كسر التوافق النيوليبرالي 1 – 3

#إرشيف

هدوء في الخرطوم ودم يسفك مجددا في دنقلا، فرحة البعض ودموع الغبن من الأغلبية، تذبذب، تردد وحالة انتظار مخلوطة بالترقب والهواجس. بين قطب وآخر تتوزع المواقف والاحاسيس بعد توقيع ورقة السلم المؤقت المسماة بالاعلان الدستوري. الثابت ؟ لم ينته الأمر بعد.

نتعامل في قدام! مع الوضع الراهن كمحطة انتظار عابرة، ستعود المعارك مجددا، ولكننا مصممون على أن نعود بكل قوانا. 

هذه العودة للإرشيف تهدف لتعرية أمرين : لم يأت نظام الإنقاذ وسياساته من العدم كصاعقة في سماء صافية بل لحماية مصالح بعينها، والأهم أن شكلا من التواطؤ الخفي لإخفاء سبب الأزمة الثورية السودانية -كان ولا يزال – يجري بين كافة ممثلي الطبقات المسيسين حزبيا وعالم منظمات التمويل الأجنبي عن القوى الجماهيرية التي يدعون تمثيلها.  أساس هذا التواطؤ هو التعامي عن دور السياسات النيوليبرالية في تدمير حياة الملايين من شعبنا حربا ومرضا وتجهيلا  وتبعية الخارج. إن تاريخ السودان منذ 1976م، منذ تطبيق هذه السياسات لا يجد حظه الكافي أبدا في العرض العلمي المنهجي ، ويصل هذا الأمر لذروته في تاريخ الحكم البرلماني الثالث 1985م – 1989م ، حيث لا سيرة إلا عن مناورات السياسيين بينما يخرس صوت نضالات الشعب تماما في مواجهات الإفقار وتخفيض العملة وفرض الضرائب عليه. وإن في هذا الصمت ، كلاما وكلاما.

إن هذه الوثيقة ، التقييم الاستخباري لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية المؤرخ بشهر أبريل 1988م، يعرض المأزق الذي تورط فيه رأس النظام البرلماني وقتها الصادق المهدي بسبب هذه السياسات وبسبب من رغبته ومصلحته في تطبيقها ، فظل يناور حسب  التقرير ويتقلب بين المعسكرات الإقليمية والدولية ، وبين إسكات الشارع الثوري وإرضاء البنك الدولي ودائني الدولة ، وعجز بالطبع، فأصيب النظام السياسي بالشلل بالكامل. وسقط كورقة ذابلة. إن الكثير مما يقوله التقرير يتشابه لدرجة مذهلة مع ما كان يفعله البشير أخريات أيامه ، ونميري في لوثاته الجائحة قبل طرده، وبين انقلاب، وثورتين، وعدد لا يحصى من الحروب الداخلية، وانتفاضات معلومة ومجهولة، يبقى وكأن أمرا واحدا ظل لا  يمس : هذه السياسات النيوليبرالية . توافق عليها الجميع في الماضي، ونرى أن البعض في صفوف الثورة يريدون لهذا التوافق الاستمرار. هذا التوافق الصامت يجب أن يقض بقوة الثورة،  وفورا . لأنه جريمة.

وقبل أن نترككم مع الوثيقة ، التي سنعلق عليها بصورة مفصلة غدا ، علينا أن نعرف أن التاريخ يكرر نفسه مرتين بقول هيغل ، وعلينا ألا نسمح بتكراره مرة أخرى ، فهذه المرة ستقع علينا المهزلة حسب ماركس ، ونحن ما حمل مآسي ومهازل زيادة!

https://www.cia.gov/library/readingroom/document/cia-rdp89s01450r000200180001-6

السودان :كلفة عدم الانحياز

*صدرت الورقة من إدارة الاستخبارات (التحليل حاليا) بوكالة الإستخبارات المركزية- ابريل 1988*

*تم إعداد هذه الورقة من قبل مكتب تحليل الشرق الأدنى و جنوب آسيا، بمساهمات من مكتب تحليل القيادة. بالتنسيق مع إدارة العمليات*

*تم استخدام معلومات متوفرة حتى تاريخ 15 فبراير في اعداد هذا التقرير*

استنتاجات أساسية:

– كان لتحول موقف رئيس الوزراء السوداني الصادق المهدي من السياسة الخارجية الموالية للغرب الخاصة بالرئيس السابق جعفر نميري الى سياسة عدم الانحياز تكاليف معتبرة:

. خارجيا، قلل داعمو السودان التقليديين مساعداتهم العسكرية والاقتصادية

. داخليا، وفر الانحسار العام في المساعدات الدولية اشكالا آخر يمكن لناقدي الصادق من تقويض حكمه

بالرغم عن ذلك، فإنه من شبه المؤكد أن الصادق سوف يثابر في محاولة تطبيق سياسته الخارجية المستقلة. فهو يرى سياسة “حسن جوار” خارجية غير منحازة كأفضل الطرق لتعزيز أمن السودان وإبقاءه على سدة الحكم. يشعر الصادق بدين شخصي نحو الرئيس الليبي قذافي و يأمل في تجنب تحويله لعدو، يمقت المصريين، و يريد على المحافظة على بعض المسافة من الولايات المتحدة. في أثناء انحسار المساعدات من حلفاء السودان التقليديين، سعى الصادق نحو المساعدات من ليبيا و ايران.

لمسار عدم الانحياز الذي يتبناه الصادق عدة تبعات متوقعة غير حميدة للسودان. من الأرجح ان يتعمق الانقسام و الاستقطاب السياسي الداخلي. ستزداد الاشكاليات المتعلقة بالدعم من الدول العربية المنتجة للنفط المعتدلة. سيهدد الطموح الليبي الأمن في الخرطوم و سيادة السودان على اقليم دارفور. يمكن للمساعدات الايرانية أن تحول التخاصمات السياسية الى اشتباكات مسلحة بين مليشيات حزبية و من المرجح أن تقوي عزيمة الحركة الشعبية – المناهضة للاسلاميين- بقيادة جون قرنق لمواصلة القتال.

ستؤثر التبعات المهددة للاستقرار لسياسات الصادق بعدم الانحياز بصورة سلبية على مصالح الولايات المتحدة في المنطقة. ارتفاع مستوى التدخل الليبي و الايراني في الخرطوم سيزيد على الارجح من الخطر الأمني على دبلوماسيي الولايات المتحدة و حلفائها هناك. و يصاعد ذلك التدخل أيضا من احتمالات تزايد الدعم لمتمردي قرنق من الدول الأفريقية و تصاعد حدة الاستقطاب في اقليم القرن الافريقي .

إذا تمت الاطاحة بالصادق في خلال السنة القادمة، هناك احتمال اكبر قليلا من المتوسط بأن يسعى النظام العسكري اللاحق له الى مسار موالى للغرب ،و لو على الأقل في بدايته. سيسعى السودان نحو المزيد من المساعدات الأمريكية، و لكن اذا جاء الدعم من الغرب و الدول العربية المعتدلة صورة مخيبة للآمال، فقد تتجه الخرطوم تجاه تكثيف مبادرتها نحو الحكومات الاقليمية الراديكالية للمساعدة. خلال كل هذه العملية، ستحصل طلبات الولايات المتحدة للتعاون في حل مشاكل الشعوب المصابة بالجفاف و المجاعة على القليل من الانتباه من الحكومات الاقليمية التي تقع اولوياتها الاساسية في البقاء في ظل التمردات المختلفة و محاولة فرض رؤاها على الدول المجاورة.

قائمة محتويات

-استنتاجات أساسية

– اعادة صياغة تركة نميري: منطق الصادق

– خيارات صعبة

                  . حرب أهلية

                  . أزمة إقتصادية

                  . معارضة داخلية

  – البحث عن وجهة جديدة

              .السعي نحو “فك الانحياز”

              . تحدي مصر

              . مسايرة الليبيين

              . مغازلة الإيرانيين

             .الاستهتار بالافريقيين

– تبعات سياسات الصادق

                    .لا مكاسب من القوى العظمى

                    . ابعاد مصر

                    . زيادة في الانقسامات الداخلية

                    . اضمحلال المساعدات الأجنبية

                    . تهديدات طويلة الأمد على الاستقرار

– احتمالات التغيير

– سيناريو بديل: ماذا إن تمت الإطاحة بالصادق

– تأثيرات بالنسبة للولايات المتحدة

السودان: كلفة عدم الانحياز

منذ الاطاحة بالرئيس السوداني جعفر نميري في ابريل من العام 1985 ، و خلفاؤه – المجلس الانتقالي العسكري في 1985-86 و رئيس الوزراء منذ انتخابات 86 الصادق المهدي- يغيرون بصورة منهجية مواقف راسخة في السياسة الخارجية السودانية :

– بدلا عن الانضمام للولايات المتحدة و مصر كشريك في مسائل الأمن الاقليمي، سعى الصادق للأمن عبر بناء علاقات ” حسن جوار” مع كل دول الإقليم

– بدلا عن معاداة الدول الراديكالية في المنطقة، ليبيا و إيران، سعى الصادق لاستيعابهم

– بدلا عن الإعتماد على الولايات المتحدة و الأصدقاء الإقليميين للمساعدات، سعى الصادق العون من كل المعسكرات.

 إعادة صياغة تركة نميري:

نعتقد أن الصادق يرى في الابتعاد عن اتجاه نميري الأساسي في السياسة الخارجية في سنواته الثمانية الأخيرة في السلطة – اصطفاف السودان بصورة شبه حصرية مع الولايات المتحدة و مصر و دول عربية اخرى معتدلة – طريقة للاستثمار سياسيا في الرفض الشعبي تجاه نميري. يصرح الصادق علنيا أن نميري، الذي حكم السودان منذ مايو 1969 و حتى ابريل 1985، قد تمت الإطاحة به ليس فقط بسبب أنه اصبح ديكتاتوريا بصورة متزايدة، و لكن لأن السودانيين قد ربطو بصورة مباشرة مصاعبهم المتنامية بسياساته الخارجية :

– تدهور الوضع الأمني في السودان في ظل حكم نميري، أظهر ضعف نميري كل من قصف الليبيين لأمدرمان، جزء من العاصمة، في 1984. و عودة ظهور و نجاحات متمردي الجنوب –هذه المرة تحت مسمى الحركة/الجيش الشعبي/ة لتحرير السودان- تحت قيادة جون قرنق، بالرغم من المساعدات العسكرية الأمريكية و المصرية.

– تدهور الوضع الإقتصادي خلال العقد الأخير من حكم نميري. تطبيق نميري الإجراءات التقشفية المشترط عليها من صندوق النقد الدولي أدت الى نزول المتظاهرين الى الشوارع مما أدى للإطاحة به.

يبدو أن الصادق قد وصل لإستنتاج أن بمقدار الدرجة التي يربط بها السودانيون مشاكلهم بفشل نميري، يمكن أن يشتري زمنا لنفسه عبر اظهار القطيعة مع سياسات الماضي.

دفاع الصادق عن تحوله من سياسات نميري يشير الى اعتقاده بملائمة سياسة عدم الانحياز لواقع السودان الاستراتيجي. علنا و تكرارا يشير الصادق أن ضعف السودان عسكريا و – طول و نفاذية حدوده – يجعله غير قادر على تحمل تبعات خلق أعداء في دول الجوار. علاقات جيدة مع مصر و ليبيا، على سبيل المثال، افضل من علاقات جيدة مع مصر وحدها . ليبيا كعدو لها إمكانية إثارة الاضطرابات في السودان و تجديد الدعم لمتمردي الجنوب – وفرت ليبيا التمويل و الأسلحة لحركة قرنق في 1984 و 85 لإسقاط نميري – في زمن تبدو فيه اثيوبيا مصممة على إضعاف الخرطوم عبر زيادة دعمها للتمرد في السودان. على أي حال، توحي تصريحات الصادق أنه يعتقد بتقديم مصر القليل جدا لمساعدة السودان في تخطي مشاكله الأمنية و المالية. يصرح الصادق أيضا بفاعلية عدم الانحياز و”حسن الجوار” في التقليل من احتمالات الصراعات الداخلية الهادمة للاستقرار، بالإضافة لتنويع مصادر المساعدات الأجنبية،و التي يحتاجها السودان بشدة.

على العكس من مصر، حيث يوجد تجانس عالي اثني و لغوي بين السكان و مساندة لسلطة مركزية قوية، سكان السودان متنوعون . و يتنازع السودانيون بين الولاء للخرطوم و الرغبة المنتشرة بين العديد من القبائل الممتدة عبر الإقليم،التي تتاخم أراضيها التقليدية حدود السودان، في الحكم الذاتي. لذلك، فإن دعم الصادق بصورة صريحة تشاد ضد ليبيا، على سبيل المثال، فسيحتم من الاشتباكات بين القبائل الموالية لتشاد و القبائل الموالية لليبيا في إقليم دارفور، كما سيوفر عاملا في تقوية المطالب الانفصالية لبعض المجموعات هناك، بالإضافة إلى إضعاف قاعدته السياسية من طائفة الأنصار و حزب الأمة، و التي تعتبر دارفور من أهم معاقلها.

خيارات صعبة :

– حرب أهلية:

يجب على الصادق حث كل من المساعدات، المتناقصة أصلا، من الحلفاء التقليديين و السعي نحو مكاسب أكبر من الشركاء الأقل موثوقية لإستيفاء احتياجات المؤسسة العسكرية السودانية في الحرب الأهلية. التمرد الجنوبي ضد الهيمنة الإسلامية الشمالية، و الذي ازداد حدة في عهد الصادق، يستنزف الاقتصاد و يوقف التنمية كما يهدد بانقسام الدولة. في اعتقادنا أن إلغاء قوانين الشريعة – أكثر رموز هيمنة الشمال قوة بالنسبة لمتمردي الجنوب – سيحسن من امكانيات الوصول لتسوية عبر المفاوضات. لكنه من المحتم أن يثير معارضة عنيفة من الجبهة القومية الاسلامية ذات التأثير القوي، كما سيغضب مانحي المساعدات التقليديين من العرب ، و من الممكن أيضا أن يضعف بصورة خطيرة من صورة الصادق كقائد اسلامي .

– أزمة إقتصادية:  

يجد الصادق نفسه مجبرا بسبب الإقتصاد الشبه منهار على البحث دوما عن الدعم الخارجي المالي و النفطي لإستيفاء الطلب المحلي المتنامي على السلع و الخدمات. تقع معضلته في كيفية توفير الدعم الكافي لمنع انهيار الاقتصاد الشمالي دون دفع تكاليف محلية باهظة. حاول الصادق استخلاص الدعومات من كلا “الراديكاليين” مثل ليبيا و ال”معتدلين” مثل السعوديين، فقط ليجد نفسه يغضب أحدهما و هو يدفع ثمن مساعدات الآخر. المساعدات السعودية، على سبيل المثال، اضمحلت أثناء إصدار الصادق تصريحات مصممة لتطمين “الراديكاليين”. على الرغم من تفسخ الاقتصاد تحت السياسات القائمة على تدخل الدولة، يتردد حكام السودان في تطبيق الإجراءات التقشفية الموصوفة من قبل صندوق النقد الدولي التي يمكن أن تؤدي لإحتجاجات مهددة لبقاء النظام.

– معارضة داخلية:

بحث الصادق عن حلفاء جدد و أكثر دعما في الخارج، بالرغم من المخاطر التي يتبعها ذلك، يعكس الضعف السياسي الداخلي. ينقصه ليس فقط الدعم الراسخ من القوات المسلحة، بل أيضا القابلية من أحزاب مدنية مفتاحية في العملية السياسية للانضمام لمقاربة غير متحزبة لحل مشاكل السودان. يشير الأكاديميون الأمريكيون  ذوو الاختصاص بالسودان الى أن التخاصم الحزبي الشديد هو المعتاد بين الأحزاب المدنية المسجلة رسميا التي يزيد عددها عن الثلاثين قليلا. صعوبة المدنيين في الوصول لإتفاق يعكس عدم وجود خطر خارجي متفق عليه و النزعة المستمرة لدى السياسيين الشماليين لتقويض بعضهم البعض في محاولتهم لمشاركة السلطة بينهم و مع  أبناء بلدهم الغير مسلمين الجنوبيين.

البحث عن وجهة جديدة :

في التراجع عن اصطفافات السودان الخارجية في عهد نميري، و في البحث عن أصدقاء جدد في المعسكر الراديكالي، بالإضافة الى الاستهانة بأهمية بناء علاقات أفضل مع جيرانه الأفريقيين، نعتقد أن الصادق قد وجه البلد لمسار جديد و عالي الخطورة. ظهرت سياسته الخارجية كتركيبة تجمع بين عناصر متنافرة أثناء اصداره لردود أفعال عشوائية و غريبة على أحداث اقليمية و محلية. بالرغم من ذلك، نعتقد أن السمات الأساسية لسياسة الصادق الخارجية قد بدأت بالتشكل.

– السعي نحو “فك الانحياز”:

في أوضح فراق له من سياسات فترة نميري، سعى الصادق لتراخي علاقات السودان مع كل من الولايات المتحدة و مصر بصورة معتبرة فقد قام بكل من:

. الانتقاص من أهمية تعاون السودان العسكري مع واشنطن. في بدايات 1987 ، و بدون التشاور مع هيئة الأركان العامة السودانية، أمر الصادق –في أجل غير مسمى- سحب معدات عسكرية أمريكية من بورتسودان تم تركيبها من قبل الولايات المتحدة للاستخدام في حالة التدخل العسكري في الخليج الفارسي. كما رفض السماح بمناورات عسكرية مشتركة مع قوات أمريكية – في ارتداد عن تعاون السودان في تمارين “النجم الساطع” تحت سلطة نميري

. في نهاية 1987 ، على أعقاب زيارة من قائد قوات المنطقى الوسطى العسكرية الأمريكية ، صور الصادق المحادثات علنيا كمجرد جزء من سياسة حوار لكلا القوتين العظمى

. تصوير أهمية تطبيع العلاقات مع موسكو. في 1986 زار الصادق الاتحاد السوفييتي، فيما يبدو كحركة مقصودة، قبل أن يزور الولايات المتحدة. منذ ذلك لم يختلف الصادق علنيا مع السوفييت في أي من القضايا.

يشك الصادق في التزام الولايات المتحدة ببقائه السياسي، حسب ما نرى. منذ زيارته لواشنطن في أكتوبر من عام 1986، طلب الصادق مساعدات عسكرية و اقتصادية تقارب في المستوى ما تلقاه نميري – ما يقارب 187 مليون دولار في 1985. لكن، بالرغم عن إصراره على واقع أنه يمثل أحد الحكومات القلة المنتخبة ديمقراطيا في أفريقيا و الشرق الأوسط ، يرى الصادق المساعدات الأمريكية الاقتصادية للسودان في حالة تضاؤل. كما انهار مستوى المساعدات العسكرية.

من وجهة نظر الصادق، فإن واشنطن لم تظهر أي نية في مساعدته  لمكافحة ما يعتبره المهدد الأمني الأكبر                  على السودان – الدعم العسكري الإثيوبي المتزايد لمتمردي جنوب السودان بقيادة قرنق.

و بالمقابل من شبه المؤكد اعتقاد الصادق أن موسكو – الراعي العسكري و الإقتصادي الأكبر لأديس أبابا – لديها النفوذ اللازم .

باءت بالفشل أكبر جهود الصادق تجاه المسألة في 1986 لإقناع القادة السوفييت بإجبار اثيوبيا على تخفيف الضغط على السودان. و لكن ربما لايزال يحتفظ ببعض الأمل، أن يكون استمراره في تفادي العلاقة الوثيقة التي نماها نميري مع واشنطن ، عامل حث في نهاية المطاف للمساعدة السوفيتية تجاه مسألة التمرد الاثيوبية- السودانية.

– تحدي مصر :

لدى الصادق إرث شخصي من عدم الثقة يشوش علاقته مع المصريين. لا يكن للمصريين حبا عميقا، و لا هم له . نعتقد أنه لا يزال يكن الضغينة تجاه مساعدة المصريين لنميري في قمع تمرد الأنصار في 1970. الصادق غاضب مما يعتبره تعالي المصريين المستمر تجاه السودانيين.

(فقرة كاملة محجوبة)

منذ انتخابه في 1986 ، يبدو أن الصادق يسعى بكل الطرق الممكنة لإعلان استقلال حكومته من النفوذ المصري. زار عواصم قاصية و متباعدة – من موسكو و حتى واشنطن – قبل ان يزور القاهرة. أعلن لاحقا ابطال معاهدة الدفاع المشترك بين السودان و مصر، التي صادق عليها نميري كرمز للعلاقات الثنائية الوثيقة بين البلدين. و أصر على معاهدة  أخوة مبهمة ، يصرح أنها تعبر بصورة أكثر دقة عن العلاقة بين السودانيين و المصريين. كما تعامل بصورة متزايدة مع القذافي بدون استشارة القاهرة. توحي اتصالاته مع المصريين بعدم رغبته في القطع الصريح، و لكن يؤشر سلوكه الى عزمه على نقل شكل التواصل الى علاقة لائقة و لكن خالية من الروابط الوثيقة بصورة مميزة.

– مسايرة الليبين:

عكس المجلس العسكري الانتقالي السوداني في 1985 سياسة نميري في العداء الصريح تجاه القذافي و بدأ في انشاء علاقات أكثر ودية. منذ انتخابه في 1986 ، ذهب الصادق أكثر في ذلك الاتجاه. فقد:

. رفض ادانة ارهاب و تدخلات طرابلس الدولية.

. سعى بصورة نشطة المساعدات الاقتصادية و العسكرية الليبية

. قبل بإنشاء مكتب شعبي ليبي(سفارة) كبير في الخرطوم (باقي الفقرة محجوب)

. رضخ بقبول وجود ليبي محدود في اقليم دارفور، رغم تشكيل ذلك الوجود له لمشاكل أمنية.

نعتقد أن هنالك عوامل عديدة تعلل مسايرة الصادق للنشاط الليبي. على الصعيد الشخصي، فعلى الأرجح شعور الصادق بأنه مديون للزعيم الليبي. منح القذافي اللجوء للصادق خلال عدة فترات منفى بين 1970 و 1978 و عرض المساعدة العسكرية عندما حاول الصادق الإطاحة بنميري عام 1976. (النص محجوب) على العكس من رئيس مصر مبارك، يبدو أن القذافي هو قائد يشعر الصادق بالراحة في التعاطي معه.

نعتقد أن الصادق مدرك جيدا لقدرة القذافي على مساعدته أو ايذائه:

.من ناحية تشير تقارير صحفية و من السفارة أن الصادق يرى القذافي كمصدر لمساعدات مهمة كالنفط وو المساعدة العسكرية، التي أصبحت بمقدار أكبر من الأهمية بسبب تدهور مساعدات المانحين التقليديين. السخاء الليبي(النص محجوب)(غالبا تبرير) قد ازداد منذ سقوط نميري.

. من الناحية الأخرى، من شبه المؤكد بأن الصادق يعتقد بإمكانية خطر القذافي. تفجير الليبين لمحطة راديو في امدرمان عام 1984 و قرار القذافي بعرض المال و التموينات العسكرية لمتمردي جون قرنق هي عوامل تذكير للصادق بغدر القذافي.  على الأرجح يتعامل الصادق بمنطق أن غضب القذافي قد يدفعه بالقيام بنفس العمليات تجاهه. نعتقد أن الصادق يعلم بقيام مسؤولين ليبيين في الخرطوم بالسعي نحو و تشجيع ضباط ساخطين في القوات المسلحة للتآمر ضده، و من المرجح اعتقاده بقيام الليبيين بمضاعفة جهودهم ان أثار حنق القذافي.

يعلم الصادق بالتأكيد من تجاربه من منتصف الى نهايات 1987 أن الليبيين لديهم القدرة على تشكيل هواجس عسكرية و سياسية للخرطوم في غرب السودان دون أي محاسبة. لأن السودان ينقصه قوة مضادة يمكن التعويل عليها – جيش ،سلاح جو او شبكة استخبارات ذو قوة- و أيضا لأن الصادق يقاوم “تسول” المساعدة المصرية. يبدو أنه يعتقد بأنه يجب أن يعتمد على الدبلوماسية الشخصية المباشرة لإبقاء العداء الليبي بعيدا.

– مغازلة الإيرانيين:

منذ استلامه المنصب قام الصادق ب:

. تجنب إدانة دور ايران في العداوات المستمرة في الخليج الفارسي أثناء عرضه للتوسط بين ايران و العراق.

. رحب بطاقم سفارة ايرانية في الخرطوم، (باقي الفقرة محجوب)

.أتخذ على افضل التقديرات موقفا ضبابيا من قضايا مثل تدخل ايران في اضطرابات في مكة اثناء موسم الحج في اغسطس 1987، الامر الذي كان له تكلفة عالية على علاقات السودان مع السعوديين.

في رأينا، أن هدف الصادق المباشر هو التحصل على مساعدات اقتصادية من إيران. منذ زيارته لطهران في ديسمبر 1986، سعى الصادق بصورة رئيسية نحو تأمين مصدر ثابت للتموين النفطي و شروط تجارة مسهلة. عبر كسب صداقة الايرانيين في أثناء معاداة معظم العرب لطهران، يأمل الصادق على الأرجح أن يكتسب مساعدتهم بصورة أكثر سهولة.

نعتقد أن خط بناء الصداقة تجاه كل من إيران و العراق يخدم أهداف الصادق الرئيسية. و على ضوء العديد من التصريحات العلنية ، في اعتقادنا أن الصادق يؤمل في محاكاة نموذج قادة السودان في الخمسينات و الستينات. حيث أن سمعتهم كوسطاء في النزاعات الإقليمية جعلت المانحين المحتملين قابلين ل”شراء” خدماتهم، و عملت على تشتيت أصوات الانتقاد الداخلية بعيدا عن القائد الذي ينجح في الحصول على الاعتراف الاقليمي “كرجل دولة” . على الرغم من رفض كل من بغداد و طهران لعروضه بالتوسط، من الأرجح ان يكون خريج أوكسفورد، المسلم السني المخلص ما يزال متمسكا بظنه أنه الأقدر على رأب الصدع بين العراق الحداثوية و ايران ذات الحكم الديني.

– الاستخفاف بالأفريقيين:

تتسق تعاملات الصادق مع جيران السودان في شرق و وسط أفريقيا مع نظامي السودان السابقين و لكن، في اعتقادنا ذات فهي ذات خطور أكبر على استقرار السودان.

 مثل سلفيه – نميري و المجلس الانتقالي العسكري – يريد الصادق إيقاف أو إعاقة وصول الدعم لحركة قرنق من اثيوبيا، كينيا، يوغندا، زائير و تشاد. مع وصول التمرد الى سنته الخامسة دون نهاية في الأفق، تعاني حكومة الصادق الإئتلافية من شلل مستمر في تعاملها مع المسائل التي يمكن أن تمنع من دعم الأفرقة السود للحركة الشعبية لتحرير السودان.

خلال فترته في المنصب، اتخذ الصادق بشكل كبير نبرة عداء تجاه اثيوبيا، مستشهدا بالدعم الإثيوبي لمتمردي قرنق. في نظرنا، سمح الصادق لفرص الحوار البناء بين الدولتين بالإفلات. مؤخرا، تعثرت مبادرة مصرية لبدء محادثات بين الصادق و الرئيس الاثيوبي منغستو في بدايات هذه السنة مع تشكيك كلا الطرفين بصدق نوايا الآخر. كما لم تتحقق مقترحات لايقاف كلا الجانبين دعم التمردات عبر حدودهما.

للحد من مساندة كينيا للحركة الشعبية لتحرير السودان عبر المساعدات الغير مميتة و الدعم الدبلوماسي، نعتقد أن الصادق عليه تغيير النظرة السائدة في نيروبي حول الحرب الأهلية السودانية كصراع بين أقلية مهمشة من المسيحيين السود و أغلبية متجبرة من المسلمين الشماليين. و قد فشل الصادق  الى حد كبير في إنجاز ذلك. هو متردد حيال إبطال حكم القانون الإسلامي في الجنوب، و في نظرنا، لم يقم بالجهود الدبلوماسية لشرح موقفه للرئيس الكيني موه-اي.

فيي تعامله مع زائير و دعمها المحدود للحركة الشعبية، أثبت الصادق عدم إمكانيته أو قدرته على تهدئة مخاوف كينشاسا من علاقة السودان بليبيا. يقع تخوف الرئيس موبوتو الرئيسي من سودان ضعيف أو منقسم يعمل كممر للمساعدات الليبية للمتمردين في زائير. بسبب عجز الصادق عن الإشارة الى أي تقليص في التقارب الليبي-السوداني – بل فعليا هو في حالة تزايد-يوجد لدى موبوتو دافع لتوفير الدعم و لو على الأقل الرمزي منه للحفاظ على خياراته مفتوحة في السودان.

تقع معضلة الصادق بما يتعلق بالرئيس التشادي هابري في تهدئة الشكوك في تسامح الخرطوم مع وجود ليبي عسكري في غرب السودان- و تلك مهمة ،بالنسبة للصادق ، غير ممكنة عسكريا و سياسيا. قد يسلم الصادق بفكرة أن السودان لا يمكنه التحكم بأي من القوات التشادية أو الليبية التي تجول غرب السودان و قد يكتفي بأن يأمل بعدم وقوع اشتباك ضخم تشادي- ليبي داخل الأراضي السودانية. على أي حال، نعتقد أن الصادق قد اظهر لا مبالاة مفرطة تجاه احتمال أن توفر تشاد دعما عسكريا محدودا للحركة الشعبية، مما يسمح لها بفتح جبهة جديدة ضد القوات السودانية في غرب السودان. (النص محجوب)

من غير المرجح أن تؤدي مساعدة تشاد للمتمردين السودانيين الى امكانية القيام بالغارات العابرة للحدود بصورة فعالة الا بعد فترة من الزمن،ان أدت لذلك على الإطلاق، و لكن يبدو أن هابري مصمم على رفع تكاليف سياسة الصادق ب”حسن الجوار” تجاه طرابلس .

 تداعيات سياسات الصادق :

من المرجح أن تعود جهود الصادق لسلوك مسار عدم الانحياز عليه بتكاليف سياسية باهظة. فشلت سنتان من اتباع عدم الانحياز في جذب المقدار الكافي من المساعدات الأجنبية لتخطي أي من التمرد الجنوبي أو ركود السودان الاقتصادي. يتصاعد التذمر وسط عناصر عسكرية و مدنية بسبب تصورهم أن عدم انحياز السودان يعيق المساعدات من أصدقاء نميري القدامى – مصر، السعودية و الولايات المتحدة – دون أن يجذب مساعدات تعويضية من الإتحاد السوفييتي، أوروبا الشرقية، ليبيا و ايران. علاوة على ذلك، في تقديرنا،  ستجلب مسايرة الصادق للنشاط الليبي و الايراني لرئيس الوزراء متاعب أكثر بكثير من الفوائد.

– لا مكاسب من القوى العظمى:

ستستمرخيبة الأمل على الارجح في أن تكون نتيجة محاولات الصادق في حث الدعم السوفييتي عبر وضع مسافة بينه و بين الولايات المتحدة . سيظل هدف الصادق الرئيسي في التعامل مع السوفييت هو توجيه ضغطهم نحو اثيوبيا- و بصورة غير مباشرة الحركة الشعبية – للتقليل من الأعمال العدائية ضد الخرطوم. و لكن من غير المرجح  أن تلتزم موسكو بذلك. من وجهة نظر موسكو، يمكن أن تؤدي ضغوطات من هذا النوع الى نفور الرئيس الاثيوبي ، الذي تشكل صداقته أحد دعائم الموقف الاستراتيجي للاتحاد السوفييتي في القرن الأفريقي و الخليج الفارسي. علاوة على ذلك، من وجهة نظر موسكو، ليس من المنطقي دعم قائد سوداني لا يبدي أي التزام تجاه الاتحاد السوفييتي كما تجعل المشاكل الداخلية من فترة توليه للحكم غير معروفة المآلات.

– نفور مصر:

من الأكثر ترجيحا أن تؤدي علاقات الصادق السيئة مع مصر الى إيذائه بدلا عن مساعدته. في وجه جرأة المتمردين السودانيين ، و إمكانية اندلاع صراع ليبي- تشادي- سوداني في اقليم دارفور، تتفق مجموعات داخلية رئيسية أنه ليس وقتا جيدا لمعاداة مصر. تلك المجموعات – القوات المسلحة، شريك الصادق في الائتلاف الحزب الاتحادي الديمقراطي، و حزب الجبهة الاسلامية الوطنية المعارض – ستندد بسوء حصافة الصادق في تنفير مصر إذا تصاعد الخطر الأمني الخارجي.

نحن نعتقد أن استياء المصريين من الصادق في تزايد. من وجهة نظر القاهرة، الصادق ضعيف و متردد و سياسي من الدرجة الثالثة، على حسب تقارير السفارة. أيضا أضعف ثقة المصريين، ذو التعامل الأبوي، في الصادق تجرؤه على التشكيك في العلاقة الوثيقة تاريخيا مع السودان و تغزله الصريح في أعداء مصر الإيرانيين و الليبيين. على حسب مسؤولين بالسفارة الأمريكية بالقاهرة، لا يكترث قادة مصر بسقوط الصادق، و يفترضون فناؤه السياسي في المستقبل القريب، و يعملون على تقوية الصلات بمجموعات أساسية يمكن أن تكون ذات تأثير في السياسة الخارجية السودانية عقب نهاية فترته.

– تصاعد الانقسامات الداخلية:

تنظر العديد من المجموعات التي يحتاج الصادق الى دعمها للبقاء السياسي لسياسته الإيرانية- الليبية ككارثة محتملة و ستلقي باللوم على الصادق في حال وقوع أي فشل في السياسة الخارجية. (فقرة محذوفة)

حتى و إن وسعت ليبيا و إيران من نطاق المساعدات للصادق، سيوفر على الأرجح تصعيد الوجود الإيراني و الليبي في السودان لخصوم الصادق المدنيين نقاط خلاف ليستغلوها سياسيا. قائد الجبهة الاسلامية القومية حسن الترابي، منافس الصادق، يتفق على الأرجح مع صحة المقاربة المسايرة تجاه ليبيا. و غالبا يرى فائدة في الحفاظ على قناة مفتوحة مع طهران، زميلته في الطريق الإسلامي – و إن كانت مثالا متطرفا. و مع ذلك، فهو في الغالب سيشجب الصادق بسبب التعدي الليبي و الإيراني على سيادة السودان و ذلك لأنه، في رأينا، يريد إضعاف الصادق و كسم دعم الجيش.

نتوقع أن عائلة الميرغني، الغرماء التقليديون لعائلة المهدي و القادة المحاصرون للحزب الإتحادي الديمقراطي الموبوء بالانشقاقات، ستستمر في معارضة قبول الصادق بالاختراقات الليبية و الايرانية في السودان بشدة. في مواجهة صراع من عناصر موالية لليبيا لقيادة الحزب، على الأرجح يعلق آل الميرغني شديدي الولاء لمصر آمالهم على القاهرة لتجاوز الخلافات الداخلية و الحفاظ على موقع الحزب كلاعب أساسي في السودان. مقابل هذا الدعم، تريد القاهرة –و من شبه المؤكد حصولها على – مقاومة آل الميرغني للنفوذ المتصاعد لخصوم مصر الإقليميين داخل السودان.

من شبه المؤكد أن الصراع المستمر بين مسايرة الصادق لأعداء مصر الإقليميين و معارضة آل الميرغني لذلك المسار سيعمق التصور العام حول عدم فاعلية و انقسام الحكومة. حجة قادة الجبهة الاسلامية القومية –أن حكم السودان عبر أسرتي المهدي و الميرغني الطائفي يجب أن ينتهي – ستلقى على الأرجح تجاوبا بين الطلاب و رجال الأعمال و أعضاء النقابات المهنية الباحثين عن إتجاه واضح من حكومتهم و برامج للإزدهار المستقبلي.

قد يواجه الصادق انشقاقا واسعا داخل حزب الأمة و طائفة الأنصار إذا واصل الليبيون ترسيخ وجودهم في اقليم دارفور. في بدايات 1987 أثار توزيع الليبيين السلاح لقبائل معادية نحو طائفة الأنصار و حزب الأمة أصوات تندد بعدم حمايتهم.

هدد نواب الأمة الممثلون للدوائر المحلية ، تحت الخوف من فقد الدعم الشعبي، بأنهم سيحاربون الصادق داخل الحزب ان لم يوقف التدخلات الليبية.. في ذلك الحين تمكن الصادق مؤقتا من اقناع الليبيين بالانسحاب، و لكن تظل الإحتمالات قوية بأنه سيواجه نفس المشكلة في المستقبل.

في تقديرنا، فإن سعي الصادق الدؤوب نحو بناء العلاقات الوثيقة مع إيران سيضاعف من مشاكله السياسية الداخلية.

رمزيا، اجمع العالم العربي في 1987 على إدانة ايران. بقدر تجاهل الصادق لهذا الحدث، نعتقد أن الرأي العام الشمال سوداني سيتحد ضده. نخمن أن معظم السودانيين الشماليين، و هم مسلمون و يشعرون بالانتماء تجاه العالم العربي، يريدون الانضمام للتيار السياسي السائد العربي ،متضمنا ذلك التوافق ضد إيران. لا يريد السودانيون فقط المساعدات المادية من العرب، بل أيضا الدعم الخارجي السياسي و الديني في تعاملهم مع حرب أهلية تستنزفهم اقتصاديا و تهدد بتمزيق البلاد.

– اضمحلال المساعدات الخارجية :

من وجهة نظرنا، فإن محاولات الصادق المستمرة في جلب الدعم من كل المعسكرات ستؤدي الى تقليل يمكن ملاحظته منذ الآن في المساعدات من الدول العربية المعتدلة الغنية بالنفط. المساعدات السعودية – و هي تقليديا مكون ضخم في مساعدات السودان الخارجية – هبطت من ما يقارب ال300 مليون دولار في 1986 لما ينيف ال100 مليون دولار في 1987، وفقا لتقديرات مبنية على تقارير من السفارة الأمريكية. على الرغم أن السعوديين قد قللو بصورة عامة مساعداتهم الخارجية في المنطقة بسبب انخفاض عائدات النفط في منتصف الثمانينات، فقد تدنت المساعدات المقدمة للسودان بصورة بارزة، على حسب مسؤولين بسفارة الولايات المتحدة. يستنكر السعوديون غزل الصادق لإيران و ليبيا في اثناء التزايد الملحوظ للخطر الإيراني على السعودية و دول الخليج الأخرى.

تحول موقف السعوديين و قادة دول أخرى في الخليج تجاه سياسة الصادق بعدم الانحياز الى الغضب – و سيستمر الموقف غالبا في أن يكون سلبيا –طالما بقي التهديد الإيراني. في أول نصف من عام 1987 عبر السعوديين عن قلقهم الشديد لمسؤولين أمريكيين من احتمال ظهور حلقة من الحكومات الموالية للسوفييت ممتدة من ليبيا، عبر السودان، و حتى اثيوبيا. لاستباق ذلك السيناريو، رأى السعوديون ضرورة دعم الصادق في حربه ضد رئيس اثيوبية الشيوعي منغستو، و وكيله، قائد الحركة الشعبية جون قرنق، الذي يشتبه السعوديون أنه شيوعي “متخفي”.

في النصف الثاني من 1987، من الواضح استبدال الخطر العاجل الاستراتيجي الايراني للخطر طويل الأمد الشيوعي في تفكير السعوديين، و تحاول الرياض الآن ضغط الصادق لإعادة تقييم علاقته مع إيران عبر التهديد بحجب المساعدات المستقبلية. كذلك يقلل من فرص عودة المساعدات الى مستواها السابق إصرار الرياض على الخرطوم باصلاح علاقتها بالقاهرة.

– تصاعد مهددات الأمن الداخلي:

 في تقديرنا، فإن سياسات الصادق الغير منحازة ترفع من مستوى التهديدات المباشرة لأمن السودان الداخلي. نعتقد بأن ليبيا و إيران مصممان على تجنيد أنصار في الخرطوم ليتمكنا من تشكيل تعاطف مع قضاياهم المختلفة و،بالترتيب، الهجوم على دبلوماسيي العرب المعتدلين و الولايات المتحدة ، بالإضافة الى تقويض أي نظام في الخرطوم تراه طرابلس أو طهران مواليا للغرب أكثر من اللزوم. الصادق، في رؤيتنا يفتقر للموارد الأمنية التي تمكنه من ردع الليبيين و الايرانيين.

(فقرة محجوبة)قد تستفز أي جهود سودانية للحد من النشاطات الليبية في دارفور التي تسعى لتقويض حكومة تشاد القذافي ليصعد من الإجراءات التخريبية ضد الصادق. (فقرة محجوبة)الليبيون،في اعتقادنا، يستمرون في البحث عن  متعاطفين داخل القوات المسلحة السودانية. على الرغم من فشل اللجان الثورية السودانية المدعومة من ليبيا في أن تكون أداة مناسبة للتحريض في الخرطوم، الا أن طرابلس لم تتخلى عنها.

(نص محجوب) يسعى الايرانيون في الخرطوم لتناول ايجابي إعلامي لهم. و يحاولون انشاء مركز ثقافي، رغم منع الخرطوم لمثل هذا النشاط (باقي الفقرة محجوب).

– مهددات طويلة الأمد على الاستقرار:

في رؤيتنا، فإن نوايا ليبيا لغرب السودان و خطط إيران لتدريب مليشيات الأنصار يشكلان خطرا طويل الأمد على إستقرار السودان.

تحركات ليبيا منذ سقوط نميري توحي بأن طرابلس تريد تأثيرا قويا، ان لم تكن سيطرة تامة، على اقليم دارفور في غرب السودان. الى الآن ابدى الصادق عدم رغبة أو عدم قدرة، أو الاثنين معا، لمجابهة الانتهاكات الليبية.

بوجود معقل في دارفور ،  سيكون لليبيا قاعدة دائمة على الحدود التشادية الشرقية يمكن منها مهاجمة القوات التشادية التي تشكل عائقا أمام مطامح ليبيا في تلك المنطقة. بالاضافة لذلك، فستحصل رغبة القذافي في دمج ليبيا و السودان سياسيا و إقتصاديا –وبالتالي إضعاف نفوذ مصر في السودان –على دفعة كبيرة في طريق إنجازها. أخيرا، على الأرجح يرى القذافي  الوجود الليبي في دارفور كقوة مفيدة في منع خط عودة السودان نحو السياسات المعادية لليبيا.

تحت ستار تحسين الطرقات، المطارات و الانتاج الزراعي، عزز الليبيون من وجودهم في دارفور. اتفق كل من محافظ دارفور و محافظ بلدية الكفرة المتاخمة لدارفور في يوليو 1987 على مباشرة مشاريع تنموية مشتركة،(جملة محجوبة) رغم أن الخرطوم تعتبر الاتفاقية غير مشروعة. أثناء ذلك، تجد القوات النظامية التي يناهز عددها الألفي فرد في الغرب – و المنوطين بحفظ الأمن في مساحة أكبر من اليابان – أنه من شبه المستحيل منع دخول الإقليم للجنود الليبيين و المتمردين المدعومين من قبل تشاد.

(فقرة محجوبة)

المساعدات العسكرية الإيرانية لطائفة الصادق الأنصار قد تثير غضب الرتب العالية من ضباط القوات المسلحة السودانية الذين،في رؤيتنا، لا يزالوا ينظرون الى أنفسهم كأوصياء على الدولة السودانية ،ليس فقط كحماة لنظام محدد. سباق تسليح متعدد الأطراف – و الخطر الذي يتبع ذلك على النظام العام – قد يجبر كبار الضباط على التدخل في الحكومة قبل أن يهدد الاستقطاب الحاد بين المدنيين وحدة القوات المسلحة نفسها.

احتمالات التغيير:

يوحي عزم الصادق المستمر على تبديل مسار السياسة الخارجية المتخذ خلال فترة نميري، و قناعته  حول ملائمة عدم الإنحياز لخدمة مصالح السودان، و نقاط تعاميه عن ليبيا و ايران بضآلة احتمالات التغيير في السياسات التي تبناها في أول عامين من توليه المنصب. على الرغم من التكاليف المتصاعدة على المدى القصير و الطويل، يبدو الصادق غير مقتنعا بمكاسب العدول عن مساره الحالي.

و لكن، يمكن أن يقوم الصادق تدريجيا –أو حتى بشكل مفاجىء –بإنهاء موقفه الودي تجاه ليبيا و ايران في 1988. قد يرى أن التكلفة السياسية الداخلية للحفاظ على علاقة جيدة مع القذافي و الملات أصبحت أكبر من الدعم الإقتصادي و العسكري الذي يتحصل عليه منهم. سيشير تغير مثل ذلك في السياسة الخارجية الى اعتقاده باشتداد التذمر المدني ضده من كل الجهات و أن الجيش السوداني على وشك الإطاحة به.

تتضمن مؤشرات التغيير في السياسة الخارجية السودانية –من الأقل الى الأكثر حدة – الآتي :

. نحو ليبيا – انتقاد الصادق علنيا لسياسات قذافي في الاقليم، الحث على التوافق بين ليبيا و تشاد. ايقاف الزيارات الرسمية لطرابلس.

. إعلان ليبيا كخطر أمني في الخرطوم و في اقليم دارفور السوداني.

. أن يأمر الصادق بطرد الدبلوماسيين ،ضباط المخابرات و العناصر العسكرية الليبيين من السودان.

. تجاه إيران –إدانة الصادق علنيا إصرار الايرانيين على مواصلة الحرب مع العراق، و وقفه للزيارات الرسمية الإيرانية للخرطوم.

. أن يأمر الصادق بالتضييق الأمني على الايرانيين في الخرطوم ، و يشجب بصورة علنية حالات ضبط التجنيد من قبل ايرانيين في العاصمة

.أن يأمر الصادق بطرد بعض الإيرانيين

إن أوقف الصادق العمل بسياسة “حسن الجوار” تجاه ليبيا و إيران، ترجح الإحتمالات أن طرابلس ستحاول خلق مشاكل كبيرة. القذافي، إن ذهب في اتجاه رؤية الصادق كعدو يقارب النميري،قد يوقف المساعدات العسكرية، و يجدد الدعم العسكري لمتمردي الجنوب، و يصعد النشاط التخريبي في الخرطوم، على وجه الخصوص داخل الجيش السوداني.

من المرجح أن تسعى إيران لخلق اتصالات مع مجموعات معادية للصادق، و لكن انشغالها بحربها مع العراق و مسائل أخرى في الخليج ستحد من قابليتها في دعم أنشطة هدامة.

تبدو التغيرات الملموسة في السياسة السودانية على جبهات أخرى –القوى العظمي، مصر، و الدول الأفريقية –أقل احتمالية.

من الأرجح ان تكون كل من كراهية الصادق للمصريين و مقاومته للاصطفاف مع الولايات المتحدة متجذرة بعمق لايسمح بأي تغييرات ذات أهمية في موقفه.

قاعدته الشمالية المسلمة –بالإضافة لدوره كزعيم طائفة دينية شمالية –تجعل من غير المرجح بصورة مساوية أن يكون هناك تحول في سياسته تجاه أفريقيا السوداء.

سيناريوهات بديلة: ماذا إن تمت الإطاحة بالصادق؟

إن أطاح ضباط في القوات المسلحة السودانية بالصادق، فسيحدث ذلك على العموم –و لكن ليس على وجه الحصر – بسبب تجاوز مستوى الطلب السوداني على السلع و التجهيزات العسكرية للمساعدات التي جذبها الصادق. سيكون النقص في السلع الأساسية قد أصبح حادا و ربما بالترافق مع توسيع الصادق للإجراءات التقشفية، ستكون قد أدت الى احتجاجات مدنية مستمرة و واسعة النطاق.

النقص في التجهيزات العسكرية ، ربما بالترافق مع هزائم عسكرية مهمة في الجنوب و إهانات في الغرب، ستكون قد قلبت موقف القادة العسكريين في الخرطوم بصورة قاطعة ضد لستمرار حكم الصادق.

على الأرجح سيبدل حاكمو السودان الجدد –في الأغلب ضباط و لعل بعضا من المدنيين – عدة نواحي من سياسة الصادق بعدم الانحياز. أولا، نتوقع أنهم سيتخذوا خطوات لإستعادة الدعم الوثيق المصري للخرطوم، مما سيتضمن تخفيضا للتفاعل الودي مع ليبيا. لا تشارك الأركان العامة في العادة موقف الصادق البارد تجاه المصريين، و (الجملة محجوبة) سيفضلون التسليح من القاهرة على طرابلس.

ثانيا، نتوقع أن يتجاوب الحكام الجدد مع السعوديين و دول خليج أخرى “معتدلة” أكثر من إيران.(باقي الفقرة محجوب)

و لكن أيضا، قد يواصل حكام السودان الجدد البحث عن الدعم من أي طرف إن لم توفر الحكومات الإقليمية الموالية للغرب أو الولايات المتحدة أو الديمقراطيات الأوروبية المساعدات الكافية حسب تقديرهم لمجابهة مهددات السودان الأمنية المتعددة و لتخفيف المصاعب الإقتصادية التي يمكن أن تعيد إحياء المظاهرات المهددة للنظام في الخرطوم.

التأثيرات بالنسبة للولايات المتحدة:

تؤثر سياسة الصادق بعدم الانحياز بصورة سيئة على مصالح الولايات المتحدة الإقليمية.

ستؤثر التبعات المهددة للاستقرار لسياسات الصادق بعدم الانحياز بصورة سلبية على مصالح الولايات المتحدة في المنطقة. ارتفاع مستوى التدخل الليبي و الايراني في الخرطوم سيزيد على الارجح من الخطر الأمني على دبلوماسيي الولايات المتحدة و حلفائها هناك. و يفاقم ذلك التدخل أيضا احتمالات تصاعد الدعم لمتمردي جنوب السودان من الدول الأفريقية و استقطاب اقليم القرن الافريقي .

إذا تمت الاطاحة بالصادق في خلال السنة القادمة، هناك احتمال اكبر قليلا من المتوسط بأن يسعى النظام العسكري اللاحق له الى مسار موالى للغرب ،و لو على الأقل في بدايته. سيسعى السودان نحو المزيد من المساعدات الأمريكية، و لكن اذا جاء الدعم من الغرب و الدول العربية المعتدلة صورة مخيبة للآمال، فقد تتجه الخرطوم نحو تكثيف مبادرتها نحو الحكومات الاقليمية الراديكالية للمساعدة.

خلال كل هذه العملية، طلبات الولايات المتحدة للتعاون في حل مشاكل الشعوب المصابة بالجفاف و المجاعة ستحصل على القليل من الانتباه من الحكومات الاقليمية التي تقع اولوياتها الاساسية في البقاء في ظل التمردات المختلفة و محاولة فرض رؤاها على الدول المجاورة.

ملحقات

ملحق- الصادق المهدي: سياسة خارجية مشخصنة

في رؤيتنا، الصادق المهدي هو رجل يتمتع بالثقة في النفس و يعتقد بحقه في قيادة عشيرته، و طائفته، و بلاده.

أوحى له كل من انحداره من سلالة المهدي، بالإضافة لتربيته المدللة و امتيازه التعليمي (يملك شهادة بمرتبة الشرف في مجال الإقتصاد من أوكسفورد) بأنه شخص خاص. صعوده السريع في السياسة – تم انتخابه للبرلمان عند وصوله للعمر المتطلب و هو الثلاثين و أصبح رئيس الوزراء لأول مرة في السنة البعدها –عزز لديه تلك القناعة.

ذكي، رفيع الثقافة ، لطيف ،و مفعم بالحيوية، على حسب مسؤلين أمريكيين، الصادق ماهر في تكييف تكتيكاته لإرضاء جمهوره. يلعب عدة أدوار مهمة –زعيم طائفة الأنصار، سياسي، رئيس حزب الأمة ، و مثقف حديث –و يركز على أحدهم ثم الآخر ليجذب دوائر مختلفة و يكتسب الدعم كقائد. تحالف في أوقات مختلفة مع مجموعات من كل التوجهات الأيديولوجية من الشيوعيين و حتى الإخوان المسلمين. لدى الصادق عقلية نظرية و له القدرة على الشرح المطول لمدى واسع من المواضيع التاريخية و الدينية (له العديد من المؤلفات). و لكن، كقائد هو(نص محجوب) لا يوضح أي برامج سياسية متماسكة أو استراتيجيات لتحقيق مصالح السودان. كما لا يظهر الإصرار في تحقيق السياسات التي يضعها كأهداف.

(فقرة محجوبة)

نعتقد أن ضغينة الصادق التي يعبر عنها مرارا و تكرارا تجاه التأثيرات الخارجية على السودان تعكس موقعه كقائد من العالم الثالث،(نص محجوب)  يعتبر تشكيه من أن الحكومة المصرية حاولت تاريخيا جعل السودان في موقع التبعية مواصلة لإرثه المهدي الموروث من جده، الذي حارب ضد الهيمنة المصرية (و البريطانية). نعتقد أن سعيه للعلاقة مع معمر القذافي،كمثال، لا يعكس فقط سياسته “حسن الجوار”و امتنانه الشخصي للجوء السياسي الذي وفره له القذافي خلال فترة نميري، بل أيضا تعاطفه مع تحدي القذافي للقوى العظمى. على الرغم من أن الصادق لا يتصرف كالقذافي (أو الخميني)، نعتقد أن سياسات المواجهة المتخذة من قبل المتطرفين الإسلاميين تجذب الصادق(باقي النص محجوب)

ملحق- قاعدة الصادق المهدي التقليدية: الأنصار

يعرف الأنصار بأنهم مسلمو السودان الذين يدينون بالولاء السياسي تاريخيا لمحمد أحمد ابن السيد عبدالله ، الرمز ذو الكاريزما  

الذي أعلن في ثمانينات القرن الماضي أنه المهدي –المنقذ الذي جاء لتخليص الإسلام –و قاد تمردا ناجحا ضد الهيمنة المصرية. نتج عن التمرد ميلاد دولة إسلامية مستقلة استمرت لمدة 13 عاما حتى تمت الإطاحة بها من قبل تدخل عسكري بريطاني مصري.

تم توارث ولاء الأنصار للمهدي – نظير السودان التقريبي لجورج واشنطن في الولايات المتحدة – للذكور من سلالته، الصادق هو ابن حفيد الصادق.

يعتبر الأنصار أكبر طائفة في السودان، ويتركز معظم أعضائها في غرب السودان، مع وجود تمثيل معتبر في وسط السودان و الخرطوم. وفرت قوتهم العددية الأفضلية لحزب الطائفة السياسي –حزب الأمة،المرؤوس من قبل الصادق –في انتخابات 1986. وفقا لورقة أكاديمية مقدمة في ندوة تمت تحت رعاية الحكومة الأمريكية في أكتوبر 1986، فإن دعم الأنصار لحزب الأمة قد انتقل غربا نحو حدود السودان مع تشاد.

ملحق- حكومة الصادق الإئتلافية المضطربة:

الحكومة الإئتلافية التي تم تشكيلها في مايو 1986 تحت قيادة حزب الأمة و زعيم طائفة الأنصار الصادق المهدي –ثالث الجهود السودانية منذ الاستقلال في 1956 لبناء ديمقراطية برلمانية –هي حكومة ضعيفة بصورة متأصلة. تجعل الخصومات المتجذرة، الحزبية منها أوالشخصية بين النخب المدنية،مهمة الوصول لإتفاق بين القادة السياسيين حول المسائل الخارجية و الداخلية و تطبيقها شبه مستحيلة.

جائت نتيجة انتخابات ابريل من 1986 بحزب الأمة في المركز الأول و الإتحادي الديمقراطي في المركز الثاني. يقود الإتحادي الديمقراطي رؤوس عائلة الميرغني. الذين يستمد دعمهم الأساسي من الطائفة الختمية، و هم الغريم الموالي لمصر التاريخي لعائلة المهدي.

جاءت في المركز الثالث الجبهة الإسلامية القومية الممثلة لليمين الإسلامي المتطرف، يرأسها حسن الترابي، عدو الصادق السياسي و صهره. الترابي، وفقا لتصريحاته منذ انتخابات 1986، يسعى لإضعاف و في النهاية التخلص من سيطرة آل المهدي و آل الميرغني السياسية على الشمال المسلم . بسبب عجز كل من حزب الأمة و الإتحادي الديمقراطية عن الحصول على النفوذ الانتخابي الكافي للحكم المنفرد، قررا أن يحكما سويا. و لكن تعاونهم موبوء بالمشاكسات حول المناصب الوزارية الرئيسية،و الإتجاه المناسب للسياسة الخارجية، و السيطرة على أجهزة الدولة الاستخبارية. نتيجة لذلك، فإن الائتلاف لم يشغل نفسه الا قليلا بمحاولة تشكيل جبهة موحدة لمعالجة الأزمات الداخلية و الخارجية المتنامية.