❓ برهانتياهو : كيف تفكّر الثورة في السياسة الخارجية؟

⭕ مقدمة

⭕ بعد الثورة ومع التسيس العالي لقطاعات عريضة من الجماهير ، وإتساع قاعدة التفكير والتقرير في الشئون والمصائر العامة ،أصبح الجميع متحمساً للنقاش والحوار. وجدنا أنفسنا فجأة أمام أسئلة لم يكن التفكير فيها ممكنا أو ضروريا قبل ديسمبر 2019م. قبل ديسمبر إنحصر تفكيرنا في الكوز الوالي، في ابتكار أساليب مواجهة قمع الأجهزة الأمنية، والتغلب على حاجز الخوف والسلبية . فجأة، بعد 11 أبريل، تبين لنا وجوب التفكير: في فلسطين، والصين، والإمارات، ومحمد بن سلمان، جنوب السودان ، وليبيا، ، إذا كنّا نريد الانتصار على البرهان وحميدتي وحلف الساسة الباعو الدم. من أهم هذه الأسئلة التي طرحتها الثورة :

ماهو موقف الثوّار من قضية فلسطين؟

⭕ في الإسبوع الماضي أثارت تصريحات الناطق الرسمي بإسم وزارة الخارجية عن نية السودان تطبيع العلاقات مع إسرائيل، الكثير من الجدل، الغضب والإدانة , وأيضا التأييد! مثلما كان الحال مع لقاء عبد الفتاح البرهان مع رئيس وزراء دولة الإحتلال بنجامين نتنياهو مطلع العام الجاري . فتح هذين الحدثين أبوابا للنقاش والتفكير العام لم توصد بعد،

? يجب أن نتخذ نحن الثوريون ، ناس( الترس دا ما بتشال)، موقفاً واضحاً حيال هذين الحدثين.

⭕ بداية نري أنه من الضروري للثوري إتخاذ الموقف الصحيح من كل حدث و كل خبر، ( وصحة الموقف تتأتي من كونه في مصلحة الشعوب والجماهير المستغلة والمضهدة ). ولكن، الموقف الصحيح يأتي من نقاش واسع، صريح، ومستند على الحقائق وقائم على الاحترام المتبادل، وليس من التعصب الذي لا يسنده منطق.

❌ في مايلي نطرح خمس⁦5️⃣⁩ نقاط تجعل رفض التطبيع مع إسرائيل هو الموقف الثوري والمنحاز لنضالات الشعوب ضد مستغليها ومضهديها ، من حيث كونها دولة إحتلال وإبادة وتمييز عنصري ،ترسخ علاقات الإستبداد والإستغلال والإضهاد داخليا ،مع ترسيخ موازي لعلاقات الإستغلال والتبعية للمراكز الإمبريالية مما يجعلها مانعا قويا ضد الثورات والتغير الإجتماعي لمصلحة أكثرية السكان في المنطقة . وفي النقطة السادسة⁦6️⃣⁩ نبتدر طرحا في السياسة الخارجية للثورة يزاوج بين الثورية والواقعية ويدحض إدعاءات الإنتهازيون الإنهزاميوم المغلفة بلبوس ” الواقعية “.

⭕ننوه إلي أن النقاش حول قضية التطبيع قد يطول ويتشعب ، وربما يثير بعض الخلافات، ويوقعنا في بعض الأخطاء. ولكن، ماهي الثورة إن لم تكن الشجاعة في مواجهة كل شيء، بدءاً من التاتشرات وانتهاءاً بقضايا الفكر.يجب ألا نخشى الخلاف، بل يجب أن نخشى السكوت على الخلافات ،أكثر من خشيتنا الخلاف في ذاته ، فليكن شعارنا “أسمع كلام الببكيك” بدلاً عن الطبطبة والمجاملات.

1️⃣ اسرائيل دولة عنصرية :
⭕ توجد في كل الدول أشكال من التمييز ضد فئه أو فئات من السكان. هنالك تمييز ضد النساء، وضد المهاجرين من دول أخرى، تمييز ضد أقليات وقبائل معينة، إلخ. تعاني الكثير من الفئات الإجتماعية من درجات متفاوتة من التمييز المجتمعي ، والإقصاء ، ولكن لم تتوقف الشعوب عن النضال ضد كافة أشكال التمييز بكل الوسائل، لم تستسلم له. ولكن مشكلة الثورة السودانية مع إسرائيل هي نفس مشكلتها مع البشير: كلاهما يحوّل التمييز من ظاهرة اجتماعية يجب محاربتها إلى سياسة رسمية تتبناها الدولة وتعمل على تنفيذها بالعنف.

⭕ إسرائيل تمارس التمييّز العنصري ضد الملايين من الفلسطينيين، تحرمهم من الحق الإنساني في التنقل( 1)، والتعليم، وبناء المنازل، وحتى من المياه النقية. وصف توني كاسريل – وهو يهودي من جنوب افريقيا ومناضل ضد نظام الفصل العنصري في بلاده لمدّة طويلة- أن ماتقوم به إسرائيل يذكره بحكومة بلاده زمن نظام الفصل العنصري. “أرى نفس السياسات الوحشية في إسرائيل” يكتب كاسريل في صحيفة بريطانية(2).

⭕ ولا تقتصر عنصرية إسرائيل علي الفلسطينيين فقط، بل يمتد الأمر للاجئين الأفارقة في إسرائيل. ومعظمهم من مناطق الحروب الأهلية في السودان ومن اريتريا. وبحسب القانون الدولي، إسرائيل ملزمة بتوفير الملجأ والحماية لهم حتى تتعامل منظمات اللاجئين الدولية مع أوضاعهم. ولكن، كان للحكومة الإسرائيلية رأي آخر، ففي شهر يناير 2018م، وحسب شهادات نقلتها صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، عرضت إسرائيل على 38 ألف لاجئ خيارين: 3500 دولار لكل لاجئ مع تذكرة عودة إلى بلد ثالث في إفريقيا، أو السجن(2). ولنا طبعاً أن نتخيل مصير لاجئ سوداني وقد تمت إعادته بهذه الطريقة وقت حكم البشير. “إسرائيل صغيرة وعندها مشاكلها الخاصة، وليس بمقدورها أن تعمل كوكالة تشغيل من أجل القارة الإفريقية” تقول آيليت شاكيد، وزيرة العدل الإسرائيلية في بوست على فيس بوك مبرراً هذه السياسة(4).

⭕ لم يسلم اليهود من أصول عربية من العنصرية. في بحث أكاديمي كتبته سارة لودين عنوانه “القومية الإسرائيلية: بناء الصهيونية وأثره على العنصرية بين اليهود، السياسة، والخطاب الثوري”، تقول خلاصته :

“على الرغم من الحماس في الغرب وإسرائيل لفكرة الوطن اليهودي الذي يضم كل اليهود ويعاملهم على قدم المساواة، فإن البحوث المعاصرة تعرض صورة مخالفة تماماً لذلك. تتواصل انتشار العنصرية الثقافية والجسدية بمعدلات تشبه الوباء بواسطة الحكومة، ورجال الدين المؤثرين والمجتمع ككل.” الجدير بالذكر أن هذا البحث هو الأعلى انتشاراً بين البحوث الأكاديمية التي تغطي مبحث العنصرية في إسرائيل(5)

? نتذكر شعارنا “يا عنصري ومغرور”. والتشابه بين نتنياهو والبشير أكبر من أن لا نراه.

2️⃣ قد تخشى إسرائيل بعض الحكومات، ولكنها تخشى كل الشعوب:

⭕ إذا نظرنا لأي شعب خرج في ثورة، سنجد أنه يتعاطف بصورة طبيعية مع بقية الشعوب التي تعاني مثل معاناته. والشعب الفلسطيني في مقدمة تلك الشعوب. لأنه يتعرض لإضطهاد لا مثيل له في التاريخ المعاصر.
✊? “التضامن” هو الأسلوب الذي اخترعته الشعوب من أجل حماية نفسها من الإضطهاد وتوسيع صفوفها. لا تملك الشعوب المضطهدة سوى وحدة صفوفها وإذا تفرقت واختلفت، هزمت. عندما هتفنا “كل البلد دارفور” كنا نعلن التضامن مع كل ضحايا البشير في البلاد، ونوحّد صفوفنا، وهكذا انتصرنا. ⁦

⁦✊?⁩ إذا كبرنا المقاس قليلاً، سنجد أن نفس القاعدة تنطبق على كل شعوب العالم. عندما تعرضنا لمجازر 3 يونيو، وقف أحرار العالم وثواره معنا، وضغطوا على المجلس العسكري وحاصروه وتم كشف كل الفضائح والفيديوهات التي كان يحاول إخفاءها بقطع الانترنت. التضامن سلاح الشعوب. وهو السلاح الأقوى لدى الشعب الفلسطيني في مواجهة إسرائيل. ولهذا، لا يمكن أن ترتاح إسرائيل لأي ثورة. لأنه من الطبيعي أن ينظر الثوار لقضية الفلسطينيين بتعاطف وتضامن.?

⭕ قد تخشى إسرائيل أسلحة بعض الدول أو جيوشها، ولكنها تملك العتاد العسكري المتطور. ولكن بمجرد ما أن تبدأ ثورة حقيقية في التبلور حتى تجد أنها قد أخذت صف أعدائها القدامى ضد شعوبها. مصر بعد ثورة يناير، دعمت إسرائيل رئيساً ينتمي للإخوان المسلمين وكانت العلاقات تسير بهدوء بينهما، وفي سوريا، كانت تنظر بسعادة لبشار الأسد وهو يقتل شعبه، ووقفت مع السيسي ضد ثورة مصر، ومع كل الأطراف في اليمن ماعدا الشعب اليمني.

? الحكومة عدو مؤقت، الشعوب عدو دائم. هكذا تفكر إسرائيل في الثورات. لأنها لاتريد أن يتضامن أحد مع الشعب الفلسطيني، تريد استمرار عنصريتها دون معارضة.

⁦3️⃣⁩ الحكومات الدكتاتورية تكره إسرائيل أحياناً، وشعوبها والشعب الفلسطيني دائماً

⭕ فلننظر إلى سوريا وبشار الأسد. لم يطلق الأسد رصاصة واحدة ضد إسرائيل منذ 1973م. بينما حطم سوريا كلها لأنها قالت “حرية”. وكلما ضربت إسرائيل هدفاً في الداخل السوري، قال بشار “نحتفظ بحق الرد” حتى جمع ترسانة جميلة من حقوق الرد المتراكمة.

⭕ والبشير الذي دائماً ما كان يصرخ باسم فلسطين، عندما أحس بإقتراب الثورة، تخلى عن كره إسرائيل، وبدأ وزير خارجيته غندور يبحث عن اجتماعات مع مسؤولين إسرائيليين. غير البشير تحالفاته الإقليمية ليس لأنه قد نضج سياسياً، بل لأنه أحس أن كرسي السلطة يهتز. والأمثلة لا تعد ولا تحصى.

⁦4️⃣⁩ صهاينة، مش يهود!

❓ يسأل شخص ويستغرب: هل في فرق بين الصهيونية واليهودية؟. نعم، والفرق بسيط، مثل الفرق بين الكيزان والإسلام.

⭕ تقوم الصهيونية، مثل الكيزانية، على فكرة أن معتنقي الدين اليهودي يجدون العداء من كافة شعوب الأرض. كل الشعوب بلا استثناء. هذه فكرة غير حقيقية طبعاً، ولكنها مجدية في تعبئة معتنقي الديانة اليهودية سياسياً. هذه نفس فكرة الكيزان عن أن مسلمي السودان يتعرضون لمؤامرة كونية من قوى فضائية مخيفة لها قرون و9 عيون. أفكار كهذه خطيرة ومدمّرة لأنها تبرر إبادة كل من يعترض عليها. ليس كل يهودي صهيونياً، كما أن المسلمين في غنى عن كل كوز، بل داسوه دوس عديل كده ومشوا صلوا عادي.

⭕ معارضة الثوار لإسرائيل تختلف عن سياسة الكيزان. الثوار يعلمون أن الظلم واحد، ولا يعادون شخصاً لمجرد ديانته، هذه عنصرية، وإنما ينظرون لمواقفه السياسية واتساقه ومبادئه. نحن نرفض إسرائيل وما تفعله للفلسطينيين، ونرفض ما جرى لليهود في أثناء الحرب العالمية الثانية على يد النازيين في نفس الوقت. هذا ظلم، وذاك أيضاً ظلم، وكلاهما عند الثورة مرفوض. بينما سياسة الكيزان هي شتيمة اليهود وإظهار أن الحرب دينية. الصهيونية ليست اليهودية، والوقوف ضد الصهيونية يختلف تماماً عن الترويج للكراهية باسم الأديان.

⭕ اليوم ينشط عدد من اليهود ضد سياسات إسرائيل التمييزية والعنصرية. لعب يهود أكاديميون إسرائيليون دوراً فاعلاً في الترويج لمقاطعة إسرائيل في المملكة المتحدة حين شاركوا في إصدار قرار من جمعية الأساتذة الجامعيين بالمملكة المتحدة بمقاطعة الجامعات الإسرائيلية، وهم اليوم مشاركون فاعلون في حركة المقاطعة، سحب الاستثمارت والعقوبات.(6) BDS

⭕وفي نفس الوقت، تتعاون أنظمة عربية عديدة مع إسرائيل، وتنشئ شراكات اقتصادية تعزز قوي الاستغلال والإضطهاد في المنطقة. هل نرفض هؤلاء لديناتهم، ونقبل البشير لديانته؟ هذا ليس من ذكاء الثوار، هذه ليست سياسة ثورية.

⁦5️⃣⁩ البرهان يتحرك بالأوامر من الخارج

⭕ حاول البرهان إظهار أن لقاءه مع نتنياهو هو من أجل المصلحة العليا للبلاد ومن أجل سيادتها وحذا الناطق الرسمي السابق للخارجية حذوه. ولكن الوقائع تقول عكس ذلك.حينها قال البرهان بنفسه أن هنالك 8 جهات تولت ترتيب اللقاء. هل من بينها جهات سودانية❓ تقول كل الدلائل: لا. هذا اللقاء دليل على غياب السيادة الوطنية السودانية، وليس كما يقول البرهان من أجل العزة والسيادة.

⭕ المضحك هو محاولة البرهان تكرار نفس أساليب البشير في الأمر أن أنه طالب الدعاة بمواصلة الدعوة في سبيل الله وأن البلاد لن تفرّط في الدين. يوم الجمعة 21 فبراير، مافي زول سألوا دحين ي ريس السويتو في موضوع القدس دا ما تفريط؟. وغايتو.

?نرفض التطبيع مع إسرائيل، لأن الثورة قامت بالضبط ضد كل ما تمارسه إسرائيل

⁦6️⃣⁩ الحل : سياسة خارجية ثورية، واقعية، ومبدئية

❌ يمكن لأي مراقب للرأي العام أن يلاحظ تنامي تيار من الرأي العام لا يري مانعا من التعامل مع إسرائيل، و فد نجد هذا الميل حتى بين البعض من أفضل وأنبل الثوريين. هذا الموقف ليس نتيجة خيانة للمبادئ أو رفض للعدالة أو إنكار لحقوق الشعوب الإخرى، إن ببساطة معبّر عن ظاهرتين متداخلتين: اليأس من إرث الماضي، والطموح إلى سياسة خارجية بديلة. ولكن اليأس هو ما يقود الطموح، وهذا ما يجب استعداله.

⭕ يئس الشعب لفترة طويلة من بهلوانيات السياسة الخارجية للكيزان. بدأ الكيزان بشعار (يهود يهود آل سعود)، و تأييد جنون الدكتاتور صدام حسين ضد شعب الكويت، ثم (أمريكا وروسيا قد دنا عذابها) و (الأممية الإسلامية) واستضافة بن لادن.انتهى الكيزان بنقيض كل هذا. أصبحت البلاد تحت رحمة آل سعود أكثر فأكثر، وسلّم قوش كل ملفات أخوان الجهاد والأممية الإسلامية إلى دولهم، وأصبح رفع السودان من قوائم العقوبات الأمريكية، والحصول على تأييد روسيا في مجلس الأمن حتى بزيارة بشّار الأسد الذي عافه كل صاحب ضمير في هذا الكوكب، غاية المنى. (كنّا وين وبقينا وين❗).

⭕ في منتصف هذا المشوار الطويل خربت حياة الملايين من السودانيين.الملايين التي تقدمت هذه المسرة الطويلة إلى اليأس،.لماذا تكبدنا عناء هذا المشوار الطويل؟ الم يكن من الأسهل أن نذهب إلى السعودية وروسيا وأمريكا منذ البداية ما دمنا نحتاجهم بدون كل هذه التضحيات المؤلمة. ما جدوى الأكروبات الكلامية؟. هكذا كان يقول الشعب.

❓ ولكن هل انعدمت فرصة بناء سياسة خارجية تنطلق من مبادئ الثورة؟، سياسة تجمع بين الواقعية، والمبدئية؟ لا، بالعكس، لقد فتحت الثورة باب بناء هذه السياسة.

⭕ إننا نعيش في عالم غير عادل. ولكن متى كانت عدم عدالة الظروف تؤدي للإستسلام؟ يقول البرهان أن العالم غير عادل ويجب علينا الكف عن محاولة تعديله، ويسمي هذا بالواقعية!. هناك خيط دقيق يفصل بين الواقعية والإنتهازية والإستسلام. الواقعية في السياسة الخارجية تعني أن تنطلق من لا-عدالة العالم، ولكن، أن تعمل في نفس الوقت على تغييره، بما تملك، لا أكثر، بالكثير من الحسابات الواقعية، ولكن أيضاً، بالكثير من المبادئ، والكثير جداً من الجرأة. أليست الثورة نفسها مزيجاً من الواقعية والجرأة؟.

? أولي عناصر هذه السياسة هي تسمية الأشياء بأسمائها. مايجري في فلسطين استعمار استيطاني بغيض، واليهودية ليست جنسية وباتالي ليست مواطنة بل هي ديانة، ونحن لا نعادي الأديان أياً كانت، بل نحارب سياسات التمييز باسم أي دين

? ثاني عناصر السياسة الخارجية الواقعية هي في إدراك حسابات أعداء الثورة. نضع هذا السيناريو الإفتراضي: إذا قامت هبة ثورية جديدة ولم يجد البرهان خياراً سوى الاستعانة بسلاح الجو الإسرائيلي، هل سيتردد؟. بالطبع لا، ولن يرفض الإسرائيليون أيضاً إن رأوا في الثورة تهديداً لأوضاعهم. إسرائيل هي عدو كل الشعوب الثائرة لأنها قائمة على الظلم الذي يحارب ضده أي ثائر.

? من أهم عناصر الواقعية هي أن يرى الثائر نية الغدر في عين عدوّه مهما كان كلامه طيباً.

? ثالث عناصر الواقعية هي منع زيادة الظلم القائم الآن على الشعب الفلسطيني، لأننا لم نبلغ الآن مرحلة رفعه نهائياً. وقف التجارة والاستثمارات مع الشركات الإسرائيلية التي تموّل القمع، والضغط للتحقيق حول المجازر والانتهاكات المرتكبة، ومحاصرة أنشطة الشراكة مع الجامعات الإسرائيلية، هي نقاط أولية قابلة للزيادة عليها.

❌ من يظن أن الاستثمارات ستتدفق، والخير سيعم البلاد فوراً من علاقة مع إسرائيل، وسيصل إلى كل فئات الشعب السوداني، هو الحالم، والأحمق، والإنتهازي، والذي يريد الاستسلام للعالم الراهن. كان من الأفضل له لو أنه قال لنا في ديسمبر 2018م (مافي فايدة من الثورة نستنى انتخابات 2020م وخلاص). روح اليأس واحدة في الحالتين. السودان في العالم، والعالم بظلمه كله في السودان، ولا يمكن أن نتحرر وغيرنا في الأغلال، هذا هو الوهم. الواقعية هي في مواجهة الأشياء كما هي وليس في الاستسلام لها.

? فلسطين هو أكثر بقعة في العالم يبدو فيها الظلم مكشوفاً بلا غطاء. فلسطين بوصلة الثورة، من انحرف عنها، تاه. نتيناهو، إنت زاتك #تسقط_بس.

#السودان_ضد_التطبيع

1: https://www.icj-cij.org/en/case/131
2: https://www.theguardian.com/commentisfree/2019/apr/03/israel-treatment-palestinians-apartheid-south-africa
3 : https://www.nytimes.com/2018/02/02/world/middleeast/israel-migrants-african.html
4: https://www.theatlantic.com/international/archive/2018/01/african-migrants-israel/551747/
5: https://www.academia.edu/19760136/Israeli_Nationalism_the_Constructs_of_Zionism_and_its_Effect_on_Inter_Jewish_Racism_Politics_and_Radical_Discourse
6: https://bdsmovement.net/what-is-bds

مهام قدّام! في التجهيز للعصيان (1-3) إلى مقدمات الطور الثاني من الثورة

كانت قدّام! على مستوى المهام الموضوعية المطروحة أمام الطور الأول للحركة الثورية منذ ديسمبر 2018م حتى أبريل 2019م. ذلك لأنها دمجت شيئين في نفس اللحظة، لقد حافظت على أعلى درجات المرونة التكتيكية، وتمسّكت بما هو استراتيجي بقبضة الفولاذ. تجنّبت بهذا الخط الانتهازي الذي يريد العمل من أجل العمل ويقبل بأي فتات تنازل يلقي به الخصم ويصوره كأنه ذروة مكاسب الثورة، والخط المتصلّب الذي يريد كل شيء الآن وفوراً ويكتفي بالصراخ المنبري دون عمل واقعي. كانت قدّام تعلم ماتريد، وتعرف ما تواجه، فناورت مع الغالبية مرّات، وتمسّكت بالعزلة المبدئيّة مرّات أخرى، ولم تفقد وسط كل هذه التقلّبات الإحساس بالواقع، أو التفكير في الهدف النهائي، فنمت وأزهرت.
يحقّ لـ قدّام أن تنظر بعين راضية لماضيها القريب. من مصلحة الثورة أن تواصل على نفس المسار، تطمح، وتعمل.
ندخل هذه الأيام في طور جديد من الثورة. سماته الرئيسية هي الفرز المتزايد الحدّة داخل المجتمع بين قطبين تتوسّع الهوّة بينهما كل ساعة، وانبثاق مبهر لتنظيمات الجماهير الثورية من أعمق أساسات المجتمع البرجوازي، تنظيمات حيّة، عامرة بالمبادرة وتحمل وعياً جذرياً بديلاً، وازدياد عنف التوترات داخل الطبقات الحاكمة القديمة – خصوصاً تلك التي حاولت التزيي برداء الثورة البرّاق على سبيل التموية المنافق – إضافة لانكشاف النوايا الرجعية لبرجوازيات الخليج ومصر ضد شعبنا في أعين كل هذه الشعوب، وتسيّس الجنود وصغار الضبّاط و افتضاح انفصال الجنرالات عن مطالب الثورة في نظرهم.
إزاحة البشير كانت بداية هذا الطور. وأُشرع باب التنظيم العلني للجماهير في كلّ مكان بقوة الثورة بعد طول كبت. هذا يغيّر كل شيء. وينبغي لرؤية الصورة كلها رؤيةً شاملة لا تهمل الدقائق الصغيرة، أن نراجع بصورة مجملة للمسار الذي اتخذته الثورة في علاقتها بمطالبها وتنظيماتها الخاصة، وأن ندقق في الفروق التي تبدو سطحيّة حتى وقت قريب. من سبر هذا المسار المستكشف للتو سيشير سهم عملاق مكتوب عليه “المستقبل! من هنا”، وعلينا أن نجده.
في الطور الأول من الثورة لم تكن الجماهير الغالبة تجد منصّة للإنطلاق سوى المنظمات القديمة. لم يكن بمقدورها تأسيس منصاتها الخاصة، فالقمع والخوف يسيطران على الساحة. وكان على الأقسام المتحرّكة منها أن تستند على ماهو موجود وأن تمثّل أنها تصدّق كل من قال أنه مع الثورة حتى وإن كانت يداه ملطختين بدماء الخيانة في الماضي، كانت حالة اضطرار سياسية. ولهذا منذ ديسمبر وحتى أبريل : لا تحظى الجماهير العريضة بتنظيماتها الخاصة سوى لجان تظاهر محور عملها فعل الثورة لا التفكير في الثورة، ولا تُطرح على الساحة المطالب النوعية التي تخصّها إلا بصورة عموميّة ملغّزة، وبصيغ مكتوبة بدقّة احتيالية بحيث يسهل التملّص منها. جماهير مبعدة إلى ظل الأحداث أحياناً، أو لجبّ تحت الأرض حيث لا يراها الأسياد القدامى. وخلا بعض الأقسام الأكثر جذريّة من البرجوازية الصغيرة المفقرة مؤخراً كالأطباء ولجنتهم المركزية التي بزغت من نضالات جماهيرية في سبيل الصحّة، فإن ثقة الجماهير العريضة في المنصات السياسية التي استمرّت في الحديث باسمها ظلت متأرجحة بين الشّك واليأس، وكانت تترقب أثناء معاركها خنجر الخيانة في ظهرها كل لحظة ولا تتكل سوى على أن العمل الثوري سيثلم خناجر الخونة، وكلا الإحساسين لا يمكن أن يوصفا أنهما من الأحاسيس الإيجابية تجاه مستقبل الثورة. كانت تلك مرحلة الخروج من اليأس السوداوي إلى الترقّب الرمادي بدفعٍ من الإرادة الثورية المتفائلة.
وسقط البشير، مات الرمادي واكتسى كل شيء منذ تلك اللحظة بألف لون، وخرج من كانوا لا يُرَون إلى النور الباهر. حلّت لحظات التفاؤل والتنظيم. برز العالم الجديد الذي لا يسيطر عليه السادة الرماديون القدامى. كل شيء ملوّن، بدأ كل شيء يسقط في يد من أنجزوا الثورة، بدأت الموازين تتغير.
إن (إعلان الحرّية والتغيير) رغم عموميّته الشديدة، وسكوته عن مطالب جموع غفيرة من الشعب، هو نتاج تسوية غريبة : بين ثوريين وأنصاف ثوريين لم يجدوا بعد نقطة ارتكازهم التنظيمية، وبين خونة ذوي امتيازات يريدون أن يرتكزوا على الثورة ليعظّموا مكاسبهم، ثم يلقوا بالثورة في دمائها بعد أن يستنفذوا غرضهم منها، وقوّة ثورية نظريتها العمل ولم تعمل في النظرية بعد. خاف الثوريون إغضاب الرجعيين فيعدَموا تنظيمات الحركة، وخاف الرجعيون المجاهرة برفضهم للثورة بسبب بأس قوى الثورة التي تفجّرت، وفي حالة حضور خوفين، تتأجل المعارك، ولكن ضرورتها تظل كامنة، وبمجرّد أن ينقص خوف أحد الطرفين قليلاً، فالصراع محتّم. إن (إعلان الحرّية والتغيير) والقوى التي صاغته يمثّل حالة عجيبة من التقاء الأضداد تحت ظروف متقلّبة. هو كرة تقف على رأس هرم، توازنها على القمّة هو الاستثناء الغريب الذي يحتاج لتفسير، أما تدحرجها الحتمي وتهشمها فأمر معقول، منطقياً وواقعياً، وهو ما يحدث حالياً. 
الإطاحة بالبشير في 11 أبريل أنتجت منصات جديدة للعمل دخلت عبرها جماهير متفجرة الثورية إلى الساحة، تنظّمت بسرعة فائقة، ودشنت بذلك بداية الطور الثاني من الثورة السودانية. ولفهم العلاقة المعقّدة – على طرفي نزعتي الإنفصال والتوحّد بين المنصات القديمة والجديدة – أي بين هذه القوى الثورية البازغة – من جانب – وبين القوى التي كانت تملك منصاتها وتنظيماتها الجاهزة قبل الثورة من جانب آخر، لنفهم العلاقة بين الطورين، نحتاج أن نستعمل بعض التشبيهات المستعارة من خارج نطاق السياسة الثورية، وتتشابه معها في منطقها الديالكتيكي.
نستعير المثال من الحقل الطبّي: كانت تناقضات المجتمع السوداني قد بلغت درجة هائلة من الاحتداد في الشهور التي سبقت الثورة. وكان أعداء الثورة وحلفاؤها يترقبون اندلاعها، ولكل استعداداته. كانت الشروط الموضوعية في أتم النضوج، ولكن من سيحتضن أمشاج الثورة الضعيفة التي تواجه خطر الموت في أي لحظة؟.
إن برنامج (إعلان الحريّة و التغيير) هو الأم التي احتضنت تناقضات الثورة، لقد نمت الثورة في رحمه كما ينمو الجنين في رحم أمه تماماً، واكتسب منها بعض الصفات والملامح. واستمر كذلك حتى تبدّلت الظروف. وكانت 11 أبريل لحظة خروج الروح من جثة النظام القديم المتعفّنة هي ذاتها اللحظة التي اكتسب فيها الجنين روحه الخاصة وبدأ في الطرق بقوّة على رحم الأم، له منذ تلك اللحظة عقله الخاص ورغبته الفريدة في الحياة الجديدة المنفصلة عن ماضي أمه. استمرت الضربات تزيد أياماً وتهدأ أخرى، كل ضربة تضربها الثورة على الرحم الذي لم يعد يسعها هي صيحة مختنقة لحياة جديدة تريد أن تعلن حضورها، وتنطلق بحرية، وتفجّ صمت العالم بصوتها المنغّم بالإنتصار. قدر التاريخ في أن يُخرج الظاهرة من تناقضات ظاهرة أخرى، وهذا ليس عقوقاً، بل تعبيراً عن منطق التاريخ في تصارعه الأبدي. إن الصراع المؤلم بين أطراف (إعلان الحريّة والتغيير)، وبينها وبين هذه القوى المنتظمة تواُ، هو تعبير عن هذه السيرورة. وبنهاية التاسع عشر من مايو، انتهت أوهام من يريدون إبقاء الجنين في الرحم نفسه، وأن تظل الأم في معاناتها نفسها دون أن تضع وليدها، إن هؤلاء يصرّون على إبقاء الكرة على رأس الهرم نفسه إلى الأبد، أي يراهنون على ماضٍ جميل، وللمفارقة، مستحيل أيضاً. نحن والثورة على أعتاب نهاية فترة اشتباك الطور الأول بالثاني. وفي أوقات التنازع تظهر أعراض مرضيّة متنوعة، أبرزها في حالتنا هذه سيكون طغيان العادة في وضع يحطّم كل معتاد. على قوى الثورة أن تدرك إن للتعود على الأساليب القديمة في الثورة مخاطره الرهيبة والتي تصل لدرجة تعريض الثورة نفسها لخطر الإفناء. إن الأشياء تتبدّل في خضم الثورة بسرعة تذهب عقول من لم يعتادوا منطقها الإنفجاري والمباغت، لقد تغيّرت الظروف، والقوى، والأجواء والتحالفات وقوّة الطبقات وكل شيء كان يحكم العالم القديم منذ الإطاحة بالبشير، ويجب أن يكون الثوريون بنفس العقل، عليهم أن يتبنوا عقل الثورة، ويتركوا الصيغ الجاهزة المعتادة حتى وإن كانت قد لبّت حوجاتهم في الماضي. لقد أعلنت وفاة (إعلان الحرية والتغيير) بفشل إجتماع أمس لاقتسام سلطة كان يستحيل اقتسامها منذ البداية. إن الحركة الثورية في حاجة لنقطة ارتكاز جديدة، لبرنامج جديد، لتشكيل تنظيمي جديد، يبني على انتصارات الماضي ويطمح أيضاً لمواصلة الانتصارات في المستقبل. وكما يعرف جميع الناس : إن التأخر ساعة الولادة عن شق بطن الأم لإخراج الجنين يعني إعلان حكم بالموت عليهما سوياً. فمن دمٍ نازفٍ من شق صغير على بطن الأم، تنجو حياتان، أما التخوّف الأبله بتعريض الأم لأوجاع المشرط، فيقتل الأم والجنين سوياً. إن البرنامج الثوري الجديد هو مشرط الثورة لإنقاذ جنين قواها النامية تواً، في رحم القديم كان، وبخروجه معفّراً بالدم وعالقاً بأنسجة الماضي الواهية، يكتسب الحياة، وتنتصر الثورة، بالانتزاع الحنون.
إن مهمّة قدّام! الأولى في المرحلة القادمة هي طرح البرنامج الجديد، مستندة على التنظيمات الجماهيرية الجديدة، وعلى مطالبها الحقيقية المستمدّة من ظروفها الواقعية. برنامج لا يقبل التنازلات، ومفتوح على التحالفات مع كل من يريد بناء عالمٍ جديد، في آن. هذه هي الضرورات الموضوعية للطور الثاني من الثورة. وتعلم قدّام! أن الرضا الذاتي عن الإنجازات القديمة ليس مدخلاً للقبول والتأثير في المستقبل. وعليه، فإنها إذ تعرّف مهمتها التاريخية بدقّة، فإنها مستعدّة للقتال في سبيل الانتصار حتى النهاية. إن نجاح الإضراب السياسي العام مرهون بانطلاق هذه المهمّة، وليس بالضرورة أن تنتهي مع إعلانه. ففي 13 مارس، فشل الإضراب العام الذي كان قد دعا له موقعو (إعلان الحرية والتغيير) لسبب موضوعي. وهو أن برنامج الإعلان كان واقعاً في تناقض صارخ، فهو لا يلبي مطامح معظم الجماهير التي كانت – بإضرابها – ستطيح بالنظام، وفي نفس الوقت الذي كانت فيه قوى (إعلان الحرية والتغيير) تطالبها عبر الخطابات المحشوّة بالحماسة أن تقاتل في سبيل حماية (الوطن). كان بين قوى الإعلان وقوى الثورة التي يقصيها الإعلان هوّة لا تردم. ففشل الإضراب. ليس هنالك من درب للانتصار سوى كسر قيد (إعلان الحرية والتغيير) عن أيدي القوى الثورية الجديدة التي بزغت بعد الإطاحة بالبشير، وردم الهوّة عبر برنامج جديد يجذبها ويعبّر عنها. هذا أول شروط الاستجابة الواقعية لتقلبات الثورة.

نواصل،

قدام! نحن الغضب نحن الشعب

يسقط الجنرالات: سقط النظام ولازالت المعركة مستمرة؛ معركة بناء الوطن

تتنافس الآن عدة انقلابات داخل المؤسسة العسكرية هدفها جميعاً هو قطع الطريق أمام الثورة، و هي تقف جميعاً ضد لتوحيد قوى الثورة من جنود القوات المسلحة و فقراء شعبنا. و رغم إتفاق كل فصائل الإنقلابيين على هذا الهدف، فإن التنافس بين كبار الضباط و مؤسسات النظام البائد، و تخوفها من تصفية الحسابات فيما بينها، جعل اتفاقها على كيفية تنفيذ هذه المهمة موضع شك.سيعلن كبار ضباط القوات المسلحة إزاحة البشير، لكن سيبدأ فصل جديد من فصول الديكتاتورية، حيث ستفضي هذه الاصطفافات المضادة للثورة إلى إعادة إنتاج النظام البائد وفق أسس وشروط جديدة. إن البيان العسكري الذي سيعلن في الساعات القادمة هو صافرة بداية الثورة المضادة. وسيكون لها عدة أشكال و أقنعة، ليس هدف قوى الثورة هو الانحياز لهذا الطرف الإنقلابي أو ذاك ضد الآخر، بل مواصلة التعبئة الجماهيرية من أسفل، وكشف مخططات الإنقلابيين مهما تلونت خطاباتهم، كلهم زيف، قد تصل الأمور بينها إلى درجة المواجهة المسلحة. إن الهدف الأساسي لثورة الجموع هو مناهضة كل أشكال الاستبداد، القديمة منها أو الجديدة. فلتتوحد قوى الثورة ضد أي نمط جديد من أنماط الدولة العميقة، دولة العسكر التي ظلت تنحاز منذ استقلال السودان للفئات النخبوية المهيمنة سياسياً واقتصادياً. وإذا كانت عهود النظام البائد قد أخفت كل أشكال الصراع الطبقي، فقد آن أوان الفرز الطبقي الحاد، مجسدة بذلك أعنف شكل من أشكال الثورة المضادة لثورة فقراء الريف والحشر. إننا الآن في مفترقات سبل بناء دولة المواطنة و الحقوق و المؤسسات. أي البناء القاعدي من الأسفل إلى الأعلى، ومن الأطراف إلى المركز. إننا سنعمل معاً على بناء دولة تكون قادرة على إعادة توزيع الموارد و الثروات القومية بشكل منصف و عادل بين كل المجتمعات المحلية، من جهة، وبين الطبقات الفقيرة، من جهة أخرى.اننا نمضي الان قدماً صوب أطوار و مسارات بناء دولة تنحاز للفقراء والمهمشين و المقيمين و المنبوذين.
قدام! نحن الغضب، نحن الشعب
#سقطت_تب#مدن_السودان_تنتفض#يسقط_الجنرالات

المهدي كعبقري ل “حرب الشعب”

الخلط المدمر:

يخلط الكثيرون من ثوريي اليوم بين الإمام المهدي، الثوري الذي خلص السودان من الإحتلال، وبين خلفه الإنتهازي. ويساوون بينهما باعتبار النسب. وهذا المسلك، فوق كونه ظلما يتجاهل السياق المعاصر، يحرم ثوريي اليوم من النظر العلمي لدروس الإمام المهدي في شأن التكتيك، وهذه حماقة. والثورة لا تلقي بأفكار الماضي في مزبلة الأفكار لأنها تكره من يحملها في الوقت الحاضر، بل تناقش الماضي بشروط الحاضر، وتتعلم كيف أن الانتهازي قد يأتي من صلب الثوري، والعكس أيضا. فتكتشف دروبها الجديدة من ذاك النقاش. وتنتعش. ولم تنجح ثورة في التاريخ إلا بمثل هذا النقاش الجاد.

هذا المقال هدفه:

بمقدورنا أن نستفيد الكثير من ثورة السودان في 1882م- 1885م، ومن تكتيك المهدي في تعبئة القوى حوله وتوجيهها، ومدها بالعزيمة القتالية، وأساليبه في التقدم والانسحاب، وقراراته في الهجوم والدفاع، وسحقه للقوى المعادية في نهاية المطاف وقطع رأس العدو واحتلال مركز القيادة والسيطرة في معركتنا الحالية. نحن نخوض حربا ضد ساكن القصر، وعلينا أن نتعلم من أول من قطع رأس ساكنه.

المهدي برداء كلاوسفيتز

لننظر إلى الوقائع في 1880م

هناك طرفان في المعركة : دولة محتلة متقدمة تقنيا، وتملك التسليح الناري ووسائل الإتصالات ومنظمة للغاية عسكريا بتشكيل عسكري نوعي قليل العدد من قوات النخبة + لها حلفاء محليون يقاتلون بالوكالة ؛ضد ،مجموعات متفرقة من القبائل، والتجمعات القروية، وحرفيي المدن، لا يضمها أي رباط. وتعيش حياة اكتفائية فقيرة، تنظيمها العسكري بدائي للغاية أو معدوم، ولا تملك سوى أسلحة الحرب القديمة من سيوف وحراب وبعض الدروع.

يضطهد الطرف الأول كل من في الطرف الثاني عبر اقتلاع الضرائب بالعنف، ومن يقاوم كان مصيره القتل العلني حتى يخاف الباقون. كان كل الناس ساخطين وخائفين. لم يعرفوا الجواب على سؤال “ما العمل؟”.

واجهت المهدي 3 مشكلات :

المشكلة (1)

هي توحيد كل هؤلاء المتضررين تحت راية واحدة. كانت مؤسسة التصوف هي البحر الذي يضم في جوفه كل هذه التجمعات، وبعد وفاة الشيخ القرشي في 1880م وتوليه شياخة الطريقة السمانية أحد أكثر الطرق الصوفية نفوذا وهيبة، وتوافد الناس عليه لتلقي بركاته، حلت هذه المسألة جزئيا.

المشكلة (2)

هي مشكلة الحفاظ على سرية خطته حتى يقوى عودها وتؤسس نواتها الصلبة ولا تقتل في مهدها. وهو ما فعله في هجرته السرية إلى الأبيض في نفس السنة يحمل الجبة المرقعة والمسبحة والعكاز وإبريق فخار. كان يحدث الناس عن التصوف علنا ويدعوا لحركته سرا. ونجحت هذه الخطة لأن المحتل ظنه مجرد درويش آخر همه الجذب والذكر والكرامات. وجمع من التجار والأعيان القبليين الموافقة، فبايعوه سرا وأمرهم بالانتظار حتى يجهر بالثورة. وهكذا حل المشكلة الثانية.

المشكلة (3)

هي مشكلة التكتيك العسكري. كيف يمكن حسم قوة متفوقة من حيث التسليح والتنظيم وجودة الإتصالات بجموع متفرقة غير مدربة ولا جامع بينها؟ هنا بالتحديد، تتكشف عبقرية نادرة. لقد تعامل المهدي مع المسألة مستفيدا من نقاط قوته ضاربا بقوة على الشقوق الصغيرة في جدار حماية خصمه حتى يفتته. لقد عرف مواطن الضعف وتعامل معها بذكاء وحنكة. تقول ممارسته السياسية أن الحل هو …”حرب عصابات طويلة الزمن، على مساحة جغرافية شاسعة، بواسطة جيش متحرك منفصل من الأعوان، يجدون في تشكيلاتهم الإجتماعية المحلية حواضن للنمو والحماية، قليلي التسليح ولكن ذوي عزيمة كالفولاذ، يتساوى لديهم الموت والحياة. ومن ثم الهجوم بلا هوادة، مرحلة تليها مرحلة، من أجل تشتيت قوة الخصم وإضعافها مع مرور الزمن تمهيدا لضربة قاضية”.

كان الوصول لاستنتاج عسكري كهذا في القرن التاسع عشر دلالة على عبقرية لاتضاهى. وقد طبق الاستراتيجيون الصينيون نفس هذه الخطة في مواجهة الغزو الياباني أربعينات القرن العشرين، وطبقها فون جياب وجيش فيت كونغ في فيتنام ضد الفرنسيين ثم الأمريكيين. وانتصروا. ولكن سبقهم المهدي بسبعين عاما. ليس بالضرورة أن نقول انهم نقل نقلوها عنه، فهذه مبالغة خرقاء. الأهم هو القول أن الاستجابة الذكية لنفس الظروف المحيطة قد تعلمنا عن تشابهات جيدة ومفيدة للمقارنة بين التجارب.

أحيانا، يجب على المنتصر أن ينسحب !

لنلق نظرة على مسارح العمليات في حرب المهدية:

البداية بالجزيرة أبا أغسطس 1881م. أرسل حكمدار الكوة 650 عسكريا للقبض على المهدي. فاستنفر القبائل المجاورة والتي كانت في أعلى حالات التعبئة ضد العدو المحتل. ارتكز 250 رجلا في موقع محصن جوار الموقع الذي سينزل منه جنود العدو وانتظروا. وفي كمين محكم التحم فيه الطرفان بالأسلحة البيضاء أباد الأنصار كل القوة المعادية. بفضل قدرتهم على التخطيط حيدوا أثر السلاح الناري في المعركة فمالت الكفة لصالحهم. الأقلية الحديدية والخطة الجيدة يصنعان الفرق.

هنا يأتي القرار العبقري:
إن بقي المهدي في مكانه لهزم. فوسع المهدي نطاق المعركة

اختار الانتقال حيث تنصره الجغرافيا وحشود الناس : قدير في جبال النوبة بتحصيناتها القوية. تحركت قوة معاديو لمطارته فواجهتها كل القبائل في الطريق والتي بدأت في تأييد بالمناوشات وحمت ظهره من غدرها ففضلت القوة التراجع.

انتصر في معركة أخرى في قدير و صوله.

أما “الزريبة” في جبل الجرادة بجبال النوبة، كانت الإنتصار الثالث. لقد انتزع منطقة جغرافية كاملة وكسب الاهتمام والتعاطف. ولكن، هل توقف المهدي هنا؟. الإجابة هي (لا) كبيرة. واستلزم عزمه الهجوم بدل الانسحاب الذي قام به في البداية تغييرا في أسلوب الحرب ومداها وقواها.

إن أردت التقدم أماما، عليك فتح جبهات جديدة ضد الخصم مستفيدا من مكاسبك القديمة، وبشراسة أكبر.” هكذا تقول ممارسة المهدي بعد قدير.

لقد أدى فعل المهدي إلى خلخلة قوات العدو وثباتها، واضطرب نظامها المعتاد بعد أن اعتادت على المعارك المنفصلة، أصبحت مواجهة بقوة جديدة. انعكست هذه الخلخلة إيجابيا على قوى الغضب الكامن التي كانت تبحث عن منفذ لتخرج. وقد كان. واستفاد المهدي بعبقرية من ذلك.

العالم القديم يحتضر ..

قام العدو بتحريك قوات من الجزيرة لتغطية النقص في العدد في مناطق الاشتباك، فأتاح ذلك الفرصة لأنصاره بإعلان العصيان المسلح في الجزيرة في أكثر من 12 منطقة. وتفاقمت متاعب العدو. وفي مارس 1882م فتح المهدي جبهة جديدة في كردفان، واشتعل العصيان بدارفور في أكتوبر 1882م. وكانت كل هذه المعارك تحشد المزيد والمزيد من الناس حول حركة المهدي الثورية، وتشجعهم للمواجهة. فيتصل بهم، وينضمون لجيشه، وتتضعضع معنويات الخصم. كل ذلك في حركة واحدة متعددة التكتيكات.

التقدم مرة أخرى، بخطى أكثر ثباتا

انتقل المهدي من حرب العصابات في الريف – بعد أن أدت هدفها في تشتيت قوات الخصم وتكريب صفوف الثورة – إلى خطوة متقدمة، وهي إيقاع الضربة نوعية مؤلمة بالعدو في قلعته الحصينة، وهو في أضعف حالاته. أي : أن يهاجم المدن، مقر السلطة.
وقد كان.
حرك قواته المتمركزة في جبال قدير لحصار الأبيض وبارا، مستندا على دعم ومساندة القبائل والتجمعات التي تقع على طريقه التي كسب دعمها بعد أن بنى قاعدته في قدير.

استسلمت المدينتان : يناير 1883م.

غرامشي في الأبيض

بعد سنتين من حرب العصابات الريفية، ذات الطابع المفكك والتي تعتمد على المباغتة، انتقل المهدي في معركة الأبيض إلى حرب المواجهة الصدامية المباشرة، المكشوفة المكان والزمان. ولم يتم هذا الانتقال تلقائيا، بل استلزم تكامل الجهود السياسية والعسكرية والمعنوية. اصطدمت القوتان هكذا رأسا برأس. ما فعله المهدي يسمى في عصرنا الحديث بالانتقال من “حرب المواقع ” إلى ” حرب الحركة ” مرورا عبر مرحلة طويلة من التجهيز والمعارك الجزئية يتم خلالها اختيار لحظة الصفر.

خطوتان إلى الأمام، خطوة إلى الخلف

لقد فاز المهدي الآن في الأبيض بما كان ينقصه: السلاح الناري. أصبح في يده نفس سلاح عدوه. تساوت الكتوف.

كان من الممكن أن يتوجه المهدي مباشرة نحو العاصمة الخرطوم. مستفيدا من حماس جنوده وسلاحه الجديد، ولكنه اتخذ القرار العبقري الثاني : تمترس في مواقعه الجديدة وعاد إلى ممارسة حرب العصابات، ولكن هذه المرة بسلاح أكثر تقدما وعزيمة أشد صلابة. “لم تزل هناك بعض الجيوب التي لم يخسرها النظام بعد ولا يزال بمقدورنا تحييدها أو جذبها” تقول ممارسة المهدي. وهذا هو (تكتيك حشد القوى). بدأ العصيان مجددا في بربر، ومن ثم القضارف. وحاول عدوه وهو في تلك الحالة من الضعف أن يقضي عليه وهو لا يزال في الأبيض، كانت معركة شيكان التي تجلفن فيها جنود المهدي من محض مقاتلين قبليين غاضبين إلى جيش منظم، مسلح، ذو عزيمة قتالية متسقة، وقيادة موحدة. فانتصر وفاز بالسلاح غنيمة وبالمعنويات. وعلى الرغم من أن حملة هكس باشا كانت آخر جيش منظم للعدو في البلاد، لم يهجم أيضا، مارس الانتظار الهجومي. فاكتمال التفاف الحبل حول عنق الضحية ضروري لقتلها. تشجعت الناس وقاموا بالمزيد من الانتفاضات: سقطت في يده الفاشر في يناير 1884م، والقضارف في مايو، تلتها بحر الغزال في يوليو من نفس السنة، وفي كان عثمان دقنة يمارس أرقى أنواع حرب العصابات في شرق السودان مرتكزا في “تمنييب”، “طوكر” و”سنكات” على خط عمليات يبلغ طوله 600 كلم. مما جعل العدو عاجزا عن الدفاع عنه. في الختام، قام بضربة فنية قاضية فتحت طريق المهدي لضرب معقل العدو : لقد قطع دقنة طريق سواكن – بربر وسيطر على طريق القلابات. فأصبحت الخرطوم معزولة، مهزومة في كل مكان، وبلا منافذ للهرب. وانتقل المهدي مرة ثانية من حرب العصابات إلى المرحلة الثانية من المواجهة المباشرة، شعاره “إلى القصر حتى النصر” بكلام اليوم.

سحق البعوضة؛ بمطرقة

خلال 3 سنوات، ارتقت قوات المهدي من عصبة قوامها 250 شخصا في الجزيرة أبا أرقى سلاحهم السكين والعصى، و “أسياف العشر” في أسطورة مهدوية، إلى جيش موحد منضبط وممتاز التسليح من ربع مليون مقاتل. كل ذلك خلال مراحل من المعارك المخططة بدقة وبإدراك ذكي لظروف الحرب. لقد تشتتت قوة العدو، وانزوت قواته المحاربة بالوكالة بعد أن ضربها العبيد ود بدر في الخرطوم بحري – الحلفايا، ضاربا أول نقاط الحصار حولها، وتوالت النقاط لتشمل قبة الشيخ خوجلي، ونقطة أخرى في الجريف شرق، والجزيرة اسلانج شمال أمدرمان، وفي خور شمبات. أصبح ذلك النظام المرعب الذي يبث مجرد ذكر اسمه الرعب في الأوصال، بحجم الباعوضة، هشا وبلا وزن. فوجب سحقه بعنف لا يرحم.
حاصر المهدي الخرطوم في أكتوبر 1884م، وبدأ حملة “حرب نفسية” متقنة ضد العدو داخلها، وظهر الشح في السلع. وكان أحد منفيي الثورة العرابية محتجزا في الخرطوم وتأثر بجو الثورة، فكتب: (نصيحة العوام للخاص والعام من إخواني أهل الإيمان والإسلام) وحث الموظفين على عصيان النظام، فأعدم. كانت معنويات النظام في أدنى درجاتها، وعندها جاءت ساعة الحسم، قوات المهدي في أعلى مستويات الجاهزية، خصمه في أدنى درجات الضعف، وبلا حليف أو أمل في النجاة. فكان الاقتحام البطولي في 26 يناير 1885م.
وقطع رأس غردون.
وتم الإنتصار.
#قدام
#تسقط_بس
#مدن_السودان_تتنفض

خطوات الوهم

السياسة مليئة بالمقالب والفخاخ. وعلى الثورة أن تتجاوزها جميعا إن أردنا لها النجاح. وسياسيو العدو، من الصنف البرجوازي الصغير دائما ما يحترفون نصبها وتوريط قوى الثورة فيها. وتعمية اللغة والتلاعب على الألفاظ، وإبهام التكتيكات جزء من ذلك. يقودون الثورة بخطواتها إلى موارد الحتف. هي خطوات الوهم لا مسيرة التحرر.

ياسر عرمان سياسي ذكي ومناور، ويدعي أنه في معسكر الثورة. ولكن كل قارئ لمقالاته القديمة وللشعر الركيك الذي ينظمه، لاستغرب من وضوح وجهته هذه المرة، على خلاف كل مكتوب سابق كان فيها يراكب بديع الألفاظ والمستصعب منها على بعضه دون فرز، ولا يخرج القارئ من مقالاته إلا بأردبين من الكلمات غير ذات العلاقة بالسياق.

في وضوح نادر يقول عرمان ( نجري اتصالات مثل غيرنا للوصول إلى مركز موحد للإنتفاضة ). هذا هو الهدف إذن: محور ينتظم حوله فعل المعارضة، مركز جذب يلم عليه كل شتات القوى الثورية. يالها من مهمة رائعة!.

ولكن ما الذي جعل ياسرا في هذه العجالة وبهذا الوضوح بعد أن عرف بين أقرانه بطول البال التي تصل إلى حد التراخي، وواضحا بعض فترة طويلة من الغموض؟ يمكن أن نحسن الظن ونقول أن الثورة تبدل الأكوان، فلا بد أن ياسرا قد شفي ببركاتها النورانية. سطران إضافيان من كلام ياسر وينكشف السر، يقول (أود أن أقدم هذه الملاحظات لصانعي هذا الحدث العظيم على الأرض) ونأتي للجملة المفتاحية (ونترك ما لم نقله للقنوات المتخصصة).

نسأل : وما هي تلك القنوات المتخصصة التي لا تصل منظمي الحدث العظيم؟ من هم أولئك المعنيون بالقنوات المتخصصة؟ ويبدو واضحا تماما أنهم ليسوا منظمي “الحدث العظيم”. في معنى كلام ياسر ” من كل حسب قنواته، إلا كل حسب مهامه”.

لنعد إلى الوقائع الصلبة : خطت الجماهير خطوات عملاقة تجاه تحررها، خطوات في الطريق السليم. ولكن خطوات بهذه الضخامة، من الطبيعي ألا تجد نظرية جاهزة الصنع تواكبها وتحدد مسارها مسبقا. ومن هنا ينشأ التناقض : لقد استولت الجماهير على مراكز السلطة الإقتصادية في بعض المناطق، ووجهت عنفها بكل دقة إلى عصب النظام، دون أن تغرق في التنظير حول “تحطيم جهاز الدولة القديم” أو ” وضع التوزيع والإنتاج في يد الجماهير العريضة”. لقد كان فعلها هذا هو النظرية، وهو فعل واضح صريح، لا يشبه الأفعال والتكتيكات التي كان يدعو لها ياسر عرمان منذ فترة طويلة. ولهذا وجب أن يكشف عن دواخله مرة واحدة، ويعلن عما يريد بلا مواربة.

ما الذي يريده ياسر؟ ما قامت به الجماهير في عطبرة والرهد والقضارف يمكن تسميته دون تردد ب “الخط الثوري”. كل شيء في يد الجماهير دون جهاز الدولة القديم، هم الدولة. يريد ياسر أن يقطع هذا الخط، يسيطر عليه، يحتويه داخل قمقم الأجسام الهلامية، يسميه “المركز الموحد للإنتفاضة”. من الطبيعي أن تتضارب عدة خطوط سياسية في أي حالة ثورية، هناك خط رجعي وخط ثوري وخط متذبذب. وبالطبع، لا توجد هذه الخطوط محلقة في الهواء، بل إن كل واحد منها يجذب كتلا اجتماعية متفاوتة. وغرض التكتيك السياسي الثوري هو فصل هذه الخطوط لتتبدى فروقها تحت ضوء الثورة الكاشف، ويتجمع الثوريون في صف واحد. إن تجميع أصلب عناصر الثورة حول مطالب معينة، وإجماعهم على تكتيكات معينة، هو إكسير النجاة بالثورة. ويحاول ياسر أن يخلق المركز الموحد تحت دعوى “تجميع قوى الثورة” في لحظة مفصلية : لم تبلغ القوى الثورية نقطة القطيعة مع كل خط رجعي أو انتهازي بعد، خطها الثوري ما زال جنينيا، ولكن معطيات الأحوال تكشف أنه سينجح في لحظة ما في تحقيق قطيعة مع كل خط آخر، يريد ياسر استباق عملية التطور هذه، هذا خنق للثورة في المهد. ما المانع أن يكون هناك أكثر من مركز للانتفاضة؟ ويكون لكل مركز تكتيك معين؟ لماذا لا يجمع ياسر مركزه الخاص؟ السر في ذلك أن مهمته المسبقة هي خنق فرص تكوين مركز الانتفاضة، لا توسيع نطاق مركزه الخاص. يمتلك ياسر مركزه المستند على الدعم الإقليمي والدولي وعلى فئات البرجوازية الصغيرة المتذبذبة والتي تتشجع لمنازلة النظام فقط حينما يأتيها الضوء الأخضر من وراء البحار. ومن الطبيعي أن يرتعد مركز ياسر من فرص ظهور مركز ثوري حقيقي أكثر من ارتعاد النظام، فهو شمشمون الذي سيهدم مركزهم والنظام بلا رحمة.

ياسر نصير للخط الإنتهازي، لننظر إلى هذه الجملة في النقطة رقم (4) : علينا ألا نخلق المعارك داخل صفوفنا. ويحق لنا أن نفكر في الشروط التي يختلف بسببها من هم في صف واحد. إنهم يختلفون حول التكتيكات بالطبع. والمعارك التي يصفها ياسر هي جزء من عملية خروج الخط الثوري من أحشاء الظرف الراهن. يرغب ياسر في أن يصمت الخط الثوري عن انتهازيته، عن تكتيكاته الجبانة، عن المستقبل الفارغ من كل أمل الذي يعرضه عليه. ولهذا يشدد في النقطة عند حديثه عن الدعوات الكثيرة والمتضاربة أحيانا في النقطة (1) “لكن ذلك يمكن أن يضر، إن لم تكن لدينا أولويات واضحة ومهام مرتبة على نحو دقيق”. انتهى الاقتباس.
نسأل: ماذا يضر الجماهير الثائرة إن هي أخطأت وصححت نفسها فيما بعد؟ لم تأت في التاريخ ثورة دون أن تتعلم من أخطائها، ودون هزائم جزئية بلا خسائر. يريد ياسر الأولويات والمهام. حسنا، أين هي أولوياتك؟
لا يطرح ياسر شيئا!.
ليس بمقدور أي قارئ سوى الاستنتاج أن مثل هذه الأولويات والمهام خي من مهام أصحاب “القنوات المتخصصة” التي صرح بها ياسر سابقا. والتي طبعا لا تخص أولئك الأبطال على خط المواجهة.

يلعب ياسر لعبة قذرة، يريد أن يظهر نفسه باعتباره معاديا ل “العفوية” في النضال الثوري. ويطرح ضمنا جزءا من مخاوف الثوريين على أرضية حل تنظيمي وهو تكوين المركز الموحد. نتعلم من دروس الثورات أنه لا يمكن التنبؤ بزمن الثورة ومكانها بدقة، ولا بدينامياتها، سوى بدرجة شديدة التجريد. العفوية هي ما يشعل الثورة. ولكننا نعلم أيضا أنه ما من ثورة انتصرت اعتمادا على العفوية، بل نرى أن نجاحها اعتمد على تنظيم دقيق يستند على عناصر صلبة لا تتزحزح عن قناعاتها قيد أنملة، وترتفع إلى مستوى المرحلة عبر تعبيرها عن مصالح الشق الأعظم من الجماهير بمطالب لا تفاوض حولها، ومن الطبيعي أن تحدث بسبب خلافات بين الخطين الانتهازي والثوري ضمن المعسكر الثوري في مجابهة النظام المعادي. كانت هذه حال اليعاقبة والجيرونديين في الثورة الفرنسية 1790م، والبلاشفة والمناشفة في الثورة الروسية 1917م، وماو والكوميتانغ في الثورة الصينية 1949م. وتطول القائمة. لنراجع دروس هذه الثورات : يكون حزب معارض للنظام القائم في خط المواجهة، تظهر داخله تيارات متصارعة، أحدها يريد السير بالمواجهة قدما بكل شجاعة، والآخر يريد المساومة. ويعتمد سير الأمور في نهاية المطاف على مقدرة الجناح الأكثر راديكالية وثورية على جمع أكبر حجم من الجماهير حول برنامجه، ورسمه للتكتيك الواضح في مواجهة عدوين في آن واحد : الانتهازية في صفوفه، والنظام القديم في الخارج، ولكن صراع أدواته. نترك روبسيير لنعود إلى ياسر عرمان : يريد عرمان حسم الصراع ضد الجناح الثوري في الحركة الجماهيرية بأداة الصراع التنظيمي، وأسلوبه هو قمع الرأي المضاد بسلاح التصويت واللوائح، وتعمية التكتيكات الممكنة أمامه. أي إضعافه لدرجة تسمح للنظام القديم بسحقه. التيار الانتهازي هو تيار النظام داخل الحركة الثورية.

للتدليل على ذلك يكفي أن ننظر لفريق آخر ضمن تنظيم ياسر عرمان ذاته، ولكن نقطة ارتكازه مختلفة كل الاختلاف. عبد العزيز الحلو، قائد أعلى جيش الحركة الشعبية لتحرير السودان. والذي انفرد بقيادة الجيش الشعبي على حساب عرمان ومالك عقار في خلاف واضح حول التكتيك الثوري الملائم.
يرتكز الحلو، عكس عرمان، على تأييد جزء من أكثر الأقسام الجماهيرية اضطهادا في السودان، ويسيطر على مساحة تعادل دولة النمسا في إقليم جبال النوبة. ومن الطبيعي أن يرى في الثورة طريقا للحل النهائي للأزمة القائمة، يقول بيان الحلو ” أن إسقاطه [النظام] يسمح بالحفاظ على وحدة السودان”. لقد خاطب الحلو مسألة الثورة لا من باب الحل التنظيمي، بل من وجهة النظر السياسية. لقد رأى الحلو أن الثورة أملا لحل سياسي للأزمة يتجاهله التيار الانتهازي بقيادة عرمان. وفي هذا درس عملي عملي لانقسامات معسكري الانتهازيين والثوريين.
لحل هذا الاستعصاء، لا يلزم الثورة في اللحظة الحالية جمع كل من هب ودب تحت لافتات ملونة، هي أسماء أكثر من كونها كيانات تعبر عن قوى اجتماعية حقيقية. الحل التنظيمي للأزمة الثورية وتجاهل مطالبها السياسية هي تكتيك التيار الانتهازي في لحظات الثورة. ما تحتاجه الثورة هي أن تصل بلا كلل ولا ملل إلى كل الجماهير، وفي القلب منهم جماهير المنتجين، وتعبئهم حول مطالبهم الخاصة ومطالب سياسية ثورية، وتخلق مناخا يسمح لألف مبادرة أن تظهر، وأن لا تتوانى في نقد نفسها بكل شجاعة على أخطائها. أما حل عرمان، ومعه جوقة الانتهازيين، فهو حل لمشكلة النظام مع الثورة، لا حل لمشكلة الثورة مع النظام، وشتان.

الثورة مستمرة، الثورة منتصرة.
? قدام
#تسقط_بس
#مدن_السودان_تنتفض

تحليل اختبارى

لورم ایپسوم متن ساختگی با تولید سادگی نامفهوم از صنعت چاپ و با استفاده از طراحان گرافیک است. چاپگرها و متون بلکه روزنامه و مجله در ستون و سطرآنچنان که لازم است و برای شرایط فعلی تکنولوژی مورد نیاز و کاربردهای متنوع با هدف بهبود ابزارهای کاربردی می باشد. کتابهای زیادی در شصت و سه درصد گذشته، حال و آینده شناخت فراوان جامعه و متخصصان را می طلبد تا با نرم افزارها شناخت بیشتری را برای طراحان رایانه ای علی الخصوص طراحان خلاقی و فرهنگ پیشرو در زبان فارسی ایجاد کرد. در این صورت می توان امید داشت که تمام و دشواری موجود در ارائه راهکارها و شرایط سخت تایپ به پایان رسد وزمان مورد نیاز شامل حروفچینی دستاوردهای اصلی و جوابگوی سوالات پیوسته اهل دنیای موجود طراحی اساسا مورد استفاده قرار گیرد.