الإمارات العربية المتحدة والقرن الإفريقي: قصة ميناءين

13 مارس 2018م

بواسطة تيمور خان لصالح معهد دول الخليج في واشنطن

عن موقع “ستراتفور”

قدّامّ – فريق الترجمة

مقدمة المترجم :

ظل الوعي بالإمبريالية والتنافس الإقتصادي بعيداً عن النقاش السياسي السائد في السودان ، بل نقول مبعداً بصورة جبريّة . إن تناسي الإقتصاد السياسي للنزاع ضدها  ليس مجرّد مسألة أكاديمية ، بل هو اتجاه سياسي تقف وراءه مصالح طبقيّة محددة . لقد سادت تيارات ثقافوية متعددة على مناهج التحليل منذ بداية التسعينات ، بدءاً من إسلاموية النظام ، ونظيرها في التجريم المطلق للإسلام السياسي كهويّة خارج كل تقييم للظروف المحليّة ، والتفسير الإنساني للتدخل الخارجي ، وتفسير كل صراع على أنه نتاج لاختلاف فكري خارج المكان والزمان . وهي ردود تتماشى مع الموضة الفكريّة السائدة خلال الفترة التي تلت انهيار الاتحاد السوفييتي ، إنها ردة فعل نظرية منهزمة على هزيمة سياسية فعليّة  . وبعد أزمة 2008م ، عاد الاقتصاد السياسي لواجهة النقاش مع استعار الصراع السياسي في كل مكان : مع صعود تيارات اليمين المتطرف ، ووصول ترامب لرئاسة الولايات المتحدة ، والانتفاضات في الشرق الأوسط 2011م وتبعاتها التي لازالت مستمرّة حتى اليوم . إن اعادة بزوغ النظرية يتواكب مع تجدد الأزمة . وحتى تجد الأزمة السودانيّة كلها الحقيقي ، عليها أن تعيد إنتاج النظرية التي تفسّر الأزمة ، لا أن تركن إلى النظرية التي سببت الأزمة . يجب إعادة النقاش عن الرأسمالية ، وآلياتها ، وتاريخها ، والامبريالية المرتبطة بها ، إلى وعي الطبقات التي يقع عليها عبء النضال من أجل عالمٍ أفضل . ستجد هذه العودة النظرية من يعاديها ، وهذا متوقّع ، تغيير الأفكار قد يبدو أكثر صعوبة من تغيير النظام السياسي نفسه . ولكن لامناص من فتح النقاش إن أردنا الانتصار .

تشرح هذه المقالة علاقات التفاعل المعقّدة بين ثلاثة عناصر : التنافس الدولي ، والنزاعات الإقليمية بين الدول ، والإضطرابات والمطامح المحليّة ، في إقليم القرن الافريقي . وانفجرت كل هذه التناقضات في نضال عمّال ميناء بورتسودان ضد خصخصة الميناء . لا غنى عن فهم هذه التفاعلات للسير بالثورة السودانية إلى بر الأمان . الثورة الناجحة في نتاج لفهم صحيح للعالم ، ومن ثم استنتاج للطريقة الملائمة للتدخل فيه .

في محاكاة لتشارلز ديكنز ، يرسم الكاتب صورة بانورامية للأوضاع في القرن الافريقي : القبائل ، الانتحاريون ، البلدان المفتتة ، البترودولار الخليجي ، السعودية ، الصين ، الولايات المتحدة ، الشركات والمحاكم الدولية وطرق التجارة ، هؤلاء هم شخوص الحرب الباردة التي تدور في المنطقة .

النص :

في 22 فبراير، انتزعت جيبوتي السيطرة على ميناء دوراليه للحاويات من شريكها ومشغّل الميناء “موانيء دبي العالمية” ومقرها دبي. لم يكن فرض السيطرة الحكوميّة بعيداً عن التوقعات بالكامل، بل تتويجاً لتدهور شاب العلاقات الثنائية بين جيبوتي ودولة الإمارات العربية المتحدة بعد معركة قضائية خاسرة خاضتها الأولى ضد موانئ دبي من أجل إعادة التفاوض حول شروط اتفاقية الميناء لسنة 2006م التي أعطت الشركة حصة تبلغ 33%. وكانت محكمة لندن للتحكيم الدولي قد حكمت ضد شكوى رفعتها جيبوتي سنة 2014م، قالت فيها أن موانئ دبي العالمية قد قدمت رِشى من أجل تأمين حصولها على اتفاق لثلاثين عاماً. وقالت حكومة دبي أنها قد رفعت دعوى ضد عملية الإستيلاء. وصرحت حكومة جيبوتي في بيان لها أن الاستيلاء تم بيسبب ضعف الأداء – على الرغم من أن حجمه قد وصل إلى مليون حاوية 20 قدم قياسية سنوياً – وبسبب بنود إضافية أدخلتها دبي العالمية اعتبرتها تمس بسيادتها.

افتتح ميناء دوراليه سنة 2009م. وهو محطة الحاويات الوحيدة في القرن الافريقي القادرة على على مناولة سفن حاويات من سعة 15000 طن. وسرعان ما أصبح أهم منفذ بحري لأكبر دول الإقليم مساحةً وإقتصاداً، إثيوبيا، والتي أصبحت دولة بلا منفذ بحري منذ استقلال اريتريا سنة 1993م. تستقبل اثيوبيا 97 في المائة من وارداتها عبر ميناء دوراليه – 70 في المائة من أنشطة الميناء – الأمر الذي أصبح اعتماداً استراتيجياً غير مقبول على جارٍ في منطقة يعمر تاريخها بالتحالفات المتبدلة، والنزاعات الداخلية الطويلة، وتوازن قوى لا يد علينا فيه لجهة معينة.

برز تطور ثانٍ ذو علاقة في الأيام الأخيرة الماضية. بعد سنة من إتمام موانىء دبي العالمية إتفاقاً بقيمة 442 مليون دولار مع إقليم أرض الصومال الذي يحظى بشبه حكم ذاتي لتطوير ميناء تجاري في بربره، أبرمت اثيوبيا صفقة استحوذت بموجبها على 19 في المائة من الميناء مع المشغّل الميناء و حكومة جمهورية أرض الصومال. وتقول تقارير أن لدى موانىء دبي خططاً لتطوير البنية التحتية الرابطة بين بربره والحدود الإثيوبية مما سيتيح لأديس أبابا ومنطقة شرق إفريقيا الكبرى من تقليل إعتمادها شبه الكلي على جيبوتي، الأمر الذي ستكون له تداعيات استراتيجية هائلة على الجغرافيا السياسية في المنطقة. يتوقع العديد من المحللين أن هذه الإتفاقية لبناء منافس مباشر لدوراليه، هي السبب الأكثر ترجيحاً وراء إنتزاع جيبوتي لمحطة الحاويات من موانئ دبي العالمية.

جيبوتي : محطة دوراليه للحاويات (كانت تحت إدارة موانئ دبي)، ميناء دوراليه متعدد الأغراض (الصين)، قواعد عسكرية وبحرية أمريكية، فرنسية، يابانية، صينية وسعودية.

عصب-أريتريا: قواعد عسكرية وبحرية للإمارات العربية المتحدة.

بربره- أرض الصومال 1 : مشروع ميناء تحت إدارة موانئ دبي، قاعدة عسكرية بحرية إماراتية تحت الإنشاء.

بوتلاند- الصومال 2: بي آند أو بورت، مشغل موانئ مملوك لإمارة دبي، حصل على حقوق تطوير ميناء بوساسو، قوات شرطة خفر سواحل مدربة وممولة إماراتياً.

مقديشو- الصومال 2: قاعدة عسكرية تركية، مركز تدريب القوات الخاصة مموّل من الإمارات، مشغّل ميناء مقديشو البيرق التركية.

باراوي- الصومال: تفاوض بين الحكومة الإقليمية وموانئ دبي العالمية لتطوير ميناء باراوي البحري.

سواكن- السودان: ستقوم تركيا ببناء رصيف بحري لصيانة السفن المدنية والعسكرية.

تكشف قصة هذين الميناءين الديناميات المتزايدة التعقيد حول الجغرافيا السياسية، والسياسات الداخلية، التي تتشكل بفعل المنافسة بين القوى الإقليمية الطامحة – خصوصاً دول الخليج وتركيا – والصين من أجل النفوذ في القرن الإفريقي. ويتوقع ضباط رفيعو المستوى في الجيش الأمريكي وبعض المحللين أن جيبوتي قد تحاول نقل محطة حاويات دوراليه إلى مستثمرين صينيين. اشترى ( مشروع ميناء دوراليه متعدد الأغراض ) البالغة قيمته 600 مليون دولار، والذي تقوم شركة تجارة الصين القابضة بإدارته، حصة تبلغ 23.5 في المائة في محطة دوراليه للحاويات سنة 2013م من مالكها الرئيسي <شركة> موانئ جيبوتي. وساهم بنك التصدير والإستيراد الصيني في تمويل خط سكك الحديد الرابط بين أديس أبابا وميناء دوراليه والذي يفوق طوله 470 ميلاً وتكلفته 4 مليارات دولار.

أصبح الخلاف الداخلي بين دول مجلس التعاون الخليجي عامل زعزعة جديد مع اضطرار البلدان، الأحزاب والنخب في شرق إفريقيا <لإعلان> الإنحياز لأحد الجانبين. وفي الصومال، أدى هذا الخلاف إلى مفاقمة التوترات داخل الكتل السياسية في مقديشو، وبين الحكومة الفيدرالية في مقديشو من جانب والمناطق المنفصلة شبه المستقلة في البلاد من جانب آخر. واندمجت هذه الديناميات مع المزيد من الهزّات الارتدادية التي أطلقتها الأزمة، بدءاً من التحرك السعودي والإماراتي بتجميد دعم موازنة الحكومة الفيدرالية الذي يساهم في دفع رواتب قوى الأمن، إلى خلق بيئة سياسية وأمنية منقسمة ومضطربة استغلتها حركة الشباب بزيادة هجماتها.

في الإنتخابات الرئاسية الصومالية الفيدرالية سنة 2017م، خسر مرشح يعتقد أنه مدعوم من الإمارات العربية المتحدة والسعودية، أمام المرشح الذي يعتقد بدعمه من قبل تركيا وقطر- محمد عبد الله محمد المعروف بـ”فرماغو”. أخذت الحكومة الفيدرالية موقف الحياد في الأزمة الخليجية، على الرغم من أن فرماغو ووزراء حكومته ظلوا يسافرون بصورة منتظمة إلى السعودية والإمارات العربية المتحدة. وفي خضم بحث فارماغو عن دور للحكومة الفيدرالية في إتفاقيات الميناء والقاعدة العسكرية، لم تلبّ مطالبه حتى الآن. وأضافت التدخلات المباشرة للحكومات الإنفصالية الإقليمية دينامية إنتباذية على العلاقات الهشة أصلاً بين مقديشو والحكومات شبه المستقلة الأخرى.

كشفت التطورات الأخيرة أن فتح مزاد النفوذ على حساب السيادة هو سيف ذو حدّين. لقد أصبح التنافس بين الفاعلين الخارجيين كرت مساومة في يد بلدان القرن الإفريقي، التي طالما تأقلمت نخبها على لعب دور الوكيل المحلي للقوى الدولية، أحدها بعد الآخر. لقد نجحت إثيوبيا لدرجة ما في تخفيض اعتماد أبوظبي على عدوها، اريتريا، عبر دعم خطط أبو ظبي في ميناء بربره. وفي العام 2015م، وبعد خسارة الإمارات لقاعدة جيبوتي للعمليات العسكرية، أنشأت الإمارات قاعدة جديدة في مدينة عصب الساحلية في اريتريا، وأصحبت قاعدة حيوية لعملياتها في جنوبيّ اليمن. وعبر دعم خطط البنى التحتية التجارية والعسكرية للإمارات في جمهورية أرض الصومال، ساهمت إثيوبيا – أقوى دول القرن الإفريقي وأكبرها – في تفتيت الصومال عبر تدعيم دولة الأمر الواقع المستقلة في ” جمهورية أرض الصومال ” . إن صومالاً ضعيفاً بسبب التمردات الإثنية المدعومة والعاجز على مجابهة تحدي هيمنة اثيوبيا ، هو أحد أركان السياسة الإقليمية لأديس أبابا. وافقت حكومة جمهورية أرض الصومال على منح القاعدة العسكرية السوفيتية القديمة في بربره والقريبة من موقع مشروع موانئ دبي العالمية، وتخطط أبوظبي حسب التقارير لتوسيعها واستثمار مليار دولار في البنى التحتية والتدريب وخلق الوظائف في هذه المنطقة المستقلة عن الصومال. ولكن تعقدت هذه الخطة، مؤقتاً على الأقل، بسبب الديناميات السياسية المحلية. وتشير تقارير إلى تأجيل أرأكبر من التعويضات عن المساحة التي يعتزم بناءَ القاعدة عليها. وفي السودان، قادت الإمارات والسعودية جهوداً من أجل إعادة تأهيل الرئيس البشير في المجتمع الدولي، عبر الضغط لرفع العقوبات الأمريكية على السودان. ووافق البشير على قطع العلاقات مع إيران وإرسال قوات للقتال لصالح التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن. وفي ديسمبر 2017م، وافق البشير أيضاً على منح تركيا جزيرة سواكن في البحر الأحمر لتطويرها. وسرعان ما برزت إلى السطح المخاوف من أن أنقرة تخطط لبناء قاعدة عسكرية على الجزيرة، على الرغم من إنكار تركيا. والتي ستكون قاعدتها الثانية في القرن الإفريقي بعد تلك الموجودة في العاصمة الصومالية مقديشو. وجاءت الإتفاقية في الوقت الذي كانت فيه علاقات أنقرة مع الرياض وأبوظبي في أسوأ حالاتها. إن قوة تركيا الناعمة وشعبيتها في مقديشو والأجزاء الأخرى من الصومال مسألة محسوسة، وقد تأسست على الإنخراط المبكر لتركيا في التنمية الإقتصادية، ودبلوماسيتها، والبنى التحتية المنشأة، والمساعدات والتعليم. وكلما زادت حدّة  الإحتكاك مع الرياض وأبوظبي، كلما استخدمت تركيا هذه الميزة لتحسين وضعها.

إن الثقة التي تناور بها النخب في القرن الإفريقي من أجل مصالحها الخاصة وسط مخاطر إغضاب رعاتها الجدد، تقلل من الطموحات الكبيرة للمشاركين فيما يطلق عليه “التكالب الجديد على إفريقيا” وكذلك نواياهم طويلة الأمد. برزت جيبوتي في العقد الماضي على وجه الخصوص كنقطة محورية استراتيجية قريبة من خطوط الشحن في باب المندب ، وهو موقع حيوي لعبور البترول الخليجي إلى أوروبا ولمرور البضائع بين آسيا وأوروبا. لقد استخدمت جيبوبي موقعها كورقة تفاوضية مقابل صفقات قواعد سخية من القوى الدولية القديمة منها والصاعدة. الولايات المتحدة، الصين، اليابان، السعودية، والمستعمر القديم فرنسا، كلهم يملكون قواعد في جيبوتي.

ولكن شروع الإمارات العربية 0،التي كانت مجبرة على البحث عن مرتكز آخر بعد طردها الدراماتيكي من جيبوتي، في بناء قواعد عسكرية على طول ضفتي ساحل البحر الأحمر هو أمر مفتاحي لضمان مصالحها الأمنية مثل عملياتها العسكرية في اليمن، ومحاربة الإرهاب وعمليات مكافحة القرصنة البحرية، ولبناء عمق استراتيجي في مواجهة إيران. وعلى كل حال، فمصالح الإمارات – مثلها مثل غيرها من المنافسين – هي إقتصادية واستراتيجية. تعمل الدولة على تحويل نفسها إلى إلى جزء محوري من مبادرة الحزام والطريق الصينية وتأمين مركز المنطقة الحرّة بجبل علي كمركز لوجستي وتجاري يربط آسيا وإفريقيا عبر البنية التحتية التي تؤسسها موانئ دبي العالمية، في وجه منافسة من عدد من الموانئ التي يبنيها خصومها في إيران، باكستان، عمان، ومناطق أخرى على إمتداد سواحل القرن الإفريقي. تنخرط موانئ دبي في مشروعين آخرين للموانئ في دولتين متنازعتين في الصومال، كما في مشاريع للبنية التحتية في الموانئ واللوجستيات برواندا، الجزائر ومالي.

يضم القرن الإفريقي وشرق إفريقيا الكبرى بعضاً من أسرع الإقتصاديات نمواً في إفريقيا، وفيها طبقات وسطى بازغة. ولكن هذه الإقتصاديات الزاخرة نسبياً بالإمكانيات في حوجة ماسة للإستثمارات في النية التحتية وعدد من القطاعات الأخرى  للاستجابة لهؤلاء المستهلكين الجدد. ودخل الاستثمار الخاص والمدعوم من الدولة الإماراتية بكثافة في مجال عريض من القطاعات غير الطاقة، من التمويل والصيرفة إلى الإنشاءات، السياحة، الغذاء، الترفيه، والزراعة التجارية.

تحاول الإمارات العربية أيضاً أن تضفي على تدخلها طابعاً أكثر جاذبية للحكومات الإفريقية وشركاء القطاع الخاص: بدلاً عن اتباع طريق الصين، الذي ينظر إليه بسلبية باعتباره نموذجاً شبه استعماري في إفريقيا، فضلت تتبع خطى النموذج التركي. تأتي استثمارات مثل التي تقوم بها موانئ دبي العالمية في الصومال أو في القواعد العسكرية مع حزم استثمار في البنى التحتية، تدريب وتعليم للعمال والقوى الأمنية، وكذلك مع حوافز إضافية كإصدار عدد أكبر من تأشيرات الدخول للإمارات العربية. يظل الأمن المائي والغذائي من المصالح المهمة للإمارات العربية وبقية دول الخليج في شرق إفريقيا. وتسعى الشركات الإمارات لتجنب المزالق السياسية  التي أدّت لإفشال الإستثمارات السابقة في انتاج الغذاء. تدّعي الظهرة القابضة الخاصة أنها تستخدم صيغة المناصفة 50% – 50% للإنتاج مع الشركات المحلية، وأنها توظف عمالة محلية.

ربما يؤدّي الإقتصاد السياسي للتنافس بين القادمين الجدد للقرن الإفريقي إلى شروط أفضل واتفاقيات أعدل لصالح الحكومات والإقتصادات المتعطشة للإستثمارات. ولكن الإلغاء المفاجئ لاتفاقية موانئ دبي العالمية في دوراليه يلقي الضوء أيضاً على المخاطر المتزايدة التي تواجهها القوى الإقليمية الصاعدة. إن الشقاقات التي تتعمق في السياسة الصومالية، لا يمكن التقليل من حجمها، هي نتيجة محاولات قوى الشرق الأوسط للتأثير على القرار الداخلي، وتلقي الضوء أيضاً على المخاطر التي تواجه مجتمعات القرن الإفريقي، والتي يمكن أن يؤدي موقعها الاستراتيجي وإمكانياتها الإقتصادية، للمفارقة، ليس فقط إلى درب أكثر وعورة فحسب، بل وربما مليء بالفخاخ أيضاً.

الهوامش:

  • 1– جمهورية أرض الصومال هي دولة تقع في شرق افريقيا منطقة القرن الافريقي مطلة على الشاطئ الجنوبي خليج عدن. لها حدود مشتركة من الشمال مع دولة جيبوتي. من الجنوب و الشرق مع الصومال و من الغرب مع إثيوبيا. لا يوجد أي دولة تعترف رسميا بوجودها مع أن جمهورية أرض الصومال قائمة على أرض الواقع، من حيث البرلمان، الإدارة، القوات و السياسة الداخلية والخارجية. حكومة أرض الصومال تعتبر نفسها دولة خلفاً لمحمية أرض الصومال البريطانية, والتي كانت مستقلة في 26 يونيو من عام 1960م, قبل التوحد مع بقية الأقاليم الصومالية. وفي 1 يوليو 1960 تشكلت جمهورية الصومال بعد اتحاد كل من الصومال البريطاني والإيطالي.
  • 2-أرض البنط أو پونتلاند أو إقليم البانت هي منطقة تقع شمال شرق الصومال، في منطقة نوغال‎. في عام 1998 أعلن زعمائها بأنها دولة مستقلة، ولكن الحكومة الحالية للصومال ترى في ذلك محاولة لجعل الصومال جمهورية فدرالية. بخلاف جارتها جمهورية أرض الصومال، لا تطلب أرض البنط الاستقلال من الصومال صراحةً. مساحتها حوالي 250000 كم2، وعدد سكانها التقريبي 3650000 نسمة عام 2000. أخذ اسم أرض البنط من حضارة البنط القديمة، والتي قد ذكرتها مراجع المصريين القدماء، ويعتقد بأنها كانت موجودة في نفس منطقة الصومال الحالية.

?حال الدنيا : كيف ترى القوى الدولية الثورة السودانية (2-2)

?الرمادي والأخضر

جرت مياه كثيرة تحت الجسر منذ الجزء الأول من هذا المقال. وهذا يستدعي أن نتبع منطق الواقع، لا أن نتأخر عنه دعوى الحفاظ على نقاء الفكر النظري. فهزيمة النظرية أمام الواقع، هو انتصار للنظرية، إن استفادت منه في استيضاح صورة الأحداث، هذا إن كانت نظرية حقيقيّة بالفعل.
قلنا : البشير صديق للكل على الورق، ولكنه عدو للكل في الواقع. هو يخدم مصالح الجميع، ولكنهم يطمعون فيما هو أكثر، يريد حلفاء البشير الدوليون إقصاء بعضهم البعض واحتكار الاستفادة من انصياعه التام، وفي نفس اللحظة يخشون أن ينحاز لأحدهم بسبب هشاشة موقفه، وتشبثه بكل بادرة تعاون مهما كانت فاترة.
هذه معادلة دقيقة للغاية. واجتماع الطمع والوساوس لدى كل الأطراف يثمر التردد. وقفت كافة القوى الدولية والإقليمية موقف المتفرّج عند إندلاع الثورة في ديسمبر الماضي، بل وساهم تنصلها عن الالتزامات المادية التي وعدت بها النظام، بإضافةً للأزمة العامة للنظام الرسمالي في العالم ككل، في مفاقمة الظروف التي أدّت لاندلاع الثورة من الأساس، وفضّلت الإنتظار المتردد. كلها تريد، وبدرجات متفاوتة، إضعاف البشير كي يسهل ابتزازه أكثر، وترى في الشارع الثوري أداة ضغط جديدة – ورغم علمها بخطورة مثل هذه المقاربة – لاطلاع بعضها على الحالة المترديّة لأجهزته القمعية، واحتمالية عجزها عن مواجهة انتفاضة شعبية. ولكن سر ترددها يعود للتخوف من ردود أفعال باقي المنافسين. كلَ الأطراف تراقب بعينين مختلفين : عينٌ أولى على بعضها البعض، ينظر السعوديون إلى الأتراك، وينظر الأتراك إلى الإماراتيين، وينظر كلهم إلى قطر، ويرصد القطريون تحركات الشارع الثائر ويحرّكون منصاتهم الإعلامية لصالحه أحياناً، فيراقبهم السعوديون، الذين يشاركون الإماراتيين معلوماتهم، وهم بدورهم يشاورون مصر فيما ينبغي عمله، فتفاوض باسمهم جميعاً، وهم يحسبون في كل لحظة مخاطر التدخّل والمكاسب من الانتظار، والعين الثانية على مسار الثورة وقواها ومطالبها المرفوعة. العين الأولى هي عين التوجس الجماعي للمحاور المتنافسة، أما العين الثانية فهي عين الخشية على المصير الفردي.
إنها لعبة يطارد كل طرف فيها، كل الأطراف. والثورة تحوّل الأرضية التي تتم فوقها المطاردة.

?تلخيص المواقف

? مصر والإمارات : لا بريدك لا بحمل بلاك

مصر: آخر من يود رؤية البشير يسقط. إن التداعيات السياسية لسقوط نظام سياسي مجاور في وسط أزمة داخلية كالتي يعاني منها السيسي ليس أمراً مرحّباً به. ولكنها أيضاً لا تملك الموارد المادية الكافية لإنتشاله إقتصادياً، وتكبّلها تحالفاتها الإقليمية عن إعلان موقفها السياسي المنحاز لصالح البشير، ولكنها تتساءل أيضاً : ماذا إن نجى البشير من هذه الأزمة وعاد لممارسة ألاعيبه وضغوطاته عبر ملفي سد النهضة وحلايب المحتلة؟. فتتردد وتنتظر.
الإمارات : لا تهتم بالتداعيات السياسية لسقوط النظام. ترى وضعها السياسي الداخلي في حالة متماسكة. عينها فقط على استثماراتها في السودان وعلى استمرارية جنوده في الحرب اليمنية التي تخوضها من أجل هذه الاستثمارات بالذات. وقد قدّم النظام كلَ مايمكن في سبيل إرضائها، وهي في انتظارأن يقدّم لها معارضو البشير ضماناتٍ مماثلة. لقد دفع نضال عمّال ميناء بورتسودان توجّس الإمارات إلى نقطة أعلى، فقد عطّلوا استيلاءها على الميناء. فهي ستقف في صف النظام كي لا يسقط، وتتمكن بالتالي من فرض سيطرتها، ولكن ليس لدرجة ينجو فيها تماماً من خطر الشارع، وتحت هذه المعادلة، الإنتظار مفيد أيضاً. لقد التقى خطّا مصروالإمارات في هذا الطور من الثورة. لنبقَ النظام متأرجحاً بين الأمل والخوف، ونراقب.

? قطر وتركيا : كان غلبك سدّها

همّ قطر الأساسي كسر التحالف الثلاثي ضدها (السعودية، الإمارات، مصر + البحرين). وتنظر لسقوط البشير أو بقائه من هذه الزاوية. إن قبِل النظام الحالي بالقطع مع دول التحالف الثلاثي وانحاز لصفها هي وتركيا، فستوفر له الدعم السياسي والدبلوماسي والإعلامي الذي يحتاجه فوراً، وإن ضمنت مشاركتها في صياغة خارطة طريق لنظام جديد يكون أكثر إيجابية في التعاطي مع قضيتها، فستدعم سقوطه. ليس لقطر شيء تخسره في حربها الباردة ضد السعودية، وترى أن النظام قد تخاذل عن نصرتها ساعة الحوبة، وبقي في صف السعودية، وهي بالتالي أكثر القوى الإقليمية استعداداً للتحرّك ضد البشير مهما كانت النتائج، وتفكر : إن سقط فستدخل السعودية في دوامة جديدة من الصراع حول البديل، ستتساوى فيها الكتوف، وتفتح الجبهة السياسية مجدداً للصراع الطبقي في مصر. وإن بقي، فلا يمكن للنظام أن يتخذ ضدها أية اجراءات عقابية. هو عاجز، وفي يدها ورقة ملف التسوية في دارفور. إن تحرّك الدوحة يجد مناصرة صامتة من تركيا، التي تعلم أن ميناء سواكن غير صالح جيولوجياً لإقامة قاعدة من النوع الذي يقلب توازنات القوى العسكرية في البحر الأحمر، خصوصاً مع حصول الإمارات المرتقب على ميناء بورتسودان. لن نخسر شيئاً، سنورّط أعداءنا، ولا تبعات سلبية على أفعالنا، لماذا لا نبادر بالتحرّك ضد البشير؟ هو سؤال مطروح بصيغة (هيا، لنفعلها). إن النظرية الليبرالية في العلاقات الدولية التي تشخّص مواقف الدول بناءاً على (ما تقوله) عن نفسها لا استناداً على مصالحها وتوازنات القوى الداخلية والخارجية المحيطة بها، عاجزٌ عن تفسير مثل هذا الموقف القطري-التركي الذي وجد في الثورة السودانية حدثاً يجب دعمه، وهو يعتبر أن صلة تنظيم الأخوان المسلمين بالنظام في البلدين هو معيارٌ كافٍ لتوقع موقفهما من الثورة في السودان. ليس من المستغرب أن تحاول القوى الدولية المتنافسة استغلال المشاكل الداخلية لدى عدوّها، وتدعم القوى المعارضة له كي يتسنى لها إضعافه، وتحقيق مصالحها. إن تنظيم الأخوان المسلمين ليس سوى بيدق في لعبة القوى الإقليمية في الشرق الأوسط، لقد وضع نفسه في هذه الخانة، ومساواة البيدق باللاعب الذي يحرّكه، حماقة. هاهي الوقائع تكشف خطَل هذا الإختزال.

? السعودية : هذه الأرض لنا

اللاعب الأهم في السودان. صاحبة أكبر الاستثمارات، والشريك الأكبر في التجارة الخارجية، وتضم أكبر جالية سودانية في الخارج . إن موقف السعودية هو مزيج من موقفي الإمارات وقطر. تعتبر أن حضورها الإقتصادي والسياسي قوي للغاية في السودان، لدرجة أن أي نظام قادم بعد البشير لن يتمكن من الإفلات من فلكها، أي أنها لن تخسر شيئاً إن تدخّلت ضد البشير، فهو عاجز عن الرد، ولكنها لن تقوم ذلك لأنه ليس هناك، حتى الآن، ما يهدد مصالحها ويستدعي التدخّل. وبينما تريد الإمارات سماع التطمينات من معارضي البشير الآن في وسط الثورة، لن تكترث السعودية إن سمعتها منهم بعد إسقاطه. ونأتي هنا للموقف الآخر : لم تدعم البشير أيضاً. ترى أنها قد دعمته بما يكفي وحان وقت سداد الفواتير، عليه أن يقدّم المزيد من التنازلات والإمتيازات أولاً ثم تنظر السعودية في المكافأة المجزية حسب تقديرها الخاص، إنه الدعم بالدفع الآجل. حرب اليمن، التي تخوضها السعودية بجنود سودانيين، هي الخط الأحمر الوحيد الذي سيدفعها عبور البشير له للتحرك ضدّه بصورة مكشوفة وسريعة. طالما بقيت الكتائب على تلال اليمن، لا شيء يشغل بال السعودية.

?نتائج وتوقعات

إن السودان ضمن ثلاثة نطاقات جيو- سياسية متداخلة، النطاق الأول هو الشرق الأوسط، حيث احتياطيات البترول واسرائيل والتنافس الإيراني – السعودي – التركي، والإسلام السياسي المعسكر، والنفوذ الأمريكي شبه المطلق. 
النطاق الثاني فهو افريقيا جنوب الصحراء، والذي يعتبر أسرع الأقاليم من حيث النمو الديموغرافي في العالم، ويتميز عن الشرق الأوسط بضعف القوى الإنتاجية، النسبي، وثقل الديون الدولية الباهظة، والحروب الأهلية الطويلة، حيث الفاعلون المحليون لهم اليد العليا أكثر من الدولة القوميّة ذاتها. يعتبر هذا النطاق منطقة النفوذ الإمبرياليات الآفلة، بريطانيا وفرنسا، إقتصادياً، تعتمد هذه المنطقة أكثر من غيرها على بيع المواد الخام لصالح الصين. والحضور الأمريكي فيها يتركز على مهمّتين: محاربة الإرهاب الجهادي، والمساعدات الإنسانية. إن امتصاص الفوائض يتم فيها عبر فوائد الديون، واستحلاب الكوادر البشريّة المؤهّلة. 
أما النطاق الثالث فهو القرن الإفريقي، حيث يتنافس كل العالم على معابر التجارة البحريّة، وتتركز منابع النيل، وغلبة التوترات الإثنية، وظواهر كغياب الدولة القومية الموحّدة كما في الصومال.
إن تعقّد الصورة أمام القوى الدولية عن الواجب فعله تجاه الثورة السودانية ليس غباءاً، بل هو نتيجة تراكب أزمتين.

? الأولى أزمة الرأسمالية في طورها الإحتكاري، والتي فاقمت التوترات بين كل الدول الرأسمالية الكبرى، وطرحت مسألة الثورة على جدول الأجندة. لقد أّدت الأزمة العالمية إلى تدهور القّوة العالمية للولايات المتحدة، وفتحت الباب أمام اللاعبين المحليين مثل تركيا أو السعودية للعب دور أكثر استقلالية على الساحة الإقليمية على الأقل، وشجّع دولاً كروسيا والصين على إبداء ردود فعل دفاعية تجاه الاستراتيجية العسكرية الأمريكية. إن العسكرة، والحمائيّة الإقتصادية كانتا دوماً الآليّة التي تستخدمها الرأسمالية الإحتكارية للخروج من أزمتها. وبالتالي فإن رد فعل روسيا بالتدخّل في افريقيا الوسطى عبر استغلال ضعف البشير، وخطّة الصين عبر (مبادرة الحزام والطريق) التي تحاول بها تفريغ فيض إنتاجها عبر فتح اسواق جديدة واختراق نطاقات جيوسياسية متنوعة، وتوسيع نطاق التعامل باليوان، جعل الإمارات تطمح للعب دور نقطة التجارة الأكبر (في منطقة جبل علي)، والناقل اللوجستي الأول وجعل التنافس على الحصول على امتياز ميناء بورتسودان مسألة حياة أو موت، لا للرأسمالية الخليجية فحسب، بل لمصيرالرأسمالية الصينية كلها، وللتنافس الأمريكي الصيني أيضاً.

? الأزمة الثانية هي الأزمة المحلّية. إن احتداد الصراع السياسي في النطاقات الثلاثة قد انتقل إلى السودان بواسطة الإرتباط الإقتصادي، والتداخل السكّاني، والتأثير الكبير لوسائل الإعلام الجديد. إن البنية الفكريّة في السودان متأثرة بالتيارات الفكرية في الشرق الأوسط أكثر من سواها، وانتفاضات الشعوب منذ العام 2011م وجدت أصداءاً كبيرة ومرحبة، حتى إن الثورة الحالية قد نقلت شعارات وأساليب تلك الإنتفاضات. ولكن التشكيلة الإقتصادية الإجتماعية تشبه وإلى حدٍّ كبير تلك الموجودة في نطاقي القرن الافريقي وإفريقيا جنوب الصحراء. إن الديون الباهظة والتوترات الإثنية والقبليّة، وضعف الإنتاجية الإقتصادية، هي الأرض التي يجب على الأفكار المتأثرة بتيارات السياسة في الشرق الأوسط أن تجد الأساليب المناسبة لاستزراع نفسها فيها. وهي بالتالي بنية تجمع ما بين مركزة النظام السياسي كما في بلدان الشرق الأوسط، والتسويات بين هذا النظام والفاعلين خارج الدولة كالقبائل، والجماعات، والمنظمات الدولية، التي تميّز تشكيل دول إفريقيا جنوب الصحراء ومنطقة القرن الإفريقي. وبالتالي فأزمتها المحليّة هي أزمة المشروعية في أعين المحكومين، وأزمة العجز عن الحكم بالطريقة القديمة، يواجه النظام أزمة حل الأزمة، إنها لحظة إلتقاء التناقضات، أي لحظة بزوغ الضرورة الموضوعية في اندلاع الثورة السودانية في ديسمبر 2018، وما زيادة أسعار الخبز إلا الصدفة التي فجرّت كل هذا البارود المحلّي، والدولي، بنفس المطالب الآتية من انتفاضات 2011م. هذه ليست مجرّد معركة لطرد البشير، إنها حرب تحرر جميع شعوب هذه الأقاليم، والطبقة العاملة والشعب السوداني هو من سيحل، عبر حلّه قضيته الخاصة بتصفية نظام البشير، سبعة أعشار قضيتها. إنها ثورة سودانيّة بأبعاد كونيّة.
إن التنافس الإمبريالي عند اشتداده ينتج الحرب العالمية. إننا على ملتقى الطرق: ثورة سودانية تفتح الباب أمام انتقال الموجة الثوريّة إلى منطقة تتمركز فيها التنافسات الإمبريالية، وتفرض السلم بقوّة الجماهير، وأما أن نجد أنفسنا في عالم تعود فيه المجازر، وغرف الغاز، والإبادة الجماعية، وجنون القادة، واحتمال إفناء شعوب بكاملها تحت خطر الحرب النووية. 
صدقت روزا لوكسمبورغ : إما الإشتراكية، أو البربرية.

? حال الدنيا: كيف تفكّر القوى الخارجية في الثورة السودانية؟ (1-2)

في عالم وحّدته الرأسمالية وأصبح كل حدث فيه مؤثراً على الطرف الآخر من الكوكب، وفُتحت فيه الحدود القومية وأصبحت المعلومات، والأفكار، ورؤوس الأموال، في حركة دائمة لا تهدأ، يصبح من مصلحة كل طبقة حاكمة أياً كانت الرقعة الجغرافيّة التي تحكمها، أن تصيخ السمع جيداً للذبذبات غير المسموعة للشعوب. يقول التاريخ أنها ستنتقل إليها لامحالة. كل هزة سياسية تعقبها موجات من الاضطراب في أماكن أخرى. النظام الكوكبي موحّد، ولهذا فانتقال كل شيء ممكن، ويختلف التوقيت والطريقة التي يتبدّى فيها هذا الإنتقال، فعلى الرغم من أن هذا النظام موحّد، إلا أنه ليس واحداً. هذا أهم قوانين الثورة.

الثورة السودانية 2018م ليست استثناءاً. وترقب القوى الدولية لمجريات أحداثها ليس محل استغراب. وسيكون من المفيد مراجعة العوامل التي تحكم تفكير القوى الدولية حول طبيعة الثورة ومساراتها المحتملة، فلا غنى عن فهمها للدفع بالثورة إلى الأمام وحمايتها من الإنتكاسات والتدخل الإمبريالي. علينا أن نحاول فهم العلاقات التي تربط بين القوى التي تحاول التأثير على مجرى الأحداث في السودان، وسياستها الدوليّة على وجه العموم. وهذا ما يستدعي التفكير خارج الصندوق الأكاديمي الذي يختزل التفاعلات بينها على المواثيق الدبلوماسية حصراً، والنتقال للبحث افي الإقتصاد السياسي المعاصر للإمبريالية، أي بناء تصور مادي-تاريخي للتداخل بين (1) الأزمة الرأسمالية المعاصرة في طور العولمة 2008م و (2) علاقات الطبقات في كل بلد من البلدان الموثرة على السودان.
لا بد من بعض احتراز ضروري، وهو التعريف ببعض العوامل التي تؤثر على موازين القوى بين الدول الإمبريالية من جانب وبينها وبين النظام في السودان من جانب آخر. ينبغي عرضها بصورة نقديّة، لأنها تصادم الحس التلقائي السائد، ومن العسير تقبلها للوهلة الأولى.

? العامل الأول : ليس التبادل التجاري هو العامل الحاسم

لا يتحدد النفوذ الذي تحظى به دولة ما على النظام في السودان بحجم التبادل التجاري بينهما. مثلاً: يبلغ التبادل التجاري بين الصين والسودان مئات أضعاف التبادل بين السودان والولايات المتحدة. ولكن هل ينعكس حجم هذا التبادل على مدى التأثير السياسي؟ لننظر إلى الوقائع : يكاد ينعدم النفوذ الدبلوماسي للصين على تشكيل سياسات النظام الراهن، بينما يتوسّل النظام لتحسين علاقاته الدبلوماسية مع الولايات المتحدة. للتدليل على ذلك يكفي النظر للدور الذي لعبه التدخّل الإمبريالي الأمريكي في إقرار اتفاقية السلام الشامل 2005م، وفي إعادة توجيه السياسة الخارجية للنظام السوداني تجاه قضايا الشرق الأوسط مثل الموقف من إيران. السر ليس في علاقة السودان بالصين، بل في العلاقة التي تربط الصين بالولايات المتحدة، والتي تشكّل توازناً معيّناً للقوى بين هاتين الدولتين على الصعيد العالمي، يجعل تأثيرهما متفاوتاً على النظام.

? العامل الثاني : ولكنه الإقتصاد أيضاً، يا غبي!

لقد عدّل نظام البشير من تحالفاته الإقليمية أكثر من مرّة، آخرها سنة 2015م عندما انتقل من صف إيران – حماس – حزب الله – حركة الإخوان المسلمين، إلى محور السعودية – الإمارات- مصر. السبب وراء هذا التحوّل هو اقتصادي بالأساس: لقد أثرت أزمة نقص النقد الأجنبي على قدرة النظام على تلبية الحاجيات الأساسية من خبز ودواء وبترول، وبسبب تركيبة النظام الداخلية، كان الانتقال إلى حيث توجد الأموال خياراً منطقياً. كان الثمن هو توقيّع النظام بعد 2015م على اتفاقيات اقتصادية مع دول الخليج حازت بفضلها على أراضٍ وامتيازات وتسهيلات ضخمة، ولكنها على عكس تمنياته لم تنعكس إيجاباً على الوضع المعيشي. إن النفوذ السعودي على القرار السياسي للنظام يجد مصدره في القبضة القوية التي تحكم بها الأموال السعودية سيطرتها على الاقتصاد السوداني، وهذا أمر مفهوم. ولكن ماذا عن الصين التي تملك نفس الحضور الإقتصادي القوي؟ إن اختلاف مدى النفوذ بين السعودية والصين يكشف عن أمر مهم: إن السياسة الخارجية لكلٍّ منهما محددّة بالسياسة الأمريكية في المنطقة والعالم، في نهاية المطاف. لقد توافقت سياسة السعودية الأدوار الدبلوماسية للسعودية مع السياسة الأمريكية تجاه إيران وضرورة عزلها مثلاً، ووترافقت مع الحوجة الإقتصادية لرأس المال السعودي للتوسّع، فتضخم الدور السياسي للسعودية أسياً. إن كل مكسب تجنيه السعودية سيصب في صالح الولايات المتحدة عند المصب، أما في الجانب المقابل، على السياسة الخارجية الصينية أن تبقى في حالة حذر دائم، وسكّت شعار (عدم التدخل) كرمز لسياستها الخارجية ككل، لأن مصالحها قد تتعرض للتهديد من قبل الولايات المتحدة في منطقة جغرافية أخرى في العالم، مثل بحر الصين الجنوبي، إن هي أخطأت في حساب خطواتها السياسية في السودان أو في أي مكانٍ آخر. إنها تقايض ابتعادها عن ساحة الصراع في السودان بمساحات إخرى تجد فيها مصالح أكثر رسوخاً. الإقتصاد هو سياسة بلغة أخرى.

? العامل الثالث: إضغط تكسب، (ثم تخسر؟)

التوقيع على الاتفاقيات والأوراق شيء، تنفيذها على أرض الواقع شيء آخر. كل طرف موقّع له مصالحه الخاصة، وقد يتنازل عن بعضها أثناء التفاوض ليضمن تحقيق الأهم من بينها. ثم يتفق الطرفان على نقطة وسط. ولكن والشيطان دائماً ما يأتي وقت التنفيذ، التنفيذ مكمن التفاصيل.
لقد أبرم النظام العديد من الإتفاقيات، ولكنه حاول التنصل منها وعجز عن ذلك، فلجأ للعبة جديدة عنوانها (اضغط تكسب)، وأبرز مثالين على هذه اللعبة التي يمارسه النظام هو ردّة فعله تجاه (1) رفع العقوبات الأمريكية، وعلى (2) ما يفسّره بالتباطؤ السعودي في حل أزمة الوقود والدقيق المحليّة في 2017م.
نبدأ بالمثال السعودي باعتباره الأكثر تأثيراً. لقد أرسل النظام جنوداً وضباط سودانيين سنة 2015م للمشاركة في التدخّل السعودي في اليمن. ومرّت سنتان ولم تحلَّ بعد أزمات الوقود والدقيق، ولا زال الميزان التجاري في حالة عجز واحتياطي العملة الصعبة في الحضيض، مع إلقاء بعض الفتات الذي ينقذ النظام من الإنهيار الكامل، وهو أسلوب للتدخل يبقي النظام تحت حالة دائمة من الضغط الصامت، ولكن الفعّال. لقد أجبِر النظام على الإنصياع دون أن تكون له فرصة للمناورة.

لنضع طاقية النظام ونفكّر بطريقته : بعد كل ما فعلته السعودية، هل كان بإمكان النظام التراجع عن تحالفاته الجديدة والعودة لتوطيد العلاقات مع إيران؟ الجواب هو (لا). والأسباب كثيرة. لن يثق الإيرانيون بالنظام بعد الآن، وأفضل الاحتمالات أن يقابلوا الخطوة ببرود دبلوماسي، إضافة إلى أن إيران لا تملك الإمكانات الإقتصادية اللازمة لمساعدة السودان على حل معضلاته بسبب العقوبات الأمريكية عليها. إن انسحب السودان من محوره الجديد الذي اختاره، فإنه سيستعدي قوى جديدة دون أن يجني أية مكاسب. مافيش فايدة!.
لقد وقع النظام في الفخ. ولا مخرج، ولكن لا بد من المحاولة. جاء الحل في محاولة اللعب على التناقضات الإقليمية بين حلفائه الجدد ومنافسيهم، وهنا ظهرت تركيا.
إن التنافس على النفوذ الإقليمي بين تركيا والسعودية – الإمارات تبدّى بكل مستوياته في لحظة الإطاحة بالرئيس المصري محمد مرسي واعتلاء السيسي مكانه سنة 2013م. لقد حاولت بعض الأطراف إبراز هذا الصراع وكأنه بين أنصار الديمقراطية (حركة الإخوان المسلمين وتركيا) والملكيات السلالية وقوى الديكتاتورية (السعودية والإمارات والجيش المصري). ولكن هذه الرواية تتجاهل الصلات الباطنية بين ملكيات وأمارات الخليج وحركة الإخوان خلال الستينات والسبعينات والتي وفّرت لها ملاذاً آمناً بعد وصول الضباط الأحرار للسلطة في مصر سنة 1952م، ولولا ذلك الدعم لما بقي للحركة من أثر. ظلت حركة الإخوان منذ نشوء حركة التحرر الوطني في الخمسينات مجرّد أداة للسياسة الخارجية للقوى الإمبريالية في المنطقة. وتتعامى عن تبعيتها جميعاً لأحلاف الولايات المتحدة في المنطقة. وبالتالي فإخفاء الخلاف وراء هذه لافتة الديمقراطية ليس أكثر من تزييف. يجب البحث عن منابت الصراع بعيداً عن ضجة القنوات الإخبارية، أي في الإقتصاد السياسي للشرق الأوسط.

? منافذ وموانئ

إن الصراع السيطرة على مسارات الملاحة البحرية هو أحد أبرز أشكال الصراعات التجارية. أن تنتج البضائع فحسبـ هذا ليس كافياً، على المنتج أن يضمن طرق تصريف منتوجه، ومن هذه النقطة ظهر البحر الأحمر كساحة تنافس محموم.
تحاول الإمارات حماية موقعها كمركز للتجارة الدوليّة، ولا بد أن تؤمّن البنى اللوجستية التي تسمح بفتح أسواق جديدة غير مستغلّة إن هي أرادت الحفاظ على موقعها وتوسيعه في وجه المنافسة التركية . ولهذا فهي تحاول السيطرة على الموانئ في البحر الأحمر، وعلى خطوط سكك الحديد في افريقيا. لقد سمحت الحرب اليمنية للإمارات بالسيطرة على مضيق باب المندب، وميناء عصب في اريتريا، وتحاول الآن انتزاع السيطرة على ميناء الحاويات الجنوبي في بورتسودان، وإن نجحت، يكون ساحل البحر الأحمر على ضفتيه حتى قناة السويس آمناً ومفتوحاً بلا عوائق أمام حركة البضائع المتحركة من ميناء جبل علي بدبي.
ولكن تركيا ترى في هذا تهديداً لمصالحها، وتحاول أن تلعب نفس اللعبة، وهي أن تسيطر على المعابر والمنافذ الحيوية وتصرّف إنتاجها. من هنا التقت خطة النظام السوداني في الضغط على حلفائه مع طموح قوتين متنافسين، فما كان منه إلا أن حاول اللعب على كليهما.

? نفذ وعودك وإلا…..!

زار اردوغان الخرطوم في ديسمبر 2017م، مما تسبب في موجات عنيفة من التراشق الإعلامي بين مصر والسودان، وأعلن البشير منح تركيا ميناء سواكن للبحر الأحمر من أجل (صيانة الآثار العثمانية). كانت هذه الحجة مما يصعب تصديقه. ولم يفت على السعودية والإمارات التقاط الرسالة: إما أن تفوا بوعودكم وتنقذونا، وإما أن (…). وسكت النظام عن التصريح بالتهديد المباشر وغلّف خطوته بنبرة دبلوماسيّة ساخرة. أما التلويح بسحب الجنود السودانيين من حرب اليمن، الذي حرّكته أذرع النظام داخل البرلمان وأثارته الصحف، فاضطر البشير نفسه لنفيه وإعادة الحديث المكرور عن العلاقات الأزلية والأخوية بين البلدين، ولم يتكرر يعدها على الإطلاق.
محاولة الضغط الثانية : روسيا. فبعد عشرين عاماً من فرض العقوبات على السودان، وبوساطة من حلفاء النظام الخليجيين الجدد، رفعت الولايات المتحدة الحظر التجاري والإقتصادي عن البلاد. في أكتوبر 2017م، ولكن النظام الذي كان يستشعر وطأة الأزمة الاقتصادية الخانقة كان يريد المزيد، كان يريد من الولايات المتحدة أن تضغط على حلفائها الخليجيين لتوفير الدعم الإقتصادي الذي تحتاجه بشدّة، ولهذا حاول اللعب على حبال التناقضات الدولية، بمستوى أعلى قليلاً.
ذهب البشير إلى موسكو بعد شهر من إعلان رفع الحظر، نهاية نوفمبر 2017م، وقال بالحرف (نريد الحماية من التدخلات الأمريكية). وروسيا التي تبحث عن توسيع نفوذها الدبلوماسي فيما تراه عدوانية حلف الناتو في أوروبا الشرقية، وجدت في دعوة البشير فرصة لكسب موطئ قدم جديد. هذه المرّة في القارة الافريقية، حيث القوى الأوروبية الإمبريالية القديمة التي تتنازع ضدها في أوكرانيا وأوسيتيا. وفتح النظام معبراً للتدخل الروسي في افريقيا الوسطى.
ما النتيجة التي جناها النظام من لعبة (اضغط تكسب)؟
لقد استفاد النظام وقتياً من ألعابه البهلوانية. فحسب العديد من المتابعين للشؤون الاقتصادية، وصلت العديد من شحنات الدقيق التركي والأوكراني بتمويل روسي، وبعض ناقلات النفط محمّلة بالوقود من الإمارات والسعودية خلال سنة 2017م.

? حليف غير موثوق هو عدو مستقبلي

لننظر إلى خريطة القوى الدولية ذات العلاقة مع النظام: هناك لاعبون دوليون ذوو مصالح إقتصادية بحتة (الصين)، وأصحاب مصالح عابرة ومؤقتة (الإتحاد الأوروبي)، وباحثون عن النفوذ الدولي (روسيا)، وفوقهم صاحبة المصالح السياسية طويلة الأمد (الولايات المتحدة). لم يحاول أي منهم حتى الآن على الأقل التدخل في مجرى الثورة. وهذا لا يعني أنهم لن يتدخلوا، كلُّ تحت شروط معيّنة.
ثانياً: لاعبون إقليميون تندمج لديهم المصالح السياسية – الإقتصادية بصراعاتهم الداخلية : الإمارات (التي تريد الموانئ بأي ثمن)، والسعودية (التي تريد استتباع السودان باعتباره مزرعتها الخاصة)، وتركيا (التي تبحث عن سوق لتصريف انتاجها وعن منافذ عبور)، أما الاستثناء فهو مصر التي تغلب عليها المخاوف السياسية (وقضية مياه النيل قضية سياسية في نظرها) وهي أكثر من يخشى اندلاع ثورة في السودان. والسبب واضح : نظامها السياسي أكثر هشاشة وهو الأكثر عرضة للتأثر بأي موجة ثورية قادمة، رغم أنها من أشد أعداء البشير، إلا انها أكثر من يخشى سقوطه.
ولكن لا شيء أسوأ على البهلوان من أن يمل الجمهور حركاته مهما كانت جنونية، العادة تقتل المفاجأة، ويبدو أن كل حلفاء النظام قد أصيبوا أخيراً بالملل. في 2018م، لم يهب أحد لنجدة النظام وسط كل مصاعبه الإقتصادية الخانقة. على الورق، هو حليف الجميع، ولكن على أرض الواقع الجميع يرفض مساعدته. لقد أدت سياسة النظام في بناء التحالفات على أساس اللعب على التناقضات إلى نتيجة عكسية: لقد أصبحت سبباً لاكتساب الأعداء، معظم حلفائه الآن أعداء. لقد زرع النظام في تحالفاته الأكاذيب، فحصد منها الخوازيق.

المهدي كعبقري ل “حرب الشعب”

الخلط المدمر:

يخلط الكثيرون من ثوريي اليوم بين الإمام المهدي، الثوري الذي خلص السودان من الإحتلال، وبين خلفه الإنتهازي. ويساوون بينهما باعتبار النسب. وهذا المسلك، فوق كونه ظلما يتجاهل السياق المعاصر، يحرم ثوريي اليوم من النظر العلمي لدروس الإمام المهدي في شأن التكتيك، وهذه حماقة. والثورة لا تلقي بأفكار الماضي في مزبلة الأفكار لأنها تكره من يحملها في الوقت الحاضر، بل تناقش الماضي بشروط الحاضر، وتتعلم كيف أن الانتهازي قد يأتي من صلب الثوري، والعكس أيضا. فتكتشف دروبها الجديدة من ذاك النقاش. وتنتعش. ولم تنجح ثورة في التاريخ إلا بمثل هذا النقاش الجاد.

هذا المقال هدفه:

بمقدورنا أن نستفيد الكثير من ثورة السودان في 1882م- 1885م، ومن تكتيك المهدي في تعبئة القوى حوله وتوجيهها، ومدها بالعزيمة القتالية، وأساليبه في التقدم والانسحاب، وقراراته في الهجوم والدفاع، وسحقه للقوى المعادية في نهاية المطاف وقطع رأس العدو واحتلال مركز القيادة والسيطرة في معركتنا الحالية. نحن نخوض حربا ضد ساكن القصر، وعلينا أن نتعلم من أول من قطع رأس ساكنه.

المهدي برداء كلاوسفيتز

لننظر إلى الوقائع في 1880م

هناك طرفان في المعركة : دولة محتلة متقدمة تقنيا، وتملك التسليح الناري ووسائل الإتصالات ومنظمة للغاية عسكريا بتشكيل عسكري نوعي قليل العدد من قوات النخبة + لها حلفاء محليون يقاتلون بالوكالة ؛ضد ،مجموعات متفرقة من القبائل، والتجمعات القروية، وحرفيي المدن، لا يضمها أي رباط. وتعيش حياة اكتفائية فقيرة، تنظيمها العسكري بدائي للغاية أو معدوم، ولا تملك سوى أسلحة الحرب القديمة من سيوف وحراب وبعض الدروع.

يضطهد الطرف الأول كل من في الطرف الثاني عبر اقتلاع الضرائب بالعنف، ومن يقاوم كان مصيره القتل العلني حتى يخاف الباقون. كان كل الناس ساخطين وخائفين. لم يعرفوا الجواب على سؤال “ما العمل؟”.

واجهت المهدي 3 مشكلات :

المشكلة (1)

هي توحيد كل هؤلاء المتضررين تحت راية واحدة. كانت مؤسسة التصوف هي البحر الذي يضم في جوفه كل هذه التجمعات، وبعد وفاة الشيخ القرشي في 1880م وتوليه شياخة الطريقة السمانية أحد أكثر الطرق الصوفية نفوذا وهيبة، وتوافد الناس عليه لتلقي بركاته، حلت هذه المسألة جزئيا.

المشكلة (2)

هي مشكلة الحفاظ على سرية خطته حتى يقوى عودها وتؤسس نواتها الصلبة ولا تقتل في مهدها. وهو ما فعله في هجرته السرية إلى الأبيض في نفس السنة يحمل الجبة المرقعة والمسبحة والعكاز وإبريق فخار. كان يحدث الناس عن التصوف علنا ويدعوا لحركته سرا. ونجحت هذه الخطة لأن المحتل ظنه مجرد درويش آخر همه الجذب والذكر والكرامات. وجمع من التجار والأعيان القبليين الموافقة، فبايعوه سرا وأمرهم بالانتظار حتى يجهر بالثورة. وهكذا حل المشكلة الثانية.

المشكلة (3)

هي مشكلة التكتيك العسكري. كيف يمكن حسم قوة متفوقة من حيث التسليح والتنظيم وجودة الإتصالات بجموع متفرقة غير مدربة ولا جامع بينها؟ هنا بالتحديد، تتكشف عبقرية نادرة. لقد تعامل المهدي مع المسألة مستفيدا من نقاط قوته ضاربا بقوة على الشقوق الصغيرة في جدار حماية خصمه حتى يفتته. لقد عرف مواطن الضعف وتعامل معها بذكاء وحنكة. تقول ممارسته السياسية أن الحل هو …”حرب عصابات طويلة الزمن، على مساحة جغرافية شاسعة، بواسطة جيش متحرك منفصل من الأعوان، يجدون في تشكيلاتهم الإجتماعية المحلية حواضن للنمو والحماية، قليلي التسليح ولكن ذوي عزيمة كالفولاذ، يتساوى لديهم الموت والحياة. ومن ثم الهجوم بلا هوادة، مرحلة تليها مرحلة، من أجل تشتيت قوة الخصم وإضعافها مع مرور الزمن تمهيدا لضربة قاضية”.

كان الوصول لاستنتاج عسكري كهذا في القرن التاسع عشر دلالة على عبقرية لاتضاهى. وقد طبق الاستراتيجيون الصينيون نفس هذه الخطة في مواجهة الغزو الياباني أربعينات القرن العشرين، وطبقها فون جياب وجيش فيت كونغ في فيتنام ضد الفرنسيين ثم الأمريكيين. وانتصروا. ولكن سبقهم المهدي بسبعين عاما. ليس بالضرورة أن نقول انهم نقل نقلوها عنه، فهذه مبالغة خرقاء. الأهم هو القول أن الاستجابة الذكية لنفس الظروف المحيطة قد تعلمنا عن تشابهات جيدة ومفيدة للمقارنة بين التجارب.

أحيانا، يجب على المنتصر أن ينسحب !

لنلق نظرة على مسارح العمليات في حرب المهدية:

البداية بالجزيرة أبا أغسطس 1881م. أرسل حكمدار الكوة 650 عسكريا للقبض على المهدي. فاستنفر القبائل المجاورة والتي كانت في أعلى حالات التعبئة ضد العدو المحتل. ارتكز 250 رجلا في موقع محصن جوار الموقع الذي سينزل منه جنود العدو وانتظروا. وفي كمين محكم التحم فيه الطرفان بالأسلحة البيضاء أباد الأنصار كل القوة المعادية. بفضل قدرتهم على التخطيط حيدوا أثر السلاح الناري في المعركة فمالت الكفة لصالحهم. الأقلية الحديدية والخطة الجيدة يصنعان الفرق.

هنا يأتي القرار العبقري:
إن بقي المهدي في مكانه لهزم. فوسع المهدي نطاق المعركة

اختار الانتقال حيث تنصره الجغرافيا وحشود الناس : قدير في جبال النوبة بتحصيناتها القوية. تحركت قوة معاديو لمطارته فواجهتها كل القبائل في الطريق والتي بدأت في تأييد بالمناوشات وحمت ظهره من غدرها ففضلت القوة التراجع.

انتصر في معركة أخرى في قدير و صوله.

أما “الزريبة” في جبل الجرادة بجبال النوبة، كانت الإنتصار الثالث. لقد انتزع منطقة جغرافية كاملة وكسب الاهتمام والتعاطف. ولكن، هل توقف المهدي هنا؟. الإجابة هي (لا) كبيرة. واستلزم عزمه الهجوم بدل الانسحاب الذي قام به في البداية تغييرا في أسلوب الحرب ومداها وقواها.

إن أردت التقدم أماما، عليك فتح جبهات جديدة ضد الخصم مستفيدا من مكاسبك القديمة، وبشراسة أكبر.” هكذا تقول ممارسة المهدي بعد قدير.

لقد أدى فعل المهدي إلى خلخلة قوات العدو وثباتها، واضطرب نظامها المعتاد بعد أن اعتادت على المعارك المنفصلة، أصبحت مواجهة بقوة جديدة. انعكست هذه الخلخلة إيجابيا على قوى الغضب الكامن التي كانت تبحث عن منفذ لتخرج. وقد كان. واستفاد المهدي بعبقرية من ذلك.

العالم القديم يحتضر ..

قام العدو بتحريك قوات من الجزيرة لتغطية النقص في العدد في مناطق الاشتباك، فأتاح ذلك الفرصة لأنصاره بإعلان العصيان المسلح في الجزيرة في أكثر من 12 منطقة. وتفاقمت متاعب العدو. وفي مارس 1882م فتح المهدي جبهة جديدة في كردفان، واشتعل العصيان بدارفور في أكتوبر 1882م. وكانت كل هذه المعارك تحشد المزيد والمزيد من الناس حول حركة المهدي الثورية، وتشجعهم للمواجهة. فيتصل بهم، وينضمون لجيشه، وتتضعضع معنويات الخصم. كل ذلك في حركة واحدة متعددة التكتيكات.

التقدم مرة أخرى، بخطى أكثر ثباتا

انتقل المهدي من حرب العصابات في الريف – بعد أن أدت هدفها في تشتيت قوات الخصم وتكريب صفوف الثورة – إلى خطوة متقدمة، وهي إيقاع الضربة نوعية مؤلمة بالعدو في قلعته الحصينة، وهو في أضعف حالاته. أي : أن يهاجم المدن، مقر السلطة.
وقد كان.
حرك قواته المتمركزة في جبال قدير لحصار الأبيض وبارا، مستندا على دعم ومساندة القبائل والتجمعات التي تقع على طريقه التي كسب دعمها بعد أن بنى قاعدته في قدير.

استسلمت المدينتان : يناير 1883م.

غرامشي في الأبيض

بعد سنتين من حرب العصابات الريفية، ذات الطابع المفكك والتي تعتمد على المباغتة، انتقل المهدي في معركة الأبيض إلى حرب المواجهة الصدامية المباشرة، المكشوفة المكان والزمان. ولم يتم هذا الانتقال تلقائيا، بل استلزم تكامل الجهود السياسية والعسكرية والمعنوية. اصطدمت القوتان هكذا رأسا برأس. ما فعله المهدي يسمى في عصرنا الحديث بالانتقال من “حرب المواقع ” إلى ” حرب الحركة ” مرورا عبر مرحلة طويلة من التجهيز والمعارك الجزئية يتم خلالها اختيار لحظة الصفر.

خطوتان إلى الأمام، خطوة إلى الخلف

لقد فاز المهدي الآن في الأبيض بما كان ينقصه: السلاح الناري. أصبح في يده نفس سلاح عدوه. تساوت الكتوف.

كان من الممكن أن يتوجه المهدي مباشرة نحو العاصمة الخرطوم. مستفيدا من حماس جنوده وسلاحه الجديد، ولكنه اتخذ القرار العبقري الثاني : تمترس في مواقعه الجديدة وعاد إلى ممارسة حرب العصابات، ولكن هذه المرة بسلاح أكثر تقدما وعزيمة أشد صلابة. “لم تزل هناك بعض الجيوب التي لم يخسرها النظام بعد ولا يزال بمقدورنا تحييدها أو جذبها” تقول ممارسة المهدي. وهذا هو (تكتيك حشد القوى). بدأ العصيان مجددا في بربر، ومن ثم القضارف. وحاول عدوه وهو في تلك الحالة من الضعف أن يقضي عليه وهو لا يزال في الأبيض، كانت معركة شيكان التي تجلفن فيها جنود المهدي من محض مقاتلين قبليين غاضبين إلى جيش منظم، مسلح، ذو عزيمة قتالية متسقة، وقيادة موحدة. فانتصر وفاز بالسلاح غنيمة وبالمعنويات. وعلى الرغم من أن حملة هكس باشا كانت آخر جيش منظم للعدو في البلاد، لم يهجم أيضا، مارس الانتظار الهجومي. فاكتمال التفاف الحبل حول عنق الضحية ضروري لقتلها. تشجعت الناس وقاموا بالمزيد من الانتفاضات: سقطت في يده الفاشر في يناير 1884م، والقضارف في مايو، تلتها بحر الغزال في يوليو من نفس السنة، وفي كان عثمان دقنة يمارس أرقى أنواع حرب العصابات في شرق السودان مرتكزا في “تمنييب”، “طوكر” و”سنكات” على خط عمليات يبلغ طوله 600 كلم. مما جعل العدو عاجزا عن الدفاع عنه. في الختام، قام بضربة فنية قاضية فتحت طريق المهدي لضرب معقل العدو : لقد قطع دقنة طريق سواكن – بربر وسيطر على طريق القلابات. فأصبحت الخرطوم معزولة، مهزومة في كل مكان، وبلا منافذ للهرب. وانتقل المهدي مرة ثانية من حرب العصابات إلى المرحلة الثانية من المواجهة المباشرة، شعاره “إلى القصر حتى النصر” بكلام اليوم.

سحق البعوضة؛ بمطرقة

خلال 3 سنوات، ارتقت قوات المهدي من عصبة قوامها 250 شخصا في الجزيرة أبا أرقى سلاحهم السكين والعصى، و “أسياف العشر” في أسطورة مهدوية، إلى جيش موحد منضبط وممتاز التسليح من ربع مليون مقاتل. كل ذلك خلال مراحل من المعارك المخططة بدقة وبإدراك ذكي لظروف الحرب. لقد تشتتت قوة العدو، وانزوت قواته المحاربة بالوكالة بعد أن ضربها العبيد ود بدر في الخرطوم بحري – الحلفايا، ضاربا أول نقاط الحصار حولها، وتوالت النقاط لتشمل قبة الشيخ خوجلي، ونقطة أخرى في الجريف شرق، والجزيرة اسلانج شمال أمدرمان، وفي خور شمبات. أصبح ذلك النظام المرعب الذي يبث مجرد ذكر اسمه الرعب في الأوصال، بحجم الباعوضة، هشا وبلا وزن. فوجب سحقه بعنف لا يرحم.
حاصر المهدي الخرطوم في أكتوبر 1884م، وبدأ حملة “حرب نفسية” متقنة ضد العدو داخلها، وظهر الشح في السلع. وكان أحد منفيي الثورة العرابية محتجزا في الخرطوم وتأثر بجو الثورة، فكتب: (نصيحة العوام للخاص والعام من إخواني أهل الإيمان والإسلام) وحث الموظفين على عصيان النظام، فأعدم. كانت معنويات النظام في أدنى درجاتها، وعندها جاءت ساعة الحسم، قوات المهدي في أعلى مستويات الجاهزية، خصمه في أدنى درجات الضعف، وبلا حليف أو أمل في النجاة. فكان الاقتحام البطولي في 26 يناير 1885م.
وقطع رأس غردون.
وتم الإنتصار.
#قدام
#تسقط_بس
#مدن_السودان_تتنفض

خطوات الوهم

السياسة مليئة بالمقالب والفخاخ. وعلى الثورة أن تتجاوزها جميعا إن أردنا لها النجاح. وسياسيو العدو، من الصنف البرجوازي الصغير دائما ما يحترفون نصبها وتوريط قوى الثورة فيها. وتعمية اللغة والتلاعب على الألفاظ، وإبهام التكتيكات جزء من ذلك. يقودون الثورة بخطواتها إلى موارد الحتف. هي خطوات الوهم لا مسيرة التحرر.

ياسر عرمان سياسي ذكي ومناور، ويدعي أنه في معسكر الثورة. ولكن كل قارئ لمقالاته القديمة وللشعر الركيك الذي ينظمه، لاستغرب من وضوح وجهته هذه المرة، على خلاف كل مكتوب سابق كان فيها يراكب بديع الألفاظ والمستصعب منها على بعضه دون فرز، ولا يخرج القارئ من مقالاته إلا بأردبين من الكلمات غير ذات العلاقة بالسياق.

في وضوح نادر يقول عرمان ( نجري اتصالات مثل غيرنا للوصول إلى مركز موحد للإنتفاضة ). هذا هو الهدف إذن: محور ينتظم حوله فعل المعارضة، مركز جذب يلم عليه كل شتات القوى الثورية. يالها من مهمة رائعة!.

ولكن ما الذي جعل ياسرا في هذه العجالة وبهذا الوضوح بعد أن عرف بين أقرانه بطول البال التي تصل إلى حد التراخي، وواضحا بعض فترة طويلة من الغموض؟ يمكن أن نحسن الظن ونقول أن الثورة تبدل الأكوان، فلا بد أن ياسرا قد شفي ببركاتها النورانية. سطران إضافيان من كلام ياسر وينكشف السر، يقول (أود أن أقدم هذه الملاحظات لصانعي هذا الحدث العظيم على الأرض) ونأتي للجملة المفتاحية (ونترك ما لم نقله للقنوات المتخصصة).

نسأل : وما هي تلك القنوات المتخصصة التي لا تصل منظمي الحدث العظيم؟ من هم أولئك المعنيون بالقنوات المتخصصة؟ ويبدو واضحا تماما أنهم ليسوا منظمي “الحدث العظيم”. في معنى كلام ياسر ” من كل حسب قنواته، إلا كل حسب مهامه”.

لنعد إلى الوقائع الصلبة : خطت الجماهير خطوات عملاقة تجاه تحررها، خطوات في الطريق السليم. ولكن خطوات بهذه الضخامة، من الطبيعي ألا تجد نظرية جاهزة الصنع تواكبها وتحدد مسارها مسبقا. ومن هنا ينشأ التناقض : لقد استولت الجماهير على مراكز السلطة الإقتصادية في بعض المناطق، ووجهت عنفها بكل دقة إلى عصب النظام، دون أن تغرق في التنظير حول “تحطيم جهاز الدولة القديم” أو ” وضع التوزيع والإنتاج في يد الجماهير العريضة”. لقد كان فعلها هذا هو النظرية، وهو فعل واضح صريح، لا يشبه الأفعال والتكتيكات التي كان يدعو لها ياسر عرمان منذ فترة طويلة. ولهذا وجب أن يكشف عن دواخله مرة واحدة، ويعلن عما يريد بلا مواربة.

ما الذي يريده ياسر؟ ما قامت به الجماهير في عطبرة والرهد والقضارف يمكن تسميته دون تردد ب “الخط الثوري”. كل شيء في يد الجماهير دون جهاز الدولة القديم، هم الدولة. يريد ياسر أن يقطع هذا الخط، يسيطر عليه، يحتويه داخل قمقم الأجسام الهلامية، يسميه “المركز الموحد للإنتفاضة”. من الطبيعي أن تتضارب عدة خطوط سياسية في أي حالة ثورية، هناك خط رجعي وخط ثوري وخط متذبذب. وبالطبع، لا توجد هذه الخطوط محلقة في الهواء، بل إن كل واحد منها يجذب كتلا اجتماعية متفاوتة. وغرض التكتيك السياسي الثوري هو فصل هذه الخطوط لتتبدى فروقها تحت ضوء الثورة الكاشف، ويتجمع الثوريون في صف واحد. إن تجميع أصلب عناصر الثورة حول مطالب معينة، وإجماعهم على تكتيكات معينة، هو إكسير النجاة بالثورة. ويحاول ياسر أن يخلق المركز الموحد تحت دعوى “تجميع قوى الثورة” في لحظة مفصلية : لم تبلغ القوى الثورية نقطة القطيعة مع كل خط رجعي أو انتهازي بعد، خطها الثوري ما زال جنينيا، ولكن معطيات الأحوال تكشف أنه سينجح في لحظة ما في تحقيق قطيعة مع كل خط آخر، يريد ياسر استباق عملية التطور هذه، هذا خنق للثورة في المهد. ما المانع أن يكون هناك أكثر من مركز للانتفاضة؟ ويكون لكل مركز تكتيك معين؟ لماذا لا يجمع ياسر مركزه الخاص؟ السر في ذلك أن مهمته المسبقة هي خنق فرص تكوين مركز الانتفاضة، لا توسيع نطاق مركزه الخاص. يمتلك ياسر مركزه المستند على الدعم الإقليمي والدولي وعلى فئات البرجوازية الصغيرة المتذبذبة والتي تتشجع لمنازلة النظام فقط حينما يأتيها الضوء الأخضر من وراء البحار. ومن الطبيعي أن يرتعد مركز ياسر من فرص ظهور مركز ثوري حقيقي أكثر من ارتعاد النظام، فهو شمشمون الذي سيهدم مركزهم والنظام بلا رحمة.

ياسر نصير للخط الإنتهازي، لننظر إلى هذه الجملة في النقطة رقم (4) : علينا ألا نخلق المعارك داخل صفوفنا. ويحق لنا أن نفكر في الشروط التي يختلف بسببها من هم في صف واحد. إنهم يختلفون حول التكتيكات بالطبع. والمعارك التي يصفها ياسر هي جزء من عملية خروج الخط الثوري من أحشاء الظرف الراهن. يرغب ياسر في أن يصمت الخط الثوري عن انتهازيته، عن تكتيكاته الجبانة، عن المستقبل الفارغ من كل أمل الذي يعرضه عليه. ولهذا يشدد في النقطة عند حديثه عن الدعوات الكثيرة والمتضاربة أحيانا في النقطة (1) “لكن ذلك يمكن أن يضر، إن لم تكن لدينا أولويات واضحة ومهام مرتبة على نحو دقيق”. انتهى الاقتباس.
نسأل: ماذا يضر الجماهير الثائرة إن هي أخطأت وصححت نفسها فيما بعد؟ لم تأت في التاريخ ثورة دون أن تتعلم من أخطائها، ودون هزائم جزئية بلا خسائر. يريد ياسر الأولويات والمهام. حسنا، أين هي أولوياتك؟
لا يطرح ياسر شيئا!.
ليس بمقدور أي قارئ سوى الاستنتاج أن مثل هذه الأولويات والمهام خي من مهام أصحاب “القنوات المتخصصة” التي صرح بها ياسر سابقا. والتي طبعا لا تخص أولئك الأبطال على خط المواجهة.

يلعب ياسر لعبة قذرة، يريد أن يظهر نفسه باعتباره معاديا ل “العفوية” في النضال الثوري. ويطرح ضمنا جزءا من مخاوف الثوريين على أرضية حل تنظيمي وهو تكوين المركز الموحد. نتعلم من دروس الثورات أنه لا يمكن التنبؤ بزمن الثورة ومكانها بدقة، ولا بدينامياتها، سوى بدرجة شديدة التجريد. العفوية هي ما يشعل الثورة. ولكننا نعلم أيضا أنه ما من ثورة انتصرت اعتمادا على العفوية، بل نرى أن نجاحها اعتمد على تنظيم دقيق يستند على عناصر صلبة لا تتزحزح عن قناعاتها قيد أنملة، وترتفع إلى مستوى المرحلة عبر تعبيرها عن مصالح الشق الأعظم من الجماهير بمطالب لا تفاوض حولها، ومن الطبيعي أن تحدث بسبب خلافات بين الخطين الانتهازي والثوري ضمن المعسكر الثوري في مجابهة النظام المعادي. كانت هذه حال اليعاقبة والجيرونديين في الثورة الفرنسية 1790م، والبلاشفة والمناشفة في الثورة الروسية 1917م، وماو والكوميتانغ في الثورة الصينية 1949م. وتطول القائمة. لنراجع دروس هذه الثورات : يكون حزب معارض للنظام القائم في خط المواجهة، تظهر داخله تيارات متصارعة، أحدها يريد السير بالمواجهة قدما بكل شجاعة، والآخر يريد المساومة. ويعتمد سير الأمور في نهاية المطاف على مقدرة الجناح الأكثر راديكالية وثورية على جمع أكبر حجم من الجماهير حول برنامجه، ورسمه للتكتيك الواضح في مواجهة عدوين في آن واحد : الانتهازية في صفوفه، والنظام القديم في الخارج، ولكن صراع أدواته. نترك روبسيير لنعود إلى ياسر عرمان : يريد عرمان حسم الصراع ضد الجناح الثوري في الحركة الجماهيرية بأداة الصراع التنظيمي، وأسلوبه هو قمع الرأي المضاد بسلاح التصويت واللوائح، وتعمية التكتيكات الممكنة أمامه. أي إضعافه لدرجة تسمح للنظام القديم بسحقه. التيار الانتهازي هو تيار النظام داخل الحركة الثورية.

للتدليل على ذلك يكفي أن ننظر لفريق آخر ضمن تنظيم ياسر عرمان ذاته، ولكن نقطة ارتكازه مختلفة كل الاختلاف. عبد العزيز الحلو، قائد أعلى جيش الحركة الشعبية لتحرير السودان. والذي انفرد بقيادة الجيش الشعبي على حساب عرمان ومالك عقار في خلاف واضح حول التكتيك الثوري الملائم.
يرتكز الحلو، عكس عرمان، على تأييد جزء من أكثر الأقسام الجماهيرية اضطهادا في السودان، ويسيطر على مساحة تعادل دولة النمسا في إقليم جبال النوبة. ومن الطبيعي أن يرى في الثورة طريقا للحل النهائي للأزمة القائمة، يقول بيان الحلو ” أن إسقاطه [النظام] يسمح بالحفاظ على وحدة السودان”. لقد خاطب الحلو مسألة الثورة لا من باب الحل التنظيمي، بل من وجهة النظر السياسية. لقد رأى الحلو أن الثورة أملا لحل سياسي للأزمة يتجاهله التيار الانتهازي بقيادة عرمان. وفي هذا درس عملي عملي لانقسامات معسكري الانتهازيين والثوريين.
لحل هذا الاستعصاء، لا يلزم الثورة في اللحظة الحالية جمع كل من هب ودب تحت لافتات ملونة، هي أسماء أكثر من كونها كيانات تعبر عن قوى اجتماعية حقيقية. الحل التنظيمي للأزمة الثورية وتجاهل مطالبها السياسية هي تكتيك التيار الانتهازي في لحظات الثورة. ما تحتاجه الثورة هي أن تصل بلا كلل ولا ملل إلى كل الجماهير، وفي القلب منهم جماهير المنتجين، وتعبئهم حول مطالبهم الخاصة ومطالب سياسية ثورية، وتخلق مناخا يسمح لألف مبادرة أن تظهر، وأن لا تتوانى في نقد نفسها بكل شجاعة على أخطائها. أما حل عرمان، ومعه جوقة الانتهازيين، فهو حل لمشكلة النظام مع الثورة، لا حل لمشكلة الثورة مع النظام، وشتان.

الثورة مستمرة، الثورة منتصرة.
? قدام
#تسقط_بس
#مدن_السودان_تنتفض

تحليل اختبارى

لورم ایپسوم متن ساختگی با تولید سادگی نامفهوم از صنعت چاپ و با استفاده از طراحان گرافیک است. چاپگرها و متون بلکه روزنامه و مجله در ستون و سطرآنچنان که لازم است و برای شرایط فعلی تکنولوژی مورد نیاز و کاربردهای متنوع با هدف بهبود ابزارهای کاربردی می باشد. کتابهای زیادی در شصت و سه درصد گذشته، حال و آینده شناخت فراوان جامعه و متخصصان را می طلبد تا با نرم افزارها شناخت بیشتری را برای طراحان رایانه ای علی الخصوص طراحان خلاقی و فرهنگ پیشرو در زبان فارسی ایجاد کرد. در این صورت می توان امید داشت که تمام و دشواری موجود در ارائه راهکارها و شرایط سخت تایپ به پایان رسد وزمان مورد نیاز شامل حروفچینی دستاوردهای اصلی و جوابگوی سوالات پیوسته اهل دنیای موجود طراحی اساسا مورد استفاده قرار گیرد.

خبر اختبارى 2

لورم ایپسوم متن ساختگی با تولید سادگی نامفهوم از صنعت چاپ و با استفاده از طراحان گرافیک است. چاپگرها و متون بلکه روزنامه و مجله در ستون و سطرآنچنان که لازم است و برای شرایط فعلی تکنولوژی مورد نیاز و کاربردهای متنوع با هدف بهبود ابزارهای کاربردی می باشد. کتابهای زیادی در شصت و سه درصد گذشته، حال و آینده شناخت فراوان جامعه و متخصصان را می طلبد تا با نرم افزارها شناخت بیشتری را برای طراحان رایانه ای علی الخصوص طراحان خلاقی و فرهنگ پیشرو در زبان فارسی ایجاد کرد. در این صورت می توان امید داشت که تمام و دشواری موجود در ارائه راهکارها و شرایط سخت تایپ به پایان رسد وزمان مورد نیاز شامل حروفچینی دستاوردهای اصلی و جوابگوی سوالات پیوسته اهل دنیای موجود طراحی اساسا مورد استفاده قرار گیرد.

لورم ایپسوم متن ساختگی با تولید سادگی نامفهوم از صنعت چاپ و با استفاده از طراحان گرافیک است. چاپگرها و متون بلکه روزنامه و مجله در ستون و سطرآنچنان که لازم است و برای شرایط فعلی تکنولوژی مورد نیاز و کاربردهای متنوع با هدف بهبود ابزارهای کاربردی می باشد. کتابهای زیادی در شصت و سه درصد گذشته، حال و آینده شناخت فراوان جامعه و متخصصان را می طلبد تا با نرم افزارها شناخت بیشتری را برای طراحان رایانه ای علی الخصوص طراحان خلاقی و فرهنگ پیشرو در زبان فارسی ایجاد کرد. در این صورت می توان امید داشت که تمام و دشواری موجود در ارائه راهکارها و شرایط سخت تایپ به پایان رسد وزمان مورد نیاز شامل حروفچینی دستاوردهای اصلی و جوابگوی سوالات پیوسته اهل دنیای موجود طراحی اساسا مورد استفاده قرار گیرد.

لورم ایپسوم متن ساختگی با تولید سادگی نامفهوم از صنعت چاپ و با استفاده از طراحان گرافیک است. چاپگرها و متون بلکه روزنامه و مجله در ستون و سطرآنچنان که لازم است و برای شرایط فعلی تکنولوژی مورد نیاز و کاربردهای متنوع با هدف بهبود ابزارهای کاربردی می باشد. کتابهای زیادی در شصت و سه درصد گذشته، حال و آینده شناخت فراوان جامعه و متخصصان را می طلبد تا با نرم افزارها شناخت بیشتری را برای طراحان رایانه ای علی الخصوص طراحان خلاقی و فرهنگ پیشرو در زبان فارسی ایجاد کرد. در این صورت می توان امید داشت که تمام و دشواری موجود در ارائه راهکارها و شرایط سخت تایپ به پایان رسد وزمان مورد نیاز شامل حروفچینی دستاوردهای اصلی و جوابگوی سوالات پیوسته اهل دنیای موجود طراحی اساسا مورد استفاده قرار گیرد.

موضوع اختبارى 1

لورم ایپسوم متن ساختگی با تولید سادگی نامفهوم از صنعت چاپ و با استفاده از طراحان گرافیک است. چاپگرها و متون بلکه روزنامه و مجله در ستون و سطرآنچنان که لازم است و برای شرایط فعلی تکنولوژی مورد نیاز و کاربردهای متنوع با هدف بهبود ابزارهای کاربردی می باشد. کتابهای زیادی در شصت و سه درصد گذشته، حال و آینده شناخت فراوان جامعه و متخصصان را می طلبد تا با نرم افزارها شناخت بیشتری را برای طراحان رایانه ای علی الخصوص طراحان خلاقی و فرهنگ پیشرو در زبان فارسی ایجاد کرد. در این صورت می توان امید داشت که تمام و دشواری موجود در ارائه راهکارها و شرایط سخت تایپ به پایان رسد وزمان مورد نیاز شامل حروفچینی دستاوردهای اصلی و جوابگوی سوالات پیوسته اهل دنیای موجود طراحی اساسا مورد استفاده قرار گیرد.

لورم ایپسوم متن ساختگی با تولید سادگی نامفهوم از صنعت چاپ و با استفاده از طراحان گرافیک است. چاپگرها و متون بلکه روزنامه و مجله در ستون و سطرآنچنان که لازم است و برای شرایط فعلی تکنولوژی مورد نیاز و کاربردهای متنوع با هدف بهبود ابزارهای کاربردی می باشد. کتابهای زیادی در شصت و سه درصد گذشته، حال و آینده شناخت فراوان جامعه و متخصصان را می طلبد تا با نرم افزارها شناخت بیشتری را برای طراحان رایانه ای علی الخصوص طراحان خلاقی و فرهنگ پیشرو در زبان فارسی ایجاد کرد. در این صورت می توان امید داشت که تمام و دشواری موجود در ارائه راهکارها و شرایط سخت تایپ به پایان رسد وزمان مورد نیاز شامل حروفچینی دستاوردهای اصلی و جوابگوی سوالات پیوسته اهل دنیای موجود طراحی اساسا مورد استفاده قرار گیرد.

لورم ایپسوم متن ساختگی با تولید سادگی نامفهوم از صنعت چاپ و با استفاده از طراحان گرافیک است. چاپگرها و متون بلکه روزنامه و مجله در ستون و سطرآنچنان که لازم است و برای شرایط فعلی تکنولوژی مورد نیاز و کاربردهای متنوع با هدف بهبود ابزارهای کاربردی می باشد. کتابهای زیادی در شصت و سه درصد گذشته، حال و آینده شناخت فراوان جامعه و متخصصان را می طلبد تا با نرم افزارها شناخت بیشتری را برای طراحان رایانه ای علی الخصوص طراحان خلاقی و فرهنگ پیشرو در زبان فارسی ایجاد کرد. در این صورت می توان امید داشت که تمام و دشواری موجود در ارائه راهکارها و شرایط سخت تایپ به پایان رسد وزمان مورد نیاز شامل حروفچینی دستاوردهای اصلی و جوابگوی سوالات پیوسته اهل دنیای موجود طراحی اساسا مورد استفاده قرار گیرد.