المهدي كعبقري ل “حرب الشعب”

الخلط المدمر:

يخلط الكثيرون من ثوريي اليوم بين الإمام المهدي، الثوري الذي خلص السودان من الإحتلال، وبين خلفه الإنتهازي. ويساوون بينهما باعتبار النسب. وهذا المسلك، فوق كونه ظلما يتجاهل السياق المعاصر، يحرم ثوريي اليوم من النظر العلمي لدروس الإمام المهدي في شأن التكتيك، وهذه حماقة. والثورة لا تلقي بأفكار الماضي في مزبلة الأفكار لأنها تكره من يحملها في الوقت الحاضر، بل تناقش الماضي بشروط الحاضر، وتتعلم كيف أن الانتهازي قد يأتي من صلب الثوري، والعكس أيضا. فتكتشف دروبها الجديدة من ذاك النقاش. وتنتعش. ولم تنجح ثورة في التاريخ إلا بمثل هذا النقاش الجاد.

هذا المقال هدفه:

بمقدورنا أن نستفيد الكثير من ثورة السودان في 1882م- 1885م، ومن تكتيك المهدي في تعبئة القوى حوله وتوجيهها، ومدها بالعزيمة القتالية، وأساليبه في التقدم والانسحاب، وقراراته في الهجوم والدفاع، وسحقه للقوى المعادية في نهاية المطاف وقطع رأس العدو واحتلال مركز القيادة والسيطرة في معركتنا الحالية. نحن نخوض حربا ضد ساكن القصر، وعلينا أن نتعلم من أول من قطع رأس ساكنه.

المهدي برداء كلاوسفيتز

لننظر إلى الوقائع في 1880م

هناك طرفان في المعركة : دولة محتلة متقدمة تقنيا، وتملك التسليح الناري ووسائل الإتصالات ومنظمة للغاية عسكريا بتشكيل عسكري نوعي قليل العدد من قوات النخبة + لها حلفاء محليون يقاتلون بالوكالة ؛ضد ،مجموعات متفرقة من القبائل، والتجمعات القروية، وحرفيي المدن، لا يضمها أي رباط. وتعيش حياة اكتفائية فقيرة، تنظيمها العسكري بدائي للغاية أو معدوم، ولا تملك سوى أسلحة الحرب القديمة من سيوف وحراب وبعض الدروع.

يضطهد الطرف الأول كل من في الطرف الثاني عبر اقتلاع الضرائب بالعنف، ومن يقاوم كان مصيره القتل العلني حتى يخاف الباقون. كان كل الناس ساخطين وخائفين. لم يعرفوا الجواب على سؤال “ما العمل؟”.

واجهت المهدي 3 مشكلات :

المشكلة (1)

هي توحيد كل هؤلاء المتضررين تحت راية واحدة. كانت مؤسسة التصوف هي البحر الذي يضم في جوفه كل هذه التجمعات، وبعد وفاة الشيخ القرشي في 1880م وتوليه شياخة الطريقة السمانية أحد أكثر الطرق الصوفية نفوذا وهيبة، وتوافد الناس عليه لتلقي بركاته، حلت هذه المسألة جزئيا.

المشكلة (2)

هي مشكلة الحفاظ على سرية خطته حتى يقوى عودها وتؤسس نواتها الصلبة ولا تقتل في مهدها. وهو ما فعله في هجرته السرية إلى الأبيض في نفس السنة يحمل الجبة المرقعة والمسبحة والعكاز وإبريق فخار. كان يحدث الناس عن التصوف علنا ويدعوا لحركته سرا. ونجحت هذه الخطة لأن المحتل ظنه مجرد درويش آخر همه الجذب والذكر والكرامات. وجمع من التجار والأعيان القبليين الموافقة، فبايعوه سرا وأمرهم بالانتظار حتى يجهر بالثورة. وهكذا حل المشكلة الثانية.

المشكلة (3)

هي مشكلة التكتيك العسكري. كيف يمكن حسم قوة متفوقة من حيث التسليح والتنظيم وجودة الإتصالات بجموع متفرقة غير مدربة ولا جامع بينها؟ هنا بالتحديد، تتكشف عبقرية نادرة. لقد تعامل المهدي مع المسألة مستفيدا من نقاط قوته ضاربا بقوة على الشقوق الصغيرة في جدار حماية خصمه حتى يفتته. لقد عرف مواطن الضعف وتعامل معها بذكاء وحنكة. تقول ممارسته السياسية أن الحل هو …”حرب عصابات طويلة الزمن، على مساحة جغرافية شاسعة، بواسطة جيش متحرك منفصل من الأعوان، يجدون في تشكيلاتهم الإجتماعية المحلية حواضن للنمو والحماية، قليلي التسليح ولكن ذوي عزيمة كالفولاذ، يتساوى لديهم الموت والحياة. ومن ثم الهجوم بلا هوادة، مرحلة تليها مرحلة، من أجل تشتيت قوة الخصم وإضعافها مع مرور الزمن تمهيدا لضربة قاضية”.

كان الوصول لاستنتاج عسكري كهذا في القرن التاسع عشر دلالة على عبقرية لاتضاهى. وقد طبق الاستراتيجيون الصينيون نفس هذه الخطة في مواجهة الغزو الياباني أربعينات القرن العشرين، وطبقها فون جياب وجيش فيت كونغ في فيتنام ضد الفرنسيين ثم الأمريكيين. وانتصروا. ولكن سبقهم المهدي بسبعين عاما. ليس بالضرورة أن نقول انهم نقل نقلوها عنه، فهذه مبالغة خرقاء. الأهم هو القول أن الاستجابة الذكية لنفس الظروف المحيطة قد تعلمنا عن تشابهات جيدة ومفيدة للمقارنة بين التجارب.

أحيانا، يجب على المنتصر أن ينسحب !

لنلق نظرة على مسارح العمليات في حرب المهدية:

البداية بالجزيرة أبا أغسطس 1881م. أرسل حكمدار الكوة 650 عسكريا للقبض على المهدي. فاستنفر القبائل المجاورة والتي كانت في أعلى حالات التعبئة ضد العدو المحتل. ارتكز 250 رجلا في موقع محصن جوار الموقع الذي سينزل منه جنود العدو وانتظروا. وفي كمين محكم التحم فيه الطرفان بالأسلحة البيضاء أباد الأنصار كل القوة المعادية. بفضل قدرتهم على التخطيط حيدوا أثر السلاح الناري في المعركة فمالت الكفة لصالحهم. الأقلية الحديدية والخطة الجيدة يصنعان الفرق.

هنا يأتي القرار العبقري:
إن بقي المهدي في مكانه لهزم. فوسع المهدي نطاق المعركة

اختار الانتقال حيث تنصره الجغرافيا وحشود الناس : قدير في جبال النوبة بتحصيناتها القوية. تحركت قوة معاديو لمطارته فواجهتها كل القبائل في الطريق والتي بدأت في تأييد بالمناوشات وحمت ظهره من غدرها ففضلت القوة التراجع.

انتصر في معركة أخرى في قدير و صوله.

أما “الزريبة” في جبل الجرادة بجبال النوبة، كانت الإنتصار الثالث. لقد انتزع منطقة جغرافية كاملة وكسب الاهتمام والتعاطف. ولكن، هل توقف المهدي هنا؟. الإجابة هي (لا) كبيرة. واستلزم عزمه الهجوم بدل الانسحاب الذي قام به في البداية تغييرا في أسلوب الحرب ومداها وقواها.

إن أردت التقدم أماما، عليك فتح جبهات جديدة ضد الخصم مستفيدا من مكاسبك القديمة، وبشراسة أكبر.” هكذا تقول ممارسة المهدي بعد قدير.

لقد أدى فعل المهدي إلى خلخلة قوات العدو وثباتها، واضطرب نظامها المعتاد بعد أن اعتادت على المعارك المنفصلة، أصبحت مواجهة بقوة جديدة. انعكست هذه الخلخلة إيجابيا على قوى الغضب الكامن التي كانت تبحث عن منفذ لتخرج. وقد كان. واستفاد المهدي بعبقرية من ذلك.

العالم القديم يحتضر ..

قام العدو بتحريك قوات من الجزيرة لتغطية النقص في العدد في مناطق الاشتباك، فأتاح ذلك الفرصة لأنصاره بإعلان العصيان المسلح في الجزيرة في أكثر من 12 منطقة. وتفاقمت متاعب العدو. وفي مارس 1882م فتح المهدي جبهة جديدة في كردفان، واشتعل العصيان بدارفور في أكتوبر 1882م. وكانت كل هذه المعارك تحشد المزيد والمزيد من الناس حول حركة المهدي الثورية، وتشجعهم للمواجهة. فيتصل بهم، وينضمون لجيشه، وتتضعضع معنويات الخصم. كل ذلك في حركة واحدة متعددة التكتيكات.

التقدم مرة أخرى، بخطى أكثر ثباتا

انتقل المهدي من حرب العصابات في الريف – بعد أن أدت هدفها في تشتيت قوات الخصم وتكريب صفوف الثورة – إلى خطوة متقدمة، وهي إيقاع الضربة نوعية مؤلمة بالعدو في قلعته الحصينة، وهو في أضعف حالاته. أي : أن يهاجم المدن، مقر السلطة.
وقد كان.
حرك قواته المتمركزة في جبال قدير لحصار الأبيض وبارا، مستندا على دعم ومساندة القبائل والتجمعات التي تقع على طريقه التي كسب دعمها بعد أن بنى قاعدته في قدير.

استسلمت المدينتان : يناير 1883م.

غرامشي في الأبيض

بعد سنتين من حرب العصابات الريفية، ذات الطابع المفكك والتي تعتمد على المباغتة، انتقل المهدي في معركة الأبيض إلى حرب المواجهة الصدامية المباشرة، المكشوفة المكان والزمان. ولم يتم هذا الانتقال تلقائيا، بل استلزم تكامل الجهود السياسية والعسكرية والمعنوية. اصطدمت القوتان هكذا رأسا برأس. ما فعله المهدي يسمى في عصرنا الحديث بالانتقال من “حرب المواقع ” إلى ” حرب الحركة ” مرورا عبر مرحلة طويلة من التجهيز والمعارك الجزئية يتم خلالها اختيار لحظة الصفر.

خطوتان إلى الأمام، خطوة إلى الخلف

لقد فاز المهدي الآن في الأبيض بما كان ينقصه: السلاح الناري. أصبح في يده نفس سلاح عدوه. تساوت الكتوف.

كان من الممكن أن يتوجه المهدي مباشرة نحو العاصمة الخرطوم. مستفيدا من حماس جنوده وسلاحه الجديد، ولكنه اتخذ القرار العبقري الثاني : تمترس في مواقعه الجديدة وعاد إلى ممارسة حرب العصابات، ولكن هذه المرة بسلاح أكثر تقدما وعزيمة أشد صلابة. “لم تزل هناك بعض الجيوب التي لم يخسرها النظام بعد ولا يزال بمقدورنا تحييدها أو جذبها” تقول ممارسة المهدي. وهذا هو (تكتيك حشد القوى). بدأ العصيان مجددا في بربر، ومن ثم القضارف. وحاول عدوه وهو في تلك الحالة من الضعف أن يقضي عليه وهو لا يزال في الأبيض، كانت معركة شيكان التي تجلفن فيها جنود المهدي من محض مقاتلين قبليين غاضبين إلى جيش منظم، مسلح، ذو عزيمة قتالية متسقة، وقيادة موحدة. فانتصر وفاز بالسلاح غنيمة وبالمعنويات. وعلى الرغم من أن حملة هكس باشا كانت آخر جيش منظم للعدو في البلاد، لم يهجم أيضا، مارس الانتظار الهجومي. فاكتمال التفاف الحبل حول عنق الضحية ضروري لقتلها. تشجعت الناس وقاموا بالمزيد من الانتفاضات: سقطت في يده الفاشر في يناير 1884م، والقضارف في مايو، تلتها بحر الغزال في يوليو من نفس السنة، وفي كان عثمان دقنة يمارس أرقى أنواع حرب العصابات في شرق السودان مرتكزا في “تمنييب”، “طوكر” و”سنكات” على خط عمليات يبلغ طوله 600 كلم. مما جعل العدو عاجزا عن الدفاع عنه. في الختام، قام بضربة فنية قاضية فتحت طريق المهدي لضرب معقل العدو : لقد قطع دقنة طريق سواكن – بربر وسيطر على طريق القلابات. فأصبحت الخرطوم معزولة، مهزومة في كل مكان، وبلا منافذ للهرب. وانتقل المهدي مرة ثانية من حرب العصابات إلى المرحلة الثانية من المواجهة المباشرة، شعاره “إلى القصر حتى النصر” بكلام اليوم.

سحق البعوضة؛ بمطرقة

خلال 3 سنوات، ارتقت قوات المهدي من عصبة قوامها 250 شخصا في الجزيرة أبا أرقى سلاحهم السكين والعصى، و “أسياف العشر” في أسطورة مهدوية، إلى جيش موحد منضبط وممتاز التسليح من ربع مليون مقاتل. كل ذلك خلال مراحل من المعارك المخططة بدقة وبإدراك ذكي لظروف الحرب. لقد تشتتت قوة العدو، وانزوت قواته المحاربة بالوكالة بعد أن ضربها العبيد ود بدر في الخرطوم بحري – الحلفايا، ضاربا أول نقاط الحصار حولها، وتوالت النقاط لتشمل قبة الشيخ خوجلي، ونقطة أخرى في الجريف شرق، والجزيرة اسلانج شمال أمدرمان، وفي خور شمبات. أصبح ذلك النظام المرعب الذي يبث مجرد ذكر اسمه الرعب في الأوصال، بحجم الباعوضة، هشا وبلا وزن. فوجب سحقه بعنف لا يرحم.
حاصر المهدي الخرطوم في أكتوبر 1884م، وبدأ حملة “حرب نفسية” متقنة ضد العدو داخلها، وظهر الشح في السلع. وكان أحد منفيي الثورة العرابية محتجزا في الخرطوم وتأثر بجو الثورة، فكتب: (نصيحة العوام للخاص والعام من إخواني أهل الإيمان والإسلام) وحث الموظفين على عصيان النظام، فأعدم. كانت معنويات النظام في أدنى درجاتها، وعندها جاءت ساعة الحسم، قوات المهدي في أعلى مستويات الجاهزية، خصمه في أدنى درجات الضعف، وبلا حليف أو أمل في النجاة. فكان الاقتحام البطولي في 26 يناير 1885م.
وقطع رأس غردون.
وتم الإنتصار.
#قدام
#تسقط_بس
#مدن_السودان_تتنفض