خطوات الوهم

السياسة مليئة بالمقالب والفخاخ. وعلى الثورة أن تتجاوزها جميعا إن أردنا لها النجاح. وسياسيو العدو، من الصنف البرجوازي الصغير دائما ما يحترفون نصبها وتوريط قوى الثورة فيها. وتعمية اللغة والتلاعب على الألفاظ، وإبهام التكتيكات جزء من ذلك. يقودون الثورة بخطواتها إلى موارد الحتف. هي خطوات الوهم لا مسيرة التحرر.

ياسر عرمان سياسي ذكي ومناور، ويدعي أنه في معسكر الثورة. ولكن كل قارئ لمقالاته القديمة وللشعر الركيك الذي ينظمه، لاستغرب من وضوح وجهته هذه المرة، على خلاف كل مكتوب سابق كان فيها يراكب بديع الألفاظ والمستصعب منها على بعضه دون فرز، ولا يخرج القارئ من مقالاته إلا بأردبين من الكلمات غير ذات العلاقة بالسياق.

في وضوح نادر يقول عرمان ( نجري اتصالات مثل غيرنا للوصول إلى مركز موحد للإنتفاضة ). هذا هو الهدف إذن: محور ينتظم حوله فعل المعارضة، مركز جذب يلم عليه كل شتات القوى الثورية. يالها من مهمة رائعة!.

ولكن ما الذي جعل ياسرا في هذه العجالة وبهذا الوضوح بعد أن عرف بين أقرانه بطول البال التي تصل إلى حد التراخي، وواضحا بعض فترة طويلة من الغموض؟ يمكن أن نحسن الظن ونقول أن الثورة تبدل الأكوان، فلا بد أن ياسرا قد شفي ببركاتها النورانية. سطران إضافيان من كلام ياسر وينكشف السر، يقول (أود أن أقدم هذه الملاحظات لصانعي هذا الحدث العظيم على الأرض) ونأتي للجملة المفتاحية (ونترك ما لم نقله للقنوات المتخصصة).

نسأل : وما هي تلك القنوات المتخصصة التي لا تصل منظمي الحدث العظيم؟ من هم أولئك المعنيون بالقنوات المتخصصة؟ ويبدو واضحا تماما أنهم ليسوا منظمي “الحدث العظيم”. في معنى كلام ياسر ” من كل حسب قنواته، إلا كل حسب مهامه”.

لنعد إلى الوقائع الصلبة : خطت الجماهير خطوات عملاقة تجاه تحررها، خطوات في الطريق السليم. ولكن خطوات بهذه الضخامة، من الطبيعي ألا تجد نظرية جاهزة الصنع تواكبها وتحدد مسارها مسبقا. ومن هنا ينشأ التناقض : لقد استولت الجماهير على مراكز السلطة الإقتصادية في بعض المناطق، ووجهت عنفها بكل دقة إلى عصب النظام، دون أن تغرق في التنظير حول “تحطيم جهاز الدولة القديم” أو ” وضع التوزيع والإنتاج في يد الجماهير العريضة”. لقد كان فعلها هذا هو النظرية، وهو فعل واضح صريح، لا يشبه الأفعال والتكتيكات التي كان يدعو لها ياسر عرمان منذ فترة طويلة. ولهذا وجب أن يكشف عن دواخله مرة واحدة، ويعلن عما يريد بلا مواربة.

ما الذي يريده ياسر؟ ما قامت به الجماهير في عطبرة والرهد والقضارف يمكن تسميته دون تردد ب “الخط الثوري”. كل شيء في يد الجماهير دون جهاز الدولة القديم، هم الدولة. يريد ياسر أن يقطع هذا الخط، يسيطر عليه، يحتويه داخل قمقم الأجسام الهلامية، يسميه “المركز الموحد للإنتفاضة”. من الطبيعي أن تتضارب عدة خطوط سياسية في أي حالة ثورية، هناك خط رجعي وخط ثوري وخط متذبذب. وبالطبع، لا توجد هذه الخطوط محلقة في الهواء، بل إن كل واحد منها يجذب كتلا اجتماعية متفاوتة. وغرض التكتيك السياسي الثوري هو فصل هذه الخطوط لتتبدى فروقها تحت ضوء الثورة الكاشف، ويتجمع الثوريون في صف واحد. إن تجميع أصلب عناصر الثورة حول مطالب معينة، وإجماعهم على تكتيكات معينة، هو إكسير النجاة بالثورة. ويحاول ياسر أن يخلق المركز الموحد تحت دعوى “تجميع قوى الثورة” في لحظة مفصلية : لم تبلغ القوى الثورية نقطة القطيعة مع كل خط رجعي أو انتهازي بعد، خطها الثوري ما زال جنينيا، ولكن معطيات الأحوال تكشف أنه سينجح في لحظة ما في تحقيق قطيعة مع كل خط آخر، يريد ياسر استباق عملية التطور هذه، هذا خنق للثورة في المهد. ما المانع أن يكون هناك أكثر من مركز للانتفاضة؟ ويكون لكل مركز تكتيك معين؟ لماذا لا يجمع ياسر مركزه الخاص؟ السر في ذلك أن مهمته المسبقة هي خنق فرص تكوين مركز الانتفاضة، لا توسيع نطاق مركزه الخاص. يمتلك ياسر مركزه المستند على الدعم الإقليمي والدولي وعلى فئات البرجوازية الصغيرة المتذبذبة والتي تتشجع لمنازلة النظام فقط حينما يأتيها الضوء الأخضر من وراء البحار. ومن الطبيعي أن يرتعد مركز ياسر من فرص ظهور مركز ثوري حقيقي أكثر من ارتعاد النظام، فهو شمشمون الذي سيهدم مركزهم والنظام بلا رحمة.

ياسر نصير للخط الإنتهازي، لننظر إلى هذه الجملة في النقطة رقم (4) : علينا ألا نخلق المعارك داخل صفوفنا. ويحق لنا أن نفكر في الشروط التي يختلف بسببها من هم في صف واحد. إنهم يختلفون حول التكتيكات بالطبع. والمعارك التي يصفها ياسر هي جزء من عملية خروج الخط الثوري من أحشاء الظرف الراهن. يرغب ياسر في أن يصمت الخط الثوري عن انتهازيته، عن تكتيكاته الجبانة، عن المستقبل الفارغ من كل أمل الذي يعرضه عليه. ولهذا يشدد في النقطة عند حديثه عن الدعوات الكثيرة والمتضاربة أحيانا في النقطة (1) “لكن ذلك يمكن أن يضر، إن لم تكن لدينا أولويات واضحة ومهام مرتبة على نحو دقيق”. انتهى الاقتباس.
نسأل: ماذا يضر الجماهير الثائرة إن هي أخطأت وصححت نفسها فيما بعد؟ لم تأت في التاريخ ثورة دون أن تتعلم من أخطائها، ودون هزائم جزئية بلا خسائر. يريد ياسر الأولويات والمهام. حسنا، أين هي أولوياتك؟
لا يطرح ياسر شيئا!.
ليس بمقدور أي قارئ سوى الاستنتاج أن مثل هذه الأولويات والمهام خي من مهام أصحاب “القنوات المتخصصة” التي صرح بها ياسر سابقا. والتي طبعا لا تخص أولئك الأبطال على خط المواجهة.

يلعب ياسر لعبة قذرة، يريد أن يظهر نفسه باعتباره معاديا ل “العفوية” في النضال الثوري. ويطرح ضمنا جزءا من مخاوف الثوريين على أرضية حل تنظيمي وهو تكوين المركز الموحد. نتعلم من دروس الثورات أنه لا يمكن التنبؤ بزمن الثورة ومكانها بدقة، ولا بدينامياتها، سوى بدرجة شديدة التجريد. العفوية هي ما يشعل الثورة. ولكننا نعلم أيضا أنه ما من ثورة انتصرت اعتمادا على العفوية، بل نرى أن نجاحها اعتمد على تنظيم دقيق يستند على عناصر صلبة لا تتزحزح عن قناعاتها قيد أنملة، وترتفع إلى مستوى المرحلة عبر تعبيرها عن مصالح الشق الأعظم من الجماهير بمطالب لا تفاوض حولها، ومن الطبيعي أن تحدث بسبب خلافات بين الخطين الانتهازي والثوري ضمن المعسكر الثوري في مجابهة النظام المعادي. كانت هذه حال اليعاقبة والجيرونديين في الثورة الفرنسية 1790م، والبلاشفة والمناشفة في الثورة الروسية 1917م، وماو والكوميتانغ في الثورة الصينية 1949م. وتطول القائمة. لنراجع دروس هذه الثورات : يكون حزب معارض للنظام القائم في خط المواجهة، تظهر داخله تيارات متصارعة، أحدها يريد السير بالمواجهة قدما بكل شجاعة، والآخر يريد المساومة. ويعتمد سير الأمور في نهاية المطاف على مقدرة الجناح الأكثر راديكالية وثورية على جمع أكبر حجم من الجماهير حول برنامجه، ورسمه للتكتيك الواضح في مواجهة عدوين في آن واحد : الانتهازية في صفوفه، والنظام القديم في الخارج، ولكن صراع أدواته. نترك روبسيير لنعود إلى ياسر عرمان : يريد عرمان حسم الصراع ضد الجناح الثوري في الحركة الجماهيرية بأداة الصراع التنظيمي، وأسلوبه هو قمع الرأي المضاد بسلاح التصويت واللوائح، وتعمية التكتيكات الممكنة أمامه. أي إضعافه لدرجة تسمح للنظام القديم بسحقه. التيار الانتهازي هو تيار النظام داخل الحركة الثورية.

للتدليل على ذلك يكفي أن ننظر لفريق آخر ضمن تنظيم ياسر عرمان ذاته، ولكن نقطة ارتكازه مختلفة كل الاختلاف. عبد العزيز الحلو، قائد أعلى جيش الحركة الشعبية لتحرير السودان. والذي انفرد بقيادة الجيش الشعبي على حساب عرمان ومالك عقار في خلاف واضح حول التكتيك الثوري الملائم.
يرتكز الحلو، عكس عرمان، على تأييد جزء من أكثر الأقسام الجماهيرية اضطهادا في السودان، ويسيطر على مساحة تعادل دولة النمسا في إقليم جبال النوبة. ومن الطبيعي أن يرى في الثورة طريقا للحل النهائي للأزمة القائمة، يقول بيان الحلو ” أن إسقاطه [النظام] يسمح بالحفاظ على وحدة السودان”. لقد خاطب الحلو مسألة الثورة لا من باب الحل التنظيمي، بل من وجهة النظر السياسية. لقد رأى الحلو أن الثورة أملا لحل سياسي للأزمة يتجاهله التيار الانتهازي بقيادة عرمان. وفي هذا درس عملي عملي لانقسامات معسكري الانتهازيين والثوريين.
لحل هذا الاستعصاء، لا يلزم الثورة في اللحظة الحالية جمع كل من هب ودب تحت لافتات ملونة، هي أسماء أكثر من كونها كيانات تعبر عن قوى اجتماعية حقيقية. الحل التنظيمي للأزمة الثورية وتجاهل مطالبها السياسية هي تكتيك التيار الانتهازي في لحظات الثورة. ما تحتاجه الثورة هي أن تصل بلا كلل ولا ملل إلى كل الجماهير، وفي القلب منهم جماهير المنتجين، وتعبئهم حول مطالبهم الخاصة ومطالب سياسية ثورية، وتخلق مناخا يسمح لألف مبادرة أن تظهر، وأن لا تتوانى في نقد نفسها بكل شجاعة على أخطائها. أما حل عرمان، ومعه جوقة الانتهازيين، فهو حل لمشكلة النظام مع الثورة، لا حل لمشكلة الثورة مع النظام، وشتان.

الثورة مستمرة، الثورة منتصرة.
? قدام
#تسقط_بس
#مدن_السودان_تنتفض