الدواء حق -3-

الصراع في سبيل الشفاء :
ما الذي يجري في عالم شركات الدواء العملاقة؟ خمسة مشاهد.

بعد أن شاهدنا القصص الواقعية عن آثار تسليع الدواء على حياة الناس العاديين، بقي أن ننظر إلى الجانب الخفي من المعادلة، أي إلى تجّار الدواء ومصنّعيه، في الداخل كانوا أم في الخارج.
دعونا نمعن النظر في وضعنا في العالم : نحن دولة أنزلت جبراً إلى أسفل السلم في جميع المجالات، ولعب النظام الحالي الدور الأعظم في ذلك، 
ولكن،
تجارة الدواء وصناعته تكشفان علاقة ارتباط عجيبة. بين طرفين، يبدو وللوهلة الأولى أنه لا شيء يربطهما سوياً.
—-هنالك شركات عالمية تجني أكبر الأرباح من الدول الضعيفة، مثلنا، وتوجد داخل هذه الدول بعض الفئات التي تستفيد من هذه الحالة الذليلة، فتقتسم مع هذه الشركات هذه الأرباح، بدون النظر إلى حالة الناس وعزّة البلد.
إن الشركات الدوليّة للدواء وتجّاره المحليين مثل طرفي المقص : يعملان سوياً، لا فائدة لأحدهما دون الآخر.
هذه الحلقة مكرّسة لفهم الطريقة التي تعمل بها هذه الشركات بالتعاون والتنسيق مع التجّار المحلّيين والحكّام الفاسدين.
سنغادر عنابر المستشفيات والصيدليات، ونلج عالماً آخر. عالم البورصة، وسوق الأسهم، والفساد، والتلاعب بالمعايير، واتفاقيات التجارة الدولية. 
لن نسمع آهات المرضى، لن نجد العاطفة الإنسانية، بل الحسابات الباردة القاسية، سنرى العنف الذي يرتدي أفخم الأزياء ويتحدث بأكثر النبرات هدوءاً. عالم الدواء وشركاته هو عالم الموت المستتر بالتهذيب.
قد يستغرب البعض منّا، ويتساءل: ما علاقة هذين العالمين؟
استعد!.
(1)
كم هي أرباح صناعة الدواء؟ 
بقيت هذه الصناعة على مدى سنين طويلة على قمّة هرم الربحية العالمي، لا يشاركها في ذلك سوى صناعة السلاح والبرمجيات. من أين تأتي كل هذه الأرباح؟ تقول أسطورة غريبة أنها ناتجة عن ابتكارات علاجية فريدة، ومفيدة وعبقرية، تنجها هذه الشركات كل سنة وتنفق عليها بسخاء شديد من أرباحها التي تجنيها. ال وتوجهها نحو السوق، الذي يتلقّى هذه الانتاجات بحبور شديد، فيشتريها وتربح الشركات. وتتكرر الدائرة.
هذه، وكما أسلفنا، مجرد أسطورة.
أجرى باحثان هما دونالد رايت و دويل ليكتشين دراسة سنة 2005م عن إنفاق الشركات الدوائيّة على البحث والتطوير. وجدا أمراً قد يبدوعجيباً للوهلة الأولى : أن هذه الشركات تنفق بعد الخصومات الضريبية، 1% فقط، أجل! واحداً في المئة، من عائداتها على البحث. ليس هذا فحسب، بل القادم هو الأسوأ : 
—- لا توفّر الأدوية والمستحضرات الجديدة التي تطلقها هذه الشركات في السوق سوى إضافة علاجيّة ضئيلة، أو لا شيء على الإطلاق. في مجلّة برسكرايل انترناشيونال، نُشرت ورقة بحثية حول سوق الدواء في فرنسا ، وخلصت إلى أنه خلال العقد الواقع بين 2005م-2014م، تم طرح 1032 دواءاً جديداً، وهوعدد كبير، ولكن كم ياترى كانت فائدتها على المرضى؟
تقول المجلّة : فقط 66 دواءاً تحمل إضافات علاجية جديدة.
وماذا عن البقية؟ هي إما مضرة وغير مقبولة بالمعايير الطبية، 
وإما أنها لا تقدّم أي فوائد علاجية جديدة على الإطلاق.
ستة وستّون من أصل ألف واثنين وثلاثين ! . وهذا في فرنسا، وليس في بوتسوانا !.
تبرر الشركات الدوائية أرباحها الباهظة بالإنفاق السخي على البحث والتطوير، وبأن الاستثمار في قطاع كهذا هو أمر محفوف بالمخاطر الإقتصادية، وتشيع أنه من بين كل 10 آلاف مركب دوائي، واحدٌ منها فقط يتطور ليصل مرحلة الدواء، وأن تكلفة الوصول إلى دواء واحد تبلغ اثنين مليار ونصف المليار دولار. 
هذه الافتراضات تستند إلى بيانات سريّة غير قابلة للتحقق المستقل. ولا يسندها المنطق والوقائع المشاهدة.
لنفكر بالمنطق الإقتصادي نفسه : إذا كانت عمليّة تطوير الدواء بهذه الخطورة، أليس من المنطقي أن تتفاوت حظوظ الشركات الدوائية من سنة إلى أخرى، وفيما بينها؟ ولكننا نجد العكس تماماً : تتزايد الأرباح سنة وراء سنة، ودون توقّف أو تباطؤ. وهذا ما لاحظه أيضاً طبيب واقتصادي، هما ستانلي فرانكستاين وبيتر تمين ، من معهد ماساسوسيتش للتكنولوجيا بالولايات المتحدة عندما صرّحا (لا يهم عدد المرّات التي حذر فيها محللو الأسواق أن نهاية براءات الاختراع تهدد هذه الشركة أو تلك بالاندثار، لم يحدث ذلك على الإطلاق).
لماذا يحدث كل هذا ؟ 
لماذا تكذب الشركات؟ ولماذا تنتج أدوية لا فائدة علاجية ترجى من ورائها؟ ولماذا تتواصل أرباحها في الارتفاع رغم كل هذا؟ ولماذا ولماذا؟ عشرات الأسئلة تتناسل. وسنجد عليها الجواب.
علينا تحويل أنظارنا مرة ثانية إلى مكان جديد. خارج المصانع المعقّمة وغرف الاختبار المليئة بباحثين يرتدون الكمامات وملابس عازلة، ويتلوّن كل شيء فيها بالأبيض، 
علينا أن نذهب إلى البورصة. للغرابة.
في الماضي، كانت أرباح الشركات تأتي مما تنتجه. فورد تكسب من انتاج موديلات سيارات جديدة، وجنرال الكتريك تطوّر تقنية جديدة لصالح مهمة ناسا نحو القمر، وبوينغ تحسّن من محرّكاتها النفاثة وتنتج طائرات أبعد مدى وأكثر راحة، وهكذا كانت قاعدة (أنتج تكسب) هي السائدة.
ولكن، منذ الثمانينات، دخلنا في طور جديد. لم تعد الربحية رهينة بالإنتاج، بل بشيء آخرتماماً.
ظهر سوق الأسهم باعتباره ما يحدد مصير الشركة. كلما زاد إقبال المستشمرين على شراء سهم الشركة ، ارتفعت ارباحها. 
الإنتاج لوحده لم يعد كافياً.
ماذا تفعل الشركة في هذه الحالة؟ عليها أن تجذب نظر المستثمر في سوق الأسهم بدلاً عن المستهلك. وهذا تحوّل خطير للغاية رغم أنه يبدو للوهلة الأولى بلا معنى.
“بيدرو كواتريكاساس” من كلية الطب والصيدلة في جامعة كاليفورنيا يقول (إن حاملي الأسهم، ورجال البنوك الاستثمارية، والمحللين، الذين لا يعرفون سوى القليل عن اكتشاف الدواء، يمارسون ضغوطاً كبيرة على المدراء التنفيذيين لشركات الدواء من أجل العائد السريع). 
ولكي يحافظ المدراء التنفيذيون على جاذبية شركاتهم بالنسبة لمجتمع سوق الأسهم، لا بد لهم من تطوير بعض الأساليب الجديدة. لننظر إليها مجملاً، ونعود لتفصيلها واحداً تلو الآخر. 
(2)
يشتري مستثمر ما سهماً في شركة دوائية لأنه يرى في سجلاتها المالية استمرارية في الأرباح. ويقول : “تنتج هذه الشركة عدداً من الأدوية التي ينتجها مصنّعون آخرون، ولكن تبيع ضعفي أي واحد منهم. هذا أمرجيد، سأشتري هذا السهم.
يحاول المدير التنفيذي للشركة الدوائية المتعددة الجنسيات تلبية هذا الشرط. ماذا يفعل؟ عليه أن يضمن أن سعر الدواء الذي ينتجه يلبي شرطين : الحفاظ على حصّته السوقيّة، وهذا لا يعني تخفيض سعر الدواء، بل قد يعني رفعه في بعض الأحيان. فبعض الزبائن لا يشتري إلا الدواء الغالي، يفكّر المدير “إذا خفّضت سعري قد أخسر بعض المشترين ومعهم جزء من حصّتي في السوق”، وثانياً يحافظ على نسبة العائد الذي يحققه هذا الدواء بالنسبة لأرباح الشركة ككل. 
أحد الأدلّة البارزة على هذه الآلية هو ارتفاع سعر دواءٍ خاص بعلاج مرض ” التصلّب المتعدد ” في الولايات المتحدة من أحد عشر ألف دولار في منتصف التسعينات، إلى 60 ألف دولار في أيامنا هذه. رغم أن الدواء لم يتغيّر فيه شيء.

إذا ظلت الشركة محافظة على حصتها السوقيّة في دواء معيّن، وانخفضت عائداتها الكليّة، فلن يجذب ذلك أي مستثمر، عليها أن تحافئظ على الأمرين سوياً. وإلا فستخسر. 
لهذا السبب بالذات تحافظ كل الشركات على سريّة عمليّات التسعير وتحصر المعرفة بها في نخبة قليلة من مدرائها، كما كان السحرة القدامى يخفون تعاويذهم ويتناقلونها فيما بينهم جيلاً بعد جيل بحرص شديد.
ينظر المستثمر إلى خطط تطوير الشركة الدوائية، ويجد أنها تعمل على تطوير دواءٍ معيّن لمرض نادر، وتشير دراسات السوق أنه سيحقق عائدات ملياريّة للشركة فور دخوله السوق. “يا له من أمر جيّد، سأشتري هذا السهم” يحدّث المستثمر نفسه. فماذا سيفعل المدير التنفيذي لشركة الدواء ليحقق له مايريد؟.
بما أن الدواء في نظر هذين الطرفين مجرّد سلعة، فسيقوم المدير بضخ المزيد من الأموال في البحث عن أدوية جديدة، ولكن، أدوية لأية أمراض؟.
يوجد فرق كبير بين الأمراض التي تصيب مواطني الدول الغنيّة، وتلك التي تصيب مواطني الدول النامية والفقيرة. ومن المنطقي أن ترغب شركة دوائية في الحصول على أعلى أرباح ممكنة، عليها أن توجّه انتاجها نحو أولئك القادرين على سداد الفواتير. من يأبه بمرضى الجذام النائمين ليلاً جوار معمل استاك وسط الخرطوم، لا تنفَق الأموال في تطوير أدوية للأمراض التي تصيب من لا يملكون المال. هذا ما تفعله الشركات الدوائية، تنفق على الأدوية التي ستدر الأرباح حصراً. 
حسب دورية “لانسيت الدولية للصحة” فإن سبعة وثلاثين دواءاً من فقط من أصل ثمانمائة وخمسين تم تسويقها في الفترة الواقعة بين سنتي 2000م و 2011م، كانت موجّهة لعلاج هذه الأمراض الوبائيّة. 
أي 4 في المائة فقط. لمن يمثلون على الأقل نصف سكّان الكوكب. 
ما الذي يحدد سعر الدواء في هذه الحالة؟ تقول إشاعة ما أن حجم الإنفاق على البحث والتطوير في دواءٍ معيّن هو العامل الأساسي في تحديد سعر الدواء. 
لن نشغل أنفسنا بحشد الوقائع والأدلّة، سندع أصحاب الشأن يكشون الغطاء عمّا هو خفي.
لنسمع ” هانك ماكنيل “، وهو مدير تنفيذي سابق في شركة فايزر الدوائية الأمريكية، وهو يقول : (الاعتقاد أن ما يحدد أسعار المنتجات في صناعتنا، أو أي صناعة أخرى، هو استعادة ميزانية البحث والتطوير هو تصوّر خاطئ.) 
ما يحدد السّر هو قوى السّوق، كلما كان المريض يائساً أكثر، كلما كان مضطراً لدفع سعر أعلى.
أليس هذا هو التعريف الجنائي لـ(الابتزاز)؟.
(3)
لنكمل مسار القصة، ولنتخيّل أن الدواء قد دخل مرحلة التجارب السريرية النهائية قبل دخوله للأسواق. 
تسود رؤية متفائلة حول الرقابة على الدواء في الدول المتقدّمة، مفادها أن الرقابة هناك أفضل وأكثر حياديّة. هذه رؤية لا تستند إلى الوقائع العمليّة. 
لم تشهد الثمانينات موجة أمولة شركة الدواء وتركيزها على القيمة السوقيّة فقط، بل تبدّلت فيها قواعد الرقابة على الأدوية. وكل ذلك جرى في مصلحة الشركات وحاملي الأسهم فقط. الدولة كانت في هذه الحالة ،كما كان العهد بها دائماً، لجنة تنفيذية للطبقة المستفيدة.
لنأخذ المثال البارز من بريطانيا “هيئة الرقابة الدوائية”. لقد ظلّت هذه الهيئة حتى سنة 1989م تتحصّل على تمويلها من الضرائب العامة ومن رسوم الشركات. وبعد تلك السنة أصبح تمويلها يأتي بنسبة 100% من الشركات، تماشياً مع فلسفة السوق الحر التي كانت تطبقها رئيسة الوزراء في ذلك الوقت مارغريت تاتشر. يشرح كورتني ديفيس ودون ابراهام من كينغز كوليدج بلندن ماجرى بلغة واضحة ( شهدت السنوات الثلاثون الماضية طوفاناً من اصلاحات فك الرقابة، هدفها ظاهرياً هوتشجيع الابتكار الصيدلاني الذي سيخدم، في آن واحد، المصالح التجارية للشركات والمصالح الصحيّة للمرضى) ويؤكد أبراهام أن بمقدور الشركات أن تؤثر – ليس فقط على الوكالات الرقابية – بل على الحكومة ككل عبر التبرعات الماليّة، وأعمال اللوبيات، وحتى تعيينها ممثلين عنها في الهيئات الحكومية المسؤولة عن الرقابة على الدواء وفرض الضوابط. 
والله يا شركة الدواء، تفلق وتداوي!
تزامن ذلك مع تخفيض حكومات الدول المتقدّمة للميزانيات المخصصة لوكلات الرقابة على الدواء، مما وضع شركات الدواء في موقع يسمح لها بالتلاعب بنتائج الاختبارات السريرية. 
مدير الشركة التنفيذي لن يقبل برفض الدواء الذي ابتكره، فهذا يعني هبوط سعر الشركة، والخسارة، والطرد. 
لنر كيف يتم ذلك.
في وكالة الدواء الفيدرالية الأمريكية، يبلغ الوقت القياسي لاختبار الدواء الجديد المقدّم للوكالة ثلاثمائة يوم. ويجب على الوكالة أن تكمل 90 في المائة من الطلبات خلال هذه المدّة الزمنية. وإن لم تحصل ذلك، فإن رسومها التي تجنيها مهددة بالسحب من قبل الشركات مما يعرض عائداتها للخطر. ولهذا، يبدو أن الوكالة تتساهل تجاه معايير السلامة. تقول دراسة منشورة في مجلة نيو انغلند للطب أن نسبة سحب لأدوية التي أجيزت قبل شهرين من موعد الإجازة النهائي أكبر بخمس مرّات تقريباً من باقي الأدوية. وهذا لا يمكن أن يعني شيئاً سوى أن التلاعب بالمعايير سببه هو تقديم الربح على البشر، وهذه أزمة دوليّة بملامح سودانيّة.
إن قصور آليات الرقابة والمتابعة الوطنيّة سببه هو الإنصياع لهذه الشركات فحسب، ليس التحقق من صلاحية الدواء أمراً مستحيلاً، ولكن الأنظمة التي تتلاعب بصحّة مواطنيها ترى في هذه الآليات ترفاً غير مقبول. ويريد من يمسك بزمام الأمور نهب حصّته من الربح على حساب المواطن. تخريب آليات الرقابة الدوائية هي السلاح الثاني في عتاد مدراء الشركات الدوليّة والتجّار المحليين.

الدواء حق -2-


” تم تغيير الأسماء والأماكن حفاظاً على خصوصية المشاركين”
سلمى محمد،
“أنا ربّة منزل وأم لأربعة أطفال”. هكذا وصفت لنا وضعها الإجتماعي. تسكن سلمى أحد الأحياء الطرفية في العاصمة، زوجها عامل مخرطة في المنطقة الصناعية. وتحكي ” كانت أمورنا كويسة والحمد لله، ساكنين وماكلين وشاربين، الحمد لله مستورة ومبسوطين وراضين بالمقسوم .
تنهر أحد اطفالها وتطلب منه مغادرة الغرفة،
وتواصل في الحكي ” بس في يوم ظهرت لي حبّة في صدري الشمال، لاحظت ليها وأنا بستحمى ، بس ما ركزت قلت عضة حشرة وبتروح، ما انتبهت إلا والحبّة بقت كبيرة وماشة تزيد، بقيت حاسة طوالي بـ طمام بطن ، ولفة راس. وزني بقى في النازل وكل الأهل بقوا يعلقوا لي : (مالك كملتي من لحم الدنيا كده؟)، (ما عرفتك والله يا سلمى! عندك سكري ولا شنو؟)، أنا زاتي حاسة اني ما كويسة. بعد فترة بدأ ألم حولين الحبّة دي، ويزيد وبزيد لامن حماني النوم، ووجع برضو في البطن والظهر. وجع شديد زي السكاكين بتقطّع فيني، غلبني، كلمت أحمد <زوجها>، سألنا من دكتور كويس وصفوا لينا واحد مشينا ليهو ” تقطع حديثها بعد أن وصلت لهذه النقطة، ويترقق صوتها “طلع المرض البطال بعيد عنكم”.
أصيبت سلمى بسرطان الثدي وهي في الثلاثين من عمرها. وللمقارنة، تصاب أنثى من كل ثمانية في السودان بالمرض، مما يضعه على قائمة أكثر الأمراض تسبباً بالوفاة. مما يجعل قصّتها تكراراً لقصص كثيرة، وآلام مكبوتة وراء جدران المستشفيات وغرف البيوت. إنها نموذج يتكرر بصور مختلفة. 
لقد انقلب عالم سلمى رأساً على عقب. 
عندما زرناها هي و زوجها وأخبارناهم بنيتنا تسجيل حلقة عن مشاكل المواطنين مع الدواء، قال “مشكلتنا كلها مع أب قردة دا”.
تداولت وسائل إعلام محليّة تصريحاً منسوباً لوزير الصحّة الاتحادي بحر إدريس أبو قردة قال فيه “مرضى السرطان ديل بنصرف عليهم قروش كتيرة وفي الآخر بموتوا “، ووجه التصريح بحملة انتقادات عنيفة. يقول أحمد بغضب شديد “بالله دا كلام دا؟ دا بقى وزير كيف؟ الموت دا من العيّان؟ في عيّان عايز يموت يعني؟ الموت دا أمر الله، نحن نبطّل العلاج عشان ما نخلّص قروش الحكومة ولا الفهم شنو؟ “.
بعد أن استمعنا لقصّة سلمى، وجدنا أنفسنا في وسط معضلة كبيرة : 
إن كنا نريد فهم السبب وراء عجز سلمى وملايين من أمثالها في العثور على الدواء، علينا ألا نكتفي بعالم الصيدليات والمستشفيات، وأسماء الوصفات والأدوية التجارية، والشركات الصيدلانية. علينا أن نمر عبره فقط لنلج عالماً أوسع وأكثر تعقيداً، يجب أن نفهم المجال الإجتماعي الواسع. يجب أن نفهم الفساد، والتفاوت الإجتماعي، والقطاع غير المهيكل والعمل المؤقّت، والخصخصة، باختصار : لقد اكتشفنا أن الدواء ليس مجرّد سلعة، ليس منتجاً على الرف يستلمه المشتري بعد دفع النقود، إنه، وفي مجتمعنا المعاصر، وبطريقة تداوله التي نراها أمام أعيننا، تجسيد للأوباء والمخازي كلها. 
عجز سلمى وأمثالها عن الوصول للدواء ليس إلا نصف المشكلة، أو أقل!.
ووجدنا أن الواجب علينا أن نكمّل هذا الاستقصاء الصحفي بالمعرفة الإجتماعية العامّة.
تتلقى سلمى جرعات العلاج الكيماوي في مستشفى الذرّة بالخرطوم. تحصل على جزء كبير من الأدوية بدون مقابل، وهو أمر من المتوقّع أن يتغيّر قريباً مع تشديد الحكومة للتقشّف المالي. 
لا تملك سلمى ولا زوجها أي تغطية تأمينية مثل غالبية العمال اليدويين في السودان. يُنظر للتأمين الحكومي العام بأنه مضيعة للمال فحسب، فهو لا يغطّي عدداً كبيراً من الأدوية، أو هي غير متوفرة إلا في صيدليات التأمين الحكومية البعيدة جغرافياً عن مناطق سكن معظم المستفيدين من التأمين الحكومي حسب رأيهم ، ولا يمكن الحصول عليها إلا بالدخول في دوامة من الإجراءات البيروقراطية العقيمة. أما أقساط التأمين الصحي في شركات التأمين الخاصة، فهي باهظة للغاية مقارنة بدخولهم، وقد يبلغ قسط التأمين مرة ونصف دخل العامل العادي، 
ولذلك يجدون أنفسهم بدون أن تأمين صحي ملائم.
ماذا تفعلون إذا مرض أحد أفراد الأسرة ؟ سألنا أحمد زوج سلمى. قال ” عندنا كشف بنعملوا نحن الأهل وبعدّاك بنشوف لينا طريقة نجيب قروش من الخيّرين إذا ما غطّى “. 
ولفهم السبب في عجز زوج سلمى عن الحصول على الدواء غير المشمول في الحزمة المجانية، علينا أن نزور مكان عمله.
أدت سلسة من عمليّات الخصخصة وبيع منشآت القطاع العام إلى تشريد الآلاف من العاملين، وكما أن الحرب الأهلية التي تصاعدت بعد سنة 1989م، قادت الملايين للنزوح من مناطق الحرب إلى العاصمة الخرطوم. 
اجتمع المعطّلون الجدد بالنازحين، فأصبحت البطالة سمة سائدة للعاصمة.
قاد العرض الكبير من العمالة إضافة إلى الركود الإقتصادي إلى تخفيض الأجور بصورة دراماتيكية. أصبح العمل من أجل سد الرّمق، اليوم باليوم، هو الشكل الأكثر انتشاراً. لم يعد هناك من مهرب، إما أن تعمل بأي أجر تجده، وإما أن تجوع ويجوع أطفالك. إنه خيار صفري. وصل انخفاض الأجور مع استفحال الأزمة الإقتصادية ليصل درجات لا يصدّقها عقل. هل تريد عزيزي السامع أن تضحك في وسط هذه المأساة؟ بسعر الدولار الرسمي البالغ 47 ألف جنيه مقابل الدولار، هل تعلم أن الحد الأدنى للأجور الرسمي في السودان يبلغ 9 دولارات؟!!! 
نعم ، 9 دولارات!، و دا بأسعار الحكومة كمان. وهي 4 دولارات إن أخذنا سعر السوق الأسود. وهو الأصح.
هذا الواقع، أسوأ من الكابوس.
غابة من العاطلين الذين يريدون فرصة للعمل، يفكّر صاحب العمل ويقول لنفسه : كل عامل قابل للإستبدال، سأجد من يقبل بأجر أقل مما أمنحه حالياً،. “ما عجبك؟ دا العندي، ما نفع معاك اتخارج”. كثيراً ما سمع <أحمد> هذه الكلمة تتردد في المنطقة الصناعية، مصحوبة باللعنات والشتائم لصاحب العمل مع كلّ خلاف حول الأجور. لقد تجمّدت الأجور، رغم أنها لا تكفي شيئاً. ليس هناك كاسبون، كل العمّال حاسرون، ولكنّهم جميعاً عاجزون عن التحرّك، هناك الالآف ينتظرون في الصفوف مستعدون لشغل الأماكن الشاغرة.
الخصخصة هي ما صنع سوق العمل الذي يشقى فيه <أحمد>. 
لنستمع إلى أحمد يروي قصة يومه : “بصحى أذان الصبح، بمرق أصلي في الجامع ومنها طوالي أركب المواصلات ، بصل الورشة وبشرب لي كباية جبنة وببدأ شغل طوالي، الساعة 3 ونص بمشي شغل تاني في مصنع حلويات بطلع منو 9 المسا، وبرجع البيت روحي مارقة وما شايف قدّامي . بقع أنوم طوالي ، ياهو دا البرنامج . لمن يقرّب يوم المتابعة مع الدكتور بشيل هم، عشان كلّ ما نمشي زيارة بكتب لينا أدوية جديدة، والأدوية القديمة ذاتها تمشي الصيدلية تلقى أسعارها زادت، دا كلو من أب قردة، بطلع من الصيدلية جيبي ما فيهو ولا جنيه مرات إلا أحاسب بتاع الأمجاد في البيت”.
يعمل أحمد أربعة عشر ساعةً في اليوم، ويقضي ساعتين على الأقل في المواصلات، يقضي يوم الجمعة في النوم. 
في وضع كهذا، أصبح من الصعب على عمّال المنطقة الصناعية، ومعهم كل من قرروا العمل لصالح أنفسهم، مثل ستات الشاي والعتّالة والميكانيكية وبائعي الرصيد وصبيان الخردة أن يطالبوا بشبكة حماية اجتماعية، بضمان عام للحياة، بالصحة المجّانية. 
اليوم باليوم، كل ساعة محسوبة، لكل لحظة ثمنها، وللتوقّف عواقبُ على كل شيء.
لقد أمتدّت الخصخصة إلى القطاع الصحّي كما هو معروف. البعض يشتكي من غلاء أسعارها ويحاول توسيع تأمينه الخاص ليغطّي معظم احتياجاته. ولكن بالنسبة لأحمد ومعارفه وأقاربه، فمجرد الاقتراب من هذه المؤسسات شبه مستحيل.
قمنا بحساب أجر <أحمد> في الشهر، وقارناه بأسعار الترقيد في مستشفى خاص اخترناه عشوائياً، ووجدنا أنه يكفي للإقامة لمدة يومين فقط. بدون احتساب تكلفة الفحوصات والأدوية.
لقد جهّزت السياسات الإقتصادية للنظام المسرح أمام هذه المأساة. ويمثّلها اليوم على خشبة الألم المميت ملايين المرضى ومرافقيهم، الذين يجولون بلا هدى في شوارع العاصمة وحواضر الرّيف، منهم من يتعففون ويصمتون، ومن يتسولون، ومن تراهم بين الذهول والغضب والألم على حافة الجنون، ينظرون بأعين يكحلها الدم. كل هؤلاء شخصيّات لابد أن أحدنا قد صادفها في حياته لمرّة على الأقل، (الموت فينا يمشي على ساقين) كما قال الصادق الرضي شعراً، وها قد استحال حقيقة معاشة.
هل هذا كلّ شيء؟
إن تسليع الخدمة الصحيّة ليس فقط مجرّد كارثة إقتصادية وصحيّة ، إن له تبعات اجتماعية ونفسيّة قاسية للغاية. تبعاتٍ تبدو غير منظورة بالنسبة لوزير الصحة الإتحادي السابق. الذي لم ينفك أحمد يلومه أثناء حديثنا معه.
اضطر أحمد ملازمة زوجته في المستشفى لأسبوعين تقريباً ، وبقي الأطفال في رعاية الجيران . بعدها ، اضطر لإحضار أخت زوجته وأمه من مسقط رأسهم ، كي يساعدوا على رعاية الأطفال والبقاء مع زوجته في المستشفى أثناء ساعات عمله . دفع زملاؤه ومعارفه في مكان العمل في “الكَشِف” وغطّى جزءاً لا بأس به من منصرفات تلك الفترة . 
ورغم أن سلمى تحصل على بعض الأدوية مجاناً، وهذا ما يغضب أب قردة وقيادات النظام ، إلا أن ذلك ليس كافياً لتقليل الصدمة الإقتصادية على أسرتها .
تأثرت حياتهما الإجتماعية بمرض زوجته، لم يعد أحمد يزور الأقرباء والجيران كما في الماضي، لا وقت لديه. يصف حياته بأنها عبارة عن “شغل ونوم بس”. 
تراجع مستوى أطفاله الدراسي، أصبحوا انطوائيين أكثر، أصبح أحمد نفسه أكثر عصبيّة، أشد خوفاً، والأهم من ذلك : أكثر غضباً.
من المتوقع أن تشدد الحكومة من إجراءاتها التقشفية على قطاع الصحّة هذا العام. وسيكون لهذا آثار إجتماعية واقتصادية مدمّرة على أحمد وسلمى، وعلى ملايين الأسر الأخرى التي تعيش على حدّ الكفاف. 
إن تحويل العلاج لسلعة خاضعة للعرض والطلب يؤثّر على كل فئات المجتمع. ولكن ما تقوله قصة سلمى أن هذا التأثير متفاوت حسب الدخل الشهري والمستوى الإقتصادي. 
الأسر العاملة في القطاعات الصناعية، والنساء الأميات، والعاملين في القطاع غير المهيكل مثل بائعي الرصيد، وسائقي حافلات النقل العام، وستات الشاي، والفرّيشة، هم أكثر الفئات المتأثرة بهذه السياسة الكارثيّة. 
إنهم بلا مدّخرات، بلا أصول أو أملاك، بدون دعم شبكات اجتماعية خارج البلاد. بينما بمقدور الموظفين المتوسطين في القطاع الخاص الاعتماد نسبياً على هذه العوامل كمصدّات للأزمة.
التأمين الصحي الحكومي الذي يلزمهم بدفع ما يقارب من نصف دخلهم الشهري أو أكثر مقابل خدمات منخفضة المستوى ليس خياراً معقولاً بالنسبة لهم. 
ندرة الدواء، والزيادة الهائلة في أسعاره، لا تعني بالنسبة لجزء كبير من هؤلاء حكماً بالموت فقط، بل بالمعاناة قبل الموت أيضاً.
بانسبة للمسنين بلا عائل، والاطفال، والنساء المطلقات والأرامل، والعاطلين عن العمل، مجرّد فرض سعر للدواء، مهما كان بسيطاً، يجعله سلعة يستحيل الوصول إليها.هؤلاء أكثر من يحتاجون الدواء، ولكن نظاماً اجتماعياً يضع الأرباح قبل الناس، يحرمهم منه تماماً. إن فشل التأمين الصحّي العام سببه بسيط وواضح : هو أنه يعمل بنفس النظرية الربحيّة التي يستند عليها باقي القطاع الصحّي، قد تكون رسومه الأقل من حيث التكلفة، ولكن فشله يكشف أيضاً أن مجرّد التفكير بمنطق جني الأرباح من حياوات البشر وصحتهم هو كفيل بحرمان الشق الأعظم منهم من حق الوصول إلى الرعاية التي يحتاجونها.
مأساة يكابدها أحمد وزوجته كل يوم ولم تتوقف عندهما فقط، بل امتدت للأسرة الكبيرة كلها. 
أصبحت أخت سلمى مضطرة للبقاء بجوارها معظم الوقت، أستأجرت منزلاً بالقرب منها وانتقلت بأسرتها إليه. الأطفال و كما سبق وقلنا أصحبوا أكثر انطوائية، في حالة بكاء شبه دائم. يقولون “أكل حبوبة ما زي أكل ماما”. يخشون فقدان أمهم في كل لحظة. ” عمر ولدي الصغير بقى ببول في السرير كل ما نكون ماشين المستشفى “. 
لم يعد أحمد قادراً على أخذ إلى أي نشاط ترفيهي بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية. مما زاد الطين بلّة.
تسليع الدواء لا يدمّر فقط جيوب المرضى وأسرهم، بل يهدم حيواتهم، يزعزعها، يلقي بتبعاته على الأطفال، يضع المزيد من أعباء العمل المنزلي على النساء، يزيد الاستغلال في أماكن العمل، يهدر الكرامة، ويزرع الخوف في قلب الإنسان.
إن الصحة والعلاج لا يعنيان فقط الحماية من وقوع المرض، أو قتل العامل البيولوجي المسبب له، إنه يعني أيضاً تجنّب التأثيرات النفسية والعاطفية السلبيّة للوقوع في المرض أو مرافقة المريض. إن الخصخصة وسوء ظروف العمل وقلّة الأجور ونقص الأمان الوظيفي تفاقم من سوء حالة المريض وأسرته، وتلقي عليهم تبعات أشد وطأة، فيصبح الألم ألمين، ولا توفر كل المؤسسات الخاصة أو العامة أي شكل من أشكال الدعم النفسي المنهجي لهؤلاء.
بالنسبة لأحمد وأسرته، وعشرين مليون مواطن آخر من فقراء السودان، شعار “الدواء حق” يعني إعادة التأكيد أن “الحياة حق”. تسليع الدواء هو الموت بالنسبة لهم.
لا زال أحمد متمسكاً بالأمل، وسلمى تلاعب أطفالها وهي على الفراش. الحياة لن تتوقف، 
ولكن، ألم يحن الوقت لتحويل الحياة إلى موسم فرحٍ بدلاً عن طقس يومي للكآبة، بسبب تسليع مالا يمكن تسليعه؟.
الدواء حق، الحياة حق، والثورة هي الطريق.

الدواء حق


محمد ع، متقاعد في الخامسة والستين من عمره. وبعد خدمة طويلة في القطاع المصرفي كمدير رفيع، وجد نفسه يعاني من ارتفاع ضغط الدم، ومرض السكري ومشاكل في العمود الفقري. ويتعاطى 5 أصناف من الأدوية بصورة يومية. كان يحصل عليها بسعر مخفّض خلال خدمته لأنه يملك تأمين صحياً في شركة خاصة كجزء من عقد العمل. خرج عمنا محمد للمعاش منذ ثلاث سنوات، ولم يعد يملك تغطية تأمين صحي. ومن تلك اللحظة، بدأ ينتبه للأوضاع الدوائية في البلاد.( كانت الدنيا رمضان، بعد الفطور جاتني زمة نفس شديدة، مشيت المستشفى حولوني طوالي مستشفى خاص وقالوا لي احتمال تكون ذبحة, وفعلاً طلعت كده) يحكي عمنا أول مرة قابل فيها مباشرة قضية الدواء، وكانت المقابلة غير جميلة على الإطلاق. حسب ما استنتجناه من حديثه.( الدكتور قال لازم ادخل عملية قسطرة فوراً، وطلب لي فحوصات وأدوني أدوية ريحتني شوية، وكتب روشتة تانية عشان آخدها بعد العملية، أخروني، ما دخلت غرفة العملية إلا الساعة 12 بالليل، كنت تعبان شديد. والحمد لله طلعت بعد يومين وبقيت كويس شديد. بس عرفت سبب التأخير بعد طلعت من المستشفى).حسب قصة العم محمد، أمضى أبناؤه ساعات طويلة في البعحث عن دواءٍ مانع للتجلط. ذهبوا إلى كل صيدلية تجارية في العاصمة، وقال (الصندوق القومي للإمدادات الطبية) وهي الجهة الحكومية المسؤولية عن توفير الأدوية والمستلزمات الطبية، أن الدواء قد انقطع عن مخازنها. اصابت الحيرة أبناء عم محمد: ما الحل ومصير والدهم معلّق بين السماء والأرض بسبب انعدام الدواء؟. و ازداد قلقهم مع مرور الساعات. (قلت بيني وبين نفسي أبوي دا غايتو ربنا يستر عليه بس) تقول ابنته التي التقيناها معه عند إجراء هذا الاستقصاء الصحفي، (وأمروا عند الله) تواصل القول. جاء الفرج من إبنه الأكبر المقيم بدولة خليجية ثريّة، منذا أن سمع بانعدام دواء والده، سارع بشراء الدواء بالسعر التجاري من صيدلية قريبة، وقاد سيارته مسرعاً إلى المطار، وبقي في انتظار أي راكب سوداني عائد إلى الخرطوم ليحمّله الدواء، لحس الحظ، وجد رحلة مغادرة إلى الخرطوم بعد أقل من ساعتين، ذهب عشوائياً إلى أحد الركّاب السودانيين، عرفه بنفسه وشرح له الوضع باختصار، فتح العلبة ليثبت أنها لاتحوي أية مواد ممنوعة. قال الراكب (جداً، ولا يهمك)، تبادلا أرقام الهواتف وسجّل المسافر هاتف المستلم في الخرطوم، ساعات وكان الدواء في الخرطوم، توقيت مناسب. أثناء فترة النقاهة، بدأت الأخبار في الصحف المحليّة عن انعدام الأدوية والشكاوى المتكررة عن ارتفاع اسعارها تلفت نظره. (دي أوّل مرة أخش لي في تجربة زي دي، كانت صدمة) يصف بحزن احساسه بالخوف. أنه كان من الممكن أن يموت بسبب الوضع الإقتصادي السيء، وشعر بعدم الأمان. ويقول (إذا عندك قروش أو ما عندك، كلو بقى واحد، يعني تفتش شي بقروشك وغالي وممكن ما تلقى). هذه ليست الحادثة الوحيدة، وعم محمد ليس استثناءاً. الندرة في الدواء ليست حدثاً بسيطاً يمكن العبور فوقه دون اكتراث. ففي نوفمبر 2016م، تسبب إعلان الحكومة عن زيادات كبيرة في أسعار الدواء في اندلاع (العصيان المدني)، الذي قد يكون أكبر رد فعل معارض للنظام قبل الثورة الحالية. وعلى الصعيد المهني، دائماً ما يشتكي الأطباء ومقدموا الخدمة الصحيّة من عجز مرضاهم عن الحصول على الدواء اللازم في التوقيت الملائم. عجزُ كانوا هم أنفسهم أول ضحاياه. تكررت اعتداءات مرافقي المرضى عليهم، وانهالت عليهم اتهامهم بأنهم السبب في تدهور حالات ذويهم أو حتى وفاتهم. خلال السنين الماضية، أصبح منظر السودانيين المصطفين في المطارات والذين يحاولون نقل أدوية للبلاد عبر حقائب المسافرين أمراً معتاداً للغاية. وكانت هذه الندرة هي الدافع وراء نشوء عدد كبير من منظمات العون الشعبي، التي كان همها الأكبر هو التقليل من صعوبات الحصول على الأدوية النادرة والمعدومة، وتوفير جزء من تكلفتها للمرضى الأكثر فقراً. حسب شهادات العديد من المرضى والأطباء، والصيادلة، وغيرهم من العاملين في القطاع الصحّي، ازدهر وراء الكواليس (سوق أسود) لتجارة الدواء، لا يعلم أحد من يسيطر عليه ولا من هم الأفراد الذين يديرونه، الأسعار فيه فلكيّة للغاية. (المضطر يركب الصّعب) كما يقول المثل. ولكن ما يعرفه الجميع أن الأمر قد تعدّى حدود الاحتمال. …………………ولكن، ما هي الأسباب الرئيسية وراء ندرة وغلاء الأدوية؟ وما الذي يقوله النظام عن مسبباتها؟ هذه الحلقة من برنامج التعاون المشترك بين قدّام! و إذاعة صوت الثورة السودانية تحاول الإجابة على هذه التساؤلات. ستركّز هذه الحلقة على نقد الفكرة الرئيسية التي يدير بها النظام مسألة العلاج ، وفي القلب منه مسألة حق الحصول على العلاج.إن هذه الفكرة سخيفة في جوهرها، تكرارها المستمر عبر وسائل الإعلام رسّخها في أذهان الكثيرين. خطأ التشخيص يعني خطأ العلاج، وتشخيص النظام للمشكلة خاطئ، وكلّ حلوله خاطئة بالمثل. عايزين نطلع من النظام ؟ لازم نفكر بطريقة مختلفة عنّه. الثورة تحتاج تغيير في الأفكار كما هي تغيير في السّلطة. الدواء كسلعةلكي نستطيع فهم الفلسفة العامة في سياسة النظام في الدواء، لابد أن ننظر قليلاً من بعيد ونتأمل بهدوء بعض سياساته الأخرى في حقول متنوعة، ونعود بعد ذلك لنقارنها مع السياسات المتّبعة في حقل الدواء، فتظهر الخطوط العامّة الجامعة.ماذا تقول نظريّة النظام؟ تقول أن الدواء سلعة. وهذه نقطة بداية محورية لفهم كل السياسة العامة والمشاكل المترتبة عليها . يتواصل خط تفكير النظام : الدواء مثله مثل أي سلعة يحمل العرض والطلب ، أممممممم ، يوجد طلب على الدواء، إذن يوجد مشترون، وتدريجياً سيجد بعض (الأفراد) أنه من المربح جلب هذه السلعة لهم، وستظهر بينهم منافسة شديدة، وسيظهر عرض في الدواء موازٍ للطلب، فتتوازن كفتا العرض والطلب، وتحل المشكلة. أفلا تكبّرون!. بناءاً على هذا، ما هو واجب الهيئات الرقابية الحكومية إذن ؟ يأتي الجواب : بتسهيل العقبات أمام البائع ليعرض سلعته على المشتري بأسرع وقت ممكن. كيف نسعّر السلعة إذن؟ هذا هو السؤال الطبيعي في تسلسل الأفكار هذا ، يقول الجواب : باختيار السعر الذي ضمن أرباح البائع أولاً. فالطلب شبه مضمون ما دام المرض موجوداً.هذه هي النقطة الأساسية لدى النظام وتجار الدواء، الربحيّة. وتأتي بعدها باقي المشكلات. أولهابقول فكر النظام الخاطئ : في أي سلعة أخرى، يضمن البائع تصريف منتجه بأن يختار السّعر الذ في متناول الشاري. يفكّر : الأسعار العالية للغاية قد تخرج بعض المشترين من السوق، وبالتالي تنخفض الأرباح . ولكن مراقبة سوق الدواء تقول شيئاً مختلفاً ، يبدو وكان هنالك شيئا مخلتلفاً للغاية في الدواء تميّزه عن كل سلعة أخرى : إنه ليس سلعة يمكن تأجيل شرائها ، وليس بمقدور المشتري أن يقول : أهاااا ، خلاص ح أجي الشهر الجاي أشتريهو . هو قضية حياة أو موت . إما الآن ، أو أبداً. المشتري مضطر أن يفعل المستحيل للحصول على الدواء . وجد البائع الحل للمشكلة الأولى : الطلب مضمون ، ومهما ارتفع السّعر فستجد السلعة المشتري. الدواء في هذا الفكر هو البضاعة السحرية : لا تكسد، لا تبور، لا تخسر. مهما ارتفع سعرها، أي مهما كان هامش ربح فاحشاً، ستجد طريقها للبيع .المشكلة الثانية هي المشكلة بين سلطات التسعير الحكومية وبين بائعي الدواء ككل . ماهو معدّل الربح المناسب؟ يسأل النظام نفسه. أي بائع له تكاليفه الخاصة. وصاحب التكاليف الأقل، يربح أكثر. ماذا فعل النظام في هذه الحالة؟ قانون التسعير لسنة 2010م، حدّد الأرباح بالنسبة المئوية من سعر التكلفة، بطريقة تسمح لأي بائع مهما ارتفعت تكاليفه بجني الأرباح. مالذي يفعله البائعون؟ يضخمون تكاليفهم، وبالتالي تزيد النسبة التي تحتسبها سلطات التسعير كأرباح لصالحهم. مثلاً : يسجّل أحد المستوردين أن تكاليف الدواء قد بلغت 50 دولار للوحدة ، بينما تكلفتها الحقيقية تبلغ 38 دولاراً. كم يعني هذا من ربح؟ يعني ان ربحه قد أصبح يقارب الأربعين في المئة بدلاً عن عشرين في المئة التي نصّ عليها القانون. والصراع بين النظام وبين بائعي الدواء هو تصغير هذه النسبة أو تكبيرها، وليس حول الربح من الأساس.ما الذي تفعله السلطات الرقابية الحكومية في هذه الحالة ؟ لا شي!. حرفياً. ومن الطبيعي والحال هكذا أن تستمر الأسعار في التصاعد.إن التعامل مع الدواء باعتباره سلعة هو أساس الكارثة الدوائية الحالية التي يعيشها أمثال محمد ع. الطلب على الدواء موجود ، ولكن ما يفكّر فيه البائع ليس كل طلب متوفر. ليس كل طلب على الدواء مما يلبى . يلبي بائع الدواء الطلب الذي يحقق له شرطاً واحداً : الربح . لنفترض أن هناك مرضاً يصيب الفئات الأفقر من المجتمع، التي لا تملك (القوّة الشرائيّة) حسب المصطلح الكريه – لشراء الدواء . هنالك طلب فعلي وحيوي على الدواء . ولكن هل سيفكّر تاجر ما في سوق الدواء في استيراده ؟ الجواب وبكل تأكيد هو لا . الطلب لا يخلق العرض ، الصحيح هو أن الطلب الذي يحقق الأرباح هو وحده ما يحقق العرض .وكان من الطبيعي أن تتركّز أنظار كل بائعي الدواء على الأصناف المربحة مضمونة التصريف. وهنا ظهر أمر شبه جنوني : معظم التجار والمستوردين يعرضون نفس الدواء ، نفس المادّة الفعّالة ، بأسماء تجارية مختلفة !تنحسر شيئاً فشيئاً الأصناف المتوفرة ، وتتكاثر الأسماء التجارية . إن بزوغ شركات الدواء وتركيزها على تأهيل منادبيها لتسويق منتج يتشابه في خصائصه العلاجية هو أمر دعائي بحت ، يدخل تحت تصنيف البروباغاندا أكثر من العلم ، يجد سرّه في هذه الآليّة الخفيّة ، المنافسة الحادة على بيع نفس المنتج بأسعار مختلفة . ولهذا ، فإن دواءاً نادراً مثل الذي كان يبحث عنه حاج محمد لا يجد مكاناً له في السوق ، فالطلب عليه لم يعد مجزياً .وتتركز الموارد على جلب المستحضرات الصيدلانية ذات الربح المضمون ومن النوع الذي يسهل الحصول على ترخيص ببيعه ، مثل المكملات الغذائية ، أدوية التجميل ، وغيرها .إن سرنا بهذا المنطق إلى نهايته ، لوجدنا أن الحديث عن أن نقص العملة الصعبة هو السبب وراء نقص المعروض من الدواء هو حق أريد به باطل . علينا قبل كل شيء ان نبحث عن الأصناف التي يستوردها البائعون باستخدام العملة الصعبة ، لنكتشف أنهم يستوردون تقريباً نفس الأصناف ، أو يستوردون أدوية لا قيمة علاجيّة لها، ولكنها تجد مشترين مقتدرين . ماذ نسمّي الشخص الذي يستورد المكملات الغذائية وتنعدم في بلاده أدوية الطوارئ، ويريد تسليع كل دواءٍ حتى للأطفال تحت الخامسة؟ أليس هذا ما نطلق عليه ( متحزّم وعريان)؟.إن النظام الذي يتعامل مع الدواء كـ (سلعة) سيعجز عن حلٍّ أزمة الوفرة ، ولن يتمكن من إيصال الدواء لمن يحتاجونه بالفعل.لنعد قليلاً إلى منطق الأحوال الذي نراه بأعيننا . من يحتاجون الدواء هم (مرضى) وليسوا (مستهلكين). هذا ليس مجرّد فرق لغوي بسيط . نحن أمام رؤيتين مختلفتين تماماً للعالم . إن من يتعامل مع المرضى باعتبارهم مستهلكين يسألهم عن كميّة الأموال في جيوبهم ، ولا يتورّع عن اختلاق الشح والندرة لزيادة أرباحه. ومن يعتبرهم مرضى يسأل نفسه : هل وصل البشر لعلاج لهذا المرض أم لا. فلا شيء يبرر معاناة مريضٍ أو تعريضه لخطر الموت لأي سبب كان. إن كان هنالك من دواءٍ ، فالمنطقي هو توفيره لكل مريض بكل وسيلة ممكنة ، كل كلام يعارض هذا هو جنون ، هو همجية .يعيش النظام الحالي على التبذير . وكما يبذر موارد الشعب على التسليح وعلى شكل مخصصات للدستوريين والموظفين الحكوميين وجيش من البيروقراطيين العاطلين عن موهبة ، فإنه يبذّر أموال العلاج الشحيحة أصلاً على استيراد نفس أصناف الأدوية ، وعلى مستحضراتٍ لا يحتاجها سوى 0.1% من أثرياء البلاد . لنوضّح سخف هذه المقاربة ، هل من شخص عاقل يحمل إلى بيته آخر اليوم ثلاثة أنواع من العيش من ثلاثة أفران مختلفة ، فيسألونه : وين الفول والجبنة والزيت ؟ فيتحجج أمام عياله ويقول بنبرة غاضبة : لا توجد موارد كافية ! . هذه مسخرة ، بل مهزلة .تسقط بس يعني أن يسقط إعتبار الدواء سلعة ، وأن يسقط اعتبار المريض زبوناً ، يعني إعادة الإنسانية المهدرة ، وأن نضع حداً للإهدار والتبذير ، ونتمكّن أخيراً من وضع مواردنا حيث نحتاجها فعلاً.أنت يا مريض الضغط، ب أمي المصابة بالسكري، وأنتم يا من تخشون المرض بسبب الفقر ، من زحفتم أياماً تبحثون عن العلاج في مئة جحر ، حلنا سوياً واحد ، أن نتفق :الدواء حق. الحياة حق . #تسقط_بس.

الإمارات العربية المتحدة والقرن الإفريقي: قصة ميناءين

13 مارس 2018م

بواسطة تيمور خان لصالح معهد دول الخليج في واشنطن

عن موقع “ستراتفور”

قدّامّ – فريق الترجمة

مقدمة المترجم :

ظل الوعي بالإمبريالية والتنافس الإقتصادي بعيداً عن النقاش السياسي السائد في السودان ، بل نقول مبعداً بصورة جبريّة . إن تناسي الإقتصاد السياسي للنزاع ضدها  ليس مجرّد مسألة أكاديمية ، بل هو اتجاه سياسي تقف وراءه مصالح طبقيّة محددة . لقد سادت تيارات ثقافوية متعددة على مناهج التحليل منذ بداية التسعينات ، بدءاً من إسلاموية النظام ، ونظيرها في التجريم المطلق للإسلام السياسي كهويّة خارج كل تقييم للظروف المحليّة ، والتفسير الإنساني للتدخل الخارجي ، وتفسير كل صراع على أنه نتاج لاختلاف فكري خارج المكان والزمان . وهي ردود تتماشى مع الموضة الفكريّة السائدة خلال الفترة التي تلت انهيار الاتحاد السوفييتي ، إنها ردة فعل نظرية منهزمة على هزيمة سياسية فعليّة  . وبعد أزمة 2008م ، عاد الاقتصاد السياسي لواجهة النقاش مع استعار الصراع السياسي في كل مكان : مع صعود تيارات اليمين المتطرف ، ووصول ترامب لرئاسة الولايات المتحدة ، والانتفاضات في الشرق الأوسط 2011م وتبعاتها التي لازالت مستمرّة حتى اليوم . إن اعادة بزوغ النظرية يتواكب مع تجدد الأزمة . وحتى تجد الأزمة السودانيّة كلها الحقيقي ، عليها أن تعيد إنتاج النظرية التي تفسّر الأزمة ، لا أن تركن إلى النظرية التي سببت الأزمة . يجب إعادة النقاش عن الرأسمالية ، وآلياتها ، وتاريخها ، والامبريالية المرتبطة بها ، إلى وعي الطبقات التي يقع عليها عبء النضال من أجل عالمٍ أفضل . ستجد هذه العودة النظرية من يعاديها ، وهذا متوقّع ، تغيير الأفكار قد يبدو أكثر صعوبة من تغيير النظام السياسي نفسه . ولكن لامناص من فتح النقاش إن أردنا الانتصار .

تشرح هذه المقالة علاقات التفاعل المعقّدة بين ثلاثة عناصر : التنافس الدولي ، والنزاعات الإقليمية بين الدول ، والإضطرابات والمطامح المحليّة ، في إقليم القرن الافريقي . وانفجرت كل هذه التناقضات في نضال عمّال ميناء بورتسودان ضد خصخصة الميناء . لا غنى عن فهم هذه التفاعلات للسير بالثورة السودانية إلى بر الأمان . الثورة الناجحة في نتاج لفهم صحيح للعالم ، ومن ثم استنتاج للطريقة الملائمة للتدخل فيه .

في محاكاة لتشارلز ديكنز ، يرسم الكاتب صورة بانورامية للأوضاع في القرن الافريقي : القبائل ، الانتحاريون ، البلدان المفتتة ، البترودولار الخليجي ، السعودية ، الصين ، الولايات المتحدة ، الشركات والمحاكم الدولية وطرق التجارة ، هؤلاء هم شخوص الحرب الباردة التي تدور في المنطقة .

النص :

في 22 فبراير، انتزعت جيبوتي السيطرة على ميناء دوراليه للحاويات من شريكها ومشغّل الميناء “موانيء دبي العالمية” ومقرها دبي. لم يكن فرض السيطرة الحكوميّة بعيداً عن التوقعات بالكامل، بل تتويجاً لتدهور شاب العلاقات الثنائية بين جيبوتي ودولة الإمارات العربية المتحدة بعد معركة قضائية خاسرة خاضتها الأولى ضد موانئ دبي من أجل إعادة التفاوض حول شروط اتفاقية الميناء لسنة 2006م التي أعطت الشركة حصة تبلغ 33%. وكانت محكمة لندن للتحكيم الدولي قد حكمت ضد شكوى رفعتها جيبوتي سنة 2014م، قالت فيها أن موانئ دبي العالمية قد قدمت رِشى من أجل تأمين حصولها على اتفاق لثلاثين عاماً. وقالت حكومة دبي أنها قد رفعت دعوى ضد عملية الإستيلاء. وصرحت حكومة جيبوتي في بيان لها أن الاستيلاء تم بيسبب ضعف الأداء – على الرغم من أن حجمه قد وصل إلى مليون حاوية 20 قدم قياسية سنوياً – وبسبب بنود إضافية أدخلتها دبي العالمية اعتبرتها تمس بسيادتها.

افتتح ميناء دوراليه سنة 2009م. وهو محطة الحاويات الوحيدة في القرن الافريقي القادرة على على مناولة سفن حاويات من سعة 15000 طن. وسرعان ما أصبح أهم منفذ بحري لأكبر دول الإقليم مساحةً وإقتصاداً، إثيوبيا، والتي أصبحت دولة بلا منفذ بحري منذ استقلال اريتريا سنة 1993م. تستقبل اثيوبيا 97 في المائة من وارداتها عبر ميناء دوراليه – 70 في المائة من أنشطة الميناء – الأمر الذي أصبح اعتماداً استراتيجياً غير مقبول على جارٍ في منطقة يعمر تاريخها بالتحالفات المتبدلة، والنزاعات الداخلية الطويلة، وتوازن قوى لا يد علينا فيه لجهة معينة.

برز تطور ثانٍ ذو علاقة في الأيام الأخيرة الماضية. بعد سنة من إتمام موانىء دبي العالمية إتفاقاً بقيمة 442 مليون دولار مع إقليم أرض الصومال الذي يحظى بشبه حكم ذاتي لتطوير ميناء تجاري في بربره، أبرمت اثيوبيا صفقة استحوذت بموجبها على 19 في المائة من الميناء مع المشغّل الميناء و حكومة جمهورية أرض الصومال. وتقول تقارير أن لدى موانىء دبي خططاً لتطوير البنية التحتية الرابطة بين بربره والحدود الإثيوبية مما سيتيح لأديس أبابا ومنطقة شرق إفريقيا الكبرى من تقليل إعتمادها شبه الكلي على جيبوتي، الأمر الذي ستكون له تداعيات استراتيجية هائلة على الجغرافيا السياسية في المنطقة. يتوقع العديد من المحللين أن هذه الإتفاقية لبناء منافس مباشر لدوراليه، هي السبب الأكثر ترجيحاً وراء إنتزاع جيبوتي لمحطة الحاويات من موانئ دبي العالمية.

جيبوتي : محطة دوراليه للحاويات (كانت تحت إدارة موانئ دبي)، ميناء دوراليه متعدد الأغراض (الصين)، قواعد عسكرية وبحرية أمريكية، فرنسية، يابانية، صينية وسعودية.

عصب-أريتريا: قواعد عسكرية وبحرية للإمارات العربية المتحدة.

بربره- أرض الصومال 1 : مشروع ميناء تحت إدارة موانئ دبي، قاعدة عسكرية بحرية إماراتية تحت الإنشاء.

بوتلاند- الصومال 2: بي آند أو بورت، مشغل موانئ مملوك لإمارة دبي، حصل على حقوق تطوير ميناء بوساسو، قوات شرطة خفر سواحل مدربة وممولة إماراتياً.

مقديشو- الصومال 2: قاعدة عسكرية تركية، مركز تدريب القوات الخاصة مموّل من الإمارات، مشغّل ميناء مقديشو البيرق التركية.

باراوي- الصومال: تفاوض بين الحكومة الإقليمية وموانئ دبي العالمية لتطوير ميناء باراوي البحري.

سواكن- السودان: ستقوم تركيا ببناء رصيف بحري لصيانة السفن المدنية والعسكرية.

تكشف قصة هذين الميناءين الديناميات المتزايدة التعقيد حول الجغرافيا السياسية، والسياسات الداخلية، التي تتشكل بفعل المنافسة بين القوى الإقليمية الطامحة – خصوصاً دول الخليج وتركيا – والصين من أجل النفوذ في القرن الإفريقي. ويتوقع ضباط رفيعو المستوى في الجيش الأمريكي وبعض المحللين أن جيبوتي قد تحاول نقل محطة حاويات دوراليه إلى مستثمرين صينيين. اشترى ( مشروع ميناء دوراليه متعدد الأغراض ) البالغة قيمته 600 مليون دولار، والذي تقوم شركة تجارة الصين القابضة بإدارته، حصة تبلغ 23.5 في المائة في محطة دوراليه للحاويات سنة 2013م من مالكها الرئيسي <شركة> موانئ جيبوتي. وساهم بنك التصدير والإستيراد الصيني في تمويل خط سكك الحديد الرابط بين أديس أبابا وميناء دوراليه والذي يفوق طوله 470 ميلاً وتكلفته 4 مليارات دولار.

أصبح الخلاف الداخلي بين دول مجلس التعاون الخليجي عامل زعزعة جديد مع اضطرار البلدان، الأحزاب والنخب في شرق إفريقيا <لإعلان> الإنحياز لأحد الجانبين. وفي الصومال، أدى هذا الخلاف إلى مفاقمة التوترات داخل الكتل السياسية في مقديشو، وبين الحكومة الفيدرالية في مقديشو من جانب والمناطق المنفصلة شبه المستقلة في البلاد من جانب آخر. واندمجت هذه الديناميات مع المزيد من الهزّات الارتدادية التي أطلقتها الأزمة، بدءاً من التحرك السعودي والإماراتي بتجميد دعم موازنة الحكومة الفيدرالية الذي يساهم في دفع رواتب قوى الأمن، إلى خلق بيئة سياسية وأمنية منقسمة ومضطربة استغلتها حركة الشباب بزيادة هجماتها.

في الإنتخابات الرئاسية الصومالية الفيدرالية سنة 2017م، خسر مرشح يعتقد أنه مدعوم من الإمارات العربية المتحدة والسعودية، أمام المرشح الذي يعتقد بدعمه من قبل تركيا وقطر- محمد عبد الله محمد المعروف بـ”فرماغو”. أخذت الحكومة الفيدرالية موقف الحياد في الأزمة الخليجية، على الرغم من أن فرماغو ووزراء حكومته ظلوا يسافرون بصورة منتظمة إلى السعودية والإمارات العربية المتحدة. وفي خضم بحث فارماغو عن دور للحكومة الفيدرالية في إتفاقيات الميناء والقاعدة العسكرية، لم تلبّ مطالبه حتى الآن. وأضافت التدخلات المباشرة للحكومات الإنفصالية الإقليمية دينامية إنتباذية على العلاقات الهشة أصلاً بين مقديشو والحكومات شبه المستقلة الأخرى.

كشفت التطورات الأخيرة أن فتح مزاد النفوذ على حساب السيادة هو سيف ذو حدّين. لقد أصبح التنافس بين الفاعلين الخارجيين كرت مساومة في يد بلدان القرن الإفريقي، التي طالما تأقلمت نخبها على لعب دور الوكيل المحلي للقوى الدولية، أحدها بعد الآخر. لقد نجحت إثيوبيا لدرجة ما في تخفيض اعتماد أبوظبي على عدوها، اريتريا، عبر دعم خطط أبو ظبي في ميناء بربره. وفي العام 2015م، وبعد خسارة الإمارات لقاعدة جيبوتي للعمليات العسكرية، أنشأت الإمارات قاعدة جديدة في مدينة عصب الساحلية في اريتريا، وأصحبت قاعدة حيوية لعملياتها في جنوبيّ اليمن. وعبر دعم خطط البنى التحتية التجارية والعسكرية للإمارات في جمهورية أرض الصومال، ساهمت إثيوبيا – أقوى دول القرن الإفريقي وأكبرها – في تفتيت الصومال عبر تدعيم دولة الأمر الواقع المستقلة في ” جمهورية أرض الصومال ” . إن صومالاً ضعيفاً بسبب التمردات الإثنية المدعومة والعاجز على مجابهة تحدي هيمنة اثيوبيا ، هو أحد أركان السياسة الإقليمية لأديس أبابا. وافقت حكومة جمهورية أرض الصومال على منح القاعدة العسكرية السوفيتية القديمة في بربره والقريبة من موقع مشروع موانئ دبي العالمية، وتخطط أبوظبي حسب التقارير لتوسيعها واستثمار مليار دولار في البنى التحتية والتدريب وخلق الوظائف في هذه المنطقة المستقلة عن الصومال. ولكن تعقدت هذه الخطة، مؤقتاً على الأقل، بسبب الديناميات السياسية المحلية. وتشير تقارير إلى تأجيل أرأكبر من التعويضات عن المساحة التي يعتزم بناءَ القاعدة عليها. وفي السودان، قادت الإمارات والسعودية جهوداً من أجل إعادة تأهيل الرئيس البشير في المجتمع الدولي، عبر الضغط لرفع العقوبات الأمريكية على السودان. ووافق البشير على قطع العلاقات مع إيران وإرسال قوات للقتال لصالح التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن. وفي ديسمبر 2017م، وافق البشير أيضاً على منح تركيا جزيرة سواكن في البحر الأحمر لتطويرها. وسرعان ما برزت إلى السطح المخاوف من أن أنقرة تخطط لبناء قاعدة عسكرية على الجزيرة، على الرغم من إنكار تركيا. والتي ستكون قاعدتها الثانية في القرن الإفريقي بعد تلك الموجودة في العاصمة الصومالية مقديشو. وجاءت الإتفاقية في الوقت الذي كانت فيه علاقات أنقرة مع الرياض وأبوظبي في أسوأ حالاتها. إن قوة تركيا الناعمة وشعبيتها في مقديشو والأجزاء الأخرى من الصومال مسألة محسوسة، وقد تأسست على الإنخراط المبكر لتركيا في التنمية الإقتصادية، ودبلوماسيتها، والبنى التحتية المنشأة، والمساعدات والتعليم. وكلما زادت حدّة  الإحتكاك مع الرياض وأبوظبي، كلما استخدمت تركيا هذه الميزة لتحسين وضعها.

إن الثقة التي تناور بها النخب في القرن الإفريقي من أجل مصالحها الخاصة وسط مخاطر إغضاب رعاتها الجدد، تقلل من الطموحات الكبيرة للمشاركين فيما يطلق عليه “التكالب الجديد على إفريقيا” وكذلك نواياهم طويلة الأمد. برزت جيبوتي في العقد الماضي على وجه الخصوص كنقطة محورية استراتيجية قريبة من خطوط الشحن في باب المندب ، وهو موقع حيوي لعبور البترول الخليجي إلى أوروبا ولمرور البضائع بين آسيا وأوروبا. لقد استخدمت جيبوبي موقعها كورقة تفاوضية مقابل صفقات قواعد سخية من القوى الدولية القديمة منها والصاعدة. الولايات المتحدة، الصين، اليابان، السعودية، والمستعمر القديم فرنسا، كلهم يملكون قواعد في جيبوتي.

ولكن شروع الإمارات العربية 0،التي كانت مجبرة على البحث عن مرتكز آخر بعد طردها الدراماتيكي من جيبوتي، في بناء قواعد عسكرية على طول ضفتي ساحل البحر الأحمر هو أمر مفتاحي لضمان مصالحها الأمنية مثل عملياتها العسكرية في اليمن، ومحاربة الإرهاب وعمليات مكافحة القرصنة البحرية، ولبناء عمق استراتيجي في مواجهة إيران. وعلى كل حال، فمصالح الإمارات – مثلها مثل غيرها من المنافسين – هي إقتصادية واستراتيجية. تعمل الدولة على تحويل نفسها إلى إلى جزء محوري من مبادرة الحزام والطريق الصينية وتأمين مركز المنطقة الحرّة بجبل علي كمركز لوجستي وتجاري يربط آسيا وإفريقيا عبر البنية التحتية التي تؤسسها موانئ دبي العالمية، في وجه منافسة من عدد من الموانئ التي يبنيها خصومها في إيران، باكستان، عمان، ومناطق أخرى على إمتداد سواحل القرن الإفريقي. تنخرط موانئ دبي في مشروعين آخرين للموانئ في دولتين متنازعتين في الصومال، كما في مشاريع للبنية التحتية في الموانئ واللوجستيات برواندا، الجزائر ومالي.

يضم القرن الإفريقي وشرق إفريقيا الكبرى بعضاً من أسرع الإقتصاديات نمواً في إفريقيا، وفيها طبقات وسطى بازغة. ولكن هذه الإقتصاديات الزاخرة نسبياً بالإمكانيات في حوجة ماسة للإستثمارات في النية التحتية وعدد من القطاعات الأخرى  للاستجابة لهؤلاء المستهلكين الجدد. ودخل الاستثمار الخاص والمدعوم من الدولة الإماراتية بكثافة في مجال عريض من القطاعات غير الطاقة، من التمويل والصيرفة إلى الإنشاءات، السياحة، الغذاء، الترفيه، والزراعة التجارية.

تحاول الإمارات العربية أيضاً أن تضفي على تدخلها طابعاً أكثر جاذبية للحكومات الإفريقية وشركاء القطاع الخاص: بدلاً عن اتباع طريق الصين، الذي ينظر إليه بسلبية باعتباره نموذجاً شبه استعماري في إفريقيا، فضلت تتبع خطى النموذج التركي. تأتي استثمارات مثل التي تقوم بها موانئ دبي العالمية في الصومال أو في القواعد العسكرية مع حزم استثمار في البنى التحتية، تدريب وتعليم للعمال والقوى الأمنية، وكذلك مع حوافز إضافية كإصدار عدد أكبر من تأشيرات الدخول للإمارات العربية. يظل الأمن المائي والغذائي من المصالح المهمة للإمارات العربية وبقية دول الخليج في شرق إفريقيا. وتسعى الشركات الإمارات لتجنب المزالق السياسية  التي أدّت لإفشال الإستثمارات السابقة في انتاج الغذاء. تدّعي الظهرة القابضة الخاصة أنها تستخدم صيغة المناصفة 50% – 50% للإنتاج مع الشركات المحلية، وأنها توظف عمالة محلية.

ربما يؤدّي الإقتصاد السياسي للتنافس بين القادمين الجدد للقرن الإفريقي إلى شروط أفضل واتفاقيات أعدل لصالح الحكومات والإقتصادات المتعطشة للإستثمارات. ولكن الإلغاء المفاجئ لاتفاقية موانئ دبي العالمية في دوراليه يلقي الضوء أيضاً على المخاطر المتزايدة التي تواجهها القوى الإقليمية الصاعدة. إن الشقاقات التي تتعمق في السياسة الصومالية، لا يمكن التقليل من حجمها، هي نتيجة محاولات قوى الشرق الأوسط للتأثير على القرار الداخلي، وتلقي الضوء أيضاً على المخاطر التي تواجه مجتمعات القرن الإفريقي، والتي يمكن أن يؤدي موقعها الاستراتيجي وإمكانياتها الإقتصادية، للمفارقة، ليس فقط إلى درب أكثر وعورة فحسب، بل وربما مليء بالفخاخ أيضاً.

الهوامش:

  • 1– جمهورية أرض الصومال هي دولة تقع في شرق افريقيا منطقة القرن الافريقي مطلة على الشاطئ الجنوبي خليج عدن. لها حدود مشتركة من الشمال مع دولة جيبوتي. من الجنوب و الشرق مع الصومال و من الغرب مع إثيوبيا. لا يوجد أي دولة تعترف رسميا بوجودها مع أن جمهورية أرض الصومال قائمة على أرض الواقع، من حيث البرلمان، الإدارة، القوات و السياسة الداخلية والخارجية. حكومة أرض الصومال تعتبر نفسها دولة خلفاً لمحمية أرض الصومال البريطانية, والتي كانت مستقلة في 26 يونيو من عام 1960م, قبل التوحد مع بقية الأقاليم الصومالية. وفي 1 يوليو 1960 تشكلت جمهورية الصومال بعد اتحاد كل من الصومال البريطاني والإيطالي.
  • 2-أرض البنط أو پونتلاند أو إقليم البانت هي منطقة تقع شمال شرق الصومال، في منطقة نوغال‎. في عام 1998 أعلن زعمائها بأنها دولة مستقلة، ولكن الحكومة الحالية للصومال ترى في ذلك محاولة لجعل الصومال جمهورية فدرالية. بخلاف جارتها جمهورية أرض الصومال، لا تطلب أرض البنط الاستقلال من الصومال صراحةً. مساحتها حوالي 250000 كم2، وعدد سكانها التقريبي 3650000 نسمة عام 2000. أخذ اسم أرض البنط من حضارة البنط القديمة، والتي قد ذكرتها مراجع المصريين القدماء، ويعتقد بأنها كانت موجودة في نفس منطقة الصومال الحالية.