?حال الدنيا : كيف ترى القوى الدولية الثورة السودانية (2-2)

?الرمادي والأخضر

جرت مياه كثيرة تحت الجسر منذ الجزء الأول من هذا المقال. وهذا يستدعي أن نتبع منطق الواقع، لا أن نتأخر عنه دعوى الحفاظ على نقاء الفكر النظري. فهزيمة النظرية أمام الواقع، هو انتصار للنظرية، إن استفادت منه في استيضاح صورة الأحداث، هذا إن كانت نظرية حقيقيّة بالفعل.
قلنا : البشير صديق للكل على الورق، ولكنه عدو للكل في الواقع. هو يخدم مصالح الجميع، ولكنهم يطمعون فيما هو أكثر، يريد حلفاء البشير الدوليون إقصاء بعضهم البعض واحتكار الاستفادة من انصياعه التام، وفي نفس اللحظة يخشون أن ينحاز لأحدهم بسبب هشاشة موقفه، وتشبثه بكل بادرة تعاون مهما كانت فاترة.
هذه معادلة دقيقة للغاية. واجتماع الطمع والوساوس لدى كل الأطراف يثمر التردد. وقفت كافة القوى الدولية والإقليمية موقف المتفرّج عند إندلاع الثورة في ديسمبر الماضي، بل وساهم تنصلها عن الالتزامات المادية التي وعدت بها النظام، بإضافةً للأزمة العامة للنظام الرسمالي في العالم ككل، في مفاقمة الظروف التي أدّت لاندلاع الثورة من الأساس، وفضّلت الإنتظار المتردد. كلها تريد، وبدرجات متفاوتة، إضعاف البشير كي يسهل ابتزازه أكثر، وترى في الشارع الثوري أداة ضغط جديدة – ورغم علمها بخطورة مثل هذه المقاربة – لاطلاع بعضها على الحالة المترديّة لأجهزته القمعية، واحتمالية عجزها عن مواجهة انتفاضة شعبية. ولكن سر ترددها يعود للتخوف من ردود أفعال باقي المنافسين. كلَ الأطراف تراقب بعينين مختلفين : عينٌ أولى على بعضها البعض، ينظر السعوديون إلى الأتراك، وينظر الأتراك إلى الإماراتيين، وينظر كلهم إلى قطر، ويرصد القطريون تحركات الشارع الثائر ويحرّكون منصاتهم الإعلامية لصالحه أحياناً، فيراقبهم السعوديون، الذين يشاركون الإماراتيين معلوماتهم، وهم بدورهم يشاورون مصر فيما ينبغي عمله، فتفاوض باسمهم جميعاً، وهم يحسبون في كل لحظة مخاطر التدخّل والمكاسب من الانتظار، والعين الثانية على مسار الثورة وقواها ومطالبها المرفوعة. العين الأولى هي عين التوجس الجماعي للمحاور المتنافسة، أما العين الثانية فهي عين الخشية على المصير الفردي.
إنها لعبة يطارد كل طرف فيها، كل الأطراف. والثورة تحوّل الأرضية التي تتم فوقها المطاردة.

?تلخيص المواقف

? مصر والإمارات : لا بريدك لا بحمل بلاك

مصر: آخر من يود رؤية البشير يسقط. إن التداعيات السياسية لسقوط نظام سياسي مجاور في وسط أزمة داخلية كالتي يعاني منها السيسي ليس أمراً مرحّباً به. ولكنها أيضاً لا تملك الموارد المادية الكافية لإنتشاله إقتصادياً، وتكبّلها تحالفاتها الإقليمية عن إعلان موقفها السياسي المنحاز لصالح البشير، ولكنها تتساءل أيضاً : ماذا إن نجى البشير من هذه الأزمة وعاد لممارسة ألاعيبه وضغوطاته عبر ملفي سد النهضة وحلايب المحتلة؟. فتتردد وتنتظر.
الإمارات : لا تهتم بالتداعيات السياسية لسقوط النظام. ترى وضعها السياسي الداخلي في حالة متماسكة. عينها فقط على استثماراتها في السودان وعلى استمرارية جنوده في الحرب اليمنية التي تخوضها من أجل هذه الاستثمارات بالذات. وقد قدّم النظام كلَ مايمكن في سبيل إرضائها، وهي في انتظارأن يقدّم لها معارضو البشير ضماناتٍ مماثلة. لقد دفع نضال عمّال ميناء بورتسودان توجّس الإمارات إلى نقطة أعلى، فقد عطّلوا استيلاءها على الميناء. فهي ستقف في صف النظام كي لا يسقط، وتتمكن بالتالي من فرض سيطرتها، ولكن ليس لدرجة ينجو فيها تماماً من خطر الشارع، وتحت هذه المعادلة، الإنتظار مفيد أيضاً. لقد التقى خطّا مصروالإمارات في هذا الطور من الثورة. لنبقَ النظام متأرجحاً بين الأمل والخوف، ونراقب.

? قطر وتركيا : كان غلبك سدّها

همّ قطر الأساسي كسر التحالف الثلاثي ضدها (السعودية، الإمارات، مصر + البحرين). وتنظر لسقوط البشير أو بقائه من هذه الزاوية. إن قبِل النظام الحالي بالقطع مع دول التحالف الثلاثي وانحاز لصفها هي وتركيا، فستوفر له الدعم السياسي والدبلوماسي والإعلامي الذي يحتاجه فوراً، وإن ضمنت مشاركتها في صياغة خارطة طريق لنظام جديد يكون أكثر إيجابية في التعاطي مع قضيتها، فستدعم سقوطه. ليس لقطر شيء تخسره في حربها الباردة ضد السعودية، وترى أن النظام قد تخاذل عن نصرتها ساعة الحوبة، وبقي في صف السعودية، وهي بالتالي أكثر القوى الإقليمية استعداداً للتحرّك ضد البشير مهما كانت النتائج، وتفكر : إن سقط فستدخل السعودية في دوامة جديدة من الصراع حول البديل، ستتساوى فيها الكتوف، وتفتح الجبهة السياسية مجدداً للصراع الطبقي في مصر. وإن بقي، فلا يمكن للنظام أن يتخذ ضدها أية اجراءات عقابية. هو عاجز، وفي يدها ورقة ملف التسوية في دارفور. إن تحرّك الدوحة يجد مناصرة صامتة من تركيا، التي تعلم أن ميناء سواكن غير صالح جيولوجياً لإقامة قاعدة من النوع الذي يقلب توازنات القوى العسكرية في البحر الأحمر، خصوصاً مع حصول الإمارات المرتقب على ميناء بورتسودان. لن نخسر شيئاً، سنورّط أعداءنا، ولا تبعات سلبية على أفعالنا، لماذا لا نبادر بالتحرّك ضد البشير؟ هو سؤال مطروح بصيغة (هيا، لنفعلها). إن النظرية الليبرالية في العلاقات الدولية التي تشخّص مواقف الدول بناءاً على (ما تقوله) عن نفسها لا استناداً على مصالحها وتوازنات القوى الداخلية والخارجية المحيطة بها، عاجزٌ عن تفسير مثل هذا الموقف القطري-التركي الذي وجد في الثورة السودانية حدثاً يجب دعمه، وهو يعتبر أن صلة تنظيم الأخوان المسلمين بالنظام في البلدين هو معيارٌ كافٍ لتوقع موقفهما من الثورة في السودان. ليس من المستغرب أن تحاول القوى الدولية المتنافسة استغلال المشاكل الداخلية لدى عدوّها، وتدعم القوى المعارضة له كي يتسنى لها إضعافه، وتحقيق مصالحها. إن تنظيم الأخوان المسلمين ليس سوى بيدق في لعبة القوى الإقليمية في الشرق الأوسط، لقد وضع نفسه في هذه الخانة، ومساواة البيدق باللاعب الذي يحرّكه، حماقة. هاهي الوقائع تكشف خطَل هذا الإختزال.

? السعودية : هذه الأرض لنا

اللاعب الأهم في السودان. صاحبة أكبر الاستثمارات، والشريك الأكبر في التجارة الخارجية، وتضم أكبر جالية سودانية في الخارج . إن موقف السعودية هو مزيج من موقفي الإمارات وقطر. تعتبر أن حضورها الإقتصادي والسياسي قوي للغاية في السودان، لدرجة أن أي نظام قادم بعد البشير لن يتمكن من الإفلات من فلكها، أي أنها لن تخسر شيئاً إن تدخّلت ضد البشير، فهو عاجز عن الرد، ولكنها لن تقوم ذلك لأنه ليس هناك، حتى الآن، ما يهدد مصالحها ويستدعي التدخّل. وبينما تريد الإمارات سماع التطمينات من معارضي البشير الآن في وسط الثورة، لن تكترث السعودية إن سمعتها منهم بعد إسقاطه. ونأتي هنا للموقف الآخر : لم تدعم البشير أيضاً. ترى أنها قد دعمته بما يكفي وحان وقت سداد الفواتير، عليه أن يقدّم المزيد من التنازلات والإمتيازات أولاً ثم تنظر السعودية في المكافأة المجزية حسب تقديرها الخاص، إنه الدعم بالدفع الآجل. حرب اليمن، التي تخوضها السعودية بجنود سودانيين، هي الخط الأحمر الوحيد الذي سيدفعها عبور البشير له للتحرك ضدّه بصورة مكشوفة وسريعة. طالما بقيت الكتائب على تلال اليمن، لا شيء يشغل بال السعودية.

?نتائج وتوقعات

إن السودان ضمن ثلاثة نطاقات جيو- سياسية متداخلة، النطاق الأول هو الشرق الأوسط، حيث احتياطيات البترول واسرائيل والتنافس الإيراني – السعودي – التركي، والإسلام السياسي المعسكر، والنفوذ الأمريكي شبه المطلق. 
النطاق الثاني فهو افريقيا جنوب الصحراء، والذي يعتبر أسرع الأقاليم من حيث النمو الديموغرافي في العالم، ويتميز عن الشرق الأوسط بضعف القوى الإنتاجية، النسبي، وثقل الديون الدولية الباهظة، والحروب الأهلية الطويلة، حيث الفاعلون المحليون لهم اليد العليا أكثر من الدولة القوميّة ذاتها. يعتبر هذا النطاق منطقة النفوذ الإمبرياليات الآفلة، بريطانيا وفرنسا، إقتصادياً، تعتمد هذه المنطقة أكثر من غيرها على بيع المواد الخام لصالح الصين. والحضور الأمريكي فيها يتركز على مهمّتين: محاربة الإرهاب الجهادي، والمساعدات الإنسانية. إن امتصاص الفوائض يتم فيها عبر فوائد الديون، واستحلاب الكوادر البشريّة المؤهّلة. 
أما النطاق الثالث فهو القرن الإفريقي، حيث يتنافس كل العالم على معابر التجارة البحريّة، وتتركز منابع النيل، وغلبة التوترات الإثنية، وظواهر كغياب الدولة القومية الموحّدة كما في الصومال.
إن تعقّد الصورة أمام القوى الدولية عن الواجب فعله تجاه الثورة السودانية ليس غباءاً، بل هو نتيجة تراكب أزمتين.

? الأولى أزمة الرأسمالية في طورها الإحتكاري، والتي فاقمت التوترات بين كل الدول الرأسمالية الكبرى، وطرحت مسألة الثورة على جدول الأجندة. لقد أّدت الأزمة العالمية إلى تدهور القّوة العالمية للولايات المتحدة، وفتحت الباب أمام اللاعبين المحليين مثل تركيا أو السعودية للعب دور أكثر استقلالية على الساحة الإقليمية على الأقل، وشجّع دولاً كروسيا والصين على إبداء ردود فعل دفاعية تجاه الاستراتيجية العسكرية الأمريكية. إن العسكرة، والحمائيّة الإقتصادية كانتا دوماً الآليّة التي تستخدمها الرأسمالية الإحتكارية للخروج من أزمتها. وبالتالي فإن رد فعل روسيا بالتدخّل في افريقيا الوسطى عبر استغلال ضعف البشير، وخطّة الصين عبر (مبادرة الحزام والطريق) التي تحاول بها تفريغ فيض إنتاجها عبر فتح اسواق جديدة واختراق نطاقات جيوسياسية متنوعة، وتوسيع نطاق التعامل باليوان، جعل الإمارات تطمح للعب دور نقطة التجارة الأكبر (في منطقة جبل علي)، والناقل اللوجستي الأول وجعل التنافس على الحصول على امتياز ميناء بورتسودان مسألة حياة أو موت، لا للرأسمالية الخليجية فحسب، بل لمصيرالرأسمالية الصينية كلها، وللتنافس الأمريكي الصيني أيضاً.

? الأزمة الثانية هي الأزمة المحلّية. إن احتداد الصراع السياسي في النطاقات الثلاثة قد انتقل إلى السودان بواسطة الإرتباط الإقتصادي، والتداخل السكّاني، والتأثير الكبير لوسائل الإعلام الجديد. إن البنية الفكريّة في السودان متأثرة بالتيارات الفكرية في الشرق الأوسط أكثر من سواها، وانتفاضات الشعوب منذ العام 2011م وجدت أصداءاً كبيرة ومرحبة، حتى إن الثورة الحالية قد نقلت شعارات وأساليب تلك الإنتفاضات. ولكن التشكيلة الإقتصادية الإجتماعية تشبه وإلى حدٍّ كبير تلك الموجودة في نطاقي القرن الافريقي وإفريقيا جنوب الصحراء. إن الديون الباهظة والتوترات الإثنية والقبليّة، وضعف الإنتاجية الإقتصادية، هي الأرض التي يجب على الأفكار المتأثرة بتيارات السياسة في الشرق الأوسط أن تجد الأساليب المناسبة لاستزراع نفسها فيها. وهي بالتالي بنية تجمع ما بين مركزة النظام السياسي كما في بلدان الشرق الأوسط، والتسويات بين هذا النظام والفاعلين خارج الدولة كالقبائل، والجماعات، والمنظمات الدولية، التي تميّز تشكيل دول إفريقيا جنوب الصحراء ومنطقة القرن الإفريقي. وبالتالي فأزمتها المحليّة هي أزمة المشروعية في أعين المحكومين، وأزمة العجز عن الحكم بالطريقة القديمة، يواجه النظام أزمة حل الأزمة، إنها لحظة إلتقاء التناقضات، أي لحظة بزوغ الضرورة الموضوعية في اندلاع الثورة السودانية في ديسمبر 2018، وما زيادة أسعار الخبز إلا الصدفة التي فجرّت كل هذا البارود المحلّي، والدولي، بنفس المطالب الآتية من انتفاضات 2011م. هذه ليست مجرّد معركة لطرد البشير، إنها حرب تحرر جميع شعوب هذه الأقاليم، والطبقة العاملة والشعب السوداني هو من سيحل، عبر حلّه قضيته الخاصة بتصفية نظام البشير، سبعة أعشار قضيتها. إنها ثورة سودانيّة بأبعاد كونيّة.
إن التنافس الإمبريالي عند اشتداده ينتج الحرب العالمية. إننا على ملتقى الطرق: ثورة سودانية تفتح الباب أمام انتقال الموجة الثوريّة إلى منطقة تتمركز فيها التنافسات الإمبريالية، وتفرض السلم بقوّة الجماهير، وأما أن نجد أنفسنا في عالم تعود فيه المجازر، وغرف الغاز، والإبادة الجماعية، وجنون القادة، واحتمال إفناء شعوب بكاملها تحت خطر الحرب النووية. 
صدقت روزا لوكسمبورغ : إما الإشتراكية، أو البربرية.

? حال الدنيا: كيف تفكّر القوى الخارجية في الثورة السودانية؟ (1-2)

في عالم وحّدته الرأسمالية وأصبح كل حدث فيه مؤثراً على الطرف الآخر من الكوكب، وفُتحت فيه الحدود القومية وأصبحت المعلومات، والأفكار، ورؤوس الأموال، في حركة دائمة لا تهدأ، يصبح من مصلحة كل طبقة حاكمة أياً كانت الرقعة الجغرافيّة التي تحكمها، أن تصيخ السمع جيداً للذبذبات غير المسموعة للشعوب. يقول التاريخ أنها ستنتقل إليها لامحالة. كل هزة سياسية تعقبها موجات من الاضطراب في أماكن أخرى. النظام الكوكبي موحّد، ولهذا فانتقال كل شيء ممكن، ويختلف التوقيت والطريقة التي يتبدّى فيها هذا الإنتقال، فعلى الرغم من أن هذا النظام موحّد، إلا أنه ليس واحداً. هذا أهم قوانين الثورة.

الثورة السودانية 2018م ليست استثناءاً. وترقب القوى الدولية لمجريات أحداثها ليس محل استغراب. وسيكون من المفيد مراجعة العوامل التي تحكم تفكير القوى الدولية حول طبيعة الثورة ومساراتها المحتملة، فلا غنى عن فهمها للدفع بالثورة إلى الأمام وحمايتها من الإنتكاسات والتدخل الإمبريالي. علينا أن نحاول فهم العلاقات التي تربط بين القوى التي تحاول التأثير على مجرى الأحداث في السودان، وسياستها الدوليّة على وجه العموم. وهذا ما يستدعي التفكير خارج الصندوق الأكاديمي الذي يختزل التفاعلات بينها على المواثيق الدبلوماسية حصراً، والنتقال للبحث افي الإقتصاد السياسي المعاصر للإمبريالية، أي بناء تصور مادي-تاريخي للتداخل بين (1) الأزمة الرأسمالية المعاصرة في طور العولمة 2008م و (2) علاقات الطبقات في كل بلد من البلدان الموثرة على السودان.
لا بد من بعض احتراز ضروري، وهو التعريف ببعض العوامل التي تؤثر على موازين القوى بين الدول الإمبريالية من جانب وبينها وبين النظام في السودان من جانب آخر. ينبغي عرضها بصورة نقديّة، لأنها تصادم الحس التلقائي السائد، ومن العسير تقبلها للوهلة الأولى.

? العامل الأول : ليس التبادل التجاري هو العامل الحاسم

لا يتحدد النفوذ الذي تحظى به دولة ما على النظام في السودان بحجم التبادل التجاري بينهما. مثلاً: يبلغ التبادل التجاري بين الصين والسودان مئات أضعاف التبادل بين السودان والولايات المتحدة. ولكن هل ينعكس حجم هذا التبادل على مدى التأثير السياسي؟ لننظر إلى الوقائع : يكاد ينعدم النفوذ الدبلوماسي للصين على تشكيل سياسات النظام الراهن، بينما يتوسّل النظام لتحسين علاقاته الدبلوماسية مع الولايات المتحدة. للتدليل على ذلك يكفي النظر للدور الذي لعبه التدخّل الإمبريالي الأمريكي في إقرار اتفاقية السلام الشامل 2005م، وفي إعادة توجيه السياسة الخارجية للنظام السوداني تجاه قضايا الشرق الأوسط مثل الموقف من إيران. السر ليس في علاقة السودان بالصين، بل في العلاقة التي تربط الصين بالولايات المتحدة، والتي تشكّل توازناً معيّناً للقوى بين هاتين الدولتين على الصعيد العالمي، يجعل تأثيرهما متفاوتاً على النظام.

? العامل الثاني : ولكنه الإقتصاد أيضاً، يا غبي!

لقد عدّل نظام البشير من تحالفاته الإقليمية أكثر من مرّة، آخرها سنة 2015م عندما انتقل من صف إيران – حماس – حزب الله – حركة الإخوان المسلمين، إلى محور السعودية – الإمارات- مصر. السبب وراء هذا التحوّل هو اقتصادي بالأساس: لقد أثرت أزمة نقص النقد الأجنبي على قدرة النظام على تلبية الحاجيات الأساسية من خبز ودواء وبترول، وبسبب تركيبة النظام الداخلية، كان الانتقال إلى حيث توجد الأموال خياراً منطقياً. كان الثمن هو توقيّع النظام بعد 2015م على اتفاقيات اقتصادية مع دول الخليج حازت بفضلها على أراضٍ وامتيازات وتسهيلات ضخمة، ولكنها على عكس تمنياته لم تنعكس إيجاباً على الوضع المعيشي. إن النفوذ السعودي على القرار السياسي للنظام يجد مصدره في القبضة القوية التي تحكم بها الأموال السعودية سيطرتها على الاقتصاد السوداني، وهذا أمر مفهوم. ولكن ماذا عن الصين التي تملك نفس الحضور الإقتصادي القوي؟ إن اختلاف مدى النفوذ بين السعودية والصين يكشف عن أمر مهم: إن السياسة الخارجية لكلٍّ منهما محددّة بالسياسة الأمريكية في المنطقة والعالم، في نهاية المطاف. لقد توافقت سياسة السعودية الأدوار الدبلوماسية للسعودية مع السياسة الأمريكية تجاه إيران وضرورة عزلها مثلاً، ووترافقت مع الحوجة الإقتصادية لرأس المال السعودي للتوسّع، فتضخم الدور السياسي للسعودية أسياً. إن كل مكسب تجنيه السعودية سيصب في صالح الولايات المتحدة عند المصب، أما في الجانب المقابل، على السياسة الخارجية الصينية أن تبقى في حالة حذر دائم، وسكّت شعار (عدم التدخل) كرمز لسياستها الخارجية ككل، لأن مصالحها قد تتعرض للتهديد من قبل الولايات المتحدة في منطقة جغرافية أخرى في العالم، مثل بحر الصين الجنوبي، إن هي أخطأت في حساب خطواتها السياسية في السودان أو في أي مكانٍ آخر. إنها تقايض ابتعادها عن ساحة الصراع في السودان بمساحات إخرى تجد فيها مصالح أكثر رسوخاً. الإقتصاد هو سياسة بلغة أخرى.

? العامل الثالث: إضغط تكسب، (ثم تخسر؟)

التوقيع على الاتفاقيات والأوراق شيء، تنفيذها على أرض الواقع شيء آخر. كل طرف موقّع له مصالحه الخاصة، وقد يتنازل عن بعضها أثناء التفاوض ليضمن تحقيق الأهم من بينها. ثم يتفق الطرفان على نقطة وسط. ولكن والشيطان دائماً ما يأتي وقت التنفيذ، التنفيذ مكمن التفاصيل.
لقد أبرم النظام العديد من الإتفاقيات، ولكنه حاول التنصل منها وعجز عن ذلك، فلجأ للعبة جديدة عنوانها (اضغط تكسب)، وأبرز مثالين على هذه اللعبة التي يمارسه النظام هو ردّة فعله تجاه (1) رفع العقوبات الأمريكية، وعلى (2) ما يفسّره بالتباطؤ السعودي في حل أزمة الوقود والدقيق المحليّة في 2017م.
نبدأ بالمثال السعودي باعتباره الأكثر تأثيراً. لقد أرسل النظام جنوداً وضباط سودانيين سنة 2015م للمشاركة في التدخّل السعودي في اليمن. ومرّت سنتان ولم تحلَّ بعد أزمات الوقود والدقيق، ولا زال الميزان التجاري في حالة عجز واحتياطي العملة الصعبة في الحضيض، مع إلقاء بعض الفتات الذي ينقذ النظام من الإنهيار الكامل، وهو أسلوب للتدخل يبقي النظام تحت حالة دائمة من الضغط الصامت، ولكن الفعّال. لقد أجبِر النظام على الإنصياع دون أن تكون له فرصة للمناورة.

لنضع طاقية النظام ونفكّر بطريقته : بعد كل ما فعلته السعودية، هل كان بإمكان النظام التراجع عن تحالفاته الجديدة والعودة لتوطيد العلاقات مع إيران؟ الجواب هو (لا). والأسباب كثيرة. لن يثق الإيرانيون بالنظام بعد الآن، وأفضل الاحتمالات أن يقابلوا الخطوة ببرود دبلوماسي، إضافة إلى أن إيران لا تملك الإمكانات الإقتصادية اللازمة لمساعدة السودان على حل معضلاته بسبب العقوبات الأمريكية عليها. إن انسحب السودان من محوره الجديد الذي اختاره، فإنه سيستعدي قوى جديدة دون أن يجني أية مكاسب. مافيش فايدة!.
لقد وقع النظام في الفخ. ولا مخرج، ولكن لا بد من المحاولة. جاء الحل في محاولة اللعب على التناقضات الإقليمية بين حلفائه الجدد ومنافسيهم، وهنا ظهرت تركيا.
إن التنافس على النفوذ الإقليمي بين تركيا والسعودية – الإمارات تبدّى بكل مستوياته في لحظة الإطاحة بالرئيس المصري محمد مرسي واعتلاء السيسي مكانه سنة 2013م. لقد حاولت بعض الأطراف إبراز هذا الصراع وكأنه بين أنصار الديمقراطية (حركة الإخوان المسلمين وتركيا) والملكيات السلالية وقوى الديكتاتورية (السعودية والإمارات والجيش المصري). ولكن هذه الرواية تتجاهل الصلات الباطنية بين ملكيات وأمارات الخليج وحركة الإخوان خلال الستينات والسبعينات والتي وفّرت لها ملاذاً آمناً بعد وصول الضباط الأحرار للسلطة في مصر سنة 1952م، ولولا ذلك الدعم لما بقي للحركة من أثر. ظلت حركة الإخوان منذ نشوء حركة التحرر الوطني في الخمسينات مجرّد أداة للسياسة الخارجية للقوى الإمبريالية في المنطقة. وتتعامى عن تبعيتها جميعاً لأحلاف الولايات المتحدة في المنطقة. وبالتالي فإخفاء الخلاف وراء هذه لافتة الديمقراطية ليس أكثر من تزييف. يجب البحث عن منابت الصراع بعيداً عن ضجة القنوات الإخبارية، أي في الإقتصاد السياسي للشرق الأوسط.

? منافذ وموانئ

إن الصراع السيطرة على مسارات الملاحة البحرية هو أحد أبرز أشكال الصراعات التجارية. أن تنتج البضائع فحسبـ هذا ليس كافياً، على المنتج أن يضمن طرق تصريف منتوجه، ومن هذه النقطة ظهر البحر الأحمر كساحة تنافس محموم.
تحاول الإمارات حماية موقعها كمركز للتجارة الدوليّة، ولا بد أن تؤمّن البنى اللوجستية التي تسمح بفتح أسواق جديدة غير مستغلّة إن هي أرادت الحفاظ على موقعها وتوسيعه في وجه المنافسة التركية . ولهذا فهي تحاول السيطرة على الموانئ في البحر الأحمر، وعلى خطوط سكك الحديد في افريقيا. لقد سمحت الحرب اليمنية للإمارات بالسيطرة على مضيق باب المندب، وميناء عصب في اريتريا، وتحاول الآن انتزاع السيطرة على ميناء الحاويات الجنوبي في بورتسودان، وإن نجحت، يكون ساحل البحر الأحمر على ضفتيه حتى قناة السويس آمناً ومفتوحاً بلا عوائق أمام حركة البضائع المتحركة من ميناء جبل علي بدبي.
ولكن تركيا ترى في هذا تهديداً لمصالحها، وتحاول أن تلعب نفس اللعبة، وهي أن تسيطر على المعابر والمنافذ الحيوية وتصرّف إنتاجها. من هنا التقت خطة النظام السوداني في الضغط على حلفائه مع طموح قوتين متنافسين، فما كان منه إلا أن حاول اللعب على كليهما.

? نفذ وعودك وإلا…..!

زار اردوغان الخرطوم في ديسمبر 2017م، مما تسبب في موجات عنيفة من التراشق الإعلامي بين مصر والسودان، وأعلن البشير منح تركيا ميناء سواكن للبحر الأحمر من أجل (صيانة الآثار العثمانية). كانت هذه الحجة مما يصعب تصديقه. ولم يفت على السعودية والإمارات التقاط الرسالة: إما أن تفوا بوعودكم وتنقذونا، وإما أن (…). وسكت النظام عن التصريح بالتهديد المباشر وغلّف خطوته بنبرة دبلوماسيّة ساخرة. أما التلويح بسحب الجنود السودانيين من حرب اليمن، الذي حرّكته أذرع النظام داخل البرلمان وأثارته الصحف، فاضطر البشير نفسه لنفيه وإعادة الحديث المكرور عن العلاقات الأزلية والأخوية بين البلدين، ولم يتكرر يعدها على الإطلاق.
محاولة الضغط الثانية : روسيا. فبعد عشرين عاماً من فرض العقوبات على السودان، وبوساطة من حلفاء النظام الخليجيين الجدد، رفعت الولايات المتحدة الحظر التجاري والإقتصادي عن البلاد. في أكتوبر 2017م، ولكن النظام الذي كان يستشعر وطأة الأزمة الاقتصادية الخانقة كان يريد المزيد، كان يريد من الولايات المتحدة أن تضغط على حلفائها الخليجيين لتوفير الدعم الإقتصادي الذي تحتاجه بشدّة، ولهذا حاول اللعب على حبال التناقضات الدولية، بمستوى أعلى قليلاً.
ذهب البشير إلى موسكو بعد شهر من إعلان رفع الحظر، نهاية نوفمبر 2017م، وقال بالحرف (نريد الحماية من التدخلات الأمريكية). وروسيا التي تبحث عن توسيع نفوذها الدبلوماسي فيما تراه عدوانية حلف الناتو في أوروبا الشرقية، وجدت في دعوة البشير فرصة لكسب موطئ قدم جديد. هذه المرّة في القارة الافريقية، حيث القوى الأوروبية الإمبريالية القديمة التي تتنازع ضدها في أوكرانيا وأوسيتيا. وفتح النظام معبراً للتدخل الروسي في افريقيا الوسطى.
ما النتيجة التي جناها النظام من لعبة (اضغط تكسب)؟
لقد استفاد النظام وقتياً من ألعابه البهلوانية. فحسب العديد من المتابعين للشؤون الاقتصادية، وصلت العديد من شحنات الدقيق التركي والأوكراني بتمويل روسي، وبعض ناقلات النفط محمّلة بالوقود من الإمارات والسعودية خلال سنة 2017م.

? حليف غير موثوق هو عدو مستقبلي

لننظر إلى خريطة القوى الدولية ذات العلاقة مع النظام: هناك لاعبون دوليون ذوو مصالح إقتصادية بحتة (الصين)، وأصحاب مصالح عابرة ومؤقتة (الإتحاد الأوروبي)، وباحثون عن النفوذ الدولي (روسيا)، وفوقهم صاحبة المصالح السياسية طويلة الأمد (الولايات المتحدة). لم يحاول أي منهم حتى الآن على الأقل التدخل في مجرى الثورة. وهذا لا يعني أنهم لن يتدخلوا، كلُّ تحت شروط معيّنة.
ثانياً: لاعبون إقليميون تندمج لديهم المصالح السياسية – الإقتصادية بصراعاتهم الداخلية : الإمارات (التي تريد الموانئ بأي ثمن)، والسعودية (التي تريد استتباع السودان باعتباره مزرعتها الخاصة)، وتركيا (التي تبحث عن سوق لتصريف انتاجها وعن منافذ عبور)، أما الاستثناء فهو مصر التي تغلب عليها المخاوف السياسية (وقضية مياه النيل قضية سياسية في نظرها) وهي أكثر من يخشى اندلاع ثورة في السودان. والسبب واضح : نظامها السياسي أكثر هشاشة وهو الأكثر عرضة للتأثر بأي موجة ثورية قادمة، رغم أنها من أشد أعداء البشير، إلا انها أكثر من يخشى سقوطه.
ولكن لا شيء أسوأ على البهلوان من أن يمل الجمهور حركاته مهما كانت جنونية، العادة تقتل المفاجأة، ويبدو أن كل حلفاء النظام قد أصيبوا أخيراً بالملل. في 2018م، لم يهب أحد لنجدة النظام وسط كل مصاعبه الإقتصادية الخانقة. على الورق، هو حليف الجميع، ولكن على أرض الواقع الجميع يرفض مساعدته. لقد أدت سياسة النظام في بناء التحالفات على أساس اللعب على التناقضات إلى نتيجة عكسية: لقد أصبحت سبباً لاكتساب الأعداء، معظم حلفائه الآن أعداء. لقد زرع النظام في تحالفاته الأكاذيب، فحصد منها الخوازيق.