البنك الدولي وصندوق النقد الدولي: خلفية تاريخية ونظرية.

? في يوليو 1944 إجتمع ممثلو 44 دولة في بريتون وودز، نيوهامشير، شمال شرق الولايات المتحدة الامريكية للاتفاق على كيفية إدارة النظام النقدي العالمي بعد الحرب العالمية الثانية، فيما عرف رسميا باسم “مؤتمر الأمم المتحدة النقدي والمالي” والذي تم على إثره إنشاء “صندوق النقد الدولي” و “البنك الدولي لإعادة الإعمار والتنمية”(1).

? وفقا لأرشيف وزارة الخارجية الامريكية فإن هذه المؤسسات تم إنشائها بعد استيعاب صانعي السياسة الامريكية للدروس المستفادة من فترة ما بين الحربين العالميتين، مختصر تلك الدروس كما وضح فرانكلين روزفلت، رئيس الولايات المتحدة الامريكية، هو أن التجارة الحرة تمثل الأساس لتعزيز الرفاه والسلام في العالم (1).

❓ ماذا حدث في فترة ما بين الحربين العالميتين؟

? الكساد العظيم، أسوأ كارثة اقتصادية

⭕ في ثلاثينيات القرن الماضي وللحد من آثار الأزمة الاقتصادية قامت العديد من الدول بزيادة التعاريف الجمركية وخفض قيمة العملة المحلية للمنافسة في أسواق الصادرات، بالإضافة إلى منع مواطنيها من حيازة النقد الأجنبي (1). قامت ألمانيا بالتوقف عن دفع ديون الحرب لفرنسا، بلجيكا، إيطاليا، وبريطانيا، والذين توقفوا بدورهم عن دفع ديونهم للولايات المتحدة. تبعا لذلك اضطرت الولايات المتحدة إلى أن تقلل بصورة جذرية من تصدير رؤوس الأموال للخارج وأن تحد من إيراداتها.

⭕ بتبسيط أكثر، تصدر الولايات المتحدة كأكبر قوة صناعية في العالم بضائعها للخارج وتمنح الدول القروض بشرط استيراد البضائع الامريكية. أدى الكساد الكبير الى توقف هذه الدول عن دفع مستحقاتها لأمريكا، وإلى تقليل استيراد البضائع الأمريكية بصورة كبيرة. توقفت تبعا لذلك عجلة النظام الرأسمالي تماما (2).

.

⭕ وفقا لمؤرخي صندوق النقد الدولي فإن إنهيار التجارة العالمية وارتفاع معدلات البطالة وتدهور المعيشة (3) كان نتيجة لزعزعة هذه السياسات إستقرار النظام الاقتصادي العالمي (1)، حتّم ذلك على الدول الصناعية إيجاد مخرج ما لضمان استمرارية حركة التجارة، وعدم تكرار سيناريو الثلاثينات بعد الحرب. هذا المخرج كان هو البريتون وودز ، أي صندوق النقد والبنك الدولي. في أبريل 1944 نشر “البيان المشترك بواسطة الخبراء من أجل إنشاء صندوق النقد العالمي” الذي شكل أساس التفاوض الذي تم لاحقا في بريتون وودز (1). وافق الكونغرس على إتفاقية بريتون وودز في يوليو 1945 ليتم إانشاء المؤسستين رسميا في ديسمبر 1945 (3).

? صندوق النقد الدولي:

? إن نظام النقد العالمي هو النظام الذي يحكم أسعار الصرف والدفع عالميا للدول ومواطنيها لشراء البضائع والخدمات. إزالة معوقات التجارة العالمية هو هدف صندوق النقد المعلن. اتفقت الدول الأعضاء عند انشاء الصندوق على تثبيت سعر الصرف، حيث سعرت العملات المحلية بالدولار والدولار بالذهب (3). استمر العمل بنظام سعر الصرف الثابت لثلاثة عقود، حتى أزمة صرف الدولار في أغسطس 1971، حيث قام ريتشارد نيكسون رئيس الولايات المتحدة وقتها بوقف صرف الدولار بالذهب، وفي مطلع 1973 ساد #تعويم_سعر_الصرف في البلدان الصناعية الكبرى (4).

⭕ وبسبب أزمة النفط في بداية السبعينيات، لجأت العديد من الدول المستوردة للنفط للاقتراض من البنوك التجارية، ومع رفع الدول الصناعية فوائد الديون من أجل التحكم بالتضخم نشأت ازمة الدين العالمية (3). قامت البنوك التجارية الغربية بإعادة تدوير دولارات البترول، بأخذ ودائع الدول المصدرة للنفط واقراضها للدول المستوردة للنفط من الدول النامية بأسعار فائدة عائمة ومتغيرة، تراكمت على أثرها ديون الدول المستوردة للنفط وبنهاية السبعينات كلفتها ما يعادل 22 مليار دولار في الفترة من 1978-1982. ومع انهيار أسعار السلع التصديرية الدول النامية بسبب الكساد، استجابت هذه الدول للأزمة بسياسات مالية توسعية، وبأسعار صرف ضخمة، وبالمزيد من الاستدانة! (3).

⭕ قام صندوق النقد في منتصف السبعينات بإنشاء صندوق ائتماني من اجل الإستجابة للعجز في ميزان مدفوعات الدول الفقيرة. وفي 1986 قام بإطلاق برنامج قروض ميسرة عرف باسم مرفق “التكييف الهيكلي” (Structural Adjustment Facility) والذي عدل بعد عام لمرفق التكييف الهيكلي المعدل (Enhanced Structural Adjustment Facility) (3).? تعرضت سياسات التكييف الهيكلي إلى انتقاد لاذع بعدما اكتسحت الأزمة المالية دول شرق آسيا من تايلاند الى اندونيسيا وكوريا في 1997، وعلى ضوء هذه الانتقادات انشأ صندوق النقد بالتعاون مع البنك الدولي برنامجه لتقييم القطاع المالي وخفف من حماس توجهات سياسته التحررية. وبدأ في هذه الفترة بالتوجه نحو صياغة مبادرة اعفاء الديون للدول الفقيرة (3). كما تم استبدال مرفق التكييف الهيكلي المعدل بمرفق النمو والحد من الفقر poverty reduction and growth facility (4).

? البنك الدولي :

? تم إنشاء البنك الدولي لهدفين، أولهما إعادة اعمار أوروبا التي تضررت بسبب الحرب العالمية الثانية، وثانيا لتعزيز النمو الاقتصادي في جنوب العالم (2، 5). عند انشاء البنك كان من بين الأعضاء ثلاثة دول فقط من افريقيا (مصر، اثيوبيا، وجنوب افريقيا) نسبة لتبعية بقية افريقيا للدول الاستعمارية. وكانت فرنسا أول المتحصلين على قرض في 1947 (5) تبعتها هولندا، والدنمارك ولكسمبورغ (2). ولكن قامت خطة مارشال في ابريل 1948 بتقويض سياسات اقراض أوروبا من قبل البنك (تابع/ي “خطة مارشال” تفاصيل أكثر موضحة في بقية المقال).

? تغير تركيز البنك الدولي من اوروبا واتجه إلى أمريكا اللاتينية، وافريقيا وآسيا، حيث قام بمنح العديد من القروض لتمويل مشاريع البنى التحتية، كالسدود، وشبكات الكهرباء، وأنظمة الري، والطرق (5). وتم البدء بمنح هذه القروض بطلب من القوى الاستعمارية، لتمويل مشاريعها في المستعمرات، واستمر بعد الاستقلال بغرض تمكين جنوب العالم من تصدير السلع الأساسية الى الشمال، وبشرط استيراد بضائع القوى الصناعية (2).

? تصاعدت العديد من الانتقادات للبنك الدولي من الدول النامية، بسبب التعامل التفضيلي الذي حظيت به أوروبا والدعم الذي وفرته لها خطة مارشال، وكذلك بسبب طريقة التصويت المتبعة في البنك. وفي فترة الخمسينات والستينات، اقترحت العديد من الدول النامية انشاء صندوق يتبع للأمم المتحدة بهدف التنمية الاقتصادية (Special United Nations Fund for Economic Development SUNFED)، وقام البنك الدولي لمجابهة هذه الانتقادات، بإنشاء هيئة التمويل الدولية “international finance corporation”، بهدف تمويل القطاع الخاص في الدول النامية. وعندما لم ينجح في إرضاء الدول الداعية لSUNFED ، قام بإنشاء رابطة التنمية الدولية international development association، والتي تقوم بمنح القروض بفائدة منخفضة للدول الفقيرة (2).

? في السبعينيات توسعت عمليات البنك عن طريق الترويج لقروض التكييف الهيكلي، كضامن لنجاح مشاريع البنك، من أجل تشجيع السياسات المؤسسية الرامية الى ازدهار الدول والقضاء على الفقر. وبدلا من تمويل مشاريع البنى التحتية حصرا، تم البدء بتمويل المشاريع “الانمائية” كإنتاج الأغذية، والتنمية الريفية، والحضرية. واستمر ذلك في الثمانينات ليشمل قطاعات التعليم، وسائل الاتصال، التراث الثقافي، والحوكمة الرشيدة (5).

? الصراع مع الأمم المتحدة (الصراع ضد دول العالم الثالث):

? لم يمر وقت طويل حتى ظهرت الطبائع الخفية لهذه المؤسسات. للأمم المتحدة هيئة تسمى: المجلس الاجتماعي والاقتصادي للأمم المتحدة (The economic and social council of the united nations ECOSOC). أرسل رئيس هذه الهيئة في مارس 1946 رسالة لحكام البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، تطالب بانشاء هيئة للاتصال بين المؤسستين والمجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة. طلب البنك الدولي تأجيل النقاش في هذه المسألة حتى إجتماع المدراء التنفيذيين في مايو، ونجح البنك في المماطلة ولم يتم أي اتفاق بين الاطراف إلا في نوفمبر 1947 اذ لم يتم الرد على الرسالة الأولى وتم الرد على الرسالة الثانية من قبل المدراء التنفيذيين بأن النقاش في هذه المسألة هو نقاش سابق لأوانه. في هذه الأثناء وقعت الامم المتحدة اتفاقيات مع منظمة الأغذية العالمية ومنظمة العمل العالمية ومع اليونسكو.تمت المحاولة الثالثة في يوليو 1946 عندما اقترح الامين العام للأمم المتحدة ان يتم الجلوس مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في سبتمبر القادم، مجددا كان رد المدراء ان الوقت لم يحن بعد. وبحسب مؤرخي البنك الدولي فإن هذه الماطلة سببها ” تخوف البنك والصندوق من أن يتسبب الانضواء تحت الأمم المتحدة في هبوط تقيّيمهما المالي في وول ستريت ومن وضعهما تحت حكم تأثيرات سياسية غير مرغوب فيها.”وأخيرا طرح البنك الدولي وثيقة للنقاش في الأمم المتحدة كانت بحسب اريك توسان إعلان استقلال أكثر من اعلان تعاون، وأثارت جدلا واسعا داخل الامم المتحدة، فرأتها بعض الدول تعديا سافرا على ميثاق الامم المتحدة، حيث صرح ممثل النرويج ان “بلاده لا يمكن أن تقبل بمنح صندوق النقد والبنك الدولي امتيازات قد تقوض سلطة الأمم المتحدة..” فرد عليه ممثل الولايات المتحدة ب ” أن لا شئ بامكانه تقويض سلطة الأمم المتحدة أكثر من عدم توصلها لاتفاق مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي”.أخيرا تم قبول الوثيقة من قبل مجلس الامم المتحدة للاقتصاد والاجتماع (13 مع واثنان ضد وثلاثة امتناع) لتتم المصادقة عليها في نوفمبر1947 من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة.وضعت هذه الاتفاقية البنك الدولي كمنظمة متخصصة تابعة للأمم المتحدة، ولكن منحتها الحق في العمل كمؤسسة دولية مستقلة عندما تطلب هي ذلك، وايضا سمحت لها بتحديد نوع المعلومات التي تود مشاركتها مع مجلس الامم المتحدة للاقتصاد والاجتماع. ويشير توسان إلى ان هذا الوضع يخرق ميثاق الامم المتحدة في عدة مواد، وبحسب مؤرخي البنك الدولي فإن هذه الاتفاقية لم تكن مرضية لسكرتاريا الامم المتحدة ولكنها كانت مجبرة على قبولها (2).

❌نورد هنا بعض الأمثلة التي رفض فيها البنك الدولي الانصياع لقرارات الأمم المتحدة :

? في العام 1964 صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة وخرجت بقرار مفاده “أن نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا خرق ميثاق الأمم المتحدة ولذلك يجب امتناع جميع المنظمات التابعة للأمم المتحدة عن تقديم اي مساعدة مالية لجنوب افريقيا”. رفض البنك الدولي بشكل صريح الالتزام بهذا القرار واستمر في مساعدة السلطة في جنوب افريقيا حتى العام 1968، وموَّل البنك محطات توليد توفر الطاقة لأصحاب البشرة البيضاء فقط، واستمر كذلك صندوق النقد الدولي في تقديم القروض لنظام الفصل العنصري ولم يغير سياساته إلا بعد أن أصدر الكونغرس الامريكي قرارا يحظر تمويل النظام في جنوب افريقيا.

? في العام 1965 أصدرت الأمم المتحدة قرارا ضد البرتغال لتمسكها بسياستها الاستعمارية في الوقت الذي نالت فيه معظم الدول استقلالها، و وجهت رسميا صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للتوقف عن تقديم المساعدات المالية والتقنية للبرتغال ما لم تتخلى عن سياساتها الاستعمارية. رفضت المؤسستان تنفيذ قرارات الأمم المتحدة استنادا على الوثيقة التي تحكم علاقتهما بالأمم المتحدة والتي تضمن لهما عدم الانصياع لأي من قراراتها.

?كيفية التصويت داخل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي :

? خلافا لغيرهما من مؤسسات الأمم المتحدة (حيث يعتمد الصوت الواحد للبلد الواحد) فإن للبنك والصندوق نظام تصويت خاص يضمن سيطرة البلدان الغنية، حيث يتم حساب عدد الأصوات بنسبة مساهمة البلد المالية الى اجمالي مساهمات جميع البلدان. مثلا تملك الولايات المتحدة حاليا 17.46% من الاصوات داخل صندوق النقد الدولي ويملك السودان 0.04% من الاصوات(6).

? بحسب تقييم صادر عن الأمم المتحدة فإن شكل سياسة التصويت هذه غير عادل ويمنح الولايات المتحدة سلطة تفوق نصيبها من المساهمة الفعلية ولابد من تغييره (7). الجدير بالذكر أن هنالك اتفاق غير مكتوب بين الأوربيين والامريكان مفاده أن مدير صندوق النقد الدولي يجب أن يكون اوروبيا ومدير البنك الدولي يجب ان يكون امريكيا، وفعلا هكذا تجري الأمور حتى تاريخ اللحظة.

❌ لم تكن دول العالم الثالث مرتاحة لهذا الوضع، فكانت تشكو من ان البنك الدولي يقدم لها قروض بسعر الفائدة السائد في السوق العالمي بينما قدمت الولايات المتحدة منح مجانية لإعمار أوروبا وقروض ذات فوائد متدنية ، كذلك كانت دول العالم الثالث غير مرتاحة لنظام التصويت داخل البنك الدولي، وتحت هذه التأثيرات دعت دول العالم الثالث لإنشاء منظمة تابعة للأمم المتحدة ومعنية بالتنمية وتوفير القروض للبلدان التي تحتاجها، ويتم التصويت فيها بحسب (بلد واحد صوت واحد). قدم هذا الاقتراح كما ذكرنا سابقا في العام 1949 تحت اسم (صندوق الأمم المتحدة الخاص بالتنمية الاقتصادية)(SUNFED)، والذي يهدف لتمويل بلدان العالم الثالث بغرض بناء المدارس والطرق وتوليد الطاقة والمستشفيات وغيرها من البنية التحتية، ويتم التصويت بالتساوي بين جميع الأعضاء في المشروع، والنقطة الأهم ان هذه القروض يمكن تسديدها بالعملة المحلية للبلد(8) ، فماذا حدث؟

⭕ فكرة وجود صندوق خاص بالتمويل تتحكم فيه الأمم المتحدة ومنفصل عن البنك الدولي لم تكن مقبولة للولايات المتحدة والبلدان الصناعية، وخوفا من ان تصبح هذه البلدان المتقدمة أقلية تصويتية في مؤسسات تمويل عالمية تتبع للأمم المتحدة عملت على قطع الطريق امام المشروع الذي تقدمت به بلدان العالم الثالث، فطرحت الولايات المتحدة مشروع إنشاء هيئة التمويل العالمي (IFC) كمنظمة متخصصة في تمويل القطاع الخاص في العالم الثالث وتحت مظلة البنك الدولي، لم تنجح خطوة الولايات المتحدة في تقليل الحماس نحو مشروع SUNFED ، ولكن لسوء الحظ انقسمت بلدان العالم الثالث، فالهند التي كانت تدعم مشروع صندوق الامم المتحدة المتخصص غيرت موقفها لتدعم مشروع الولايات المتحدة الداعي لتكوين رابطة التنمية الدولية (IDA) تحت مظلة البنك الدولي ايضا، وتقوم بتوفير قروض ميسرة للعالم الثالث. وفرت الولايات المتحدة 42% من رأسمال رابطة التنمية الدولية وفي العام الاول لنشاطها منحت الرابطة 50% من قروضها للهند(2) ، الآن تتبع كل من IDA وال IFC لمجموعة البنك الدولي أما SUNFED فلا وجود لها.

? نظريات البنك حول التنمية:

⭕ لتحقيق النمو الاقتصادي لابد للدول النامية من الاستدانة وتشجيع الاستثمار الخارجي، نسبة لعجز رأس المال المحلي عن تلبية متطلبات النمو. على القطاع العام تهيئة البنى التحتية من طرق، سكة حديد، محطات الطاقة، المؤاني وشبكات الاتصال الخ و على القطاع الخاص تولى أمر التجارة، الزراعة، الصناعة، المواصلات والخدمات المالية والشخصية وكل ما يجني أرباحاً (2). كما ذكرنا سابقا، اتجهت قروض البنك الدولي لتمويل مشاريع البنى التحتية حصرا حتى السبعينات. هذه القروض يستدينها القطاع العام وتدفعها الدولة، لتهيئة الاساس الذي سيعمل عليه القطاع الخاص لجني الارباح وتحقيق النمو الاقتصادي المزعوم .

❌سنستعرض هنا أهم الاسس النظرية التي يستند عليها البنك الدولي في تسويق وصفاته كحقائق علمية مدعومة بالأرقام .

1️⃣ نموذج Heckscher-Ohlin-Samuelson (HOS):

⭕ اشتهر هذا النموذج في الثلاثينات فيما عرف بنظرية المزايا النسبية (comparative advantage). يشكل العمل، الأرض ورأس المال عوامل الانتاج، وتختلف الدول في مدى توفر هذه العوامل الثلاثة. في نموذج HOS تستفيد اقتصادات جميع الدول في السوق العالمي عند تخصيص الدولة للإنتاج والتصدير بالاعتماد على العامل المتوفر لديها بكثرة وبالتالي الاقل تكلفة، ستعمل التجارة الحرة على موازنة عوامل الانتاج بين الدول المختلفة بتصديرالدول للمتوفر واستيراد النادر الذي تصدره دولة اخرى لوفرته لديها وهكذا دواليك(2).

❌يتجاهل النموذج إختلاف ظروف الانتاج و طبيعة الرأسمال بين الدول النامية و الدول الصناعية. فإختلاف البنية التحتية و الوضع التعليمي و الصحي سيؤدى لاختلافات في عوائد الاستثمار حيث تتحصل الدول الصناعية على أضعاف عوائد استثمار البلدان النامية. (2)

2️⃣ مراحل النمو الاقتصادي الخمسة ل Rostow :

⭕ في 1960 قام والت روستو في كتابهِ مراحل النمو الاقتصادي: مانفستو غير شيوعي، بوصف خمسة مراحل تمر بها الدول لتنمو اقتصاديا. في المرحلة الاولى تعتمد المجتمعات البدائية على النشاط الزراعي تماما ولا وجود لاي تقدم تقني، ثم تأتي مرحلة يبدأ فيها التبادل والادخار وتظهر بعض التقنيات حتى الوصول الى مرحلة الاقلاع التي تزداد فيها معدلات الاستثمار والادخار وتتجه الدولة نحو النمو التراكمي. في المرحلة الرابعة يسود التقدم التقني جميع المجالات ويتنوع الانتاج ليأتي اخيرا عصر الاستهلاك الجماعي. يرى روستو أن في المرحلة الثالثة (كبريطانيا في الثورة الصناعية) لابد من دخول رؤوس اموال خارجية أي (الاستثمار الأجنبي) كشرط للنمو ولتراكم رأس المال لاحقا، وان الهدف هو الوصول إلى مرحلة الولايات المتحدة الامريكية بعد الحرب العالمية الثانية (2).

❌أوضحت العديد من الدراسات عدم دقة نموذج HOS ، كما وجهت العديد من الانتقادات لنظريه روستو لتبسيطها المخل وتجاهلها الحقائق التاريخية للدول الأخرى(2).

3️⃣ نموذج العجز الثنائي:

⭕ في منتصف الستينات، قام كلا من هولس شينري -الذي أصبح نائب رئيس البنك الدولي لاحقا- وزميله آلان ستراوت، بتقديم نموذج العجز الثنائي. في المراحل الاولى من النمو الصناعي، يمثل العجز في المدخرات -رأس المال المحلي- السبب الاول في عرقلة النمو، والذي يحتم ضرورة الاستثمار الخارجي، ولكن حتى وبعد الوصول الى مراحل متقدمة من التصنيع، يتسبب عدم توفر العملات الصعبة لاستيراد متطلبات الصناعة من معدات وسلع وسيطة ومواد خام، في عرقلة التنمية. ولحل عجز السيولة هذا لابد للدول النامية من أن تستدين (2).

❌يرى عدد من الاقتصاديين ضعف الأساس النظري لهذا النموذج، فرأس المال الاجنبي لم يدعم بل استبدل راس المال المحلي، إضافة للزيادة في معدلات الاستهلاك وبالتالي تقليل المدخرات. يظهر ذلك العلاقة العكسية بين التمويل الأجنبي والادخار القومي بوضوح (2).

4️⃣ التنمية عن طريق التصدير:

⭕ بدلا من استبدال الواردات – الاستعاضة عن توريد البضائع الاجنبية بالتصنيع المحلي- تقدم استراتيجية البنك الدولي التصدير والاستدانة كحل لعجز الدول النامية، والتبرير النظري لذلك كما توضح آن كروجر والتي ترأست البنك الدولي لاحقا هو”ان النظام القائم على التصدير بدلا من احلال الواردات سيقضي على البطالة لان الطلب على المنتجات في السوق العالمي سيكون لانهائيا” (2).

5️⃣ الأثر غير المباشر the trickle-down effect:

⭕ ظهر هذا المصطلح في أدبيات البنك الدولي منذ نشأته، وعاد مجددا للظهور في الثمانينات رغم تصاعد العديد من الانتقادات له. إن النمو الاقتصادي عن طريق وصفات البنك، يغذي جيوب الاغنياء أي المستثمرين، الذين لابد منهم لدفع عجلة الانتاج. لكن وبحسب منظري البنك فان هذا النمو الاقتصادي سيفيد لاحقا الفقراء بطريقة غير مباشرة عند تحسن الوضع الاقتصادي للدولة عموما، فالانشغال بالتوزيع العادل للثورات لا يعني شيئا إذا لم يكن هناك نمو اقتصادي.

بل يرى رئيس البنك الدولي السابق يوجين بلاك ان اللامساواة في الدخل ضرورة لازمة للنمو الاقتصادي وستمكن الناس من الهروب من الفقر.

❌ وبالرغم من أن دراسات البنك في فترة السبعينات أثبتت عدم صحة هذه الفرضية الا أن البنك عاد لمزاولة نفس الطرح النظري عند استلام آن كروجر لمنصبها في الثمانينات (2).

? تظهر الحقائق الآن وبعد عقود، فشل الخطط التنموية للبنك الدولي وصندوق النقد وان هذا الأساس النظري ونماذج النمو الاقتصادي التي تؤطر رؤية البنك انما نجحت في جعل الدول النامية، معتمدة على رأس المال الاجنبي وغارقة في الديون (9).

❌يروج خبراء البنك لسياساتهم بأن رأس المال الأجنبي سيعمل على زيادة معدلات نمو رأس المال المحلي حتي يصل لمرحلة لا يحتاج بعدها الى مزيدا من المنح. لكن ما يحدث في الواقع هو أن عوائد راس المال الأجنبي سرعان ما تهرب الى خارج البلد في شكل أرباح. تنبأ هؤلاء الخبراء بأن كولومبيا ستصل إلى هذه المرحلة المستدامة في عام 1965 ويوغسلافيا في 1966 والأرجنتين والمكسيك في 1965-1975 والهند في السبعينات وباكستان بعدها بثلاث الى أربع سنوات والفلبين في منتصف السبعينات! (2).

? يرى إريك توسان في مقاله “الأكاذيب النظرية للبنك الدولي”:

أن صندوق النقد العالمي والبنك الدولي يقومان بإقراض الدول بمنهجية تسعى للتأثير على سياساتها، فالدين الخارجي هو الوسيلة لإخضاع الدول المستدينة” وأن الخطط التنموية للبنك الدولي لم تفشل لأخطاء حسابية او لسوء في الادارة بل رُسِمت بدقة، وعُلمت في الجامعات وسطرت في آلاف الكتب عن التنمية الاقتصادية. فلا يوجد أبلغ مما صرح به كلا من ماكس ميليكان ودونالد بلاكمر في كتابهما (الدول الصاعدة: نموها وسياسة الولايات المتحدة) بأن “دعم الدول برؤوس الأموال يشكل وسيلة الضغط الامثل لإقناع هذه الدول النامية باتباع مصالح امريكا والعالم الحر، ولذلك لابد للمبالغ من أن تكون ضخمة وبشروط مرنة حتى يقتنع المتحصلين أن هذه اللعبة تستحق التعب!”(9)

? عمار أوروبا (خطة مارشال)، شروط إعفاء الدين الالماني مقابل شروط إعفاء ديون الدول النامية!

? بعد الحرب العالمية الثانية انقسم العالم الى معسكرين ، معسكر شرقي بقيادة الإتحاد السوفييتي ومعسكر غربي بقيادة الولايات المتحدة. كان كل معسكر يعمل على تقوية دُولهِ خصوصا ذات المواقع الإستراتيجية منها، وفي هذا الإطار قررت الولايات المتحدة ان أوروبا التي دمرتها الحرب لابد من اعادة اعمارها ومحاربة الفقر فيها وتنمية صناعتها. وبحسب الولايات المتحدة فإن أوروبا وقتها لم تكن قادرة على استيراد احتياجاتها الغذائية من الولايات المتحدة، وأن ضغط الاستيراد هذا سيعيق إنفاق الحكومات على اعادة البناء فشرعت الولايات المتحدة في مساعدة أوروبا، وبإيعاز منها تكونت المنظمة الاوربية للتعاون الاقتصادي في أبريل 1948، إذ طلب وزير الخارجية الامريكي جورج مارشال من الاوربيين تقييم وضعهم ولعب دور فعال في كيفية إدارة المساعدات التي يمكن ان تقدمها الولايات المتحدة (10).

❓فكيف ساعدت الولايات المتحدة أوروبا في اعادة التنمية والتقليل من الفقر؟

⭕ رسميا تحت مسمى برنامج التعافي الاوربي (خطة مارشال) قدمت الولايات المتحدة بين عامي 1948-1951 مساعدات مالية قدرها 13 مليار دولار (تعادل حوالي 122 مليار دولار بدولار 2017) 11 مليار في شكل منح و 2 مليار في شكل قروض (11)، المنح هي هبات مجانية لا ترد أما القروض فتسترد على فترة زمنية محددة بفوائدها. ووضعت الولايات المتحدة شروطها كالآتي :

1️⃣ يتم تحديد وتنسيق إعادة الإعمار بين الدول الاوربية داخل منظمة التعاون الاقتصادي الاوربية. 2️⃣ تستخدم المساعدات المالية لاستيراد السلع التي تنتجها الولايات المتحدة.

⭕ شطبت الولايات المتحدة ديونها على فرنسا وبلجيكا، وايضا تم عقد اتفاقية تخص ديون ألمانيا على بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة سواء تلك التي قبل الحرب أم بعدها، عرفت ب اتفاقية لندن 1953 حيث أقرت الاتفاقية أن الدول الدائنة الثلاث ستدخل في اتفاق مع المانيا ، ستحرص كل الاطراف على ان يكون عادلا وألا يتسبب في تدهور الوضع المالي لألمانيا وألا يستنزف مخزون ألمانيا من العملات، بلغت ديون المانيا قبل الحرب 22.6 مليار مارك الماني و 16.2 مليار مارك لفترة ما بعد الحرب. أقرت الاتفاقية تخفيض ديون ما قبل الحرب إلى 7.5 مليار وديون ما بعد الحرب الى 7 مليار ، أي شطب ما قيمته 62.6 % من ديون المانيا. أيضاً نصت الاتفاقية على ايقاف عمليات الدفع واعادة التفاوض اذا لم تستطع المانيا السداد. وقبل الدائنون ان تدفع المانيا ديونها بعملتها المحلية، وأن تقلل ألمانيا كذلك من استيراد السلع التي يمكن ان تصنعها محليا، وتم الاتفاق على ان لا تتعد نسبة المدفوع من الديون 5٪ من عائدات الصادر الالمانية وذلك بغرض التأكد من الا تدفع ألمانيا ما يفوق طاقتها. إضافة إلى ذلك تم ضبط معدلات الفائدة بحيث تتراوح بين 0-5 %، واضعين في الاعتبار ما تلقته ألمانيا من دولارات خطة مارشال و200 مليون دولار اضافية كمساعدات امريكية. وتمكنت ألمانيا من سداد ديونها في وقت وجيز في عام 1960.

? حسب اريك توسان كان الغرض من الاتفاق المحافظة على نمو الاقتصاد الالماني ومساعدة المانيا في تحسين رفاهية مواطنيها وتمكينها من دفع ديونها دون أن تصبح فقيرة. نبقى مع اريك لنعرض مقارنة بين كيفية معاملة بلدان العالم الثالث فيما يخص المساعدات وسداد القروض وكيفية معاملة المانيا:

⭕برغم خروجها من حرب كانت المانيا اقوى اقتصاديا من دول العالم الثالث في يومنا هذا ومع ذلك تلقت من المساعدات ما تنكره الدول الغربية على الدول النامية اليوم.

⭕ نسبة مدفوعات الديون إلى عوائد الصادر : سمح لألمانيا بأن تكون مدفوعات سداد الديون اقل من 5% من عوائد ما تصدره، اما الدول النامية فأن متوسط نسبة مدفوعات ديونها يبلغ 12.5 % من عوائد الصادر، وفي أواخر التسعينات تجاوزت هذه النسبة ال 20.%

⭕ معدل الفائدة على الدين الخارجي : حددت اتفاقية لندن معدلات فائدة لا تتجاوز ال 5% لألمانيا. مقارنة بألمانيا فإن معدلات الفائدة للدول النامية كانت عالية وتراوحت في الفترة من 1980 إلى 2000 بين 4.8 و 9.1%.

⭕ العملة التي يجب ان تسدد بها الديون: سمح لألمانيا أن تسدد ديونها بعملتها المحلية بينما يجب على الدول النامية السداد بالعملة الصعبة

⭕ امكانية مراجعة الاتفاق: سمحت اتفاقية لندن بإمكانية ايقاف مدفوعات الديون، بينما اتفاقيات الدول النامية لا تتضمن إمكانية كهذه.

⭕ إضافة إلى مزايا اخرى تضمنها التعامل مع المانيا وكوريا الجنوبية والفلبين ودول اخرى تعتبرها الولايات المتحدة استراتيجية (البنك الدولي والولايات المتحدة سمحا لكوريا الجنوبية بانتهاج سياسات حظرها البنك في البرازيل والمكسيك).

? خلص اريك إلى ان عدم منح هذه المزايا للدول النامية يوضح ان الدائنين لهذه الدول لا يقرضونها بغرض تخليصها من ديونها بل تكمن مصلحتهم في الحفاظ عليها في حالة مديونية دائمة وعندها يمكنهم جني الارباح من خلال فوائد الديون وايضا من خلال التحكم في سياساتها والتأكد من ان تحافظ هذه الدول على ولائها للمؤسسات الدولية المختلفة (2).

⭕ عندما أرادت الولايات المتحدة مساعدة أوروبا وكوريا الجنوبية لم تلتفت للطرق والوصفات التي يطرحها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والتي يروج لها باعتبارها “نظريات علمية” وطرق سليمة لمحاربة الفقر وتنمية البلدان، بينما تلتزم الدول النامية بهذه الوصفات ولا تحصل إلا على المزيد من الديون

? المراجع تستند هذه المادة بصورة أساسية على كتابات اريك توسان في هذا المجال، وبعض الفقرات مترجمة كما هي من كتابه (البنك الدولي: نقد تمهيدي)

1. The Bretton Woods Conference, 1944. [online] Available at: https://2001- 2009.state.gov/r/pa/ho/time/wwii/98681.htm [Accessed 14 Oct. 2019].

2. Toussaint, E. (2008). The World Bank. London: Pluto Press.

3. Imf.org. (2019). About the IMF History. [online] Available at:https://www.imf.org/external/about/history.htm [Accessed 14 Oct. 2019].

4. Imf.org. (2019). Factsheet – IMF Concessional Financing through the Enhanced StructuralAdjustment Facility (ESAF). [online] Available at:https://www.imf.org/external/np/exr/facts/esaf.htm [Accessed 15 Oct. 2019].

5. World Bank. (2019). History. [online] Available at:https://www.worldbank.org/en/about/archives/history [Accessed 14 Oct 2019].

6. Imf.org. (2019). IMF Members’ Quotas and Voting Power, and IMF Board of Governors. [online]Available at: https://www.imf.org/external/np/sec/memdir/members.aspx [Accessed 20 Oct..]2019

7. Hans Schmeets (2018) How World Bank Governance Indicators May Predict the Assessment of Elections by International Observers: Evidence From the OSCE-Region, Nordic Journal of Human Rights, 36:1, 55-73, DOI: 10.1080/18918131.2018.1446623

8. Manzer, R. (1964). The United Nations Special Fund. International Organization, 18(4), pp.766- 789.Oecd.org. (2019). The “Marshall Plan” speech at Harvard University, 5 June 1947 – OECD. [online] Available at: https://www.oecd.org/general/themarshallplanspeechatharvarduniversity5june1947.htm [Accessed 20 Oct. 2019].

9. Harvard Gazette. (2019). 70 years ago, a Harvard Commencement speech outlined the Marshall Plan, and calmed a continent. [online] Available at: https://news.harvard.edu/gazette/story/2017/05/70-years-ago-a-harvard-commencement- speech-outlined-the-marshall-plan-and-calmed-a-continent/ [Accessed 20 Oct. 2019].

10. “Marshall Plan | Summary and Significance”. Encyclopedia Britannica. Retrieved 2018-03-09.

11. Carew, Anthony (1987). Labour Under the Marshall Plan: The Politics of Productivity and the Marketing of Management Science. Manchester University Press. ISBN 978-0-7190-2553-2