? حال الدنيا: كيف تفكّر القوى الخارجية في الثورة السودانية؟ (1-2)

في عالم وحّدته الرأسمالية وأصبح كل حدث فيه مؤثراً على الطرف الآخر من الكوكب، وفُتحت فيه الحدود القومية وأصبحت المعلومات، والأفكار، ورؤوس الأموال، في حركة دائمة لا تهدأ، يصبح من مصلحة كل طبقة حاكمة أياً كانت الرقعة الجغرافيّة التي تحكمها، أن تصيخ السمع جيداً للذبذبات غير المسموعة للشعوب. يقول التاريخ أنها ستنتقل إليها لامحالة. كل هزة سياسية تعقبها موجات من الاضطراب في أماكن أخرى. النظام الكوكبي موحّد، ولهذا فانتقال كل شيء ممكن، ويختلف التوقيت والطريقة التي يتبدّى فيها هذا الإنتقال، فعلى الرغم من أن هذا النظام موحّد، إلا أنه ليس واحداً. هذا أهم قوانين الثورة.

الثورة السودانية 2018م ليست استثناءاً. وترقب القوى الدولية لمجريات أحداثها ليس محل استغراب. وسيكون من المفيد مراجعة العوامل التي تحكم تفكير القوى الدولية حول طبيعة الثورة ومساراتها المحتملة، فلا غنى عن فهمها للدفع بالثورة إلى الأمام وحمايتها من الإنتكاسات والتدخل الإمبريالي. علينا أن نحاول فهم العلاقات التي تربط بين القوى التي تحاول التأثير على مجرى الأحداث في السودان، وسياستها الدوليّة على وجه العموم. وهذا ما يستدعي التفكير خارج الصندوق الأكاديمي الذي يختزل التفاعلات بينها على المواثيق الدبلوماسية حصراً، والنتقال للبحث افي الإقتصاد السياسي المعاصر للإمبريالية، أي بناء تصور مادي-تاريخي للتداخل بين (1) الأزمة الرأسمالية المعاصرة في طور العولمة 2008م و (2) علاقات الطبقات في كل بلد من البلدان الموثرة على السودان.
لا بد من بعض احتراز ضروري، وهو التعريف ببعض العوامل التي تؤثر على موازين القوى بين الدول الإمبريالية من جانب وبينها وبين النظام في السودان من جانب آخر. ينبغي عرضها بصورة نقديّة، لأنها تصادم الحس التلقائي السائد، ومن العسير تقبلها للوهلة الأولى.

? العامل الأول : ليس التبادل التجاري هو العامل الحاسم

لا يتحدد النفوذ الذي تحظى به دولة ما على النظام في السودان بحجم التبادل التجاري بينهما. مثلاً: يبلغ التبادل التجاري بين الصين والسودان مئات أضعاف التبادل بين السودان والولايات المتحدة. ولكن هل ينعكس حجم هذا التبادل على مدى التأثير السياسي؟ لننظر إلى الوقائع : يكاد ينعدم النفوذ الدبلوماسي للصين على تشكيل سياسات النظام الراهن، بينما يتوسّل النظام لتحسين علاقاته الدبلوماسية مع الولايات المتحدة. للتدليل على ذلك يكفي النظر للدور الذي لعبه التدخّل الإمبريالي الأمريكي في إقرار اتفاقية السلام الشامل 2005م، وفي إعادة توجيه السياسة الخارجية للنظام السوداني تجاه قضايا الشرق الأوسط مثل الموقف من إيران. السر ليس في علاقة السودان بالصين، بل في العلاقة التي تربط الصين بالولايات المتحدة، والتي تشكّل توازناً معيّناً للقوى بين هاتين الدولتين على الصعيد العالمي، يجعل تأثيرهما متفاوتاً على النظام.

? العامل الثاني : ولكنه الإقتصاد أيضاً، يا غبي!

لقد عدّل نظام البشير من تحالفاته الإقليمية أكثر من مرّة، آخرها سنة 2015م عندما انتقل من صف إيران – حماس – حزب الله – حركة الإخوان المسلمين، إلى محور السعودية – الإمارات- مصر. السبب وراء هذا التحوّل هو اقتصادي بالأساس: لقد أثرت أزمة نقص النقد الأجنبي على قدرة النظام على تلبية الحاجيات الأساسية من خبز ودواء وبترول، وبسبب تركيبة النظام الداخلية، كان الانتقال إلى حيث توجد الأموال خياراً منطقياً. كان الثمن هو توقيّع النظام بعد 2015م على اتفاقيات اقتصادية مع دول الخليج حازت بفضلها على أراضٍ وامتيازات وتسهيلات ضخمة، ولكنها على عكس تمنياته لم تنعكس إيجاباً على الوضع المعيشي. إن النفوذ السعودي على القرار السياسي للنظام يجد مصدره في القبضة القوية التي تحكم بها الأموال السعودية سيطرتها على الاقتصاد السوداني، وهذا أمر مفهوم. ولكن ماذا عن الصين التي تملك نفس الحضور الإقتصادي القوي؟ إن اختلاف مدى النفوذ بين السعودية والصين يكشف عن أمر مهم: إن السياسة الخارجية لكلٍّ منهما محددّة بالسياسة الأمريكية في المنطقة والعالم، في نهاية المطاف. لقد توافقت سياسة السعودية الأدوار الدبلوماسية للسعودية مع السياسة الأمريكية تجاه إيران وضرورة عزلها مثلاً، ووترافقت مع الحوجة الإقتصادية لرأس المال السعودي للتوسّع، فتضخم الدور السياسي للسعودية أسياً. إن كل مكسب تجنيه السعودية سيصب في صالح الولايات المتحدة عند المصب، أما في الجانب المقابل، على السياسة الخارجية الصينية أن تبقى في حالة حذر دائم، وسكّت شعار (عدم التدخل) كرمز لسياستها الخارجية ككل، لأن مصالحها قد تتعرض للتهديد من قبل الولايات المتحدة في منطقة جغرافية أخرى في العالم، مثل بحر الصين الجنوبي، إن هي أخطأت في حساب خطواتها السياسية في السودان أو في أي مكانٍ آخر. إنها تقايض ابتعادها عن ساحة الصراع في السودان بمساحات إخرى تجد فيها مصالح أكثر رسوخاً. الإقتصاد هو سياسة بلغة أخرى.

? العامل الثالث: إضغط تكسب، (ثم تخسر؟)

التوقيع على الاتفاقيات والأوراق شيء، تنفيذها على أرض الواقع شيء آخر. كل طرف موقّع له مصالحه الخاصة، وقد يتنازل عن بعضها أثناء التفاوض ليضمن تحقيق الأهم من بينها. ثم يتفق الطرفان على نقطة وسط. ولكن والشيطان دائماً ما يأتي وقت التنفيذ، التنفيذ مكمن التفاصيل.
لقد أبرم النظام العديد من الإتفاقيات، ولكنه حاول التنصل منها وعجز عن ذلك، فلجأ للعبة جديدة عنوانها (اضغط تكسب)، وأبرز مثالين على هذه اللعبة التي يمارسه النظام هو ردّة فعله تجاه (1) رفع العقوبات الأمريكية، وعلى (2) ما يفسّره بالتباطؤ السعودي في حل أزمة الوقود والدقيق المحليّة في 2017م.
نبدأ بالمثال السعودي باعتباره الأكثر تأثيراً. لقد أرسل النظام جنوداً وضباط سودانيين سنة 2015م للمشاركة في التدخّل السعودي في اليمن. ومرّت سنتان ولم تحلَّ بعد أزمات الوقود والدقيق، ولا زال الميزان التجاري في حالة عجز واحتياطي العملة الصعبة في الحضيض، مع إلقاء بعض الفتات الذي ينقذ النظام من الإنهيار الكامل، وهو أسلوب للتدخل يبقي النظام تحت حالة دائمة من الضغط الصامت، ولكن الفعّال. لقد أجبِر النظام على الإنصياع دون أن تكون له فرصة للمناورة.

لنضع طاقية النظام ونفكّر بطريقته : بعد كل ما فعلته السعودية، هل كان بإمكان النظام التراجع عن تحالفاته الجديدة والعودة لتوطيد العلاقات مع إيران؟ الجواب هو (لا). والأسباب كثيرة. لن يثق الإيرانيون بالنظام بعد الآن، وأفضل الاحتمالات أن يقابلوا الخطوة ببرود دبلوماسي، إضافة إلى أن إيران لا تملك الإمكانات الإقتصادية اللازمة لمساعدة السودان على حل معضلاته بسبب العقوبات الأمريكية عليها. إن انسحب السودان من محوره الجديد الذي اختاره، فإنه سيستعدي قوى جديدة دون أن يجني أية مكاسب. مافيش فايدة!.
لقد وقع النظام في الفخ. ولا مخرج، ولكن لا بد من المحاولة. جاء الحل في محاولة اللعب على التناقضات الإقليمية بين حلفائه الجدد ومنافسيهم، وهنا ظهرت تركيا.
إن التنافس على النفوذ الإقليمي بين تركيا والسعودية – الإمارات تبدّى بكل مستوياته في لحظة الإطاحة بالرئيس المصري محمد مرسي واعتلاء السيسي مكانه سنة 2013م. لقد حاولت بعض الأطراف إبراز هذا الصراع وكأنه بين أنصار الديمقراطية (حركة الإخوان المسلمين وتركيا) والملكيات السلالية وقوى الديكتاتورية (السعودية والإمارات والجيش المصري). ولكن هذه الرواية تتجاهل الصلات الباطنية بين ملكيات وأمارات الخليج وحركة الإخوان خلال الستينات والسبعينات والتي وفّرت لها ملاذاً آمناً بعد وصول الضباط الأحرار للسلطة في مصر سنة 1952م، ولولا ذلك الدعم لما بقي للحركة من أثر. ظلت حركة الإخوان منذ نشوء حركة التحرر الوطني في الخمسينات مجرّد أداة للسياسة الخارجية للقوى الإمبريالية في المنطقة. وتتعامى عن تبعيتها جميعاً لأحلاف الولايات المتحدة في المنطقة. وبالتالي فإخفاء الخلاف وراء هذه لافتة الديمقراطية ليس أكثر من تزييف. يجب البحث عن منابت الصراع بعيداً عن ضجة القنوات الإخبارية، أي في الإقتصاد السياسي للشرق الأوسط.

? منافذ وموانئ

إن الصراع السيطرة على مسارات الملاحة البحرية هو أحد أبرز أشكال الصراعات التجارية. أن تنتج البضائع فحسبـ هذا ليس كافياً، على المنتج أن يضمن طرق تصريف منتوجه، ومن هذه النقطة ظهر البحر الأحمر كساحة تنافس محموم.
تحاول الإمارات حماية موقعها كمركز للتجارة الدوليّة، ولا بد أن تؤمّن البنى اللوجستية التي تسمح بفتح أسواق جديدة غير مستغلّة إن هي أرادت الحفاظ على موقعها وتوسيعه في وجه المنافسة التركية . ولهذا فهي تحاول السيطرة على الموانئ في البحر الأحمر، وعلى خطوط سكك الحديد في افريقيا. لقد سمحت الحرب اليمنية للإمارات بالسيطرة على مضيق باب المندب، وميناء عصب في اريتريا، وتحاول الآن انتزاع السيطرة على ميناء الحاويات الجنوبي في بورتسودان، وإن نجحت، يكون ساحل البحر الأحمر على ضفتيه حتى قناة السويس آمناً ومفتوحاً بلا عوائق أمام حركة البضائع المتحركة من ميناء جبل علي بدبي.
ولكن تركيا ترى في هذا تهديداً لمصالحها، وتحاول أن تلعب نفس اللعبة، وهي أن تسيطر على المعابر والمنافذ الحيوية وتصرّف إنتاجها. من هنا التقت خطة النظام السوداني في الضغط على حلفائه مع طموح قوتين متنافسين، فما كان منه إلا أن حاول اللعب على كليهما.

? نفذ وعودك وإلا…..!

زار اردوغان الخرطوم في ديسمبر 2017م، مما تسبب في موجات عنيفة من التراشق الإعلامي بين مصر والسودان، وأعلن البشير منح تركيا ميناء سواكن للبحر الأحمر من أجل (صيانة الآثار العثمانية). كانت هذه الحجة مما يصعب تصديقه. ولم يفت على السعودية والإمارات التقاط الرسالة: إما أن تفوا بوعودكم وتنقذونا، وإما أن (…). وسكت النظام عن التصريح بالتهديد المباشر وغلّف خطوته بنبرة دبلوماسيّة ساخرة. أما التلويح بسحب الجنود السودانيين من حرب اليمن، الذي حرّكته أذرع النظام داخل البرلمان وأثارته الصحف، فاضطر البشير نفسه لنفيه وإعادة الحديث المكرور عن العلاقات الأزلية والأخوية بين البلدين، ولم يتكرر يعدها على الإطلاق.
محاولة الضغط الثانية : روسيا. فبعد عشرين عاماً من فرض العقوبات على السودان، وبوساطة من حلفاء النظام الخليجيين الجدد، رفعت الولايات المتحدة الحظر التجاري والإقتصادي عن البلاد. في أكتوبر 2017م، ولكن النظام الذي كان يستشعر وطأة الأزمة الاقتصادية الخانقة كان يريد المزيد، كان يريد من الولايات المتحدة أن تضغط على حلفائها الخليجيين لتوفير الدعم الإقتصادي الذي تحتاجه بشدّة، ولهذا حاول اللعب على حبال التناقضات الدولية، بمستوى أعلى قليلاً.
ذهب البشير إلى موسكو بعد شهر من إعلان رفع الحظر، نهاية نوفمبر 2017م، وقال بالحرف (نريد الحماية من التدخلات الأمريكية). وروسيا التي تبحث عن توسيع نفوذها الدبلوماسي فيما تراه عدوانية حلف الناتو في أوروبا الشرقية، وجدت في دعوة البشير فرصة لكسب موطئ قدم جديد. هذه المرّة في القارة الافريقية، حيث القوى الأوروبية الإمبريالية القديمة التي تتنازع ضدها في أوكرانيا وأوسيتيا. وفتح النظام معبراً للتدخل الروسي في افريقيا الوسطى.
ما النتيجة التي جناها النظام من لعبة (اضغط تكسب)؟
لقد استفاد النظام وقتياً من ألعابه البهلوانية. فحسب العديد من المتابعين للشؤون الاقتصادية، وصلت العديد من شحنات الدقيق التركي والأوكراني بتمويل روسي، وبعض ناقلات النفط محمّلة بالوقود من الإمارات والسعودية خلال سنة 2017م.

? حليف غير موثوق هو عدو مستقبلي

لننظر إلى خريطة القوى الدولية ذات العلاقة مع النظام: هناك لاعبون دوليون ذوو مصالح إقتصادية بحتة (الصين)، وأصحاب مصالح عابرة ومؤقتة (الإتحاد الأوروبي)، وباحثون عن النفوذ الدولي (روسيا)، وفوقهم صاحبة المصالح السياسية طويلة الأمد (الولايات المتحدة). لم يحاول أي منهم حتى الآن على الأقل التدخل في مجرى الثورة. وهذا لا يعني أنهم لن يتدخلوا، كلُّ تحت شروط معيّنة.
ثانياً: لاعبون إقليميون تندمج لديهم المصالح السياسية – الإقتصادية بصراعاتهم الداخلية : الإمارات (التي تريد الموانئ بأي ثمن)، والسعودية (التي تريد استتباع السودان باعتباره مزرعتها الخاصة)، وتركيا (التي تبحث عن سوق لتصريف انتاجها وعن منافذ عبور)، أما الاستثناء فهو مصر التي تغلب عليها المخاوف السياسية (وقضية مياه النيل قضية سياسية في نظرها) وهي أكثر من يخشى اندلاع ثورة في السودان. والسبب واضح : نظامها السياسي أكثر هشاشة وهو الأكثر عرضة للتأثر بأي موجة ثورية قادمة، رغم أنها من أشد أعداء البشير، إلا انها أكثر من يخشى سقوطه.
ولكن لا شيء أسوأ على البهلوان من أن يمل الجمهور حركاته مهما كانت جنونية، العادة تقتل المفاجأة، ويبدو أن كل حلفاء النظام قد أصيبوا أخيراً بالملل. في 2018م، لم يهب أحد لنجدة النظام وسط كل مصاعبه الإقتصادية الخانقة. على الورق، هو حليف الجميع، ولكن على أرض الواقع الجميع يرفض مساعدته. لقد أدت سياسة النظام في بناء التحالفات على أساس اللعب على التناقضات إلى نتيجة عكسية: لقد أصبحت سبباً لاكتساب الأعداء، معظم حلفائه الآن أعداء. لقد زرع النظام في تحالفاته الأكاذيب، فحصد منها الخوازيق.

المهدي كعبقري ل “حرب الشعب”

الخلط المدمر:

يخلط الكثيرون من ثوريي اليوم بين الإمام المهدي، الثوري الذي خلص السودان من الإحتلال، وبين خلفه الإنتهازي. ويساوون بينهما باعتبار النسب. وهذا المسلك، فوق كونه ظلما يتجاهل السياق المعاصر، يحرم ثوريي اليوم من النظر العلمي لدروس الإمام المهدي في شأن التكتيك، وهذه حماقة. والثورة لا تلقي بأفكار الماضي في مزبلة الأفكار لأنها تكره من يحملها في الوقت الحاضر، بل تناقش الماضي بشروط الحاضر، وتتعلم كيف أن الانتهازي قد يأتي من صلب الثوري، والعكس أيضا. فتكتشف دروبها الجديدة من ذاك النقاش. وتنتعش. ولم تنجح ثورة في التاريخ إلا بمثل هذا النقاش الجاد.

هذا المقال هدفه:

بمقدورنا أن نستفيد الكثير من ثورة السودان في 1882م- 1885م، ومن تكتيك المهدي في تعبئة القوى حوله وتوجيهها، ومدها بالعزيمة القتالية، وأساليبه في التقدم والانسحاب، وقراراته في الهجوم والدفاع، وسحقه للقوى المعادية في نهاية المطاف وقطع رأس العدو واحتلال مركز القيادة والسيطرة في معركتنا الحالية. نحن نخوض حربا ضد ساكن القصر، وعلينا أن نتعلم من أول من قطع رأس ساكنه.

المهدي برداء كلاوسفيتز

لننظر إلى الوقائع في 1880م

هناك طرفان في المعركة : دولة محتلة متقدمة تقنيا، وتملك التسليح الناري ووسائل الإتصالات ومنظمة للغاية عسكريا بتشكيل عسكري نوعي قليل العدد من قوات النخبة + لها حلفاء محليون يقاتلون بالوكالة ؛ضد ،مجموعات متفرقة من القبائل، والتجمعات القروية، وحرفيي المدن، لا يضمها أي رباط. وتعيش حياة اكتفائية فقيرة، تنظيمها العسكري بدائي للغاية أو معدوم، ولا تملك سوى أسلحة الحرب القديمة من سيوف وحراب وبعض الدروع.

يضطهد الطرف الأول كل من في الطرف الثاني عبر اقتلاع الضرائب بالعنف، ومن يقاوم كان مصيره القتل العلني حتى يخاف الباقون. كان كل الناس ساخطين وخائفين. لم يعرفوا الجواب على سؤال “ما العمل؟”.

واجهت المهدي 3 مشكلات :

المشكلة (1)

هي توحيد كل هؤلاء المتضررين تحت راية واحدة. كانت مؤسسة التصوف هي البحر الذي يضم في جوفه كل هذه التجمعات، وبعد وفاة الشيخ القرشي في 1880م وتوليه شياخة الطريقة السمانية أحد أكثر الطرق الصوفية نفوذا وهيبة، وتوافد الناس عليه لتلقي بركاته، حلت هذه المسألة جزئيا.

المشكلة (2)

هي مشكلة الحفاظ على سرية خطته حتى يقوى عودها وتؤسس نواتها الصلبة ولا تقتل في مهدها. وهو ما فعله في هجرته السرية إلى الأبيض في نفس السنة يحمل الجبة المرقعة والمسبحة والعكاز وإبريق فخار. كان يحدث الناس عن التصوف علنا ويدعوا لحركته سرا. ونجحت هذه الخطة لأن المحتل ظنه مجرد درويش آخر همه الجذب والذكر والكرامات. وجمع من التجار والأعيان القبليين الموافقة، فبايعوه سرا وأمرهم بالانتظار حتى يجهر بالثورة. وهكذا حل المشكلة الثانية.

المشكلة (3)

هي مشكلة التكتيك العسكري. كيف يمكن حسم قوة متفوقة من حيث التسليح والتنظيم وجودة الإتصالات بجموع متفرقة غير مدربة ولا جامع بينها؟ هنا بالتحديد، تتكشف عبقرية نادرة. لقد تعامل المهدي مع المسألة مستفيدا من نقاط قوته ضاربا بقوة على الشقوق الصغيرة في جدار حماية خصمه حتى يفتته. لقد عرف مواطن الضعف وتعامل معها بذكاء وحنكة. تقول ممارسته السياسية أن الحل هو …”حرب عصابات طويلة الزمن، على مساحة جغرافية شاسعة، بواسطة جيش متحرك منفصل من الأعوان، يجدون في تشكيلاتهم الإجتماعية المحلية حواضن للنمو والحماية، قليلي التسليح ولكن ذوي عزيمة كالفولاذ، يتساوى لديهم الموت والحياة. ومن ثم الهجوم بلا هوادة، مرحلة تليها مرحلة، من أجل تشتيت قوة الخصم وإضعافها مع مرور الزمن تمهيدا لضربة قاضية”.

كان الوصول لاستنتاج عسكري كهذا في القرن التاسع عشر دلالة على عبقرية لاتضاهى. وقد طبق الاستراتيجيون الصينيون نفس هذه الخطة في مواجهة الغزو الياباني أربعينات القرن العشرين، وطبقها فون جياب وجيش فيت كونغ في فيتنام ضد الفرنسيين ثم الأمريكيين. وانتصروا. ولكن سبقهم المهدي بسبعين عاما. ليس بالضرورة أن نقول انهم نقل نقلوها عنه، فهذه مبالغة خرقاء. الأهم هو القول أن الاستجابة الذكية لنفس الظروف المحيطة قد تعلمنا عن تشابهات جيدة ومفيدة للمقارنة بين التجارب.

أحيانا، يجب على المنتصر أن ينسحب !

لنلق نظرة على مسارح العمليات في حرب المهدية:

البداية بالجزيرة أبا أغسطس 1881م. أرسل حكمدار الكوة 650 عسكريا للقبض على المهدي. فاستنفر القبائل المجاورة والتي كانت في أعلى حالات التعبئة ضد العدو المحتل. ارتكز 250 رجلا في موقع محصن جوار الموقع الذي سينزل منه جنود العدو وانتظروا. وفي كمين محكم التحم فيه الطرفان بالأسلحة البيضاء أباد الأنصار كل القوة المعادية. بفضل قدرتهم على التخطيط حيدوا أثر السلاح الناري في المعركة فمالت الكفة لصالحهم. الأقلية الحديدية والخطة الجيدة يصنعان الفرق.

هنا يأتي القرار العبقري:
إن بقي المهدي في مكانه لهزم. فوسع المهدي نطاق المعركة

اختار الانتقال حيث تنصره الجغرافيا وحشود الناس : قدير في جبال النوبة بتحصيناتها القوية. تحركت قوة معاديو لمطارته فواجهتها كل القبائل في الطريق والتي بدأت في تأييد بالمناوشات وحمت ظهره من غدرها ففضلت القوة التراجع.

انتصر في معركة أخرى في قدير و صوله.

أما “الزريبة” في جبل الجرادة بجبال النوبة، كانت الإنتصار الثالث. لقد انتزع منطقة جغرافية كاملة وكسب الاهتمام والتعاطف. ولكن، هل توقف المهدي هنا؟. الإجابة هي (لا) كبيرة. واستلزم عزمه الهجوم بدل الانسحاب الذي قام به في البداية تغييرا في أسلوب الحرب ومداها وقواها.

إن أردت التقدم أماما، عليك فتح جبهات جديدة ضد الخصم مستفيدا من مكاسبك القديمة، وبشراسة أكبر.” هكذا تقول ممارسة المهدي بعد قدير.

لقد أدى فعل المهدي إلى خلخلة قوات العدو وثباتها، واضطرب نظامها المعتاد بعد أن اعتادت على المعارك المنفصلة، أصبحت مواجهة بقوة جديدة. انعكست هذه الخلخلة إيجابيا على قوى الغضب الكامن التي كانت تبحث عن منفذ لتخرج. وقد كان. واستفاد المهدي بعبقرية من ذلك.

العالم القديم يحتضر ..

قام العدو بتحريك قوات من الجزيرة لتغطية النقص في العدد في مناطق الاشتباك، فأتاح ذلك الفرصة لأنصاره بإعلان العصيان المسلح في الجزيرة في أكثر من 12 منطقة. وتفاقمت متاعب العدو. وفي مارس 1882م فتح المهدي جبهة جديدة في كردفان، واشتعل العصيان بدارفور في أكتوبر 1882م. وكانت كل هذه المعارك تحشد المزيد والمزيد من الناس حول حركة المهدي الثورية، وتشجعهم للمواجهة. فيتصل بهم، وينضمون لجيشه، وتتضعضع معنويات الخصم. كل ذلك في حركة واحدة متعددة التكتيكات.

التقدم مرة أخرى، بخطى أكثر ثباتا

انتقل المهدي من حرب العصابات في الريف – بعد أن أدت هدفها في تشتيت قوات الخصم وتكريب صفوف الثورة – إلى خطوة متقدمة، وهي إيقاع الضربة نوعية مؤلمة بالعدو في قلعته الحصينة، وهو في أضعف حالاته. أي : أن يهاجم المدن، مقر السلطة.
وقد كان.
حرك قواته المتمركزة في جبال قدير لحصار الأبيض وبارا، مستندا على دعم ومساندة القبائل والتجمعات التي تقع على طريقه التي كسب دعمها بعد أن بنى قاعدته في قدير.

استسلمت المدينتان : يناير 1883م.

غرامشي في الأبيض

بعد سنتين من حرب العصابات الريفية، ذات الطابع المفكك والتي تعتمد على المباغتة، انتقل المهدي في معركة الأبيض إلى حرب المواجهة الصدامية المباشرة، المكشوفة المكان والزمان. ولم يتم هذا الانتقال تلقائيا، بل استلزم تكامل الجهود السياسية والعسكرية والمعنوية. اصطدمت القوتان هكذا رأسا برأس. ما فعله المهدي يسمى في عصرنا الحديث بالانتقال من “حرب المواقع ” إلى ” حرب الحركة ” مرورا عبر مرحلة طويلة من التجهيز والمعارك الجزئية يتم خلالها اختيار لحظة الصفر.

خطوتان إلى الأمام، خطوة إلى الخلف

لقد فاز المهدي الآن في الأبيض بما كان ينقصه: السلاح الناري. أصبح في يده نفس سلاح عدوه. تساوت الكتوف.

كان من الممكن أن يتوجه المهدي مباشرة نحو العاصمة الخرطوم. مستفيدا من حماس جنوده وسلاحه الجديد، ولكنه اتخذ القرار العبقري الثاني : تمترس في مواقعه الجديدة وعاد إلى ممارسة حرب العصابات، ولكن هذه المرة بسلاح أكثر تقدما وعزيمة أشد صلابة. “لم تزل هناك بعض الجيوب التي لم يخسرها النظام بعد ولا يزال بمقدورنا تحييدها أو جذبها” تقول ممارسة المهدي. وهذا هو (تكتيك حشد القوى). بدأ العصيان مجددا في بربر، ومن ثم القضارف. وحاول عدوه وهو في تلك الحالة من الضعف أن يقضي عليه وهو لا يزال في الأبيض، كانت معركة شيكان التي تجلفن فيها جنود المهدي من محض مقاتلين قبليين غاضبين إلى جيش منظم، مسلح، ذو عزيمة قتالية متسقة، وقيادة موحدة. فانتصر وفاز بالسلاح غنيمة وبالمعنويات. وعلى الرغم من أن حملة هكس باشا كانت آخر جيش منظم للعدو في البلاد، لم يهجم أيضا، مارس الانتظار الهجومي. فاكتمال التفاف الحبل حول عنق الضحية ضروري لقتلها. تشجعت الناس وقاموا بالمزيد من الانتفاضات: سقطت في يده الفاشر في يناير 1884م، والقضارف في مايو، تلتها بحر الغزال في يوليو من نفس السنة، وفي كان عثمان دقنة يمارس أرقى أنواع حرب العصابات في شرق السودان مرتكزا في “تمنييب”، “طوكر” و”سنكات” على خط عمليات يبلغ طوله 600 كلم. مما جعل العدو عاجزا عن الدفاع عنه. في الختام، قام بضربة فنية قاضية فتحت طريق المهدي لضرب معقل العدو : لقد قطع دقنة طريق سواكن – بربر وسيطر على طريق القلابات. فأصبحت الخرطوم معزولة، مهزومة في كل مكان، وبلا منافذ للهرب. وانتقل المهدي مرة ثانية من حرب العصابات إلى المرحلة الثانية من المواجهة المباشرة، شعاره “إلى القصر حتى النصر” بكلام اليوم.

سحق البعوضة؛ بمطرقة

خلال 3 سنوات، ارتقت قوات المهدي من عصبة قوامها 250 شخصا في الجزيرة أبا أرقى سلاحهم السكين والعصى، و “أسياف العشر” في أسطورة مهدوية، إلى جيش موحد منضبط وممتاز التسليح من ربع مليون مقاتل. كل ذلك خلال مراحل من المعارك المخططة بدقة وبإدراك ذكي لظروف الحرب. لقد تشتتت قوة العدو، وانزوت قواته المحاربة بالوكالة بعد أن ضربها العبيد ود بدر في الخرطوم بحري – الحلفايا، ضاربا أول نقاط الحصار حولها، وتوالت النقاط لتشمل قبة الشيخ خوجلي، ونقطة أخرى في الجريف شرق، والجزيرة اسلانج شمال أمدرمان، وفي خور شمبات. أصبح ذلك النظام المرعب الذي يبث مجرد ذكر اسمه الرعب في الأوصال، بحجم الباعوضة، هشا وبلا وزن. فوجب سحقه بعنف لا يرحم.
حاصر المهدي الخرطوم في أكتوبر 1884م، وبدأ حملة “حرب نفسية” متقنة ضد العدو داخلها، وظهر الشح في السلع. وكان أحد منفيي الثورة العرابية محتجزا في الخرطوم وتأثر بجو الثورة، فكتب: (نصيحة العوام للخاص والعام من إخواني أهل الإيمان والإسلام) وحث الموظفين على عصيان النظام، فأعدم. كانت معنويات النظام في أدنى درجاتها، وعندها جاءت ساعة الحسم، قوات المهدي في أعلى مستويات الجاهزية، خصمه في أدنى درجات الضعف، وبلا حليف أو أمل في النجاة. فكان الاقتحام البطولي في 26 يناير 1885م.
وقطع رأس غردون.
وتم الإنتصار.
#قدام
#تسقط_بس
#مدن_السودان_تتنفض

خطوات الوهم

السياسة مليئة بالمقالب والفخاخ. وعلى الثورة أن تتجاوزها جميعا إن أردنا لها النجاح. وسياسيو العدو، من الصنف البرجوازي الصغير دائما ما يحترفون نصبها وتوريط قوى الثورة فيها. وتعمية اللغة والتلاعب على الألفاظ، وإبهام التكتيكات جزء من ذلك. يقودون الثورة بخطواتها إلى موارد الحتف. هي خطوات الوهم لا مسيرة التحرر.

ياسر عرمان سياسي ذكي ومناور، ويدعي أنه في معسكر الثورة. ولكن كل قارئ لمقالاته القديمة وللشعر الركيك الذي ينظمه، لاستغرب من وضوح وجهته هذه المرة، على خلاف كل مكتوب سابق كان فيها يراكب بديع الألفاظ والمستصعب منها على بعضه دون فرز، ولا يخرج القارئ من مقالاته إلا بأردبين من الكلمات غير ذات العلاقة بالسياق.

في وضوح نادر يقول عرمان ( نجري اتصالات مثل غيرنا للوصول إلى مركز موحد للإنتفاضة ). هذا هو الهدف إذن: محور ينتظم حوله فعل المعارضة، مركز جذب يلم عليه كل شتات القوى الثورية. يالها من مهمة رائعة!.

ولكن ما الذي جعل ياسرا في هذه العجالة وبهذا الوضوح بعد أن عرف بين أقرانه بطول البال التي تصل إلى حد التراخي، وواضحا بعض فترة طويلة من الغموض؟ يمكن أن نحسن الظن ونقول أن الثورة تبدل الأكوان، فلا بد أن ياسرا قد شفي ببركاتها النورانية. سطران إضافيان من كلام ياسر وينكشف السر، يقول (أود أن أقدم هذه الملاحظات لصانعي هذا الحدث العظيم على الأرض) ونأتي للجملة المفتاحية (ونترك ما لم نقله للقنوات المتخصصة).

نسأل : وما هي تلك القنوات المتخصصة التي لا تصل منظمي الحدث العظيم؟ من هم أولئك المعنيون بالقنوات المتخصصة؟ ويبدو واضحا تماما أنهم ليسوا منظمي “الحدث العظيم”. في معنى كلام ياسر ” من كل حسب قنواته، إلا كل حسب مهامه”.

لنعد إلى الوقائع الصلبة : خطت الجماهير خطوات عملاقة تجاه تحررها، خطوات في الطريق السليم. ولكن خطوات بهذه الضخامة، من الطبيعي ألا تجد نظرية جاهزة الصنع تواكبها وتحدد مسارها مسبقا. ومن هنا ينشأ التناقض : لقد استولت الجماهير على مراكز السلطة الإقتصادية في بعض المناطق، ووجهت عنفها بكل دقة إلى عصب النظام، دون أن تغرق في التنظير حول “تحطيم جهاز الدولة القديم” أو ” وضع التوزيع والإنتاج في يد الجماهير العريضة”. لقد كان فعلها هذا هو النظرية، وهو فعل واضح صريح، لا يشبه الأفعال والتكتيكات التي كان يدعو لها ياسر عرمان منذ فترة طويلة. ولهذا وجب أن يكشف عن دواخله مرة واحدة، ويعلن عما يريد بلا مواربة.

ما الذي يريده ياسر؟ ما قامت به الجماهير في عطبرة والرهد والقضارف يمكن تسميته دون تردد ب “الخط الثوري”. كل شيء في يد الجماهير دون جهاز الدولة القديم، هم الدولة. يريد ياسر أن يقطع هذا الخط، يسيطر عليه، يحتويه داخل قمقم الأجسام الهلامية، يسميه “المركز الموحد للإنتفاضة”. من الطبيعي أن تتضارب عدة خطوط سياسية في أي حالة ثورية، هناك خط رجعي وخط ثوري وخط متذبذب. وبالطبع، لا توجد هذه الخطوط محلقة في الهواء، بل إن كل واحد منها يجذب كتلا اجتماعية متفاوتة. وغرض التكتيك السياسي الثوري هو فصل هذه الخطوط لتتبدى فروقها تحت ضوء الثورة الكاشف، ويتجمع الثوريون في صف واحد. إن تجميع أصلب عناصر الثورة حول مطالب معينة، وإجماعهم على تكتيكات معينة، هو إكسير النجاة بالثورة. ويحاول ياسر أن يخلق المركز الموحد تحت دعوى “تجميع قوى الثورة” في لحظة مفصلية : لم تبلغ القوى الثورية نقطة القطيعة مع كل خط رجعي أو انتهازي بعد، خطها الثوري ما زال جنينيا، ولكن معطيات الأحوال تكشف أنه سينجح في لحظة ما في تحقيق قطيعة مع كل خط آخر، يريد ياسر استباق عملية التطور هذه، هذا خنق للثورة في المهد. ما المانع أن يكون هناك أكثر من مركز للانتفاضة؟ ويكون لكل مركز تكتيك معين؟ لماذا لا يجمع ياسر مركزه الخاص؟ السر في ذلك أن مهمته المسبقة هي خنق فرص تكوين مركز الانتفاضة، لا توسيع نطاق مركزه الخاص. يمتلك ياسر مركزه المستند على الدعم الإقليمي والدولي وعلى فئات البرجوازية الصغيرة المتذبذبة والتي تتشجع لمنازلة النظام فقط حينما يأتيها الضوء الأخضر من وراء البحار. ومن الطبيعي أن يرتعد مركز ياسر من فرص ظهور مركز ثوري حقيقي أكثر من ارتعاد النظام، فهو شمشمون الذي سيهدم مركزهم والنظام بلا رحمة.

ياسر نصير للخط الإنتهازي، لننظر إلى هذه الجملة في النقطة رقم (4) : علينا ألا نخلق المعارك داخل صفوفنا. ويحق لنا أن نفكر في الشروط التي يختلف بسببها من هم في صف واحد. إنهم يختلفون حول التكتيكات بالطبع. والمعارك التي يصفها ياسر هي جزء من عملية خروج الخط الثوري من أحشاء الظرف الراهن. يرغب ياسر في أن يصمت الخط الثوري عن انتهازيته، عن تكتيكاته الجبانة، عن المستقبل الفارغ من كل أمل الذي يعرضه عليه. ولهذا يشدد في النقطة عند حديثه عن الدعوات الكثيرة والمتضاربة أحيانا في النقطة (1) “لكن ذلك يمكن أن يضر، إن لم تكن لدينا أولويات واضحة ومهام مرتبة على نحو دقيق”. انتهى الاقتباس.
نسأل: ماذا يضر الجماهير الثائرة إن هي أخطأت وصححت نفسها فيما بعد؟ لم تأت في التاريخ ثورة دون أن تتعلم من أخطائها، ودون هزائم جزئية بلا خسائر. يريد ياسر الأولويات والمهام. حسنا، أين هي أولوياتك؟
لا يطرح ياسر شيئا!.
ليس بمقدور أي قارئ سوى الاستنتاج أن مثل هذه الأولويات والمهام خي من مهام أصحاب “القنوات المتخصصة” التي صرح بها ياسر سابقا. والتي طبعا لا تخص أولئك الأبطال على خط المواجهة.

يلعب ياسر لعبة قذرة، يريد أن يظهر نفسه باعتباره معاديا ل “العفوية” في النضال الثوري. ويطرح ضمنا جزءا من مخاوف الثوريين على أرضية حل تنظيمي وهو تكوين المركز الموحد. نتعلم من دروس الثورات أنه لا يمكن التنبؤ بزمن الثورة ومكانها بدقة، ولا بدينامياتها، سوى بدرجة شديدة التجريد. العفوية هي ما يشعل الثورة. ولكننا نعلم أيضا أنه ما من ثورة انتصرت اعتمادا على العفوية، بل نرى أن نجاحها اعتمد على تنظيم دقيق يستند على عناصر صلبة لا تتزحزح عن قناعاتها قيد أنملة، وترتفع إلى مستوى المرحلة عبر تعبيرها عن مصالح الشق الأعظم من الجماهير بمطالب لا تفاوض حولها، ومن الطبيعي أن تحدث بسبب خلافات بين الخطين الانتهازي والثوري ضمن المعسكر الثوري في مجابهة النظام المعادي. كانت هذه حال اليعاقبة والجيرونديين في الثورة الفرنسية 1790م، والبلاشفة والمناشفة في الثورة الروسية 1917م، وماو والكوميتانغ في الثورة الصينية 1949م. وتطول القائمة. لنراجع دروس هذه الثورات : يكون حزب معارض للنظام القائم في خط المواجهة، تظهر داخله تيارات متصارعة، أحدها يريد السير بالمواجهة قدما بكل شجاعة، والآخر يريد المساومة. ويعتمد سير الأمور في نهاية المطاف على مقدرة الجناح الأكثر راديكالية وثورية على جمع أكبر حجم من الجماهير حول برنامجه، ورسمه للتكتيك الواضح في مواجهة عدوين في آن واحد : الانتهازية في صفوفه، والنظام القديم في الخارج، ولكن صراع أدواته. نترك روبسيير لنعود إلى ياسر عرمان : يريد عرمان حسم الصراع ضد الجناح الثوري في الحركة الجماهيرية بأداة الصراع التنظيمي، وأسلوبه هو قمع الرأي المضاد بسلاح التصويت واللوائح، وتعمية التكتيكات الممكنة أمامه. أي إضعافه لدرجة تسمح للنظام القديم بسحقه. التيار الانتهازي هو تيار النظام داخل الحركة الثورية.

للتدليل على ذلك يكفي أن ننظر لفريق آخر ضمن تنظيم ياسر عرمان ذاته، ولكن نقطة ارتكازه مختلفة كل الاختلاف. عبد العزيز الحلو، قائد أعلى جيش الحركة الشعبية لتحرير السودان. والذي انفرد بقيادة الجيش الشعبي على حساب عرمان ومالك عقار في خلاف واضح حول التكتيك الثوري الملائم.
يرتكز الحلو، عكس عرمان، على تأييد جزء من أكثر الأقسام الجماهيرية اضطهادا في السودان، ويسيطر على مساحة تعادل دولة النمسا في إقليم جبال النوبة. ومن الطبيعي أن يرى في الثورة طريقا للحل النهائي للأزمة القائمة، يقول بيان الحلو ” أن إسقاطه [النظام] يسمح بالحفاظ على وحدة السودان”. لقد خاطب الحلو مسألة الثورة لا من باب الحل التنظيمي، بل من وجهة النظر السياسية. لقد رأى الحلو أن الثورة أملا لحل سياسي للأزمة يتجاهله التيار الانتهازي بقيادة عرمان. وفي هذا درس عملي عملي لانقسامات معسكري الانتهازيين والثوريين.
لحل هذا الاستعصاء، لا يلزم الثورة في اللحظة الحالية جمع كل من هب ودب تحت لافتات ملونة، هي أسماء أكثر من كونها كيانات تعبر عن قوى اجتماعية حقيقية. الحل التنظيمي للأزمة الثورية وتجاهل مطالبها السياسية هي تكتيك التيار الانتهازي في لحظات الثورة. ما تحتاجه الثورة هي أن تصل بلا كلل ولا ملل إلى كل الجماهير، وفي القلب منهم جماهير المنتجين، وتعبئهم حول مطالبهم الخاصة ومطالب سياسية ثورية، وتخلق مناخا يسمح لألف مبادرة أن تظهر، وأن لا تتوانى في نقد نفسها بكل شجاعة على أخطائها. أما حل عرمان، ومعه جوقة الانتهازيين، فهو حل لمشكلة النظام مع الثورة، لا حل لمشكلة الثورة مع النظام، وشتان.

الثورة مستمرة، الثورة منتصرة.
? قدام
#تسقط_بس
#مدن_السودان_تنتفض