصل السهل السوداني على القضبة الاثيوبية، حسب خط غوين المحدد سنة 1903م وتمتد لحوالي 300 كلم من خور يابوس جنوباً في الحدود الثلاثية مع جنوب السودان حتى الحرة شمالاً حيث الحدود الثلاثية أيضاً مع اريتريا. ويزداد الارتفاع كلما توجهنا شرقاً وجنوباً.

?ونبدأ بتوقيت شن الهجوم وملابساته. تدور اشتباكات بين الشفتا والجنود السودانيين منذ فبراير الماضي ولم يرد البرهان مباشرة عليها، بل فضّل الانتظار. أتى توقيت الهجوم بعد تعثر مفاوضات سد النهضة التي طالب فيها الوفد السوداني بتغيير نهج التفاوض. وإذا أخذنا بالاعتبار أنه حتى مركز معلومات وزارة الري تسيطر عليه قوات تابعة للجيش ووصل الأمر لشكوى وزير الري لوسائل الإعلام منها علانية، فإن القول بسيطرة البرهان الكاملة على ملف التفاوض مقبول ومرجّح.

ولم يكن تصريح وفد التفاوض حول السد إلا خطوة تصعيدية مضمرة. العنصر الثاني في التوقيت هو اندلاع الحرب الأهلية في اقليم تغراي الذي أجبر الجيش الفيدرالي الاثيوبي وعدداً كبيراً من المزارعين الكبار من التقراي في الفشقة للانسحاب من جبهة بلادهم الغربية نحو الجبهة الشمالية. مما خلق نقطة فراغ تسمح بالتقدم. وفي توقيت مقارب والعنصر الثالث في التوقيت، كان سلاح الجو المصري في تدريب مشترك مع نظيره السوداني في قاعدة مروي الجوية، وهذه ليست بالتأكيد صدفة. وقبل اتخاذ قرار الهجوم، لم يقم البرهان بتحشيد قوات كافية. إذن: اختير التوقيت التي تكون فيه الجبهة الاثيوبية ضعيفة، وقوات الجيش غير كافية، مع استعداد في سلاح الجو مع قوة أجنبية أخرى.

?والخلاصة هي أن شروط انتصار نهائي وجازم لطرف على آخر مستحيل في هذه الحرب. إن التوازن العسكري الحالي، حتى إذا أخذ معزولاً عن الجوانب السياسية والدبلوماسية، سيؤدي إلى شربكة الخصمين في مستنقع لا مخرج منه. خصمان ضعيفان مستميتان في حرب عبثية تزيدهما ضعفاً. في هذه المرحلة، يخوض الجيش السوداني الحرب بطريقة نظامية بقوات مشكّلة حسب الأكاديميا العسكرية الكلاسيكية وهذا سيحقق نجاحاً في إبعاد الشفتا، مع بعض المناوشات مع الجيش الاثيوبي الرسمي. ولكن ستبدأ المشكلة عندما تتمركز هذه القوى في معسكرات ثابتة وتصبح طرق إمدادها أكثر استقراراً، عندئذ ستكون مكشوفة أمام الحرب غير النظامية التي ستشنها الشفتا بدعم الجيش الفيدرالي. وهذا التمركز الجديد حتى يستقر لزمن كافٍ يتطلب غطاءاً جوياً دائماً بواسطة المروحيات واستخدام القوات الخاصة خفيفة الحركة على نمط البيريات الخضر المجهزة على خوض حرب العصابات الطويلة. ويتطلب هذا أيضا السيطرة على المرتفعات المطلة على الحدود وإبعاد الجيش الاثيوبي منها والحفاظ عليها بطلعات جوية من سلاح الجو، أي باختصار تحويل الطابع الدفاعي المزعوم لهذه الحرب إلى حرب عدوانية سافرة. ولأن الامكانات التكنولوجية والحدود التي تفرضها التضاريس بعيدة عن تحقيق ذلك، فهذا سيدفع المخططين في الجيش السوداني للاستعانة بقوات غير تقليدية موازية قد تكون الدعم السريع أو – في مرحلة لاحقة – مليشيات جديدة مشكلة محلياً، لمواجهة المليشيات الاثيوبية والشفتا، ولضرب الجيش الفيدرالي الاثيوبي نفسه. الإنهاك والجمود سيولد مليشيات على خطوط اثنية وقبلية بدفع من الجيشين الرسميين وبدعم منهما. والأخطر أنه سيدفع كلا الخصمين لتوسيع فضاء المعركة إلى مساحات جديدة.

? وإذا نظرنا للحدود الدولية المتشابكة بين السودان وأثيوبيا وجنوب السودان وأريتريا، فإنها تشكل حيزاً هائلاً لحرب من النوع غير النظامي والذي سماته الأساسية هي صغر حجم الوحدات المقاتلة، واتساع نطاق ساحة الاشتباك، وعشوائية التشكيلات العسكرية والتسليح الخفيف والاحتماء بعوامل الطبيعة من غابات وتضاريس. والبنية الاجتماعية القبلية والاثنية على الشريط الحدودي تعيش حالة من التهديد الوجودي بسبب تغلغل الأسواق وتسليع الحبوب والضغوط المناخية وازدياد حدة الاشتباكات فيما بينها على موارد العيش، في الوقت الذي تطبق فيه حكومات السودان واثيوبيا سياسات تقشفية في الاقتصاد وتبيع اراضيهم للاستثمار الجشع في الزراعة التصديرية، اقتصاد نهب وإفقار. وبالتالي تعمل على تسليح نفسها لحماية موارد عيشها من النهب ولمجابهة منافسين آخرين من نفس البيئة وللاعتراض على السياسات الاقتصادية المركزية. ويعيش في هذه المنطقة 30 مليون شخص على حافة المجاعة. يكفي للتدليل على ذلك مجزرة التي ارتكبت في إقليم قمز-بني شنقول جنوب اثيوبيا على بعد 450 كلم جنوب مسرح العمليات في الفشقة راح ضحيتها 400 مدني بيد جماعات من المنطقة ترى في الضحابا مجرد وافدين يسرقون خيراتهم يوم الاربعاء الماضي. وهذا مجرد مثال. وسيلقي التنافس والتنازع بين آبي والبرهان شرارة على برميل البارود هذا. بل سيحفزهم يأس هذه المجتمعات للدخول في لعبة التسليح المتبادل. وبالتأكيد، لن يستخدم المسلحون الجدد سلاحهم حسب أوامر العواصم حصراً، بل كيفما يرون أن مصالحهم. نحن الآن نشهد تكون دارفور الشرقية مرة أخرى.

⭕️ هذا التحليل العسكري لا يكتمل دون الإجابة على سؤال من سيمول الحرب؟. في الخرطوم تستهلك الحكومة ثلاثة أرباع الإقراض المصرفي ولا يمكن أن يتوسع ذلك أكثر في السياق الحالي. إن الدولة الآن قد ابتلعت المجتمع بكل خيراته لتنفق على ذاتها. وهذا سيجعل البرهان رهناً لصاحب القوة العسكرية الاقليمية التي يرى أنها قادرة على حسم الصراع لصالحه: الجنرال السيسي. ومن يتابع حالة الشبق الاعلامي التي تنتاب معلقيه هذه الأيام لابد من أن يستغرب. هناك حيمة شرهة للحرب. وفي اللحظة التي ينهار فيها الطرفان لن يستغرب أحد إذا تعرض سد النهضة الاثيوبي لضربة جوية في وسط انشغاله بالمناوشات على الحدود السودانية، وآبي بطفوليته سمح لنفسه بالانقياد وراء التصعيد في اقليم تغراي مما فتح اثيوبيا أمام هذا المأزق. حرب على عدة جبهات وسط اقتصاد مختنق. إن هذه الحرب التي لا منتصر فيها لن تجلب لمزاعي القضارف والرعاة أرضهم، ولن تحرر عمال الرزاعة الاثيوبيين من قهرهم، ولن يمانع البرهان غداً في تسليم الفشقة مجدداً لمن مات الجنود في قتالهم بالأمس إذا وجد في ذلك منفعة قصيرة الأمد. وبيان مرازعي الفشقة الرافض لما أحس أنه استهبال من البرهان دليل على أرجحية ذلك. بل لها هدف واحد: أن تستمر لأطول زمن ممكن ليتاح لكل ديكتاتور منهم زيادة الانفاق العسكري على حساب الحليب والتعليم، ولإسكات المعارضة الثورية في الداخل، وانهاك القوى الثورية بقتال بعضها البعض وتهرق دمها في عبث باسم الوطنية والكرامة. إن الجنود وصغار الضباط الذين خالفوا تعليمات البشير والبرهان وانحازوا للثورة بحماية القيادة العامة وأهينوا بمجزرة 3 يونيو، يراد التضحية بهم الآن بالحرب على الحدود بإدخالهم في حرب لا مكان فيها لانتصار. الفشقة أرض سودانية. ولكن لمن؟ للبرهان أم للشعب العامل فيها؟ والقضارف التي تنتج معظم غلال وحبوب البلاد هي حيث ينتشر السل وسوء التغذية بينما تزدهر الخرطوم بالمباني والسيارات. إن سؤال السيادة الوطنية لا يطرح مجرداً من وقائع الإستغلال. لنا نحن سيادتنا على الفشقة نحدد ما يزرع فيها ونوزع الناتج بديمقراطية وعدالة. ولكن من نحن؟ نحن العمال الاثيوبيون، نحن الجنود، والنازحون، نحن المزارعون، باختصار نحن المضطهدون، نحن ثورية لا تشمل البرهان ولا آبي أحمد، بل هي ضدهم، في مواجهتهم، إذا كان المستبدون على استعداد لتناسي خلافاتهم وإنشاء حلفهم، فنحن أيضاً لنا حلفنا، أممية الثوريين.

❌إن الدفاع عن الوطن لا يمكن أن يتم إلا تحت قيادة ثورية وأن تكون حروبها محددة الهدف وترفض أن تخضع العاملين لاضطهاد جديد.

?حرب الجنود والشعب هي حرب ضد الاستغلال، ضد البرهان، ضد آبي أحمد، ضد العنصرية والترويج للقبلية، ضد الديكتاتورية، لا تحت قيادتهم، لا تحت شعاراتهم، لا مع راياتهم. لا يساند الثوريون حرباً تحت قيادة عدوهم، عاشت وحدة الشعوب! السلام مع الشعب الاثيوبي! لا حرب تحت قيادة الخونة! يسقط حمدوك والبرهان!.

❓ برهانتياهو : كيف تفكّر الثورة في السياسة الخارجية؟

⭕ مقدمة

⭕ بعد الثورة ومع التسيس العالي لقطاعات عريضة من الجماهير ، وإتساع قاعدة التفكير والتقرير في الشئون والمصائر العامة ،أصبح الجميع متحمساً للنقاش والحوار. وجدنا أنفسنا فجأة أمام أسئلة لم يكن التفكير فيها ممكنا أو ضروريا قبل ديسمبر 2019م. قبل ديسمبر إنحصر تفكيرنا في الكوز الوالي، في ابتكار أساليب مواجهة قمع الأجهزة الأمنية، والتغلب على حاجز الخوف والسلبية . فجأة، بعد 11 أبريل، تبين لنا وجوب التفكير: في فلسطين، والصين، والإمارات، ومحمد بن سلمان، جنوب السودان ، وليبيا، ، إذا كنّا نريد الانتصار على البرهان وحميدتي وحلف الساسة الباعو الدم. من أهم هذه الأسئلة التي طرحتها الثورة :

ماهو موقف الثوّار من قضية فلسطين؟

⭕ في الإسبوع الماضي أثارت تصريحات الناطق الرسمي بإسم وزارة الخارجية عن نية السودان تطبيع العلاقات مع إسرائيل، الكثير من الجدل، الغضب والإدانة , وأيضا التأييد! مثلما كان الحال مع لقاء عبد الفتاح البرهان مع رئيس وزراء دولة الإحتلال بنجامين نتنياهو مطلع العام الجاري . فتح هذين الحدثين أبوابا للنقاش والتفكير العام لم توصد بعد،

? يجب أن نتخذ نحن الثوريون ، ناس( الترس دا ما بتشال)، موقفاً واضحاً حيال هذين الحدثين.

⭕ بداية نري أنه من الضروري للثوري إتخاذ الموقف الصحيح من كل حدث و كل خبر، ( وصحة الموقف تتأتي من كونه في مصلحة الشعوب والجماهير المستغلة والمضهدة ). ولكن، الموقف الصحيح يأتي من نقاش واسع، صريح، ومستند على الحقائق وقائم على الاحترام المتبادل، وليس من التعصب الذي لا يسنده منطق.

❌ في مايلي نطرح خمس⁦5️⃣⁩ نقاط تجعل رفض التطبيع مع إسرائيل هو الموقف الثوري والمنحاز لنضالات الشعوب ضد مستغليها ومضهديها ، من حيث كونها دولة إحتلال وإبادة وتمييز عنصري ،ترسخ علاقات الإستبداد والإستغلال والإضهاد داخليا ،مع ترسيخ موازي لعلاقات الإستغلال والتبعية للمراكز الإمبريالية مما يجعلها مانعا قويا ضد الثورات والتغير الإجتماعي لمصلحة أكثرية السكان في المنطقة . وفي النقطة السادسة⁦6️⃣⁩ نبتدر طرحا في السياسة الخارجية للثورة يزاوج بين الثورية والواقعية ويدحض إدعاءات الإنتهازيون الإنهزاميوم المغلفة بلبوس ” الواقعية “.

⭕ننوه إلي أن النقاش حول قضية التطبيع قد يطول ويتشعب ، وربما يثير بعض الخلافات، ويوقعنا في بعض الأخطاء. ولكن، ماهي الثورة إن لم تكن الشجاعة في مواجهة كل شيء، بدءاً من التاتشرات وانتهاءاً بقضايا الفكر.يجب ألا نخشى الخلاف، بل يجب أن نخشى السكوت على الخلافات ،أكثر من خشيتنا الخلاف في ذاته ، فليكن شعارنا “أسمع كلام الببكيك” بدلاً عن الطبطبة والمجاملات.

1️⃣ اسرائيل دولة عنصرية :
⭕ توجد في كل الدول أشكال من التمييز ضد فئه أو فئات من السكان. هنالك تمييز ضد النساء، وضد المهاجرين من دول أخرى، تمييز ضد أقليات وقبائل معينة، إلخ. تعاني الكثير من الفئات الإجتماعية من درجات متفاوتة من التمييز المجتمعي ، والإقصاء ، ولكن لم تتوقف الشعوب عن النضال ضد كافة أشكال التمييز بكل الوسائل، لم تستسلم له. ولكن مشكلة الثورة السودانية مع إسرائيل هي نفس مشكلتها مع البشير: كلاهما يحوّل التمييز من ظاهرة اجتماعية يجب محاربتها إلى سياسة رسمية تتبناها الدولة وتعمل على تنفيذها بالعنف.

⭕ إسرائيل تمارس التمييّز العنصري ضد الملايين من الفلسطينيين، تحرمهم من الحق الإنساني في التنقل( 1)، والتعليم، وبناء المنازل، وحتى من المياه النقية. وصف توني كاسريل – وهو يهودي من جنوب افريقيا ومناضل ضد نظام الفصل العنصري في بلاده لمدّة طويلة- أن ماتقوم به إسرائيل يذكره بحكومة بلاده زمن نظام الفصل العنصري. “أرى نفس السياسات الوحشية في إسرائيل” يكتب كاسريل في صحيفة بريطانية(2).

⭕ ولا تقتصر عنصرية إسرائيل علي الفلسطينيين فقط، بل يمتد الأمر للاجئين الأفارقة في إسرائيل. ومعظمهم من مناطق الحروب الأهلية في السودان ومن اريتريا. وبحسب القانون الدولي، إسرائيل ملزمة بتوفير الملجأ والحماية لهم حتى تتعامل منظمات اللاجئين الدولية مع أوضاعهم. ولكن، كان للحكومة الإسرائيلية رأي آخر، ففي شهر يناير 2018م، وحسب شهادات نقلتها صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، عرضت إسرائيل على 38 ألف لاجئ خيارين: 3500 دولار لكل لاجئ مع تذكرة عودة إلى بلد ثالث في إفريقيا، أو السجن(2). ولنا طبعاً أن نتخيل مصير لاجئ سوداني وقد تمت إعادته بهذه الطريقة وقت حكم البشير. “إسرائيل صغيرة وعندها مشاكلها الخاصة، وليس بمقدورها أن تعمل كوكالة تشغيل من أجل القارة الإفريقية” تقول آيليت شاكيد، وزيرة العدل الإسرائيلية في بوست على فيس بوك مبرراً هذه السياسة(4).

⭕ لم يسلم اليهود من أصول عربية من العنصرية. في بحث أكاديمي كتبته سارة لودين عنوانه “القومية الإسرائيلية: بناء الصهيونية وأثره على العنصرية بين اليهود، السياسة، والخطاب الثوري”، تقول خلاصته :

“على الرغم من الحماس في الغرب وإسرائيل لفكرة الوطن اليهودي الذي يضم كل اليهود ويعاملهم على قدم المساواة، فإن البحوث المعاصرة تعرض صورة مخالفة تماماً لذلك. تتواصل انتشار العنصرية الثقافية والجسدية بمعدلات تشبه الوباء بواسطة الحكومة، ورجال الدين المؤثرين والمجتمع ككل.” الجدير بالذكر أن هذا البحث هو الأعلى انتشاراً بين البحوث الأكاديمية التي تغطي مبحث العنصرية في إسرائيل(5)

? نتذكر شعارنا “يا عنصري ومغرور”. والتشابه بين نتنياهو والبشير أكبر من أن لا نراه.

2️⃣ قد تخشى إسرائيل بعض الحكومات، ولكنها تخشى كل الشعوب:

⭕ إذا نظرنا لأي شعب خرج في ثورة، سنجد أنه يتعاطف بصورة طبيعية مع بقية الشعوب التي تعاني مثل معاناته. والشعب الفلسطيني في مقدمة تلك الشعوب. لأنه يتعرض لإضطهاد لا مثيل له في التاريخ المعاصر.
✊? “التضامن” هو الأسلوب الذي اخترعته الشعوب من أجل حماية نفسها من الإضطهاد وتوسيع صفوفها. لا تملك الشعوب المضطهدة سوى وحدة صفوفها وإذا تفرقت واختلفت، هزمت. عندما هتفنا “كل البلد دارفور” كنا نعلن التضامن مع كل ضحايا البشير في البلاد، ونوحّد صفوفنا، وهكذا انتصرنا. ⁦

⁦✊?⁩ إذا كبرنا المقاس قليلاً، سنجد أن نفس القاعدة تنطبق على كل شعوب العالم. عندما تعرضنا لمجازر 3 يونيو، وقف أحرار العالم وثواره معنا، وضغطوا على المجلس العسكري وحاصروه وتم كشف كل الفضائح والفيديوهات التي كان يحاول إخفاءها بقطع الانترنت. التضامن سلاح الشعوب. وهو السلاح الأقوى لدى الشعب الفلسطيني في مواجهة إسرائيل. ولهذا، لا يمكن أن ترتاح إسرائيل لأي ثورة. لأنه من الطبيعي أن ينظر الثوار لقضية الفلسطينيين بتعاطف وتضامن.?

⭕ قد تخشى إسرائيل أسلحة بعض الدول أو جيوشها، ولكنها تملك العتاد العسكري المتطور. ولكن بمجرد ما أن تبدأ ثورة حقيقية في التبلور حتى تجد أنها قد أخذت صف أعدائها القدامى ضد شعوبها. مصر بعد ثورة يناير، دعمت إسرائيل رئيساً ينتمي للإخوان المسلمين وكانت العلاقات تسير بهدوء بينهما، وفي سوريا، كانت تنظر بسعادة لبشار الأسد وهو يقتل شعبه، ووقفت مع السيسي ضد ثورة مصر، ومع كل الأطراف في اليمن ماعدا الشعب اليمني.

? الحكومة عدو مؤقت، الشعوب عدو دائم. هكذا تفكر إسرائيل في الثورات. لأنها لاتريد أن يتضامن أحد مع الشعب الفلسطيني، تريد استمرار عنصريتها دون معارضة.

⁦3️⃣⁩ الحكومات الدكتاتورية تكره إسرائيل أحياناً، وشعوبها والشعب الفلسطيني دائماً

⭕ فلننظر إلى سوريا وبشار الأسد. لم يطلق الأسد رصاصة واحدة ضد إسرائيل منذ 1973م. بينما حطم سوريا كلها لأنها قالت “حرية”. وكلما ضربت إسرائيل هدفاً في الداخل السوري، قال بشار “نحتفظ بحق الرد” حتى جمع ترسانة جميلة من حقوق الرد المتراكمة.

⭕ والبشير الذي دائماً ما كان يصرخ باسم فلسطين، عندما أحس بإقتراب الثورة، تخلى عن كره إسرائيل، وبدأ وزير خارجيته غندور يبحث عن اجتماعات مع مسؤولين إسرائيليين. غير البشير تحالفاته الإقليمية ليس لأنه قد نضج سياسياً، بل لأنه أحس أن كرسي السلطة يهتز. والأمثلة لا تعد ولا تحصى.

⁦4️⃣⁩ صهاينة، مش يهود!

❓ يسأل شخص ويستغرب: هل في فرق بين الصهيونية واليهودية؟. نعم، والفرق بسيط، مثل الفرق بين الكيزان والإسلام.

⭕ تقوم الصهيونية، مثل الكيزانية، على فكرة أن معتنقي الدين اليهودي يجدون العداء من كافة شعوب الأرض. كل الشعوب بلا استثناء. هذه فكرة غير حقيقية طبعاً، ولكنها مجدية في تعبئة معتنقي الديانة اليهودية سياسياً. هذه نفس فكرة الكيزان عن أن مسلمي السودان يتعرضون لمؤامرة كونية من قوى فضائية مخيفة لها قرون و9 عيون. أفكار كهذه خطيرة ومدمّرة لأنها تبرر إبادة كل من يعترض عليها. ليس كل يهودي صهيونياً، كما أن المسلمين في غنى عن كل كوز، بل داسوه دوس عديل كده ومشوا صلوا عادي.

⭕ معارضة الثوار لإسرائيل تختلف عن سياسة الكيزان. الثوار يعلمون أن الظلم واحد، ولا يعادون شخصاً لمجرد ديانته، هذه عنصرية، وإنما ينظرون لمواقفه السياسية واتساقه ومبادئه. نحن نرفض إسرائيل وما تفعله للفلسطينيين، ونرفض ما جرى لليهود في أثناء الحرب العالمية الثانية على يد النازيين في نفس الوقت. هذا ظلم، وذاك أيضاً ظلم، وكلاهما عند الثورة مرفوض. بينما سياسة الكيزان هي شتيمة اليهود وإظهار أن الحرب دينية. الصهيونية ليست اليهودية، والوقوف ضد الصهيونية يختلف تماماً عن الترويج للكراهية باسم الأديان.

⭕ اليوم ينشط عدد من اليهود ضد سياسات إسرائيل التمييزية والعنصرية. لعب يهود أكاديميون إسرائيليون دوراً فاعلاً في الترويج لمقاطعة إسرائيل في المملكة المتحدة حين شاركوا في إصدار قرار من جمعية الأساتذة الجامعيين بالمملكة المتحدة بمقاطعة الجامعات الإسرائيلية، وهم اليوم مشاركون فاعلون في حركة المقاطعة، سحب الاستثمارت والعقوبات.(6) BDS

⭕وفي نفس الوقت، تتعاون أنظمة عربية عديدة مع إسرائيل، وتنشئ شراكات اقتصادية تعزز قوي الاستغلال والإضطهاد في المنطقة. هل نرفض هؤلاء لديناتهم، ونقبل البشير لديانته؟ هذا ليس من ذكاء الثوار، هذه ليست سياسة ثورية.

⁦5️⃣⁩ البرهان يتحرك بالأوامر من الخارج

⭕ حاول البرهان إظهار أن لقاءه مع نتنياهو هو من أجل المصلحة العليا للبلاد ومن أجل سيادتها وحذا الناطق الرسمي السابق للخارجية حذوه. ولكن الوقائع تقول عكس ذلك.حينها قال البرهان بنفسه أن هنالك 8 جهات تولت ترتيب اللقاء. هل من بينها جهات سودانية❓ تقول كل الدلائل: لا. هذا اللقاء دليل على غياب السيادة الوطنية السودانية، وليس كما يقول البرهان من أجل العزة والسيادة.

⭕ المضحك هو محاولة البرهان تكرار نفس أساليب البشير في الأمر أن أنه طالب الدعاة بمواصلة الدعوة في سبيل الله وأن البلاد لن تفرّط في الدين. يوم الجمعة 21 فبراير، مافي زول سألوا دحين ي ريس السويتو في موضوع القدس دا ما تفريط؟. وغايتو.

?نرفض التطبيع مع إسرائيل، لأن الثورة قامت بالضبط ضد كل ما تمارسه إسرائيل

⁦6️⃣⁩ الحل : سياسة خارجية ثورية، واقعية، ومبدئية

❌ يمكن لأي مراقب للرأي العام أن يلاحظ تنامي تيار من الرأي العام لا يري مانعا من التعامل مع إسرائيل، و فد نجد هذا الميل حتى بين البعض من أفضل وأنبل الثوريين. هذا الموقف ليس نتيجة خيانة للمبادئ أو رفض للعدالة أو إنكار لحقوق الشعوب الإخرى، إن ببساطة معبّر عن ظاهرتين متداخلتين: اليأس من إرث الماضي، والطموح إلى سياسة خارجية بديلة. ولكن اليأس هو ما يقود الطموح، وهذا ما يجب استعداله.

⭕ يئس الشعب لفترة طويلة من بهلوانيات السياسة الخارجية للكيزان. بدأ الكيزان بشعار (يهود يهود آل سعود)، و تأييد جنون الدكتاتور صدام حسين ضد شعب الكويت، ثم (أمريكا وروسيا قد دنا عذابها) و (الأممية الإسلامية) واستضافة بن لادن.انتهى الكيزان بنقيض كل هذا. أصبحت البلاد تحت رحمة آل سعود أكثر فأكثر، وسلّم قوش كل ملفات أخوان الجهاد والأممية الإسلامية إلى دولهم، وأصبح رفع السودان من قوائم العقوبات الأمريكية، والحصول على تأييد روسيا في مجلس الأمن حتى بزيارة بشّار الأسد الذي عافه كل صاحب ضمير في هذا الكوكب، غاية المنى. (كنّا وين وبقينا وين❗).

⭕ في منتصف هذا المشوار الطويل خربت حياة الملايين من السودانيين.الملايين التي تقدمت هذه المسرة الطويلة إلى اليأس،.لماذا تكبدنا عناء هذا المشوار الطويل؟ الم يكن من الأسهل أن نذهب إلى السعودية وروسيا وأمريكا منذ البداية ما دمنا نحتاجهم بدون كل هذه التضحيات المؤلمة. ما جدوى الأكروبات الكلامية؟. هكذا كان يقول الشعب.

❓ ولكن هل انعدمت فرصة بناء سياسة خارجية تنطلق من مبادئ الثورة؟، سياسة تجمع بين الواقعية، والمبدئية؟ لا، بالعكس، لقد فتحت الثورة باب بناء هذه السياسة.

⭕ إننا نعيش في عالم غير عادل. ولكن متى كانت عدم عدالة الظروف تؤدي للإستسلام؟ يقول البرهان أن العالم غير عادل ويجب علينا الكف عن محاولة تعديله، ويسمي هذا بالواقعية!. هناك خيط دقيق يفصل بين الواقعية والإنتهازية والإستسلام. الواقعية في السياسة الخارجية تعني أن تنطلق من لا-عدالة العالم، ولكن، أن تعمل في نفس الوقت على تغييره، بما تملك، لا أكثر، بالكثير من الحسابات الواقعية، ولكن أيضاً، بالكثير من المبادئ، والكثير جداً من الجرأة. أليست الثورة نفسها مزيجاً من الواقعية والجرأة؟.

? أولي عناصر هذه السياسة هي تسمية الأشياء بأسمائها. مايجري في فلسطين استعمار استيطاني بغيض، واليهودية ليست جنسية وباتالي ليست مواطنة بل هي ديانة، ونحن لا نعادي الأديان أياً كانت، بل نحارب سياسات التمييز باسم أي دين

? ثاني عناصر السياسة الخارجية الواقعية هي في إدراك حسابات أعداء الثورة. نضع هذا السيناريو الإفتراضي: إذا قامت هبة ثورية جديدة ولم يجد البرهان خياراً سوى الاستعانة بسلاح الجو الإسرائيلي، هل سيتردد؟. بالطبع لا، ولن يرفض الإسرائيليون أيضاً إن رأوا في الثورة تهديداً لأوضاعهم. إسرائيل هي عدو كل الشعوب الثائرة لأنها قائمة على الظلم الذي يحارب ضده أي ثائر.

? من أهم عناصر الواقعية هي أن يرى الثائر نية الغدر في عين عدوّه مهما كان كلامه طيباً.

? ثالث عناصر الواقعية هي منع زيادة الظلم القائم الآن على الشعب الفلسطيني، لأننا لم نبلغ الآن مرحلة رفعه نهائياً. وقف التجارة والاستثمارات مع الشركات الإسرائيلية التي تموّل القمع، والضغط للتحقيق حول المجازر والانتهاكات المرتكبة، ومحاصرة أنشطة الشراكة مع الجامعات الإسرائيلية، هي نقاط أولية قابلة للزيادة عليها.

❌ من يظن أن الاستثمارات ستتدفق، والخير سيعم البلاد فوراً من علاقة مع إسرائيل، وسيصل إلى كل فئات الشعب السوداني، هو الحالم، والأحمق، والإنتهازي، والذي يريد الاستسلام للعالم الراهن. كان من الأفضل له لو أنه قال لنا في ديسمبر 2018م (مافي فايدة من الثورة نستنى انتخابات 2020م وخلاص). روح اليأس واحدة في الحالتين. السودان في العالم، والعالم بظلمه كله في السودان، ولا يمكن أن نتحرر وغيرنا في الأغلال، هذا هو الوهم. الواقعية هي في مواجهة الأشياء كما هي وليس في الاستسلام لها.

? فلسطين هو أكثر بقعة في العالم يبدو فيها الظلم مكشوفاً بلا غطاء. فلسطين بوصلة الثورة، من انحرف عنها، تاه. نتيناهو، إنت زاتك #تسقط_بس.

#السودان_ضد_التطبيع

1: https://www.icj-cij.org/en/case/131
2: https://www.theguardian.com/commentisfree/2019/apr/03/israel-treatment-palestinians-apartheid-south-africa
3 : https://www.nytimes.com/2018/02/02/world/middleeast/israel-migrants-african.html
4: https://www.theatlantic.com/international/archive/2018/01/african-migrants-israel/551747/
5: https://www.academia.edu/19760136/Israeli_Nationalism_the_Constructs_of_Zionism_and_its_Effect_on_Inter_Jewish_Racism_Politics_and_Radical_Discourse
6: https://bdsmovement.net/what-is-bds

مهام قدّام! في التجهيز للعصيان (1-3) إلى مقدمات الطور الثاني من الثورة

كانت قدّام! على مستوى المهام الموضوعية المطروحة أمام الطور الأول للحركة الثورية منذ ديسمبر 2018م حتى أبريل 2019م. ذلك لأنها دمجت شيئين في نفس اللحظة، لقد حافظت على أعلى درجات المرونة التكتيكية، وتمسّكت بما هو استراتيجي بقبضة الفولاذ. تجنّبت بهذا الخط الانتهازي الذي يريد العمل من أجل العمل ويقبل بأي فتات تنازل يلقي به الخصم ويصوره كأنه ذروة مكاسب الثورة، والخط المتصلّب الذي يريد كل شيء الآن وفوراً ويكتفي بالصراخ المنبري دون عمل واقعي. كانت قدّام تعلم ماتريد، وتعرف ما تواجه، فناورت مع الغالبية مرّات، وتمسّكت بالعزلة المبدئيّة مرّات أخرى، ولم تفقد وسط كل هذه التقلّبات الإحساس بالواقع، أو التفكير في الهدف النهائي، فنمت وأزهرت.
يحقّ لـ قدّام أن تنظر بعين راضية لماضيها القريب. من مصلحة الثورة أن تواصل على نفس المسار، تطمح، وتعمل.
ندخل هذه الأيام في طور جديد من الثورة. سماته الرئيسية هي الفرز المتزايد الحدّة داخل المجتمع بين قطبين تتوسّع الهوّة بينهما كل ساعة، وانبثاق مبهر لتنظيمات الجماهير الثورية من أعمق أساسات المجتمع البرجوازي، تنظيمات حيّة، عامرة بالمبادرة وتحمل وعياً جذرياً بديلاً، وازدياد عنف التوترات داخل الطبقات الحاكمة القديمة – خصوصاً تلك التي حاولت التزيي برداء الثورة البرّاق على سبيل التموية المنافق – إضافة لانكشاف النوايا الرجعية لبرجوازيات الخليج ومصر ضد شعبنا في أعين كل هذه الشعوب، وتسيّس الجنود وصغار الضبّاط و افتضاح انفصال الجنرالات عن مطالب الثورة في نظرهم.
إزاحة البشير كانت بداية هذا الطور. وأُشرع باب التنظيم العلني للجماهير في كلّ مكان بقوة الثورة بعد طول كبت. هذا يغيّر كل شيء. وينبغي لرؤية الصورة كلها رؤيةً شاملة لا تهمل الدقائق الصغيرة، أن نراجع بصورة مجملة للمسار الذي اتخذته الثورة في علاقتها بمطالبها وتنظيماتها الخاصة، وأن ندقق في الفروق التي تبدو سطحيّة حتى وقت قريب. من سبر هذا المسار المستكشف للتو سيشير سهم عملاق مكتوب عليه “المستقبل! من هنا”، وعلينا أن نجده.
في الطور الأول من الثورة لم تكن الجماهير الغالبة تجد منصّة للإنطلاق سوى المنظمات القديمة. لم يكن بمقدورها تأسيس منصاتها الخاصة، فالقمع والخوف يسيطران على الساحة. وكان على الأقسام المتحرّكة منها أن تستند على ماهو موجود وأن تمثّل أنها تصدّق كل من قال أنه مع الثورة حتى وإن كانت يداه ملطختين بدماء الخيانة في الماضي، كانت حالة اضطرار سياسية. ولهذا منذ ديسمبر وحتى أبريل : لا تحظى الجماهير العريضة بتنظيماتها الخاصة سوى لجان تظاهر محور عملها فعل الثورة لا التفكير في الثورة، ولا تُطرح على الساحة المطالب النوعية التي تخصّها إلا بصورة عموميّة ملغّزة، وبصيغ مكتوبة بدقّة احتيالية بحيث يسهل التملّص منها. جماهير مبعدة إلى ظل الأحداث أحياناً، أو لجبّ تحت الأرض حيث لا يراها الأسياد القدامى. وخلا بعض الأقسام الأكثر جذريّة من البرجوازية الصغيرة المفقرة مؤخراً كالأطباء ولجنتهم المركزية التي بزغت من نضالات جماهيرية في سبيل الصحّة، فإن ثقة الجماهير العريضة في المنصات السياسية التي استمرّت في الحديث باسمها ظلت متأرجحة بين الشّك واليأس، وكانت تترقب أثناء معاركها خنجر الخيانة في ظهرها كل لحظة ولا تتكل سوى على أن العمل الثوري سيثلم خناجر الخونة، وكلا الإحساسين لا يمكن أن يوصفا أنهما من الأحاسيس الإيجابية تجاه مستقبل الثورة. كانت تلك مرحلة الخروج من اليأس السوداوي إلى الترقّب الرمادي بدفعٍ من الإرادة الثورية المتفائلة.
وسقط البشير، مات الرمادي واكتسى كل شيء منذ تلك اللحظة بألف لون، وخرج من كانوا لا يُرَون إلى النور الباهر. حلّت لحظات التفاؤل والتنظيم. برز العالم الجديد الذي لا يسيطر عليه السادة الرماديون القدامى. كل شيء ملوّن، بدأ كل شيء يسقط في يد من أنجزوا الثورة، بدأت الموازين تتغير.
إن (إعلان الحرّية والتغيير) رغم عموميّته الشديدة، وسكوته عن مطالب جموع غفيرة من الشعب، هو نتاج تسوية غريبة : بين ثوريين وأنصاف ثوريين لم يجدوا بعد نقطة ارتكازهم التنظيمية، وبين خونة ذوي امتيازات يريدون أن يرتكزوا على الثورة ليعظّموا مكاسبهم، ثم يلقوا بالثورة في دمائها بعد أن يستنفذوا غرضهم منها، وقوّة ثورية نظريتها العمل ولم تعمل في النظرية بعد. خاف الثوريون إغضاب الرجعيين فيعدَموا تنظيمات الحركة، وخاف الرجعيون المجاهرة برفضهم للثورة بسبب بأس قوى الثورة التي تفجّرت، وفي حالة حضور خوفين، تتأجل المعارك، ولكن ضرورتها تظل كامنة، وبمجرّد أن ينقص خوف أحد الطرفين قليلاً، فالصراع محتّم. إن (إعلان الحرّية والتغيير) والقوى التي صاغته يمثّل حالة عجيبة من التقاء الأضداد تحت ظروف متقلّبة. هو كرة تقف على رأس هرم، توازنها على القمّة هو الاستثناء الغريب الذي يحتاج لتفسير، أما تدحرجها الحتمي وتهشمها فأمر معقول، منطقياً وواقعياً، وهو ما يحدث حالياً. 
الإطاحة بالبشير في 11 أبريل أنتجت منصات جديدة للعمل دخلت عبرها جماهير متفجرة الثورية إلى الساحة، تنظّمت بسرعة فائقة، ودشنت بذلك بداية الطور الثاني من الثورة السودانية. ولفهم العلاقة المعقّدة – على طرفي نزعتي الإنفصال والتوحّد بين المنصات القديمة والجديدة – أي بين هذه القوى الثورية البازغة – من جانب – وبين القوى التي كانت تملك منصاتها وتنظيماتها الجاهزة قبل الثورة من جانب آخر، لنفهم العلاقة بين الطورين، نحتاج أن نستعمل بعض التشبيهات المستعارة من خارج نطاق السياسة الثورية، وتتشابه معها في منطقها الديالكتيكي.
نستعير المثال من الحقل الطبّي: كانت تناقضات المجتمع السوداني قد بلغت درجة هائلة من الاحتداد في الشهور التي سبقت الثورة. وكان أعداء الثورة وحلفاؤها يترقبون اندلاعها، ولكل استعداداته. كانت الشروط الموضوعية في أتم النضوج، ولكن من سيحتضن أمشاج الثورة الضعيفة التي تواجه خطر الموت في أي لحظة؟.
إن برنامج (إعلان الحريّة و التغيير) هو الأم التي احتضنت تناقضات الثورة، لقد نمت الثورة في رحمه كما ينمو الجنين في رحم أمه تماماً، واكتسب منها بعض الصفات والملامح. واستمر كذلك حتى تبدّلت الظروف. وكانت 11 أبريل لحظة خروج الروح من جثة النظام القديم المتعفّنة هي ذاتها اللحظة التي اكتسب فيها الجنين روحه الخاصة وبدأ في الطرق بقوّة على رحم الأم، له منذ تلك اللحظة عقله الخاص ورغبته الفريدة في الحياة الجديدة المنفصلة عن ماضي أمه. استمرت الضربات تزيد أياماً وتهدأ أخرى، كل ضربة تضربها الثورة على الرحم الذي لم يعد يسعها هي صيحة مختنقة لحياة جديدة تريد أن تعلن حضورها، وتنطلق بحرية، وتفجّ صمت العالم بصوتها المنغّم بالإنتصار. قدر التاريخ في أن يُخرج الظاهرة من تناقضات ظاهرة أخرى، وهذا ليس عقوقاً، بل تعبيراً عن منطق التاريخ في تصارعه الأبدي. إن الصراع المؤلم بين أطراف (إعلان الحريّة والتغيير)، وبينها وبين هذه القوى المنتظمة تواُ، هو تعبير عن هذه السيرورة. وبنهاية التاسع عشر من مايو، انتهت أوهام من يريدون إبقاء الجنين في الرحم نفسه، وأن تظل الأم في معاناتها نفسها دون أن تضع وليدها، إن هؤلاء يصرّون على إبقاء الكرة على رأس الهرم نفسه إلى الأبد، أي يراهنون على ماضٍ جميل، وللمفارقة، مستحيل أيضاً. نحن والثورة على أعتاب نهاية فترة اشتباك الطور الأول بالثاني. وفي أوقات التنازع تظهر أعراض مرضيّة متنوعة، أبرزها في حالتنا هذه سيكون طغيان العادة في وضع يحطّم كل معتاد. على قوى الثورة أن تدرك إن للتعود على الأساليب القديمة في الثورة مخاطره الرهيبة والتي تصل لدرجة تعريض الثورة نفسها لخطر الإفناء. إن الأشياء تتبدّل في خضم الثورة بسرعة تذهب عقول من لم يعتادوا منطقها الإنفجاري والمباغت، لقد تغيّرت الظروف، والقوى، والأجواء والتحالفات وقوّة الطبقات وكل شيء كان يحكم العالم القديم منذ الإطاحة بالبشير، ويجب أن يكون الثوريون بنفس العقل، عليهم أن يتبنوا عقل الثورة، ويتركوا الصيغ الجاهزة المعتادة حتى وإن كانت قد لبّت حوجاتهم في الماضي. لقد أعلنت وفاة (إعلان الحرية والتغيير) بفشل إجتماع أمس لاقتسام سلطة كان يستحيل اقتسامها منذ البداية. إن الحركة الثورية في حاجة لنقطة ارتكاز جديدة، لبرنامج جديد، لتشكيل تنظيمي جديد، يبني على انتصارات الماضي ويطمح أيضاً لمواصلة الانتصارات في المستقبل. وكما يعرف جميع الناس : إن التأخر ساعة الولادة عن شق بطن الأم لإخراج الجنين يعني إعلان حكم بالموت عليهما سوياً. فمن دمٍ نازفٍ من شق صغير على بطن الأم، تنجو حياتان، أما التخوّف الأبله بتعريض الأم لأوجاع المشرط، فيقتل الأم والجنين سوياً. إن البرنامج الثوري الجديد هو مشرط الثورة لإنقاذ جنين قواها النامية تواً، في رحم القديم كان، وبخروجه معفّراً بالدم وعالقاً بأنسجة الماضي الواهية، يكتسب الحياة، وتنتصر الثورة، بالانتزاع الحنون.
إن مهمّة قدّام! الأولى في المرحلة القادمة هي طرح البرنامج الجديد، مستندة على التنظيمات الجماهيرية الجديدة، وعلى مطالبها الحقيقية المستمدّة من ظروفها الواقعية. برنامج لا يقبل التنازلات، ومفتوح على التحالفات مع كل من يريد بناء عالمٍ جديد، في آن. هذه هي الضرورات الموضوعية للطور الثاني من الثورة. وتعلم قدّام! أن الرضا الذاتي عن الإنجازات القديمة ليس مدخلاً للقبول والتأثير في المستقبل. وعليه، فإنها إذ تعرّف مهمتها التاريخية بدقّة، فإنها مستعدّة للقتال في سبيل الانتصار حتى النهاية. إن نجاح الإضراب السياسي العام مرهون بانطلاق هذه المهمّة، وليس بالضرورة أن تنتهي مع إعلانه. ففي 13 مارس، فشل الإضراب العام الذي كان قد دعا له موقعو (إعلان الحرية والتغيير) لسبب موضوعي. وهو أن برنامج الإعلان كان واقعاً في تناقض صارخ، فهو لا يلبي مطامح معظم الجماهير التي كانت – بإضرابها – ستطيح بالنظام، وفي نفس الوقت الذي كانت فيه قوى (إعلان الحرية والتغيير) تطالبها عبر الخطابات المحشوّة بالحماسة أن تقاتل في سبيل حماية (الوطن). كان بين قوى الإعلان وقوى الثورة التي يقصيها الإعلان هوّة لا تردم. ففشل الإضراب. ليس هنالك من درب للانتصار سوى كسر قيد (إعلان الحرية والتغيير) عن أيدي القوى الثورية الجديدة التي بزغت بعد الإطاحة بالبشير، وردم الهوّة عبر برنامج جديد يجذبها ويعبّر عنها. هذا أول شروط الاستجابة الواقعية لتقلبات الثورة.

نواصل،

قدام! نحن الغضب نحن الشعب

لماذا يجب حل جهاز الأمن؟ 7 أسباب

أنشأ النظام جهاز الأمن من أجل هدف واحد : قمع الثورة.
الإنقاذ نظام دكتاتوري، ووضعت احتياطات للمحافظة على نظامها كما هو، وأول هذه الاحتياطات هو جهاز الأمن. الجهاز يدين بالولاء الكامل للنظام. كل أفراده مهما كانت رتبهم موالون له، لا يوجد أمنجي “جيد”، كلهم أعداء للثورة.
يطالب الثوريون بحلّ الجهاز كخطوة أولى بعد اختفاء البشير عن الساحة وتكليف ضباطه بإدارة الأزمة. هذه هي الأسباب الأبرز وراء هذا الطلب.
واحد : غير عملي
النظام الحالي يخاف من كل الناس، ويحاول أن يراقبهم ويعرف أدق التفاصيل عن حياتهم في كل يوم وكل لحظة. ولهذا ينتشر عناصره في كل مدينة، حي، وشارع، ويجمعون كل الأحاديث التي يسمعونها.
كل ما يجمعه أفراد الأمن خلال يوم العمل هو من شاكلة “فلان عايز قروش من فلان” و “علّان يتعاطى المخدرات” و “فلانة عليها ملاحظات أخلاقية”، وما شابه ذلك من تافه القول. هذه ليست معلومات استخباراتية سرية عن طراز جديد من الصواريخ العابرة للقارات مثلاً، بل أقاويل لا سند لها. ماهي الفائدة التي ستجنيها بلادنا من هذه “الشمارات” و”القوالات”؟.
التجسس على الناس ليس حفظ الأمن. يوجد فرق.
جهاز الأمن يوظف كوادر بشرية وميزانيات قياسية في جمع أشياء غير مفيدة، بل ومضرّة. نشاط جهاز الأمن الحالي غير عملي ولا يحفظ الأمن ولن يحميه من هبة الشعب الثائر كما يأمل. والدليل أمامنا في الميدان.
اثنان : جهاز فاسد ويتستر على الفاسدين
بقول تقرير المراجع العام كل سنة أن الجهاز وشركاته يرفضان الخضوع للتفتيش المالي. ولا يحتاج اثبات فساد ذمّة ضباط الجهاز وأفراده إلى أدلة أكثر من التي يعرفها الجميع : العين تشوف والعقل يفهم. كم من عاطل أصبح من الأثرياء بعد أن تولى منصباً بجهاز الأمن أو شركاته؟. المال في جهاز الأمن سايب، والمال السايب يعلم السرقة.
لا يقف موضوع الفساد على منتسبي جهاز الأمن فقط، بل يتعداهم إلى مجمل شرائح وطبقات الفاسدين المقرّبين من النظام، فهو يحميهم ويتستر عليهم، ويدمّر الأدلة التي تدينهم. هل تمّت محاكمة محاكمة أي فاسد استناداً على أدلة وقرائن جمعها جهاز الأمن؟ هل بمقدوره التنقيب في أسرار ثروات البشير واخوته وعائلته الممتدة؟ وعائلات مدراءه الكبار وأفراده؟ هذا أمر مستحيل طبعاً.
ثالثاً : جهاز عميل
يسلّم جهاز أمن النظام معلومات إلى دول أجنبية أخرى حسب الطلب. ربما يقول أحدهم أنها ممارسة متعارف عليها بين الأجهزة الأمنية في العالم، ولكن هذا ليس صحيحاً. 
يجب أن نميّز بين التعاون الاستخباري، وهو أن يتفق جهازان على تبادل المعلومات حول مسألة خطيرة مثل تجارة البشر أو تهريب المخدرات على قدم المساواة في علاقة نديّة، وبين أن يأمر جهاز أجنبي من جهاز الأمن الحالي أن يحضر له معلومات يحتاجها دون أن يكون الجهاز الأجنبي مطالباً بالمعاملة بالمثل. جهاز الأمن الحالي هو (خادم سيدو)، يؤمر فيطاع.
إنه يجمع هذه المعلومات بأموالنا نحن، ويسلمها مجاناً، أو مقابل تراب القروش، لجهات أجنبية أخرى.
ولا تريد العديد من الأنظمة القمعية لثورتنا أن تنجح، لأن لها مصالح مع النظام الحالي، وإذا نجحت ثورتنا فربما نهدد هذه المصالح، إن جهاز الأمن يعمل لصالح الأنظمة الأجنبية في محاولات سحقه لثورتنا، إنه يحمي المصالح الأجنبية على حساب مصالح المواطن السوداني. 
هذه هي العمالة عارية ومكشوفة.
أربعة : جهاز تمييزي
الشكل الأول من التمييز هو المعاملة التفضيلية التي يجدها الجهاز على حساب مؤسسات أخرى من الجيش. يأخذ الجهاز ميزانيات ضخمة من الميزانية العامة، وتحقق شركاته الاستثمارية أرباحاً طائلة من شركاته الاستثمارية. أين تذهب هذه الأموال؟ مثلاً: يتلقى ضابط الأمن في المتوسط 15 ضعف راتب الضابط في القوات المسلّحة، ويحصل على تسهيلات وامتيازات مصرفية وسكنية يستحيل على ضباط بقية الأجهزة أن يحلموا بها حتى. 
الشكل الثاني هو التمييز والانتقاء في الاختيار للعمل بالجهاز. يتم انتقاء ضباط وأفراد الجهاز بناءاً على درجة ولائهم للنظام، وهم في الغالب أعضاء في حزبه السياسي. وهذا يكشف المهمة الرئيسية للجهاز: حماية النظام، لا حماية الوطن. 
الشكل الثالث هو بث الفرقة بين فئات الشعب المسحوقة، بتعزيز الانتماءات القبليّة، وترسيخ الاستعلاء الجهوي، والحرمان من الخدمات العامة لأسباب سياسي، والفصل للصالح العام لمن لا يضمن ولاؤه. 
إن الثقافة التي يتلقاها ضباط وأفراد الجهاز ويتشربون بها هي ثقافة الاستعلاء على كل من عداهم من منسوبي الدولة الآخرين وعلى المواطنين. ويتعلمون أن ولاءهم للبشير والنظام فقط، ولتنظيمهم الخاص. وهم في أمان من المحاسبة على جرائمهم.
جهاز الأمن هو مليشيا حزبية مسلّحة تحمي النظام، وليس مؤسسة عسكرية لحماية الوطن.
خمسة : يهدد السلم الاجتماعي
أساليب جهاز الأمن تتسب في أضرار اجتماعية ونفسية لا تحصى. إنه يستهدف الثوريين وكل ما يرى أنه يمثّل تهديداً للنظام عبر بث الإشاعات، واغتيال الشخصية، والكذب، والتشكيك في الذمم المالية والسلوكيات الأخلاقية.
إنه يثير النعرات القبليّة، ويختلق الخلافات بين أبناء الحي الواحد، ويزرع في كل شخص إحساس الشك في الآخر. 
جهاز الأمن أكبر مهدد للسلم الاجتماعي.
ستة: جهاز عاجز
تعرّضت بلادنا إلى عدد كبير من الضربات العسكرية الأجنبية طوال فترة الإنقاذ. إن جهاز الأمن عاجز بسبب ثقافته الإدارية وتركيب هياكله وعقيدته القتالية عن مواجهة التهديدات الأمنية الخارجية. لقد ضربت الولايات المتحدة مصنع الشفاء، وقام سلاح الطيران الإسرائيلي بعدد لا يحصى من الضربات الجوية داخل البلاد دون أية مقاومة. 
من يسمع تصريحات منسوبيه عن قدراته، وتهديداتهم المتواصلة للمتظاهرين العزّل بالقتل والتصفية، وسرعة استجابته لإطار محروق في دقائق معدودة، لظنّ أن إسرائيل لن تجرؤ على التفكير بضرب الخرطوم، ولكن من الواضح أن جهاز الأمن ينطبق عليه مثل “أسد علي وفي الحروب نعامة”.
جهاز الأمن عاجز عن حماية البلاد من التهديدات والاعتداءات الأجنبية، #يسقط_بس
سبعة، خاتمة : الأمن حصيلة،
يحس الإنسان بالأمن بعد أن يتحرر من ضغط الحاجة للخبز والدواء والحياة الكريمة، ولا يخشى التعبير عن رأيه في شؤون بلاده بحرية. أما الحديث عن حفظ الأمن في بلد مليئة بالجوعى والمحتاجين فأمر مستحيل. الأمن حصيلة، وامتطاء التاتشرات، وإطلاق الرصاص عشوائياً في كل اتجاه، وتصفية الثوريين وبث الاشاعات لا يأتي بالأمن، بل يزعزعه.
إن جهاز الأمن الحالي غير قابل للإصلاح، إنه فاسد تماماً، وهو المهدد الرئيسي للأمن. كل أفرعه ومؤسساته وأفراده يشكلون قوى الثورة المضادة. إن حل جهاز الأمن حلاً كاملاً، وإعادة بنائه من جديد على أسس مؤسسية وعلمية شفافة وواضحة لا يمكن أن تتم إلا تحت حكم ديمقراطي كامل. 
استمرار جهاز الأمن يعني استمرار اهدار الموارد، واستمرار التمييز، واشتعال النزاعات القبليّة، وبقاء بلادنا تحت رحمة القوى الدولية، وهذه مشاكل لا يمكن معالجتها بالحلول الجزئية. إنه عدو لكل ما ترفعه الثورة من شعارات وما تريده من أهداف.
جهاز الأمن الحالي هو عدو الثورة، حل جهاز الأمن هو حماية للثورة.

يسقط الجنرالات: سقط النظام ولازالت المعركة مستمرة؛ معركة بناء الوطن

تتنافس الآن عدة انقلابات داخل المؤسسة العسكرية هدفها جميعاً هو قطع الطريق أمام الثورة، و هي تقف جميعاً ضد لتوحيد قوى الثورة من جنود القوات المسلحة و فقراء شعبنا. و رغم إتفاق كل فصائل الإنقلابيين على هذا الهدف، فإن التنافس بين كبار الضباط و مؤسسات النظام البائد، و تخوفها من تصفية الحسابات فيما بينها، جعل اتفاقها على كيفية تنفيذ هذه المهمة موضع شك.سيعلن كبار ضباط القوات المسلحة إزاحة البشير، لكن سيبدأ فصل جديد من فصول الديكتاتورية، حيث ستفضي هذه الاصطفافات المضادة للثورة إلى إعادة إنتاج النظام البائد وفق أسس وشروط جديدة. إن البيان العسكري الذي سيعلن في الساعات القادمة هو صافرة بداية الثورة المضادة. وسيكون لها عدة أشكال و أقنعة، ليس هدف قوى الثورة هو الانحياز لهذا الطرف الإنقلابي أو ذاك ضد الآخر، بل مواصلة التعبئة الجماهيرية من أسفل، وكشف مخططات الإنقلابيين مهما تلونت خطاباتهم، كلهم زيف، قد تصل الأمور بينها إلى درجة المواجهة المسلحة. إن الهدف الأساسي لثورة الجموع هو مناهضة كل أشكال الاستبداد، القديمة منها أو الجديدة. فلتتوحد قوى الثورة ضد أي نمط جديد من أنماط الدولة العميقة، دولة العسكر التي ظلت تنحاز منذ استقلال السودان للفئات النخبوية المهيمنة سياسياً واقتصادياً. وإذا كانت عهود النظام البائد قد أخفت كل أشكال الصراع الطبقي، فقد آن أوان الفرز الطبقي الحاد، مجسدة بذلك أعنف شكل من أشكال الثورة المضادة لثورة فقراء الريف والحشر. إننا الآن في مفترقات سبل بناء دولة المواطنة و الحقوق و المؤسسات. أي البناء القاعدي من الأسفل إلى الأعلى، ومن الأطراف إلى المركز. إننا سنعمل معاً على بناء دولة تكون قادرة على إعادة توزيع الموارد و الثروات القومية بشكل منصف و عادل بين كل المجتمعات المحلية، من جهة، وبين الطبقات الفقيرة، من جهة أخرى.اننا نمضي الان قدماً صوب أطوار و مسارات بناء دولة تنحاز للفقراء والمهمشين و المقيمين و المنبوذين.
قدام! نحن الغضب، نحن الشعب
#سقطت_تب#مدن_السودان_تنتفض#يسقط_الجنرالات

الدواء حق -3-

الصراع في سبيل الشفاء :
ما الذي يجري في عالم شركات الدواء العملاقة؟ خمسة مشاهد.

بعد أن شاهدنا القصص الواقعية عن آثار تسليع الدواء على حياة الناس العاديين، بقي أن ننظر إلى الجانب الخفي من المعادلة، أي إلى تجّار الدواء ومصنّعيه، في الداخل كانوا أم في الخارج.
دعونا نمعن النظر في وضعنا في العالم : نحن دولة أنزلت جبراً إلى أسفل السلم في جميع المجالات، ولعب النظام الحالي الدور الأعظم في ذلك، 
ولكن،
تجارة الدواء وصناعته تكشفان علاقة ارتباط عجيبة. بين طرفين، يبدو وللوهلة الأولى أنه لا شيء يربطهما سوياً.
—-هنالك شركات عالمية تجني أكبر الأرباح من الدول الضعيفة، مثلنا، وتوجد داخل هذه الدول بعض الفئات التي تستفيد من هذه الحالة الذليلة، فتقتسم مع هذه الشركات هذه الأرباح، بدون النظر إلى حالة الناس وعزّة البلد.
إن الشركات الدوليّة للدواء وتجّاره المحليين مثل طرفي المقص : يعملان سوياً، لا فائدة لأحدهما دون الآخر.
هذه الحلقة مكرّسة لفهم الطريقة التي تعمل بها هذه الشركات بالتعاون والتنسيق مع التجّار المحلّيين والحكّام الفاسدين.
سنغادر عنابر المستشفيات والصيدليات، ونلج عالماً آخر. عالم البورصة، وسوق الأسهم، والفساد، والتلاعب بالمعايير، واتفاقيات التجارة الدولية. 
لن نسمع آهات المرضى، لن نجد العاطفة الإنسانية، بل الحسابات الباردة القاسية، سنرى العنف الذي يرتدي أفخم الأزياء ويتحدث بأكثر النبرات هدوءاً. عالم الدواء وشركاته هو عالم الموت المستتر بالتهذيب.
قد يستغرب البعض منّا، ويتساءل: ما علاقة هذين العالمين؟
استعد!.
(1)
كم هي أرباح صناعة الدواء؟ 
بقيت هذه الصناعة على مدى سنين طويلة على قمّة هرم الربحية العالمي، لا يشاركها في ذلك سوى صناعة السلاح والبرمجيات. من أين تأتي كل هذه الأرباح؟ تقول أسطورة غريبة أنها ناتجة عن ابتكارات علاجية فريدة، ومفيدة وعبقرية، تنجها هذه الشركات كل سنة وتنفق عليها بسخاء شديد من أرباحها التي تجنيها. ال وتوجهها نحو السوق، الذي يتلقّى هذه الانتاجات بحبور شديد، فيشتريها وتربح الشركات. وتتكرر الدائرة.
هذه، وكما أسلفنا، مجرد أسطورة.
أجرى باحثان هما دونالد رايت و دويل ليكتشين دراسة سنة 2005م عن إنفاق الشركات الدوائيّة على البحث والتطوير. وجدا أمراً قد يبدوعجيباً للوهلة الأولى : أن هذه الشركات تنفق بعد الخصومات الضريبية، 1% فقط، أجل! واحداً في المئة، من عائداتها على البحث. ليس هذا فحسب، بل القادم هو الأسوأ : 
—- لا توفّر الأدوية والمستحضرات الجديدة التي تطلقها هذه الشركات في السوق سوى إضافة علاجيّة ضئيلة، أو لا شيء على الإطلاق. في مجلّة برسكرايل انترناشيونال، نُشرت ورقة بحثية حول سوق الدواء في فرنسا ، وخلصت إلى أنه خلال العقد الواقع بين 2005م-2014م، تم طرح 1032 دواءاً جديداً، وهوعدد كبير، ولكن كم ياترى كانت فائدتها على المرضى؟
تقول المجلّة : فقط 66 دواءاً تحمل إضافات علاجية جديدة.
وماذا عن البقية؟ هي إما مضرة وغير مقبولة بالمعايير الطبية، 
وإما أنها لا تقدّم أي فوائد علاجية جديدة على الإطلاق.
ستة وستّون من أصل ألف واثنين وثلاثين ! . وهذا في فرنسا، وليس في بوتسوانا !.
تبرر الشركات الدوائية أرباحها الباهظة بالإنفاق السخي على البحث والتطوير، وبأن الاستثمار في قطاع كهذا هو أمر محفوف بالمخاطر الإقتصادية، وتشيع أنه من بين كل 10 آلاف مركب دوائي، واحدٌ منها فقط يتطور ليصل مرحلة الدواء، وأن تكلفة الوصول إلى دواء واحد تبلغ اثنين مليار ونصف المليار دولار. 
هذه الافتراضات تستند إلى بيانات سريّة غير قابلة للتحقق المستقل. ولا يسندها المنطق والوقائع المشاهدة.
لنفكر بالمنطق الإقتصادي نفسه : إذا كانت عمليّة تطوير الدواء بهذه الخطورة، أليس من المنطقي أن تتفاوت حظوظ الشركات الدوائية من سنة إلى أخرى، وفيما بينها؟ ولكننا نجد العكس تماماً : تتزايد الأرباح سنة وراء سنة، ودون توقّف أو تباطؤ. وهذا ما لاحظه أيضاً طبيب واقتصادي، هما ستانلي فرانكستاين وبيتر تمين ، من معهد ماساسوسيتش للتكنولوجيا بالولايات المتحدة عندما صرّحا (لا يهم عدد المرّات التي حذر فيها محللو الأسواق أن نهاية براءات الاختراع تهدد هذه الشركة أو تلك بالاندثار، لم يحدث ذلك على الإطلاق).
لماذا يحدث كل هذا ؟ 
لماذا تكذب الشركات؟ ولماذا تنتج أدوية لا فائدة علاجية ترجى من ورائها؟ ولماذا تتواصل أرباحها في الارتفاع رغم كل هذا؟ ولماذا ولماذا؟ عشرات الأسئلة تتناسل. وسنجد عليها الجواب.
علينا تحويل أنظارنا مرة ثانية إلى مكان جديد. خارج المصانع المعقّمة وغرف الاختبار المليئة بباحثين يرتدون الكمامات وملابس عازلة، ويتلوّن كل شيء فيها بالأبيض، 
علينا أن نذهب إلى البورصة. للغرابة.
في الماضي، كانت أرباح الشركات تأتي مما تنتجه. فورد تكسب من انتاج موديلات سيارات جديدة، وجنرال الكتريك تطوّر تقنية جديدة لصالح مهمة ناسا نحو القمر، وبوينغ تحسّن من محرّكاتها النفاثة وتنتج طائرات أبعد مدى وأكثر راحة، وهكذا كانت قاعدة (أنتج تكسب) هي السائدة.
ولكن، منذ الثمانينات، دخلنا في طور جديد. لم تعد الربحية رهينة بالإنتاج، بل بشيء آخرتماماً.
ظهر سوق الأسهم باعتباره ما يحدد مصير الشركة. كلما زاد إقبال المستشمرين على شراء سهم الشركة ، ارتفعت ارباحها. 
الإنتاج لوحده لم يعد كافياً.
ماذا تفعل الشركة في هذه الحالة؟ عليها أن تجذب نظر المستثمر في سوق الأسهم بدلاً عن المستهلك. وهذا تحوّل خطير للغاية رغم أنه يبدو للوهلة الأولى بلا معنى.
“بيدرو كواتريكاساس” من كلية الطب والصيدلة في جامعة كاليفورنيا يقول (إن حاملي الأسهم، ورجال البنوك الاستثمارية، والمحللين، الذين لا يعرفون سوى القليل عن اكتشاف الدواء، يمارسون ضغوطاً كبيرة على المدراء التنفيذيين لشركات الدواء من أجل العائد السريع). 
ولكي يحافظ المدراء التنفيذيون على جاذبية شركاتهم بالنسبة لمجتمع سوق الأسهم، لا بد لهم من تطوير بعض الأساليب الجديدة. لننظر إليها مجملاً، ونعود لتفصيلها واحداً تلو الآخر. 
(2)
يشتري مستثمر ما سهماً في شركة دوائية لأنه يرى في سجلاتها المالية استمرارية في الأرباح. ويقول : “تنتج هذه الشركة عدداً من الأدوية التي ينتجها مصنّعون آخرون، ولكن تبيع ضعفي أي واحد منهم. هذا أمرجيد، سأشتري هذا السهم.
يحاول المدير التنفيذي للشركة الدوائية المتعددة الجنسيات تلبية هذا الشرط. ماذا يفعل؟ عليه أن يضمن أن سعر الدواء الذي ينتجه يلبي شرطين : الحفاظ على حصّته السوقيّة، وهذا لا يعني تخفيض سعر الدواء، بل قد يعني رفعه في بعض الأحيان. فبعض الزبائن لا يشتري إلا الدواء الغالي، يفكّر المدير “إذا خفّضت سعري قد أخسر بعض المشترين ومعهم جزء من حصّتي في السوق”، وثانياً يحافظ على نسبة العائد الذي يحققه هذا الدواء بالنسبة لأرباح الشركة ككل. 
أحد الأدلّة البارزة على هذه الآلية هو ارتفاع سعر دواءٍ خاص بعلاج مرض ” التصلّب المتعدد ” في الولايات المتحدة من أحد عشر ألف دولار في منتصف التسعينات، إلى 60 ألف دولار في أيامنا هذه. رغم أن الدواء لم يتغيّر فيه شيء.

إذا ظلت الشركة محافظة على حصتها السوقيّة في دواء معيّن، وانخفضت عائداتها الكليّة، فلن يجذب ذلك أي مستثمر، عليها أن تحافئظ على الأمرين سوياً. وإلا فستخسر. 
لهذا السبب بالذات تحافظ كل الشركات على سريّة عمليّات التسعير وتحصر المعرفة بها في نخبة قليلة من مدرائها، كما كان السحرة القدامى يخفون تعاويذهم ويتناقلونها فيما بينهم جيلاً بعد جيل بحرص شديد.
ينظر المستثمر إلى خطط تطوير الشركة الدوائية، ويجد أنها تعمل على تطوير دواءٍ معيّن لمرض نادر، وتشير دراسات السوق أنه سيحقق عائدات ملياريّة للشركة فور دخوله السوق. “يا له من أمر جيّد، سأشتري هذا السهم” يحدّث المستثمر نفسه. فماذا سيفعل المدير التنفيذي لشركة الدواء ليحقق له مايريد؟.
بما أن الدواء في نظر هذين الطرفين مجرّد سلعة، فسيقوم المدير بضخ المزيد من الأموال في البحث عن أدوية جديدة، ولكن، أدوية لأية أمراض؟.
يوجد فرق كبير بين الأمراض التي تصيب مواطني الدول الغنيّة، وتلك التي تصيب مواطني الدول النامية والفقيرة. ومن المنطقي أن ترغب شركة دوائية في الحصول على أعلى أرباح ممكنة، عليها أن توجّه انتاجها نحو أولئك القادرين على سداد الفواتير. من يأبه بمرضى الجذام النائمين ليلاً جوار معمل استاك وسط الخرطوم، لا تنفَق الأموال في تطوير أدوية للأمراض التي تصيب من لا يملكون المال. هذا ما تفعله الشركات الدوائية، تنفق على الأدوية التي ستدر الأرباح حصراً. 
حسب دورية “لانسيت الدولية للصحة” فإن سبعة وثلاثين دواءاً من فقط من أصل ثمانمائة وخمسين تم تسويقها في الفترة الواقعة بين سنتي 2000م و 2011م، كانت موجّهة لعلاج هذه الأمراض الوبائيّة. 
أي 4 في المائة فقط. لمن يمثلون على الأقل نصف سكّان الكوكب. 
ما الذي يحدد سعر الدواء في هذه الحالة؟ تقول إشاعة ما أن حجم الإنفاق على البحث والتطوير في دواءٍ معيّن هو العامل الأساسي في تحديد سعر الدواء. 
لن نشغل أنفسنا بحشد الوقائع والأدلّة، سندع أصحاب الشأن يكشون الغطاء عمّا هو خفي.
لنسمع ” هانك ماكنيل “، وهو مدير تنفيذي سابق في شركة فايزر الدوائية الأمريكية، وهو يقول : (الاعتقاد أن ما يحدد أسعار المنتجات في صناعتنا، أو أي صناعة أخرى، هو استعادة ميزانية البحث والتطوير هو تصوّر خاطئ.) 
ما يحدد السّر هو قوى السّوق، كلما كان المريض يائساً أكثر، كلما كان مضطراً لدفع سعر أعلى.
أليس هذا هو التعريف الجنائي لـ(الابتزاز)؟.
(3)
لنكمل مسار القصة، ولنتخيّل أن الدواء قد دخل مرحلة التجارب السريرية النهائية قبل دخوله للأسواق. 
تسود رؤية متفائلة حول الرقابة على الدواء في الدول المتقدّمة، مفادها أن الرقابة هناك أفضل وأكثر حياديّة. هذه رؤية لا تستند إلى الوقائع العمليّة. 
لم تشهد الثمانينات موجة أمولة شركة الدواء وتركيزها على القيمة السوقيّة فقط، بل تبدّلت فيها قواعد الرقابة على الأدوية. وكل ذلك جرى في مصلحة الشركات وحاملي الأسهم فقط. الدولة كانت في هذه الحالة ،كما كان العهد بها دائماً، لجنة تنفيذية للطبقة المستفيدة.
لنأخذ المثال البارز من بريطانيا “هيئة الرقابة الدوائية”. لقد ظلّت هذه الهيئة حتى سنة 1989م تتحصّل على تمويلها من الضرائب العامة ومن رسوم الشركات. وبعد تلك السنة أصبح تمويلها يأتي بنسبة 100% من الشركات، تماشياً مع فلسفة السوق الحر التي كانت تطبقها رئيسة الوزراء في ذلك الوقت مارغريت تاتشر. يشرح كورتني ديفيس ودون ابراهام من كينغز كوليدج بلندن ماجرى بلغة واضحة ( شهدت السنوات الثلاثون الماضية طوفاناً من اصلاحات فك الرقابة، هدفها ظاهرياً هوتشجيع الابتكار الصيدلاني الذي سيخدم، في آن واحد، المصالح التجارية للشركات والمصالح الصحيّة للمرضى) ويؤكد أبراهام أن بمقدور الشركات أن تؤثر – ليس فقط على الوكالات الرقابية – بل على الحكومة ككل عبر التبرعات الماليّة، وأعمال اللوبيات، وحتى تعيينها ممثلين عنها في الهيئات الحكومية المسؤولة عن الرقابة على الدواء وفرض الضوابط. 
والله يا شركة الدواء، تفلق وتداوي!
تزامن ذلك مع تخفيض حكومات الدول المتقدّمة للميزانيات المخصصة لوكلات الرقابة على الدواء، مما وضع شركات الدواء في موقع يسمح لها بالتلاعب بنتائج الاختبارات السريرية. 
مدير الشركة التنفيذي لن يقبل برفض الدواء الذي ابتكره، فهذا يعني هبوط سعر الشركة، والخسارة، والطرد. 
لنر كيف يتم ذلك.
في وكالة الدواء الفيدرالية الأمريكية، يبلغ الوقت القياسي لاختبار الدواء الجديد المقدّم للوكالة ثلاثمائة يوم. ويجب على الوكالة أن تكمل 90 في المائة من الطلبات خلال هذه المدّة الزمنية. وإن لم تحصل ذلك، فإن رسومها التي تجنيها مهددة بالسحب من قبل الشركات مما يعرض عائداتها للخطر. ولهذا، يبدو أن الوكالة تتساهل تجاه معايير السلامة. تقول دراسة منشورة في مجلة نيو انغلند للطب أن نسبة سحب لأدوية التي أجيزت قبل شهرين من موعد الإجازة النهائي أكبر بخمس مرّات تقريباً من باقي الأدوية. وهذا لا يمكن أن يعني شيئاً سوى أن التلاعب بالمعايير سببه هو تقديم الربح على البشر، وهذه أزمة دوليّة بملامح سودانيّة.
إن قصور آليات الرقابة والمتابعة الوطنيّة سببه هو الإنصياع لهذه الشركات فحسب، ليس التحقق من صلاحية الدواء أمراً مستحيلاً، ولكن الأنظمة التي تتلاعب بصحّة مواطنيها ترى في هذه الآليات ترفاً غير مقبول. ويريد من يمسك بزمام الأمور نهب حصّته من الربح على حساب المواطن. تخريب آليات الرقابة الدوائية هي السلاح الثاني في عتاد مدراء الشركات الدوليّة والتجّار المحليين.

الدواء حق -2-


” تم تغيير الأسماء والأماكن حفاظاً على خصوصية المشاركين”
سلمى محمد،
“أنا ربّة منزل وأم لأربعة أطفال”. هكذا وصفت لنا وضعها الإجتماعي. تسكن سلمى أحد الأحياء الطرفية في العاصمة، زوجها عامل مخرطة في المنطقة الصناعية. وتحكي ” كانت أمورنا كويسة والحمد لله، ساكنين وماكلين وشاربين، الحمد لله مستورة ومبسوطين وراضين بالمقسوم .
تنهر أحد اطفالها وتطلب منه مغادرة الغرفة،
وتواصل في الحكي ” بس في يوم ظهرت لي حبّة في صدري الشمال، لاحظت ليها وأنا بستحمى ، بس ما ركزت قلت عضة حشرة وبتروح، ما انتبهت إلا والحبّة بقت كبيرة وماشة تزيد، بقيت حاسة طوالي بـ طمام بطن ، ولفة راس. وزني بقى في النازل وكل الأهل بقوا يعلقوا لي : (مالك كملتي من لحم الدنيا كده؟)، (ما عرفتك والله يا سلمى! عندك سكري ولا شنو؟)، أنا زاتي حاسة اني ما كويسة. بعد فترة بدأ ألم حولين الحبّة دي، ويزيد وبزيد لامن حماني النوم، ووجع برضو في البطن والظهر. وجع شديد زي السكاكين بتقطّع فيني، غلبني، كلمت أحمد <زوجها>، سألنا من دكتور كويس وصفوا لينا واحد مشينا ليهو ” تقطع حديثها بعد أن وصلت لهذه النقطة، ويترقق صوتها “طلع المرض البطال بعيد عنكم”.
أصيبت سلمى بسرطان الثدي وهي في الثلاثين من عمرها. وللمقارنة، تصاب أنثى من كل ثمانية في السودان بالمرض، مما يضعه على قائمة أكثر الأمراض تسبباً بالوفاة. مما يجعل قصّتها تكراراً لقصص كثيرة، وآلام مكبوتة وراء جدران المستشفيات وغرف البيوت. إنها نموذج يتكرر بصور مختلفة. 
لقد انقلب عالم سلمى رأساً على عقب. 
عندما زرناها هي و زوجها وأخبارناهم بنيتنا تسجيل حلقة عن مشاكل المواطنين مع الدواء، قال “مشكلتنا كلها مع أب قردة دا”.
تداولت وسائل إعلام محليّة تصريحاً منسوباً لوزير الصحّة الاتحادي بحر إدريس أبو قردة قال فيه “مرضى السرطان ديل بنصرف عليهم قروش كتيرة وفي الآخر بموتوا “، ووجه التصريح بحملة انتقادات عنيفة. يقول أحمد بغضب شديد “بالله دا كلام دا؟ دا بقى وزير كيف؟ الموت دا من العيّان؟ في عيّان عايز يموت يعني؟ الموت دا أمر الله، نحن نبطّل العلاج عشان ما نخلّص قروش الحكومة ولا الفهم شنو؟ “.
بعد أن استمعنا لقصّة سلمى، وجدنا أنفسنا في وسط معضلة كبيرة : 
إن كنا نريد فهم السبب وراء عجز سلمى وملايين من أمثالها في العثور على الدواء، علينا ألا نكتفي بعالم الصيدليات والمستشفيات، وأسماء الوصفات والأدوية التجارية، والشركات الصيدلانية. علينا أن نمر عبره فقط لنلج عالماً أوسع وأكثر تعقيداً، يجب أن نفهم المجال الإجتماعي الواسع. يجب أن نفهم الفساد، والتفاوت الإجتماعي، والقطاع غير المهيكل والعمل المؤقّت، والخصخصة، باختصار : لقد اكتشفنا أن الدواء ليس مجرّد سلعة، ليس منتجاً على الرف يستلمه المشتري بعد دفع النقود، إنه، وفي مجتمعنا المعاصر، وبطريقة تداوله التي نراها أمام أعيننا، تجسيد للأوباء والمخازي كلها. 
عجز سلمى وأمثالها عن الوصول للدواء ليس إلا نصف المشكلة، أو أقل!.
ووجدنا أن الواجب علينا أن نكمّل هذا الاستقصاء الصحفي بالمعرفة الإجتماعية العامّة.
تتلقى سلمى جرعات العلاج الكيماوي في مستشفى الذرّة بالخرطوم. تحصل على جزء كبير من الأدوية بدون مقابل، وهو أمر من المتوقّع أن يتغيّر قريباً مع تشديد الحكومة للتقشّف المالي. 
لا تملك سلمى ولا زوجها أي تغطية تأمينية مثل غالبية العمال اليدويين في السودان. يُنظر للتأمين الحكومي العام بأنه مضيعة للمال فحسب، فهو لا يغطّي عدداً كبيراً من الأدوية، أو هي غير متوفرة إلا في صيدليات التأمين الحكومية البعيدة جغرافياً عن مناطق سكن معظم المستفيدين من التأمين الحكومي حسب رأيهم ، ولا يمكن الحصول عليها إلا بالدخول في دوامة من الإجراءات البيروقراطية العقيمة. أما أقساط التأمين الصحي في شركات التأمين الخاصة، فهي باهظة للغاية مقارنة بدخولهم، وقد يبلغ قسط التأمين مرة ونصف دخل العامل العادي، 
ولذلك يجدون أنفسهم بدون أن تأمين صحي ملائم.
ماذا تفعلون إذا مرض أحد أفراد الأسرة ؟ سألنا أحمد زوج سلمى. قال ” عندنا كشف بنعملوا نحن الأهل وبعدّاك بنشوف لينا طريقة نجيب قروش من الخيّرين إذا ما غطّى “. 
ولفهم السبب في عجز زوج سلمى عن الحصول على الدواء غير المشمول في الحزمة المجانية، علينا أن نزور مكان عمله.
أدت سلسة من عمليّات الخصخصة وبيع منشآت القطاع العام إلى تشريد الآلاف من العاملين، وكما أن الحرب الأهلية التي تصاعدت بعد سنة 1989م، قادت الملايين للنزوح من مناطق الحرب إلى العاصمة الخرطوم. 
اجتمع المعطّلون الجدد بالنازحين، فأصبحت البطالة سمة سائدة للعاصمة.
قاد العرض الكبير من العمالة إضافة إلى الركود الإقتصادي إلى تخفيض الأجور بصورة دراماتيكية. أصبح العمل من أجل سد الرّمق، اليوم باليوم، هو الشكل الأكثر انتشاراً. لم يعد هناك من مهرب، إما أن تعمل بأي أجر تجده، وإما أن تجوع ويجوع أطفالك. إنه خيار صفري. وصل انخفاض الأجور مع استفحال الأزمة الإقتصادية ليصل درجات لا يصدّقها عقل. هل تريد عزيزي السامع أن تضحك في وسط هذه المأساة؟ بسعر الدولار الرسمي البالغ 47 ألف جنيه مقابل الدولار، هل تعلم أن الحد الأدنى للأجور الرسمي في السودان يبلغ 9 دولارات؟!!! 
نعم ، 9 دولارات!، و دا بأسعار الحكومة كمان. وهي 4 دولارات إن أخذنا سعر السوق الأسود. وهو الأصح.
هذا الواقع، أسوأ من الكابوس.
غابة من العاطلين الذين يريدون فرصة للعمل، يفكّر صاحب العمل ويقول لنفسه : كل عامل قابل للإستبدال، سأجد من يقبل بأجر أقل مما أمنحه حالياً،. “ما عجبك؟ دا العندي، ما نفع معاك اتخارج”. كثيراً ما سمع <أحمد> هذه الكلمة تتردد في المنطقة الصناعية، مصحوبة باللعنات والشتائم لصاحب العمل مع كلّ خلاف حول الأجور. لقد تجمّدت الأجور، رغم أنها لا تكفي شيئاً. ليس هناك كاسبون، كل العمّال حاسرون، ولكنّهم جميعاً عاجزون عن التحرّك، هناك الالآف ينتظرون في الصفوف مستعدون لشغل الأماكن الشاغرة.
الخصخصة هي ما صنع سوق العمل الذي يشقى فيه <أحمد>. 
لنستمع إلى أحمد يروي قصة يومه : “بصحى أذان الصبح، بمرق أصلي في الجامع ومنها طوالي أركب المواصلات ، بصل الورشة وبشرب لي كباية جبنة وببدأ شغل طوالي، الساعة 3 ونص بمشي شغل تاني في مصنع حلويات بطلع منو 9 المسا، وبرجع البيت روحي مارقة وما شايف قدّامي . بقع أنوم طوالي ، ياهو دا البرنامج . لمن يقرّب يوم المتابعة مع الدكتور بشيل هم، عشان كلّ ما نمشي زيارة بكتب لينا أدوية جديدة، والأدوية القديمة ذاتها تمشي الصيدلية تلقى أسعارها زادت، دا كلو من أب قردة، بطلع من الصيدلية جيبي ما فيهو ولا جنيه مرات إلا أحاسب بتاع الأمجاد في البيت”.
يعمل أحمد أربعة عشر ساعةً في اليوم، ويقضي ساعتين على الأقل في المواصلات، يقضي يوم الجمعة في النوم. 
في وضع كهذا، أصبح من الصعب على عمّال المنطقة الصناعية، ومعهم كل من قرروا العمل لصالح أنفسهم، مثل ستات الشاي والعتّالة والميكانيكية وبائعي الرصيد وصبيان الخردة أن يطالبوا بشبكة حماية اجتماعية، بضمان عام للحياة، بالصحة المجّانية. 
اليوم باليوم، كل ساعة محسوبة، لكل لحظة ثمنها، وللتوقّف عواقبُ على كل شيء.
لقد أمتدّت الخصخصة إلى القطاع الصحّي كما هو معروف. البعض يشتكي من غلاء أسعارها ويحاول توسيع تأمينه الخاص ليغطّي معظم احتياجاته. ولكن بالنسبة لأحمد ومعارفه وأقاربه، فمجرد الاقتراب من هذه المؤسسات شبه مستحيل.
قمنا بحساب أجر <أحمد> في الشهر، وقارناه بأسعار الترقيد في مستشفى خاص اخترناه عشوائياً، ووجدنا أنه يكفي للإقامة لمدة يومين فقط. بدون احتساب تكلفة الفحوصات والأدوية.
لقد جهّزت السياسات الإقتصادية للنظام المسرح أمام هذه المأساة. ويمثّلها اليوم على خشبة الألم المميت ملايين المرضى ومرافقيهم، الذين يجولون بلا هدى في شوارع العاصمة وحواضر الرّيف، منهم من يتعففون ويصمتون، ومن يتسولون، ومن تراهم بين الذهول والغضب والألم على حافة الجنون، ينظرون بأعين يكحلها الدم. كل هؤلاء شخصيّات لابد أن أحدنا قد صادفها في حياته لمرّة على الأقل، (الموت فينا يمشي على ساقين) كما قال الصادق الرضي شعراً، وها قد استحال حقيقة معاشة.
هل هذا كلّ شيء؟
إن تسليع الخدمة الصحيّة ليس فقط مجرّد كارثة إقتصادية وصحيّة ، إن له تبعات اجتماعية ونفسيّة قاسية للغاية. تبعاتٍ تبدو غير منظورة بالنسبة لوزير الصحة الإتحادي السابق. الذي لم ينفك أحمد يلومه أثناء حديثنا معه.
اضطر أحمد ملازمة زوجته في المستشفى لأسبوعين تقريباً ، وبقي الأطفال في رعاية الجيران . بعدها ، اضطر لإحضار أخت زوجته وأمه من مسقط رأسهم ، كي يساعدوا على رعاية الأطفال والبقاء مع زوجته في المستشفى أثناء ساعات عمله . دفع زملاؤه ومعارفه في مكان العمل في “الكَشِف” وغطّى جزءاً لا بأس به من منصرفات تلك الفترة . 
ورغم أن سلمى تحصل على بعض الأدوية مجاناً، وهذا ما يغضب أب قردة وقيادات النظام ، إلا أن ذلك ليس كافياً لتقليل الصدمة الإقتصادية على أسرتها .
تأثرت حياتهما الإجتماعية بمرض زوجته، لم يعد أحمد يزور الأقرباء والجيران كما في الماضي، لا وقت لديه. يصف حياته بأنها عبارة عن “شغل ونوم بس”. 
تراجع مستوى أطفاله الدراسي، أصبحوا انطوائيين أكثر، أصبح أحمد نفسه أكثر عصبيّة، أشد خوفاً، والأهم من ذلك : أكثر غضباً.
من المتوقع أن تشدد الحكومة من إجراءاتها التقشفية على قطاع الصحّة هذا العام. وسيكون لهذا آثار إجتماعية واقتصادية مدمّرة على أحمد وسلمى، وعلى ملايين الأسر الأخرى التي تعيش على حدّ الكفاف. 
إن تحويل العلاج لسلعة خاضعة للعرض والطلب يؤثّر على كل فئات المجتمع. ولكن ما تقوله قصة سلمى أن هذا التأثير متفاوت حسب الدخل الشهري والمستوى الإقتصادي. 
الأسر العاملة في القطاعات الصناعية، والنساء الأميات، والعاملين في القطاع غير المهيكل مثل بائعي الرصيد، وسائقي حافلات النقل العام، وستات الشاي، والفرّيشة، هم أكثر الفئات المتأثرة بهذه السياسة الكارثيّة. 
إنهم بلا مدّخرات، بلا أصول أو أملاك، بدون دعم شبكات اجتماعية خارج البلاد. بينما بمقدور الموظفين المتوسطين في القطاع الخاص الاعتماد نسبياً على هذه العوامل كمصدّات للأزمة.
التأمين الصحي الحكومي الذي يلزمهم بدفع ما يقارب من نصف دخلهم الشهري أو أكثر مقابل خدمات منخفضة المستوى ليس خياراً معقولاً بالنسبة لهم. 
ندرة الدواء، والزيادة الهائلة في أسعاره، لا تعني بالنسبة لجزء كبير من هؤلاء حكماً بالموت فقط، بل بالمعاناة قبل الموت أيضاً.
بانسبة للمسنين بلا عائل، والاطفال، والنساء المطلقات والأرامل، والعاطلين عن العمل، مجرّد فرض سعر للدواء، مهما كان بسيطاً، يجعله سلعة يستحيل الوصول إليها.هؤلاء أكثر من يحتاجون الدواء، ولكن نظاماً اجتماعياً يضع الأرباح قبل الناس، يحرمهم منه تماماً. إن فشل التأمين الصحّي العام سببه بسيط وواضح : هو أنه يعمل بنفس النظرية الربحيّة التي يستند عليها باقي القطاع الصحّي، قد تكون رسومه الأقل من حيث التكلفة، ولكن فشله يكشف أيضاً أن مجرّد التفكير بمنطق جني الأرباح من حياوات البشر وصحتهم هو كفيل بحرمان الشق الأعظم منهم من حق الوصول إلى الرعاية التي يحتاجونها.
مأساة يكابدها أحمد وزوجته كل يوم ولم تتوقف عندهما فقط، بل امتدت للأسرة الكبيرة كلها. 
أصبحت أخت سلمى مضطرة للبقاء بجوارها معظم الوقت، أستأجرت منزلاً بالقرب منها وانتقلت بأسرتها إليه. الأطفال و كما سبق وقلنا أصحبوا أكثر انطوائية، في حالة بكاء شبه دائم. يقولون “أكل حبوبة ما زي أكل ماما”. يخشون فقدان أمهم في كل لحظة. ” عمر ولدي الصغير بقى ببول في السرير كل ما نكون ماشين المستشفى “. 
لم يعد أحمد قادراً على أخذ إلى أي نشاط ترفيهي بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية. مما زاد الطين بلّة.
تسليع الدواء لا يدمّر فقط جيوب المرضى وأسرهم، بل يهدم حيواتهم، يزعزعها، يلقي بتبعاته على الأطفال، يضع المزيد من أعباء العمل المنزلي على النساء، يزيد الاستغلال في أماكن العمل، يهدر الكرامة، ويزرع الخوف في قلب الإنسان.
إن الصحة والعلاج لا يعنيان فقط الحماية من وقوع المرض، أو قتل العامل البيولوجي المسبب له، إنه يعني أيضاً تجنّب التأثيرات النفسية والعاطفية السلبيّة للوقوع في المرض أو مرافقة المريض. إن الخصخصة وسوء ظروف العمل وقلّة الأجور ونقص الأمان الوظيفي تفاقم من سوء حالة المريض وأسرته، وتلقي عليهم تبعات أشد وطأة، فيصبح الألم ألمين، ولا توفر كل المؤسسات الخاصة أو العامة أي شكل من أشكال الدعم النفسي المنهجي لهؤلاء.
بالنسبة لأحمد وأسرته، وعشرين مليون مواطن آخر من فقراء السودان، شعار “الدواء حق” يعني إعادة التأكيد أن “الحياة حق”. تسليع الدواء هو الموت بالنسبة لهم.
لا زال أحمد متمسكاً بالأمل، وسلمى تلاعب أطفالها وهي على الفراش. الحياة لن تتوقف، 
ولكن، ألم يحن الوقت لتحويل الحياة إلى موسم فرحٍ بدلاً عن طقس يومي للكآبة، بسبب تسليع مالا يمكن تسليعه؟.
الدواء حق، الحياة حق، والثورة هي الطريق.

الدواء حق


محمد ع، متقاعد في الخامسة والستين من عمره. وبعد خدمة طويلة في القطاع المصرفي كمدير رفيع، وجد نفسه يعاني من ارتفاع ضغط الدم، ومرض السكري ومشاكل في العمود الفقري. ويتعاطى 5 أصناف من الأدوية بصورة يومية. كان يحصل عليها بسعر مخفّض خلال خدمته لأنه يملك تأمين صحياً في شركة خاصة كجزء من عقد العمل. خرج عمنا محمد للمعاش منذ ثلاث سنوات، ولم يعد يملك تغطية تأمين صحي. ومن تلك اللحظة، بدأ ينتبه للأوضاع الدوائية في البلاد.( كانت الدنيا رمضان، بعد الفطور جاتني زمة نفس شديدة، مشيت المستشفى حولوني طوالي مستشفى خاص وقالوا لي احتمال تكون ذبحة, وفعلاً طلعت كده) يحكي عمنا أول مرة قابل فيها مباشرة قضية الدواء، وكانت المقابلة غير جميلة على الإطلاق. حسب ما استنتجناه من حديثه.( الدكتور قال لازم ادخل عملية قسطرة فوراً، وطلب لي فحوصات وأدوني أدوية ريحتني شوية، وكتب روشتة تانية عشان آخدها بعد العملية، أخروني، ما دخلت غرفة العملية إلا الساعة 12 بالليل، كنت تعبان شديد. والحمد لله طلعت بعد يومين وبقيت كويس شديد. بس عرفت سبب التأخير بعد طلعت من المستشفى).حسب قصة العم محمد، أمضى أبناؤه ساعات طويلة في البعحث عن دواءٍ مانع للتجلط. ذهبوا إلى كل صيدلية تجارية في العاصمة، وقال (الصندوق القومي للإمدادات الطبية) وهي الجهة الحكومية المسؤولية عن توفير الأدوية والمستلزمات الطبية، أن الدواء قد انقطع عن مخازنها. اصابت الحيرة أبناء عم محمد: ما الحل ومصير والدهم معلّق بين السماء والأرض بسبب انعدام الدواء؟. و ازداد قلقهم مع مرور الساعات. (قلت بيني وبين نفسي أبوي دا غايتو ربنا يستر عليه بس) تقول ابنته التي التقيناها معه عند إجراء هذا الاستقصاء الصحفي، (وأمروا عند الله) تواصل القول. جاء الفرج من إبنه الأكبر المقيم بدولة خليجية ثريّة، منذا أن سمع بانعدام دواء والده، سارع بشراء الدواء بالسعر التجاري من صيدلية قريبة، وقاد سيارته مسرعاً إلى المطار، وبقي في انتظار أي راكب سوداني عائد إلى الخرطوم ليحمّله الدواء، لحس الحظ، وجد رحلة مغادرة إلى الخرطوم بعد أقل من ساعتين، ذهب عشوائياً إلى أحد الركّاب السودانيين، عرفه بنفسه وشرح له الوضع باختصار، فتح العلبة ليثبت أنها لاتحوي أية مواد ممنوعة. قال الراكب (جداً، ولا يهمك)، تبادلا أرقام الهواتف وسجّل المسافر هاتف المستلم في الخرطوم، ساعات وكان الدواء في الخرطوم، توقيت مناسب. أثناء فترة النقاهة، بدأت الأخبار في الصحف المحليّة عن انعدام الأدوية والشكاوى المتكررة عن ارتفاع اسعارها تلفت نظره. (دي أوّل مرة أخش لي في تجربة زي دي، كانت صدمة) يصف بحزن احساسه بالخوف. أنه كان من الممكن أن يموت بسبب الوضع الإقتصادي السيء، وشعر بعدم الأمان. ويقول (إذا عندك قروش أو ما عندك، كلو بقى واحد، يعني تفتش شي بقروشك وغالي وممكن ما تلقى). هذه ليست الحادثة الوحيدة، وعم محمد ليس استثناءاً. الندرة في الدواء ليست حدثاً بسيطاً يمكن العبور فوقه دون اكتراث. ففي نوفمبر 2016م، تسبب إعلان الحكومة عن زيادات كبيرة في أسعار الدواء في اندلاع (العصيان المدني)، الذي قد يكون أكبر رد فعل معارض للنظام قبل الثورة الحالية. وعلى الصعيد المهني، دائماً ما يشتكي الأطباء ومقدموا الخدمة الصحيّة من عجز مرضاهم عن الحصول على الدواء اللازم في التوقيت الملائم. عجزُ كانوا هم أنفسهم أول ضحاياه. تكررت اعتداءات مرافقي المرضى عليهم، وانهالت عليهم اتهامهم بأنهم السبب في تدهور حالات ذويهم أو حتى وفاتهم. خلال السنين الماضية، أصبح منظر السودانيين المصطفين في المطارات والذين يحاولون نقل أدوية للبلاد عبر حقائب المسافرين أمراً معتاداً للغاية. وكانت هذه الندرة هي الدافع وراء نشوء عدد كبير من منظمات العون الشعبي، التي كان همها الأكبر هو التقليل من صعوبات الحصول على الأدوية النادرة والمعدومة، وتوفير جزء من تكلفتها للمرضى الأكثر فقراً. حسب شهادات العديد من المرضى والأطباء، والصيادلة، وغيرهم من العاملين في القطاع الصحّي، ازدهر وراء الكواليس (سوق أسود) لتجارة الدواء، لا يعلم أحد من يسيطر عليه ولا من هم الأفراد الذين يديرونه، الأسعار فيه فلكيّة للغاية. (المضطر يركب الصّعب) كما يقول المثل. ولكن ما يعرفه الجميع أن الأمر قد تعدّى حدود الاحتمال. …………………ولكن، ما هي الأسباب الرئيسية وراء ندرة وغلاء الأدوية؟ وما الذي يقوله النظام عن مسبباتها؟ هذه الحلقة من برنامج التعاون المشترك بين قدّام! و إذاعة صوت الثورة السودانية تحاول الإجابة على هذه التساؤلات. ستركّز هذه الحلقة على نقد الفكرة الرئيسية التي يدير بها النظام مسألة العلاج ، وفي القلب منه مسألة حق الحصول على العلاج.إن هذه الفكرة سخيفة في جوهرها، تكرارها المستمر عبر وسائل الإعلام رسّخها في أذهان الكثيرين. خطأ التشخيص يعني خطأ العلاج، وتشخيص النظام للمشكلة خاطئ، وكلّ حلوله خاطئة بالمثل. عايزين نطلع من النظام ؟ لازم نفكر بطريقة مختلفة عنّه. الثورة تحتاج تغيير في الأفكار كما هي تغيير في السّلطة. الدواء كسلعةلكي نستطيع فهم الفلسفة العامة في سياسة النظام في الدواء، لابد أن ننظر قليلاً من بعيد ونتأمل بهدوء بعض سياساته الأخرى في حقول متنوعة، ونعود بعد ذلك لنقارنها مع السياسات المتّبعة في حقل الدواء، فتظهر الخطوط العامّة الجامعة.ماذا تقول نظريّة النظام؟ تقول أن الدواء سلعة. وهذه نقطة بداية محورية لفهم كل السياسة العامة والمشاكل المترتبة عليها . يتواصل خط تفكير النظام : الدواء مثله مثل أي سلعة يحمل العرض والطلب ، أممممممم ، يوجد طلب على الدواء، إذن يوجد مشترون، وتدريجياً سيجد بعض (الأفراد) أنه من المربح جلب هذه السلعة لهم، وستظهر بينهم منافسة شديدة، وسيظهر عرض في الدواء موازٍ للطلب، فتتوازن كفتا العرض والطلب، وتحل المشكلة. أفلا تكبّرون!. بناءاً على هذا، ما هو واجب الهيئات الرقابية الحكومية إذن ؟ يأتي الجواب : بتسهيل العقبات أمام البائع ليعرض سلعته على المشتري بأسرع وقت ممكن. كيف نسعّر السلعة إذن؟ هذا هو السؤال الطبيعي في تسلسل الأفكار هذا ، يقول الجواب : باختيار السعر الذي ضمن أرباح البائع أولاً. فالطلب شبه مضمون ما دام المرض موجوداً.هذه هي النقطة الأساسية لدى النظام وتجار الدواء، الربحيّة. وتأتي بعدها باقي المشكلات. أولهابقول فكر النظام الخاطئ : في أي سلعة أخرى، يضمن البائع تصريف منتجه بأن يختار السّعر الذ في متناول الشاري. يفكّر : الأسعار العالية للغاية قد تخرج بعض المشترين من السوق، وبالتالي تنخفض الأرباح . ولكن مراقبة سوق الدواء تقول شيئاً مختلفاً ، يبدو وكان هنالك شيئا مخلتلفاً للغاية في الدواء تميّزه عن كل سلعة أخرى : إنه ليس سلعة يمكن تأجيل شرائها ، وليس بمقدور المشتري أن يقول : أهاااا ، خلاص ح أجي الشهر الجاي أشتريهو . هو قضية حياة أو موت . إما الآن ، أو أبداً. المشتري مضطر أن يفعل المستحيل للحصول على الدواء . وجد البائع الحل للمشكلة الأولى : الطلب مضمون ، ومهما ارتفع السّعر فستجد السلعة المشتري. الدواء في هذا الفكر هو البضاعة السحرية : لا تكسد، لا تبور، لا تخسر. مهما ارتفع سعرها، أي مهما كان هامش ربح فاحشاً، ستجد طريقها للبيع .المشكلة الثانية هي المشكلة بين سلطات التسعير الحكومية وبين بائعي الدواء ككل . ماهو معدّل الربح المناسب؟ يسأل النظام نفسه. أي بائع له تكاليفه الخاصة. وصاحب التكاليف الأقل، يربح أكثر. ماذا فعل النظام في هذه الحالة؟ قانون التسعير لسنة 2010م، حدّد الأرباح بالنسبة المئوية من سعر التكلفة، بطريقة تسمح لأي بائع مهما ارتفعت تكاليفه بجني الأرباح. مالذي يفعله البائعون؟ يضخمون تكاليفهم، وبالتالي تزيد النسبة التي تحتسبها سلطات التسعير كأرباح لصالحهم. مثلاً : يسجّل أحد المستوردين أن تكاليف الدواء قد بلغت 50 دولار للوحدة ، بينما تكلفتها الحقيقية تبلغ 38 دولاراً. كم يعني هذا من ربح؟ يعني ان ربحه قد أصبح يقارب الأربعين في المئة بدلاً عن عشرين في المئة التي نصّ عليها القانون. والصراع بين النظام وبين بائعي الدواء هو تصغير هذه النسبة أو تكبيرها، وليس حول الربح من الأساس.ما الذي تفعله السلطات الرقابية الحكومية في هذه الحالة ؟ لا شي!. حرفياً. ومن الطبيعي والحال هكذا أن تستمر الأسعار في التصاعد.إن التعامل مع الدواء باعتباره سلعة هو أساس الكارثة الدوائية الحالية التي يعيشها أمثال محمد ع. الطلب على الدواء موجود ، ولكن ما يفكّر فيه البائع ليس كل طلب متوفر. ليس كل طلب على الدواء مما يلبى . يلبي بائع الدواء الطلب الذي يحقق له شرطاً واحداً : الربح . لنفترض أن هناك مرضاً يصيب الفئات الأفقر من المجتمع، التي لا تملك (القوّة الشرائيّة) حسب المصطلح الكريه – لشراء الدواء . هنالك طلب فعلي وحيوي على الدواء . ولكن هل سيفكّر تاجر ما في سوق الدواء في استيراده ؟ الجواب وبكل تأكيد هو لا . الطلب لا يخلق العرض ، الصحيح هو أن الطلب الذي يحقق الأرباح هو وحده ما يحقق العرض .وكان من الطبيعي أن تتركّز أنظار كل بائعي الدواء على الأصناف المربحة مضمونة التصريف. وهنا ظهر أمر شبه جنوني : معظم التجار والمستوردين يعرضون نفس الدواء ، نفس المادّة الفعّالة ، بأسماء تجارية مختلفة !تنحسر شيئاً فشيئاً الأصناف المتوفرة ، وتتكاثر الأسماء التجارية . إن بزوغ شركات الدواء وتركيزها على تأهيل منادبيها لتسويق منتج يتشابه في خصائصه العلاجية هو أمر دعائي بحت ، يدخل تحت تصنيف البروباغاندا أكثر من العلم ، يجد سرّه في هذه الآليّة الخفيّة ، المنافسة الحادة على بيع نفس المنتج بأسعار مختلفة . ولهذا ، فإن دواءاً نادراً مثل الذي كان يبحث عنه حاج محمد لا يجد مكاناً له في السوق ، فالطلب عليه لم يعد مجزياً .وتتركز الموارد على جلب المستحضرات الصيدلانية ذات الربح المضمون ومن النوع الذي يسهل الحصول على ترخيص ببيعه ، مثل المكملات الغذائية ، أدوية التجميل ، وغيرها .إن سرنا بهذا المنطق إلى نهايته ، لوجدنا أن الحديث عن أن نقص العملة الصعبة هو السبب وراء نقص المعروض من الدواء هو حق أريد به باطل . علينا قبل كل شيء ان نبحث عن الأصناف التي يستوردها البائعون باستخدام العملة الصعبة ، لنكتشف أنهم يستوردون تقريباً نفس الأصناف ، أو يستوردون أدوية لا قيمة علاجيّة لها، ولكنها تجد مشترين مقتدرين . ماذ نسمّي الشخص الذي يستورد المكملات الغذائية وتنعدم في بلاده أدوية الطوارئ، ويريد تسليع كل دواءٍ حتى للأطفال تحت الخامسة؟ أليس هذا ما نطلق عليه ( متحزّم وعريان)؟.إن النظام الذي يتعامل مع الدواء كـ (سلعة) سيعجز عن حلٍّ أزمة الوفرة ، ولن يتمكن من إيصال الدواء لمن يحتاجونه بالفعل.لنعد قليلاً إلى منطق الأحوال الذي نراه بأعيننا . من يحتاجون الدواء هم (مرضى) وليسوا (مستهلكين). هذا ليس مجرّد فرق لغوي بسيط . نحن أمام رؤيتين مختلفتين تماماً للعالم . إن من يتعامل مع المرضى باعتبارهم مستهلكين يسألهم عن كميّة الأموال في جيوبهم ، ولا يتورّع عن اختلاق الشح والندرة لزيادة أرباحه. ومن يعتبرهم مرضى يسأل نفسه : هل وصل البشر لعلاج لهذا المرض أم لا. فلا شيء يبرر معاناة مريضٍ أو تعريضه لخطر الموت لأي سبب كان. إن كان هنالك من دواءٍ ، فالمنطقي هو توفيره لكل مريض بكل وسيلة ممكنة ، كل كلام يعارض هذا هو جنون ، هو همجية .يعيش النظام الحالي على التبذير . وكما يبذر موارد الشعب على التسليح وعلى شكل مخصصات للدستوريين والموظفين الحكوميين وجيش من البيروقراطيين العاطلين عن موهبة ، فإنه يبذّر أموال العلاج الشحيحة أصلاً على استيراد نفس أصناف الأدوية ، وعلى مستحضراتٍ لا يحتاجها سوى 0.1% من أثرياء البلاد . لنوضّح سخف هذه المقاربة ، هل من شخص عاقل يحمل إلى بيته آخر اليوم ثلاثة أنواع من العيش من ثلاثة أفران مختلفة ، فيسألونه : وين الفول والجبنة والزيت ؟ فيتحجج أمام عياله ويقول بنبرة غاضبة : لا توجد موارد كافية ! . هذه مسخرة ، بل مهزلة .تسقط بس يعني أن يسقط إعتبار الدواء سلعة ، وأن يسقط اعتبار المريض زبوناً ، يعني إعادة الإنسانية المهدرة ، وأن نضع حداً للإهدار والتبذير ، ونتمكّن أخيراً من وضع مواردنا حيث نحتاجها فعلاً.أنت يا مريض الضغط، ب أمي المصابة بالسكري، وأنتم يا من تخشون المرض بسبب الفقر ، من زحفتم أياماً تبحثون عن العلاج في مئة جحر ، حلنا سوياً واحد ، أن نتفق :الدواء حق. الحياة حق . #تسقط_بس.

الإمارات العربية المتحدة والقرن الإفريقي: قصة ميناءين

13 مارس 2018م

بواسطة تيمور خان لصالح معهد دول الخليج في واشنطن

عن موقع “ستراتفور”

قدّامّ – فريق الترجمة

مقدمة المترجم :

ظل الوعي بالإمبريالية والتنافس الإقتصادي بعيداً عن النقاش السياسي السائد في السودان ، بل نقول مبعداً بصورة جبريّة . إن تناسي الإقتصاد السياسي للنزاع ضدها  ليس مجرّد مسألة أكاديمية ، بل هو اتجاه سياسي تقف وراءه مصالح طبقيّة محددة . لقد سادت تيارات ثقافوية متعددة على مناهج التحليل منذ بداية التسعينات ، بدءاً من إسلاموية النظام ، ونظيرها في التجريم المطلق للإسلام السياسي كهويّة خارج كل تقييم للظروف المحليّة ، والتفسير الإنساني للتدخل الخارجي ، وتفسير كل صراع على أنه نتاج لاختلاف فكري خارج المكان والزمان . وهي ردود تتماشى مع الموضة الفكريّة السائدة خلال الفترة التي تلت انهيار الاتحاد السوفييتي ، إنها ردة فعل نظرية منهزمة على هزيمة سياسية فعليّة  . وبعد أزمة 2008م ، عاد الاقتصاد السياسي لواجهة النقاش مع استعار الصراع السياسي في كل مكان : مع صعود تيارات اليمين المتطرف ، ووصول ترامب لرئاسة الولايات المتحدة ، والانتفاضات في الشرق الأوسط 2011م وتبعاتها التي لازالت مستمرّة حتى اليوم . إن اعادة بزوغ النظرية يتواكب مع تجدد الأزمة . وحتى تجد الأزمة السودانيّة كلها الحقيقي ، عليها أن تعيد إنتاج النظرية التي تفسّر الأزمة ، لا أن تركن إلى النظرية التي سببت الأزمة . يجب إعادة النقاش عن الرأسمالية ، وآلياتها ، وتاريخها ، والامبريالية المرتبطة بها ، إلى وعي الطبقات التي يقع عليها عبء النضال من أجل عالمٍ أفضل . ستجد هذه العودة النظرية من يعاديها ، وهذا متوقّع ، تغيير الأفكار قد يبدو أكثر صعوبة من تغيير النظام السياسي نفسه . ولكن لامناص من فتح النقاش إن أردنا الانتصار .

تشرح هذه المقالة علاقات التفاعل المعقّدة بين ثلاثة عناصر : التنافس الدولي ، والنزاعات الإقليمية بين الدول ، والإضطرابات والمطامح المحليّة ، في إقليم القرن الافريقي . وانفجرت كل هذه التناقضات في نضال عمّال ميناء بورتسودان ضد خصخصة الميناء . لا غنى عن فهم هذه التفاعلات للسير بالثورة السودانية إلى بر الأمان . الثورة الناجحة في نتاج لفهم صحيح للعالم ، ومن ثم استنتاج للطريقة الملائمة للتدخل فيه .

في محاكاة لتشارلز ديكنز ، يرسم الكاتب صورة بانورامية للأوضاع في القرن الافريقي : القبائل ، الانتحاريون ، البلدان المفتتة ، البترودولار الخليجي ، السعودية ، الصين ، الولايات المتحدة ، الشركات والمحاكم الدولية وطرق التجارة ، هؤلاء هم شخوص الحرب الباردة التي تدور في المنطقة .

النص :

في 22 فبراير، انتزعت جيبوتي السيطرة على ميناء دوراليه للحاويات من شريكها ومشغّل الميناء “موانيء دبي العالمية” ومقرها دبي. لم يكن فرض السيطرة الحكوميّة بعيداً عن التوقعات بالكامل، بل تتويجاً لتدهور شاب العلاقات الثنائية بين جيبوتي ودولة الإمارات العربية المتحدة بعد معركة قضائية خاسرة خاضتها الأولى ضد موانئ دبي من أجل إعادة التفاوض حول شروط اتفاقية الميناء لسنة 2006م التي أعطت الشركة حصة تبلغ 33%. وكانت محكمة لندن للتحكيم الدولي قد حكمت ضد شكوى رفعتها جيبوتي سنة 2014م، قالت فيها أن موانئ دبي العالمية قد قدمت رِشى من أجل تأمين حصولها على اتفاق لثلاثين عاماً. وقالت حكومة دبي أنها قد رفعت دعوى ضد عملية الإستيلاء. وصرحت حكومة جيبوتي في بيان لها أن الاستيلاء تم بيسبب ضعف الأداء – على الرغم من أن حجمه قد وصل إلى مليون حاوية 20 قدم قياسية سنوياً – وبسبب بنود إضافية أدخلتها دبي العالمية اعتبرتها تمس بسيادتها.

افتتح ميناء دوراليه سنة 2009م. وهو محطة الحاويات الوحيدة في القرن الافريقي القادرة على على مناولة سفن حاويات من سعة 15000 طن. وسرعان ما أصبح أهم منفذ بحري لأكبر دول الإقليم مساحةً وإقتصاداً، إثيوبيا، والتي أصبحت دولة بلا منفذ بحري منذ استقلال اريتريا سنة 1993م. تستقبل اثيوبيا 97 في المائة من وارداتها عبر ميناء دوراليه – 70 في المائة من أنشطة الميناء – الأمر الذي أصبح اعتماداً استراتيجياً غير مقبول على جارٍ في منطقة يعمر تاريخها بالتحالفات المتبدلة، والنزاعات الداخلية الطويلة، وتوازن قوى لا يد علينا فيه لجهة معينة.

برز تطور ثانٍ ذو علاقة في الأيام الأخيرة الماضية. بعد سنة من إتمام موانىء دبي العالمية إتفاقاً بقيمة 442 مليون دولار مع إقليم أرض الصومال الذي يحظى بشبه حكم ذاتي لتطوير ميناء تجاري في بربره، أبرمت اثيوبيا صفقة استحوذت بموجبها على 19 في المائة من الميناء مع المشغّل الميناء و حكومة جمهورية أرض الصومال. وتقول تقارير أن لدى موانىء دبي خططاً لتطوير البنية التحتية الرابطة بين بربره والحدود الإثيوبية مما سيتيح لأديس أبابا ومنطقة شرق إفريقيا الكبرى من تقليل إعتمادها شبه الكلي على جيبوتي، الأمر الذي ستكون له تداعيات استراتيجية هائلة على الجغرافيا السياسية في المنطقة. يتوقع العديد من المحللين أن هذه الإتفاقية لبناء منافس مباشر لدوراليه، هي السبب الأكثر ترجيحاً وراء إنتزاع جيبوتي لمحطة الحاويات من موانئ دبي العالمية.

جيبوتي : محطة دوراليه للحاويات (كانت تحت إدارة موانئ دبي)، ميناء دوراليه متعدد الأغراض (الصين)، قواعد عسكرية وبحرية أمريكية، فرنسية، يابانية، صينية وسعودية.

عصب-أريتريا: قواعد عسكرية وبحرية للإمارات العربية المتحدة.

بربره- أرض الصومال 1 : مشروع ميناء تحت إدارة موانئ دبي، قاعدة عسكرية بحرية إماراتية تحت الإنشاء.

بوتلاند- الصومال 2: بي آند أو بورت، مشغل موانئ مملوك لإمارة دبي، حصل على حقوق تطوير ميناء بوساسو، قوات شرطة خفر سواحل مدربة وممولة إماراتياً.

مقديشو- الصومال 2: قاعدة عسكرية تركية، مركز تدريب القوات الخاصة مموّل من الإمارات، مشغّل ميناء مقديشو البيرق التركية.

باراوي- الصومال: تفاوض بين الحكومة الإقليمية وموانئ دبي العالمية لتطوير ميناء باراوي البحري.

سواكن- السودان: ستقوم تركيا ببناء رصيف بحري لصيانة السفن المدنية والعسكرية.

تكشف قصة هذين الميناءين الديناميات المتزايدة التعقيد حول الجغرافيا السياسية، والسياسات الداخلية، التي تتشكل بفعل المنافسة بين القوى الإقليمية الطامحة – خصوصاً دول الخليج وتركيا – والصين من أجل النفوذ في القرن الإفريقي. ويتوقع ضباط رفيعو المستوى في الجيش الأمريكي وبعض المحللين أن جيبوتي قد تحاول نقل محطة حاويات دوراليه إلى مستثمرين صينيين. اشترى ( مشروع ميناء دوراليه متعدد الأغراض ) البالغة قيمته 600 مليون دولار، والذي تقوم شركة تجارة الصين القابضة بإدارته، حصة تبلغ 23.5 في المائة في محطة دوراليه للحاويات سنة 2013م من مالكها الرئيسي <شركة> موانئ جيبوتي. وساهم بنك التصدير والإستيراد الصيني في تمويل خط سكك الحديد الرابط بين أديس أبابا وميناء دوراليه والذي يفوق طوله 470 ميلاً وتكلفته 4 مليارات دولار.

أصبح الخلاف الداخلي بين دول مجلس التعاون الخليجي عامل زعزعة جديد مع اضطرار البلدان، الأحزاب والنخب في شرق إفريقيا <لإعلان> الإنحياز لأحد الجانبين. وفي الصومال، أدى هذا الخلاف إلى مفاقمة التوترات داخل الكتل السياسية في مقديشو، وبين الحكومة الفيدرالية في مقديشو من جانب والمناطق المنفصلة شبه المستقلة في البلاد من جانب آخر. واندمجت هذه الديناميات مع المزيد من الهزّات الارتدادية التي أطلقتها الأزمة، بدءاً من التحرك السعودي والإماراتي بتجميد دعم موازنة الحكومة الفيدرالية الذي يساهم في دفع رواتب قوى الأمن، إلى خلق بيئة سياسية وأمنية منقسمة ومضطربة استغلتها حركة الشباب بزيادة هجماتها.

في الإنتخابات الرئاسية الصومالية الفيدرالية سنة 2017م، خسر مرشح يعتقد أنه مدعوم من الإمارات العربية المتحدة والسعودية، أمام المرشح الذي يعتقد بدعمه من قبل تركيا وقطر- محمد عبد الله محمد المعروف بـ”فرماغو”. أخذت الحكومة الفيدرالية موقف الحياد في الأزمة الخليجية، على الرغم من أن فرماغو ووزراء حكومته ظلوا يسافرون بصورة منتظمة إلى السعودية والإمارات العربية المتحدة. وفي خضم بحث فارماغو عن دور للحكومة الفيدرالية في إتفاقيات الميناء والقاعدة العسكرية، لم تلبّ مطالبه حتى الآن. وأضافت التدخلات المباشرة للحكومات الإنفصالية الإقليمية دينامية إنتباذية على العلاقات الهشة أصلاً بين مقديشو والحكومات شبه المستقلة الأخرى.

كشفت التطورات الأخيرة أن فتح مزاد النفوذ على حساب السيادة هو سيف ذو حدّين. لقد أصبح التنافس بين الفاعلين الخارجيين كرت مساومة في يد بلدان القرن الإفريقي، التي طالما تأقلمت نخبها على لعب دور الوكيل المحلي للقوى الدولية، أحدها بعد الآخر. لقد نجحت إثيوبيا لدرجة ما في تخفيض اعتماد أبوظبي على عدوها، اريتريا، عبر دعم خطط أبو ظبي في ميناء بربره. وفي العام 2015م، وبعد خسارة الإمارات لقاعدة جيبوتي للعمليات العسكرية، أنشأت الإمارات قاعدة جديدة في مدينة عصب الساحلية في اريتريا، وأصحبت قاعدة حيوية لعملياتها في جنوبيّ اليمن. وعبر دعم خطط البنى التحتية التجارية والعسكرية للإمارات في جمهورية أرض الصومال، ساهمت إثيوبيا – أقوى دول القرن الإفريقي وأكبرها – في تفتيت الصومال عبر تدعيم دولة الأمر الواقع المستقلة في ” جمهورية أرض الصومال ” . إن صومالاً ضعيفاً بسبب التمردات الإثنية المدعومة والعاجز على مجابهة تحدي هيمنة اثيوبيا ، هو أحد أركان السياسة الإقليمية لأديس أبابا. وافقت حكومة جمهورية أرض الصومال على منح القاعدة العسكرية السوفيتية القديمة في بربره والقريبة من موقع مشروع موانئ دبي العالمية، وتخطط أبوظبي حسب التقارير لتوسيعها واستثمار مليار دولار في البنى التحتية والتدريب وخلق الوظائف في هذه المنطقة المستقلة عن الصومال. ولكن تعقدت هذه الخطة، مؤقتاً على الأقل، بسبب الديناميات السياسية المحلية. وتشير تقارير إلى تأجيل أرأكبر من التعويضات عن المساحة التي يعتزم بناءَ القاعدة عليها. وفي السودان، قادت الإمارات والسعودية جهوداً من أجل إعادة تأهيل الرئيس البشير في المجتمع الدولي، عبر الضغط لرفع العقوبات الأمريكية على السودان. ووافق البشير على قطع العلاقات مع إيران وإرسال قوات للقتال لصالح التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن. وفي ديسمبر 2017م، وافق البشير أيضاً على منح تركيا جزيرة سواكن في البحر الأحمر لتطويرها. وسرعان ما برزت إلى السطح المخاوف من أن أنقرة تخطط لبناء قاعدة عسكرية على الجزيرة، على الرغم من إنكار تركيا. والتي ستكون قاعدتها الثانية في القرن الإفريقي بعد تلك الموجودة في العاصمة الصومالية مقديشو. وجاءت الإتفاقية في الوقت الذي كانت فيه علاقات أنقرة مع الرياض وأبوظبي في أسوأ حالاتها. إن قوة تركيا الناعمة وشعبيتها في مقديشو والأجزاء الأخرى من الصومال مسألة محسوسة، وقد تأسست على الإنخراط المبكر لتركيا في التنمية الإقتصادية، ودبلوماسيتها، والبنى التحتية المنشأة، والمساعدات والتعليم. وكلما زادت حدّة  الإحتكاك مع الرياض وأبوظبي، كلما استخدمت تركيا هذه الميزة لتحسين وضعها.

إن الثقة التي تناور بها النخب في القرن الإفريقي من أجل مصالحها الخاصة وسط مخاطر إغضاب رعاتها الجدد، تقلل من الطموحات الكبيرة للمشاركين فيما يطلق عليه “التكالب الجديد على إفريقيا” وكذلك نواياهم طويلة الأمد. برزت جيبوتي في العقد الماضي على وجه الخصوص كنقطة محورية استراتيجية قريبة من خطوط الشحن في باب المندب ، وهو موقع حيوي لعبور البترول الخليجي إلى أوروبا ولمرور البضائع بين آسيا وأوروبا. لقد استخدمت جيبوبي موقعها كورقة تفاوضية مقابل صفقات قواعد سخية من القوى الدولية القديمة منها والصاعدة. الولايات المتحدة، الصين، اليابان، السعودية، والمستعمر القديم فرنسا، كلهم يملكون قواعد في جيبوتي.

ولكن شروع الإمارات العربية 0،التي كانت مجبرة على البحث عن مرتكز آخر بعد طردها الدراماتيكي من جيبوتي، في بناء قواعد عسكرية على طول ضفتي ساحل البحر الأحمر هو أمر مفتاحي لضمان مصالحها الأمنية مثل عملياتها العسكرية في اليمن، ومحاربة الإرهاب وعمليات مكافحة القرصنة البحرية، ولبناء عمق استراتيجي في مواجهة إيران. وعلى كل حال، فمصالح الإمارات – مثلها مثل غيرها من المنافسين – هي إقتصادية واستراتيجية. تعمل الدولة على تحويل نفسها إلى إلى جزء محوري من مبادرة الحزام والطريق الصينية وتأمين مركز المنطقة الحرّة بجبل علي كمركز لوجستي وتجاري يربط آسيا وإفريقيا عبر البنية التحتية التي تؤسسها موانئ دبي العالمية، في وجه منافسة من عدد من الموانئ التي يبنيها خصومها في إيران، باكستان، عمان، ومناطق أخرى على إمتداد سواحل القرن الإفريقي. تنخرط موانئ دبي في مشروعين آخرين للموانئ في دولتين متنازعتين في الصومال، كما في مشاريع للبنية التحتية في الموانئ واللوجستيات برواندا، الجزائر ومالي.

يضم القرن الإفريقي وشرق إفريقيا الكبرى بعضاً من أسرع الإقتصاديات نمواً في إفريقيا، وفيها طبقات وسطى بازغة. ولكن هذه الإقتصاديات الزاخرة نسبياً بالإمكانيات في حوجة ماسة للإستثمارات في النية التحتية وعدد من القطاعات الأخرى  للاستجابة لهؤلاء المستهلكين الجدد. ودخل الاستثمار الخاص والمدعوم من الدولة الإماراتية بكثافة في مجال عريض من القطاعات غير الطاقة، من التمويل والصيرفة إلى الإنشاءات، السياحة، الغذاء، الترفيه، والزراعة التجارية.

تحاول الإمارات العربية أيضاً أن تضفي على تدخلها طابعاً أكثر جاذبية للحكومات الإفريقية وشركاء القطاع الخاص: بدلاً عن اتباع طريق الصين، الذي ينظر إليه بسلبية باعتباره نموذجاً شبه استعماري في إفريقيا، فضلت تتبع خطى النموذج التركي. تأتي استثمارات مثل التي تقوم بها موانئ دبي العالمية في الصومال أو في القواعد العسكرية مع حزم استثمار في البنى التحتية، تدريب وتعليم للعمال والقوى الأمنية، وكذلك مع حوافز إضافية كإصدار عدد أكبر من تأشيرات الدخول للإمارات العربية. يظل الأمن المائي والغذائي من المصالح المهمة للإمارات العربية وبقية دول الخليج في شرق إفريقيا. وتسعى الشركات الإمارات لتجنب المزالق السياسية  التي أدّت لإفشال الإستثمارات السابقة في انتاج الغذاء. تدّعي الظهرة القابضة الخاصة أنها تستخدم صيغة المناصفة 50% – 50% للإنتاج مع الشركات المحلية، وأنها توظف عمالة محلية.

ربما يؤدّي الإقتصاد السياسي للتنافس بين القادمين الجدد للقرن الإفريقي إلى شروط أفضل واتفاقيات أعدل لصالح الحكومات والإقتصادات المتعطشة للإستثمارات. ولكن الإلغاء المفاجئ لاتفاقية موانئ دبي العالمية في دوراليه يلقي الضوء أيضاً على المخاطر المتزايدة التي تواجهها القوى الإقليمية الصاعدة. إن الشقاقات التي تتعمق في السياسة الصومالية، لا يمكن التقليل من حجمها، هي نتيجة محاولات قوى الشرق الأوسط للتأثير على القرار الداخلي، وتلقي الضوء أيضاً على المخاطر التي تواجه مجتمعات القرن الإفريقي، والتي يمكن أن يؤدي موقعها الاستراتيجي وإمكانياتها الإقتصادية، للمفارقة، ليس فقط إلى درب أكثر وعورة فحسب، بل وربما مليء بالفخاخ أيضاً.

الهوامش:

  • 1– جمهورية أرض الصومال هي دولة تقع في شرق افريقيا منطقة القرن الافريقي مطلة على الشاطئ الجنوبي خليج عدن. لها حدود مشتركة من الشمال مع دولة جيبوتي. من الجنوب و الشرق مع الصومال و من الغرب مع إثيوبيا. لا يوجد أي دولة تعترف رسميا بوجودها مع أن جمهورية أرض الصومال قائمة على أرض الواقع، من حيث البرلمان، الإدارة، القوات و السياسة الداخلية والخارجية. حكومة أرض الصومال تعتبر نفسها دولة خلفاً لمحمية أرض الصومال البريطانية, والتي كانت مستقلة في 26 يونيو من عام 1960م, قبل التوحد مع بقية الأقاليم الصومالية. وفي 1 يوليو 1960 تشكلت جمهورية الصومال بعد اتحاد كل من الصومال البريطاني والإيطالي.
  • 2-أرض البنط أو پونتلاند أو إقليم البانت هي منطقة تقع شمال شرق الصومال، في منطقة نوغال‎. في عام 1998 أعلن زعمائها بأنها دولة مستقلة، ولكن الحكومة الحالية للصومال ترى في ذلك محاولة لجعل الصومال جمهورية فدرالية. بخلاف جارتها جمهورية أرض الصومال، لا تطلب أرض البنط الاستقلال من الصومال صراحةً. مساحتها حوالي 250000 كم2، وعدد سكانها التقريبي 3650000 نسمة عام 2000. أخذ اسم أرض البنط من حضارة البنط القديمة، والتي قد ذكرتها مراجع المصريين القدماء، ويعتقد بأنها كانت موجودة في نفس منطقة الصومال الحالية.