مهام قدّام! في التجهيز للعصيان (1-3) إلى مقدمات الطور الثاني من الثورة

كانت قدّام! على مستوى المهام الموضوعية المطروحة أمام الطور الأول للحركة الثورية منذ ديسمبر 2018م حتى أبريل 2019م. ذلك لأنها دمجت شيئين في نفس اللحظة، لقد حافظت على أعلى درجات المرونة التكتيكية، وتمسّكت بما هو استراتيجي بقبضة الفولاذ. تجنّبت بهذا الخط الانتهازي الذي يريد العمل من أجل العمل ويقبل بأي فتات تنازل يلقي به الخصم ويصوره كأنه ذروة مكاسب الثورة، والخط المتصلّب الذي يريد كل شيء الآن وفوراً ويكتفي بالصراخ المنبري دون عمل واقعي. كانت قدّام تعلم ماتريد، وتعرف ما تواجه، فناورت مع الغالبية مرّات، وتمسّكت بالعزلة المبدئيّة مرّات أخرى، ولم تفقد وسط كل هذه التقلّبات الإحساس بالواقع، أو التفكير في الهدف النهائي، فنمت وأزهرت.
يحقّ لـ قدّام أن تنظر بعين راضية لماضيها القريب. من مصلحة الثورة أن تواصل على نفس المسار، تطمح، وتعمل.
ندخل هذه الأيام في طور جديد من الثورة. سماته الرئيسية هي الفرز المتزايد الحدّة داخل المجتمع بين قطبين تتوسّع الهوّة بينهما كل ساعة، وانبثاق مبهر لتنظيمات الجماهير الثورية من أعمق أساسات المجتمع البرجوازي، تنظيمات حيّة، عامرة بالمبادرة وتحمل وعياً جذرياً بديلاً، وازدياد عنف التوترات داخل الطبقات الحاكمة القديمة – خصوصاً تلك التي حاولت التزيي برداء الثورة البرّاق على سبيل التموية المنافق – إضافة لانكشاف النوايا الرجعية لبرجوازيات الخليج ومصر ضد شعبنا في أعين كل هذه الشعوب، وتسيّس الجنود وصغار الضبّاط و افتضاح انفصال الجنرالات عن مطالب الثورة في نظرهم.
إزاحة البشير كانت بداية هذا الطور. وأُشرع باب التنظيم العلني للجماهير في كلّ مكان بقوة الثورة بعد طول كبت. هذا يغيّر كل شيء. وينبغي لرؤية الصورة كلها رؤيةً شاملة لا تهمل الدقائق الصغيرة، أن نراجع بصورة مجملة للمسار الذي اتخذته الثورة في علاقتها بمطالبها وتنظيماتها الخاصة، وأن ندقق في الفروق التي تبدو سطحيّة حتى وقت قريب. من سبر هذا المسار المستكشف للتو سيشير سهم عملاق مكتوب عليه “المستقبل! من هنا”، وعلينا أن نجده.
في الطور الأول من الثورة لم تكن الجماهير الغالبة تجد منصّة للإنطلاق سوى المنظمات القديمة. لم يكن بمقدورها تأسيس منصاتها الخاصة، فالقمع والخوف يسيطران على الساحة. وكان على الأقسام المتحرّكة منها أن تستند على ماهو موجود وأن تمثّل أنها تصدّق كل من قال أنه مع الثورة حتى وإن كانت يداه ملطختين بدماء الخيانة في الماضي، كانت حالة اضطرار سياسية. ولهذا منذ ديسمبر وحتى أبريل : لا تحظى الجماهير العريضة بتنظيماتها الخاصة سوى لجان تظاهر محور عملها فعل الثورة لا التفكير في الثورة، ولا تُطرح على الساحة المطالب النوعية التي تخصّها إلا بصورة عموميّة ملغّزة، وبصيغ مكتوبة بدقّة احتيالية بحيث يسهل التملّص منها. جماهير مبعدة إلى ظل الأحداث أحياناً، أو لجبّ تحت الأرض حيث لا يراها الأسياد القدامى. وخلا بعض الأقسام الأكثر جذريّة من البرجوازية الصغيرة المفقرة مؤخراً كالأطباء ولجنتهم المركزية التي بزغت من نضالات جماهيرية في سبيل الصحّة، فإن ثقة الجماهير العريضة في المنصات السياسية التي استمرّت في الحديث باسمها ظلت متأرجحة بين الشّك واليأس، وكانت تترقب أثناء معاركها خنجر الخيانة في ظهرها كل لحظة ولا تتكل سوى على أن العمل الثوري سيثلم خناجر الخونة، وكلا الإحساسين لا يمكن أن يوصفا أنهما من الأحاسيس الإيجابية تجاه مستقبل الثورة. كانت تلك مرحلة الخروج من اليأس السوداوي إلى الترقّب الرمادي بدفعٍ من الإرادة الثورية المتفائلة.
وسقط البشير، مات الرمادي واكتسى كل شيء منذ تلك اللحظة بألف لون، وخرج من كانوا لا يُرَون إلى النور الباهر. حلّت لحظات التفاؤل والتنظيم. برز العالم الجديد الذي لا يسيطر عليه السادة الرماديون القدامى. كل شيء ملوّن، بدأ كل شيء يسقط في يد من أنجزوا الثورة، بدأت الموازين تتغير.
إن (إعلان الحرّية والتغيير) رغم عموميّته الشديدة، وسكوته عن مطالب جموع غفيرة من الشعب، هو نتاج تسوية غريبة : بين ثوريين وأنصاف ثوريين لم يجدوا بعد نقطة ارتكازهم التنظيمية، وبين خونة ذوي امتيازات يريدون أن يرتكزوا على الثورة ليعظّموا مكاسبهم، ثم يلقوا بالثورة في دمائها بعد أن يستنفذوا غرضهم منها، وقوّة ثورية نظريتها العمل ولم تعمل في النظرية بعد. خاف الثوريون إغضاب الرجعيين فيعدَموا تنظيمات الحركة، وخاف الرجعيون المجاهرة برفضهم للثورة بسبب بأس قوى الثورة التي تفجّرت، وفي حالة حضور خوفين، تتأجل المعارك، ولكن ضرورتها تظل كامنة، وبمجرّد أن ينقص خوف أحد الطرفين قليلاً، فالصراع محتّم. إن (إعلان الحرّية والتغيير) والقوى التي صاغته يمثّل حالة عجيبة من التقاء الأضداد تحت ظروف متقلّبة. هو كرة تقف على رأس هرم، توازنها على القمّة هو الاستثناء الغريب الذي يحتاج لتفسير، أما تدحرجها الحتمي وتهشمها فأمر معقول، منطقياً وواقعياً، وهو ما يحدث حالياً. 
الإطاحة بالبشير في 11 أبريل أنتجت منصات جديدة للعمل دخلت عبرها جماهير متفجرة الثورية إلى الساحة، تنظّمت بسرعة فائقة، ودشنت بذلك بداية الطور الثاني من الثورة السودانية. ولفهم العلاقة المعقّدة – على طرفي نزعتي الإنفصال والتوحّد بين المنصات القديمة والجديدة – أي بين هذه القوى الثورية البازغة – من جانب – وبين القوى التي كانت تملك منصاتها وتنظيماتها الجاهزة قبل الثورة من جانب آخر، لنفهم العلاقة بين الطورين، نحتاج أن نستعمل بعض التشبيهات المستعارة من خارج نطاق السياسة الثورية، وتتشابه معها في منطقها الديالكتيكي.
نستعير المثال من الحقل الطبّي: كانت تناقضات المجتمع السوداني قد بلغت درجة هائلة من الاحتداد في الشهور التي سبقت الثورة. وكان أعداء الثورة وحلفاؤها يترقبون اندلاعها، ولكل استعداداته. كانت الشروط الموضوعية في أتم النضوج، ولكن من سيحتضن أمشاج الثورة الضعيفة التي تواجه خطر الموت في أي لحظة؟.
إن برنامج (إعلان الحريّة و التغيير) هو الأم التي احتضنت تناقضات الثورة، لقد نمت الثورة في رحمه كما ينمو الجنين في رحم أمه تماماً، واكتسب منها بعض الصفات والملامح. واستمر كذلك حتى تبدّلت الظروف. وكانت 11 أبريل لحظة خروج الروح من جثة النظام القديم المتعفّنة هي ذاتها اللحظة التي اكتسب فيها الجنين روحه الخاصة وبدأ في الطرق بقوّة على رحم الأم، له منذ تلك اللحظة عقله الخاص ورغبته الفريدة في الحياة الجديدة المنفصلة عن ماضي أمه. استمرت الضربات تزيد أياماً وتهدأ أخرى، كل ضربة تضربها الثورة على الرحم الذي لم يعد يسعها هي صيحة مختنقة لحياة جديدة تريد أن تعلن حضورها، وتنطلق بحرية، وتفجّ صمت العالم بصوتها المنغّم بالإنتصار. قدر التاريخ في أن يُخرج الظاهرة من تناقضات ظاهرة أخرى، وهذا ليس عقوقاً، بل تعبيراً عن منطق التاريخ في تصارعه الأبدي. إن الصراع المؤلم بين أطراف (إعلان الحريّة والتغيير)، وبينها وبين هذه القوى المنتظمة تواُ، هو تعبير عن هذه السيرورة. وبنهاية التاسع عشر من مايو، انتهت أوهام من يريدون إبقاء الجنين في الرحم نفسه، وأن تظل الأم في معاناتها نفسها دون أن تضع وليدها، إن هؤلاء يصرّون على إبقاء الكرة على رأس الهرم نفسه إلى الأبد، أي يراهنون على ماضٍ جميل، وللمفارقة، مستحيل أيضاً. نحن والثورة على أعتاب نهاية فترة اشتباك الطور الأول بالثاني. وفي أوقات التنازع تظهر أعراض مرضيّة متنوعة، أبرزها في حالتنا هذه سيكون طغيان العادة في وضع يحطّم كل معتاد. على قوى الثورة أن تدرك إن للتعود على الأساليب القديمة في الثورة مخاطره الرهيبة والتي تصل لدرجة تعريض الثورة نفسها لخطر الإفناء. إن الأشياء تتبدّل في خضم الثورة بسرعة تذهب عقول من لم يعتادوا منطقها الإنفجاري والمباغت، لقد تغيّرت الظروف، والقوى، والأجواء والتحالفات وقوّة الطبقات وكل شيء كان يحكم العالم القديم منذ الإطاحة بالبشير، ويجب أن يكون الثوريون بنفس العقل، عليهم أن يتبنوا عقل الثورة، ويتركوا الصيغ الجاهزة المعتادة حتى وإن كانت قد لبّت حوجاتهم في الماضي. لقد أعلنت وفاة (إعلان الحرية والتغيير) بفشل إجتماع أمس لاقتسام سلطة كان يستحيل اقتسامها منذ البداية. إن الحركة الثورية في حاجة لنقطة ارتكاز جديدة، لبرنامج جديد، لتشكيل تنظيمي جديد، يبني على انتصارات الماضي ويطمح أيضاً لمواصلة الانتصارات في المستقبل. وكما يعرف جميع الناس : إن التأخر ساعة الولادة عن شق بطن الأم لإخراج الجنين يعني إعلان حكم بالموت عليهما سوياً. فمن دمٍ نازفٍ من شق صغير على بطن الأم، تنجو حياتان، أما التخوّف الأبله بتعريض الأم لأوجاع المشرط، فيقتل الأم والجنين سوياً. إن البرنامج الثوري الجديد هو مشرط الثورة لإنقاذ جنين قواها النامية تواً، في رحم القديم كان، وبخروجه معفّراً بالدم وعالقاً بأنسجة الماضي الواهية، يكتسب الحياة، وتنتصر الثورة، بالانتزاع الحنون.
إن مهمّة قدّام! الأولى في المرحلة القادمة هي طرح البرنامج الجديد، مستندة على التنظيمات الجماهيرية الجديدة، وعلى مطالبها الحقيقية المستمدّة من ظروفها الواقعية. برنامج لا يقبل التنازلات، ومفتوح على التحالفات مع كل من يريد بناء عالمٍ جديد، في آن. هذه هي الضرورات الموضوعية للطور الثاني من الثورة. وتعلم قدّام! أن الرضا الذاتي عن الإنجازات القديمة ليس مدخلاً للقبول والتأثير في المستقبل. وعليه، فإنها إذ تعرّف مهمتها التاريخية بدقّة، فإنها مستعدّة للقتال في سبيل الانتصار حتى النهاية. إن نجاح الإضراب السياسي العام مرهون بانطلاق هذه المهمّة، وليس بالضرورة أن تنتهي مع إعلانه. ففي 13 مارس، فشل الإضراب العام الذي كان قد دعا له موقعو (إعلان الحرية والتغيير) لسبب موضوعي. وهو أن برنامج الإعلان كان واقعاً في تناقض صارخ، فهو لا يلبي مطامح معظم الجماهير التي كانت – بإضرابها – ستطيح بالنظام، وفي نفس الوقت الذي كانت فيه قوى (إعلان الحرية والتغيير) تطالبها عبر الخطابات المحشوّة بالحماسة أن تقاتل في سبيل حماية (الوطن). كان بين قوى الإعلان وقوى الثورة التي يقصيها الإعلان هوّة لا تردم. ففشل الإضراب. ليس هنالك من درب للانتصار سوى كسر قيد (إعلان الحرية والتغيير) عن أيدي القوى الثورية الجديدة التي بزغت بعد الإطاحة بالبشير، وردم الهوّة عبر برنامج جديد يجذبها ويعبّر عنها. هذا أول شروط الاستجابة الواقعية لتقلبات الثورة.

نواصل،

قدام! نحن الغضب نحن الشعب